31 مايو 2008

أمرر الأيام


من بوابة الحنين إلى نوافذ الجميل و القبيح : علي سفر

حذرني معلمي من التجوال كثيرا على ضفاف السين حين علم بأني سأذهب إلى باريس ، وحين سألته عن السبب قال لي أنني لست بحاجة لجرعة إضافية من الحنين بعد أن قام بتشخيص الأعراض التي أعاني منها على أنها فرط حساسية مترافق مع شيء من بدايات مرض النوستاليجيا..! ورغم معرفة معلمي بأنني تلميذ عاق وأن ما سيحذرني منه سيصبح هدفاً لي إلا أنه حذرني تاركاً لي حرية أن أختار بين الاكتفاء بما يحصل لي هنا في دمشق وأنا أعيش مرض الحنين بسبب تعلقي بالصور الفوتوغرافية القديمة وبين أن يتوسع حنيني ليصبح مرضاً مزمناً حين سأشاهد هناك تلك الأكشاك التي تبيع الصور القديمة لمدن عاش فيها وجال حولها الرحالة الفرنسيون في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ..! وفي الحقيقة أنني و على عكس المتوقع لم أغرق نفسي بالبحث عن الصور الدمشقية القديمة على ضفاف السين بل إنني استعضت عن ذلك و على الضفاف ذاتها بالتجوال بصحبة عدد من الشعراء الصعاليك بحثاً عن صور حياتية أشد التصاقا بالهواجس الشبابية والتي تعالت في مدينة النور لتصبح أشد رونقاً من صور عتيقة تتحدث عن مدن تغيرت وربما ماتت وربما مازالت كما كانت مجرد مدن مرمية على ضفاف بعيدة ..! ‏ ولكن الحالة التي كنت أعاني منها قبل سفري عادت لتمسك بتلابيبي بعيد عودتي وبالتوازي مع إحباطات شديدة شكل الحب فيها العنصر الأكثر فعالية .. ! فحين كنت أهزم في الحب كنت أرتد لأبحث عن نفسي في صور قديمة مبعثرة، صور أسود وأبيض، صور ملونة بألوان مركبة، صور ملونة بألوان عتيقة..! وحين كنت أعثر على ما يشبهني فيها تصبح هزيمتي وربما انتصاري جزءاً من التشكيل والخطاب الذي تنطوي عليه الصورة فكما نرى الشخوص العابرين في العمق يصبح الآخر عابراً في الحياة ويصبح المكان الذي تؤطره الصورة أيضاً شيئاً يشبه أركان الذات التي أشكلها أنا ..! ‏ منذ ذلك الحين أي قبل أكثر من ثمانية عشرة سنة مازلت أعيش مع الصور القديمة والمحدثة لا بوصفها أعمالاً فنيةً فقط ولا بوصفها عملاً توثيقياً أيضاً بل بوصفها مفاتيح للدخول إلى عوالم الذات والآخر والمكان ، أي مفاتيح للدخول في الحياة الراهنة وكذلك الماضية..ومفاتيح للتأمل في القيم الجمالية وتحولاتها في المسار الذي خطته الفنون البصرية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين حتى أيامنا هذه، وقد شهدت هذه المسافة الزمنية تشابكاً بين تيارين يتعاملان مع الصورة بمنطقين مختلفين ؛ أولهما وهو تيار سائد يرى في الصورة عملاً توثيقياً يتراصف مع المنجزات التقنية الأخرى في جعل الحدث موثقاً وبغض النظر عن القيم الجمالية للصورة بحد ذاتها ..! وثانيهما يرى وبالتوازي مع الأول أن للصورة مهمة توثيقية ولكن التوقف عند هذه المهمة فقط يلغي وبشكل متعسف القيم الجمالية والفلسفية المحتملة في بناء الصورة ذاتها ، وبغض النظر عن التمترسات والتشابكات التي يختلط فيها كلا التيارين إلا أنه من الواضح أمام من يقارب فن الفوتوغراف أن الصور التي وثقت أول الأحداث العظيمة (حرب القرم في القرن التاسع عشر) لم تعد هي ذاتها التي وثقت حدثاً رهيباً كأحداث 11/9 ، فهي لم تعد مجرد مستطيلات ورقية ذات بعدين تختزن الإحساسات النوستالجية المجردة بل إنها دخلت في صلب العمل الإبداعي وبالمعنى العريض للكلمة فكم من قصيدة كتبت وكم من قصة أو روايةٍ كانت الصورة فيها هي الأساس وهي المنطلق..! حتى إننا نكاد لا نعثر على عملٍ فنيٍ راسخ دون أن يقترن بالبحث الفوتوغرافي الذي يوثق الأشياء ويعطي للحركة فيها بعداً زمنياً يقرب الأشياء إلى ذات المتلقي ويدنيها منه حتى تصبح حياته داخلها رغم أنها محض تثبيت للحركة في إطار ذي بعدين .. ‏ يعاني أبطال ثنائية كلينت إيستوود (رايات آبائنا ، رسائل إيوجيما) من علاقتهم بماضيهم عبر صورة فوتوغرافية تمثل أبطال اقتحام الجزيرة اليابانية وهم يرفعون العلم على القمة ، وبينما تحولت الصورة إلى أيقونة تسويقية بقيت معاناتهم مبنية على التفاصيل التي شكلتها الأحداث وبين القيمة الجمالية والمعنوية التي تقولها الصورة وبين القبح الذي عاشه أولئك الذين غمست ذاكرتهم بالدم جاءت مساحة الخطاب في الفيلم ولنستعيد عبر العلاقة بين الجمال والقبح في الصورة الفوتوغرافية واحدةً من أخطر العلاقات التي يمكن للذات الإبداعية أن تعيشها وهي تتوخى ولادة النص من المماحكة الراسخة بين القيمتين ففي الصورة الفوتوغرافية ولا سيما في تلك الأعمال البعيدة عن عملية التوثيق نعثر على العناصر ذاتها التي تطرحها فلسفة الجمال في سؤالها الأزلي : ما هو الجميل ..؟ ‏ فهل يكمن الجمال في الصورة التي تقتبس الجماليات الطبيعية بانتقائية محددة (يدخل ضمنها اللقطة الإنسانية البورتريه) والمجمعة في ألبومات غيتشية (متاحة ومتداولة وكما تبتغي الذائقة العامة) أم يكمن الجمال في تصوير الواقع ذاته والذي يتصل بوجود القبيح بالتجاور مع الجميل ..؟ ‏ ديان أربوس المصورة الفوتوغرافية الأمريكية كرست أعمالها كلها للاستحواذ على «القبيح» ولخلق نسق جمالي خاص يتضاد مع الجمالي المتفق عليه وحين شكل رفض الآخر لهذا النسق حالةً ضاغطة جاء الجواب عبر فعل الانتحار الذي قامت به منهية حياتها في العام 1971 ولعله كان يجب على العالم أن يعيش مخاضات مكثفة الأثر (كحرب فيتنام) كي يتم الانقلاب على الدور التوثيقي للصورة وليصبح توثيق الحدث جزءاً من سياق يستطيع المصور أن يفرضه كوجهة نظر وهنا يقول جيل دولوز في طرح التصور الجديد بين الصورة والحدث الذي ترصده «ليس الحدث هو ما قد حصل، الحدث شكلٌ منتزع من الواقعة أو المناسبة التي تشير إليه وما نطلق عليه «المرئي من الحدث» حسب تعبير دانييل سيبوني. الحدث نقطة فاصلة، تغيير، هو صدمة دفاعاتنا الممانعة عن تحسس قوته الحقيقية المؤثرة. الحدث «انفجار الزمن» الوارد إلينا كزمن آخر، يقول سيبوني، كغزو مشاهد مقلقة، حيث المرئي من الحدث يكون تحت سيطرة الذاكرة والبديهة. انتقال حشرجات ودوافع معمرة، تعوّم الحدث أمام أعيننا المنذهلة، فتجعل العادة منه مألوفاً، نكون في حالة لا وعي لدرجة يبهرنا معها، يخدرنا ويحولنا إلى مجرد أغبياء...»، وعبر هذه التوصيفات أمست الصورة واحدةً من أكثر الفعاليات المؤثرة في الثورة البصرية التي انتهى بها القرن الماضي وبدأت بها الألفية الجديدة وصولاً إلى دخولها الصريح إلى عالم الغرافيك التلفزيوني والذي يتعامل مع العناصر الثابتة والمتحركة بمنطق تهشيمي يلغي الأطراف ويدمج بين التفاصيل خالقاً من تراكم الصور مشهداً فيلمياً يجعل من بعدي الصورة أساساً ومنطلقاً لدمج الثابت بالمتحرك كما في الحياة ..وإذا كانت صور الموتى في فيلم «الآخرون» لأليخاندرو أمينابار توثق مرورهم في الحياة وتشكل بذاتها حداً فاصلاً بين أن يكون المرء حياً أو ميتاً فإن الصورة الفوتوغرافية الراهنة وعبر الزوايا القصية وغير المتوقعة تشكل بذاتها حداً فاصلاً بين أن يكون صانعها منغمساً في الحياة أو متسرباً إلى الموت عبر اللا فعالية .. وهنا تستوقفنا واحدة من أهم البؤر العالمية التي تحدد المسار الذي ينحو إليه التفكير ببنية وطبيعة وخطاب الصورة الفوتوغرافية وأقصد جائزة World Press Photo فبين الصورة الأولى التي منحت هذه الجائزة عام 1955 وتمثل وقوع متسابق عن دراجته النارية وبين آخر صورة أو ما قبلها عام 2006 والتي تصور مجموعة من الشباب البيروتيين وهم يمرون بين الأنقاض التي خلفها عدوان إسرائيل على لبنان (حرب تموز) ثمة مسافة طويلة من التحول في طريقة القراءة والفهم والتذوق فالأولى ورغم أنها تختطف من الحركة في الزمن حدثاً يصعب التقاطه عبر التقنيات المتاحة آنذاك تبدو شبه ميتة وغير مؤثرة رغم دفق الحركة الكامن فيها بينما تقدم الثانية حركةً تبعث الصدمة والقلق والدهشة كما هي ملامح الشخصيات العابرة في السيارة ..! ‏ لا أدري إن كان تتبع تحولات خطاب الصورة الفوتوغرافية هنا يفيد أولئك الذين مازالوا غرقى النوستاليجيا أي أولئك الذين يعيشون في عوالم الزمن الفائت والموثقة عبر الفوتوغراف ولكنني أعرف وبكل تأكيد أن الصور التي رافقتني أثناء فرط حساسيتي وحنيني المرضي لم تعد هي ذاتها أيضاً، فقد أمسيت أبحث ومنذ فترة غير قليلة عن صورٍ أخرى لا يشكل فيها إرضاء النزعات الطارئة عنصراً حاسماً قدر ارتباطها بسياق حياتي أستطيع من خلاله أن أفهم كيف أمكن للذائقة الجمالية في سورية أن تنحدر بحيث أصبحت فيها الصورة «الجميلة» هي الصورة المتسقة مع ثقافة التلوث البصري والسمعي السائد ، ورغم أن المتاح حالياً من الصور الراهنة أكبر من أن أستطيع تحمله كمشاهد عادي إلا أن المسافة الصورية الغائبة في الأراشيف المبعثرة هنا وهناك يمكن لها أن تقدم مشروع جواب عن معادلة القبيح والجميل في حياتنا المعاصرة..!
علي سفر
http://www.alisafar.com/viewpage.php?page_id=19

30 مايو 2008

كاني أعرفها: قصة من مجموعة فسيفساء امرأة

شمس ساطعة .. لاهبة .. لا توفر شيئاً أو أحداً ، تسكب ذهب ضوئها ليعود مرتداً إليها مع زرقة الخليج ، فيما يسبح السراب طبقة ضبابية شفيفة فوق الإسفلت الذائب ، كأنه بقايا حلم يوشك على التحليق ! الثالثة عصراً : توقيت جهنمي ليوم من منتصف شهر آب وفي بلد تشويه الحرارة مثل الكويت !.. بكل مقاييس المنطق ، لا يبدو وقتاً مثالياً للتسكع خارج البيت ..
لكن اللقاءات العاطفية مستثناة من أي منطق .. صديقتي تصر على أنها الساعة الأنسب ، حيث تفرغ المقاهي إلا من المجانين أمثالنا ، المتورطين بلهفة الحب ، يتبادلانه سراً بعيداً عن أصحاء الحالة .كانت تجاهد بوسائل تبدو لي مضحكة حيناً، ومبالغاً فيها أحياناً، كي تتحاشى عينين تعرفانها ولسان يحصد سمعتها بالنميمة . تقول لي بقلق إن أنسب الأوقات حين يلوذ الآخرون بجدران منازلهم ، قابعين أمام نسيم المكيفات والمراوح متخففين من ملابسهم حتى الحد الأدنى من الحشمة .
كنت أقود سيارتي مقارباً مابين أجفاني ، لأني وفي هوج استعجالي نسيت نظارتي الشمسية متعجلاً أرمي خلف ظهري المسافات الفاصلة ، وقلبي يطرق بانفعال . علاقتنا وصلت إلى مرحلة الانعطاف .
عادة ما تكون لحظتي الحاسمة مفترقاً لما بعدها ، فبعد احتضانها تتسارع مجريات الأمور حتى تنكشف كل الأسرار ، وأنحسر بخط بياني سريع الانحدار ، لأفقد اهتمامي عند نقطة الصفر الحيادي ، فلا عاشق ولا كاره ..
تاركاً لمحاسن المصادفات أو مساوئها تقدير عتبات النهاية .أزيد من السرعة .. أشعر بأنني أحبها .. مابيننا علاقة فاترة أسعى لتضطرم أوارها .
إنها في أوائل العشرينات ، ليست فائقة الحسن ، مقبولة بشكل عام ، وكطالب في كلية طب الأسنان أجد أن أسنانها تحتاج إلى جهاز تقويم ، فكها متقدم ، و الإطباق عندها غير كامل ، أتوجس من القبلة الأولى ، أشعر أن هناك فرشاة أسنان مابيني وبين علاقاتي العاطفية ، نفور بحكم المهنة ربما !. أفكر بقبلة متبادلة ، وأنا بالكاد لامست أصابعها ، ارتعش قلبي للذكرى .
حدث ذلك أثناء لقائنا الأخير ، في زاوية قصية نصف معتمة من المقهى ، و كانت حركة طبيعية أو أنني ادعيت ذلك : مددت يدي متعمداً الاحتكاك بذراعها الغافية فوق المنضدة بيننا ، احمرت خجلاً ، لكنها لم تعترض ، فانتقلت برشاقة إلى الحركة التالية ، قابضاً على كفها .. ضاغطاً بخفة .. ثم بقسوة محتملة كانت أصابعها باردة كقطعة ثلج ، جعلتها أكثر دفئاً .منذ أن غادرت أعتاب الطفولة - بسرعة على ما أعتقد - والنساء هاجسي ، أحب سماع شقشقة ضحكاتِهن ، وشم عبير أنفاسِهن ، وملامسة حرير أجسادِهن ، حتى صرنَّ محور عالمي الذي أتوه في فلكه ، و لم أعتبره أنا - ولا عائلتي لاحقاً - وضعاً خطيراً يحتاج توجيهاً أخلاقياً ، وفي ذات الوقت لم أفلح أبداً في جعل أحلامي المتقطعة معهن مستمرة ، فقد كن يولين الأدبار مع أول إشارات الفجر الطالع . أف للنساء لهنَّ نفس غطاس .. أعرف أنها تتمنع عني وترغب بي ، صِنعة أنثوية باتت مكشوفة ومملة .. تحتاج إلى حلم إبراهيم و صبر أيوب .. مناورات سخيفة لأجل نهايات حتمية وواضحة ،وأنا شاب متعجل وعملي ، فمن جهة وقتي ثمين ، ومن جهة أخرى لا طاقة بي على التودد المتكلف والتمثيل المصطنع والكلمات المتشكلة من بلور .ثم والأهم على أرض الواقع أن تلك اللقاءات تكلفني عبئاً مادياً يدهور ميزانيتي ، وتجعل أبي البخيل حسب رأيي والاقتصادي حسب ما يدعي ، يصرخ شاتماً مستغيثاً :" تظنني أيها الشقي متربعاً فوق تل فلوس ... ضع يدك في جيبك واصرف على كيفك... ارحمني يرحمك الله " أنا في العادة أتصرف كمن ينعم بثروة صغيرة ، متظاهراً بأني حاتم الطائي ، أسخو من منطلق أن المال خلق لصرفه .. كم أحبك يا أبي !.إشارة مرور لعينة تنتقل بسرعة من اللون البرتقالي إلى الأحمر ، أضغط بقدمي فوق الكابح وأقف في اللحظة المناسبة ، ملتصقاً بظهر المقعد . مثل معظم أصدقائي لا أدعي التزامي بقوانين المرور المعرقلة ، لكني تأدبت بعد مخالفتين حررتا لي لتجاوز السرعة والوقوف في الممنوع ، جعلتني أنضبط وفق أحكام المرور المذلة : أربط حزام الأمان ، وأراقب سرعتي .أمامي أشخاص يعبرون ممر المشاة تباعاً مثل سرب البط ،كأنهم خلطة بهارات في أكلة "برياني " ، متعددة الجنسيات ، مختلفة الطعم ، متنوعة السِّحن .تتقدمهم شقراء تدفع أمامها بطنها ، أما مؤخرتها فقد كانت تهتز ما أمكنها تحت ثقل الدهون المتركزة وضغط البنطال الضيق ، خلفها يمشي بخطوات رشيقة زوجان متشابهان تماماً بأجفان متورمة وشعر أملس شديد السواد ، يرتديان نسختين متكررتين لقميص واحد على صدره دعاية لأحد أنواع السجائر ، وعلى مسافة خطوة منهما رجل أربعيني بربطة عنق أنيقة ومحفظة جلدية منتفخة يختفي خلف نظارتين قاتمتين لم أتكهن أصوله ..وفي الجهة المقابلة على الطرف الآخر من الرصيف ، توقف تأملي العشوائي عند بنطال جينز وبلوز أحمر بقبة متسامحة .. أكاد أعرف هذا الزي .. و ذاك القوام الممشوق .. بدا مألوفاً ..أسحب لهاث فضولي .. و نظري .. ومعهما أنفاسي المتقطعة إلى الأعلى قليلاً ، يباغتني وجه صباها وخصلات شعرها المرفوعة كما اعتادت كذيل حصان ،
استبد بي مغص طارئ ، تصبب عرقي ،كانت لمحة خاطفة قبل أن يغيبها باب المقهى ، لكنها كافية كي أعرفها :
أختي جنان ! في الزمن الجهنمي .. ما الذي تفعله هنا ؟!

29 مايو 2008

















وتبقى احذيتنا الدليل الوحيد على أننا كنا هنا

سوزان خواتمي تتحدث عن تجربتها القصصية في منتدى إطلالة في الاسكندرية


في قصر الابداع بالاسكندرية ومن خلال برنامجه الثقافي استضاف منتدى «اطلالة الأدبي الاسكندري» يوم 24 مايو 2008 القاصة السورية سوزان خواتمي في أمسية مفتوحة تضمنت قراءة لقصتين من انتاج الكاتبة اضافة الى حوار حول القصة والابداع عموماً.. وذلك بحضور أعضاء منتدى اطلالة الادبي، حيث قرأت خواتمي قصة «على رؤوس الاصابع»، التي أعقبها نقاش مع الحضور، ثم قرأت قصة «صور منسية» ليستكمل الحضور النقاش مع الكاتبة.. وتميزت الأمسية بانها لم تقتصر على الاستماع الى القصص بل أديرت كحلقة حوار أو ورشة عمل أدبية، حضرها عدد من الكتاب والمسرحيين من الشباب المهتم، وقد شكل النشر الالكتروني نافذة جيدة لهذه «الورشة» اذ ان أغلب الحضور كانوا قارئين بشكل مسبق للعديد من القصص المنشورة للكاتبة على الشبكة الالكترونية، ولديهم فكرة واضحة عن اسلوبها، والمضامين التي تتناولها في كتابتها.. وكذلك تم توزيع نسخ من
القصص التي قُرأت في الأمسية، وهكذا كان الحضور متفاعلاً مع القاصة في الحوار الذي دار حول تجربة الكاتبة القصصية، متناولاً أسلوبها، وأفكارها، ومواضيع نصوصها، فأشار بعضهم الى ان القاصة تكتب بطريقة كلاسيكية، تتقلص فيها مساحة التجريب، ونوّه آخرون بالعناية الخاصة التي توليها القاصة للغة ما يجعلها تقترب في بعض الاحيان من منطقة الشعر، كما تطرق الحضور الى مصطلح الادب النسوي الذي تحفظت عليه الكاتبة باعتباره يحمل حكم قيمة سلبياً، فالابداع، من وجهة نظرها، هو فردي وشخصي، لكن ذلك لا يعني انها ليست امرأة ومعنية بقضايا جنسها وقادرة على التعبير بشكل أفضل عن خصوصية عوالم المرأة.. كما أشار المخرج المسرحي احمد صالح الى ما يمكن تسميته خصوصية التعبير وتأثره بالمكان حتى حين يكون بالعربية الفصحى، وأوضح بانه وجد اسلوبا وتعابير تعكس البنى النفسية والفكرية للكاتبة من حيث كونها «سورية» وهذا يختلف حين يقرأ لكاتبة مصرية على سبيل المثال.. في حين تطرق الشاعر علاء خالد الى مسألة التابوهات معقبا على إحدى المداخلات التي وردت وذكرت ان الكاتبة تطرح قضايا حادة دون ان تغرق في تابوهات «الدين، الجنس، السياسة»، فقد بين ان عدم الخوض في هذه التابوهات ليست ميزة كتابية، وان الكاتب اذا تجنب الخوض في هذه القضايا لن يبقى له ما يكتبه، لان الجميع متفق ان تلك التابوهات تشكل الجزء الاساسي من حيواتنا، ويبدو ان تجنب الحديث عنها اصبح مفضلا لدى تيارات معينة.القاصة الشابة شيماء حامد ذكرت ان الكاتبة في قصتها «على رؤوس الاصابع» استطاعت ان تجعلنا نتفهم العلاقة التي تقيمها زوجة مع شخص آخر غير زوجها، باعتبارها دليل حب وليست فعل خيانة، فبطلة القصة تفعل ذلك مرغمة لكي تبقى قريبة من زوجها المريض في المشفى، وان مهارة القص جعلتنا مربكين أمام التقسيمات المستقرة للفضيلة والخطيئة... وأشارت أيضا الى حرية الكاتب في اختيار اسلوبه في بناء قصته، سواء فيما يختاره من نهاية أو في اسلوب السرد، ويبقى النجاح الابداعي متعلقاً بالصدى الذي يلقاه النص. المسرحي والشاعر المصري خالد رؤوف أشار الى انه لمس في قصص الكاتبة ميلاً الى الشعر الموظف بدقة، حيث كان ذلك واضحاً من خلال طريقتها في تركيب الجملة..وأشار الأديب فؤاد الحلو الى جمل لا لزوم لها، وكذلك الى النهاية غير الموفقة لقصة صور منسية.أدار الامسية القاص مصطفى زكي عضو المنتدى وقد كان لافتاً قدرته على اعادة الحضور الى حلقة النقاش الاساسية كلما تشعب الحوار.. والجدير بالذكر ان منتدى اطلالة هو تجمع أدبي تظهر فاعليته في نشاطاته الاسبوعية وفيما نشره من كتب بلغ حتى الان خمسة اصدارات.

20 مايو 2008

أمسية قصصية في الاسكندرية

يستضيف منتدى ( اطلالة) في الاسكندرية وضمن برنامجه الاسبوعي القاصة السورية سوزان خواتمي في أمسية قصصية ، وذلك يوم السبت الموافق 24مايو 2008 في تمام الساعة السادسة، في مركز الاسكندرية للابداع، والدعوة عامة
إصدارات الكاتبة
ذاكرة من ورق / كل شيء عن الحب/ فسيفساء امرأة/ قبلة خرساء: صوت يصعد شجر الحكاية

18 مايو 2008

شوشو لم يعد صغيرا: قصة قصيرة


" علاقتنا كانت تبدو وثيقة جداً .. وحميمة جداً .. وأكثر من وطيدة . لم يعرفنا المكان إلا متجاورين ، و نكاد لولا هنيهات غير مقصودة ، لا نفترق .
متقاربان .. متلاصقان ، ولكن رغم كل ما عرفته عن ولعها الفائض ، وتعلقها المطلق ، هاهي قد خانت علاقتنا ، منحت الفراق فرصته بيننا ، وتركتني .
مرهقة بدت لي ، ومتوترة ، عقصت خصلات شعرها بفوضى تنم على نزق داهمها ، ثم اختفت ..
قبلها بدقائق فقط ، كانت تبدو وكأن لا طاقة لها على فراقي ، تراها غضبت ؟..
ما عرفتها إلا حليمة هادئة ، تحتمل نزواتي ، وتلبي طلباتي ، حتى حين أشتط ، وأزايد على صبرها .
حين رحلت .. هل كانت تفكر بعقابي ؟ هل تستطيع ؟.
لا .. لم تفعلها قبل الآن .. لكن قد تفعلها هذه المرة !.. يا للمصيبة ! "

كانت تلك الأفكار الشريرة وغيرها : الأسوأ حتماً ، تراود " شوشو " الطفل الصغير الذي حملته أمه من سريره وتركته وحده ليواجه مفاجأة غيابها ، فيحس بالاختناق والرغبة العارمة في البكاء نحيباً ، لكنه يتماسك ويبتلع غصته ، فلازال بعض الأمل يحدوه بأنها ستظهر بين لحظة وأخرى .
ذلك الصباح عرك عينيه وراقبها من خلال نعاسه ، بدت له لجوجة على غير العادة ، أحس بضيق يمفصل حركتها ، ويجعلها غريبة الأطوار بعض الشيء .
لكنها أقبلت نحوه وحملته بين ذراعيها ، ثم أجلسته في الركن القصي فوق السجادة الملونة ، وأحاطته كما تفعل غالباً ، بوسائد كثيرة ، وأمامه كل الدمى التي تعتقد أنه يحبها ..
مسحت بدفء كفها الناعم فوق شعره ، ورشفت قبلة ملحنة من خده ، ثم سارعت مبتعدة .
لا يذكر أنها استأذنته لتغيب أو حتى لوحت له مودعة ، الحقيقة أنه لم يعد يتذكر ، ربما تكون قد فعلت ، حين كان لاهياً بألوان الأرضية ، مربعات من البني والأزرق متشابكة ومتعارضة ، فلم يشعر بها حين غادرت ، لكنه حين رفع رأسه ثانية ، كانت قد اختفت نهائياً ، ليجد نفسه وحيداً في الغرفة .. أفزعه اتساعها !
نظر شوشو حوله .. أمامه .. خلفه .. في كل مكان ، وعلى القدر الذي تكشفه له عيناه الصغيرتان .
لا أحد ..
فاض صدره بالرهبة ، وطرق الخوف قلبه ، تصبب عرقاً ، فالمكان رغم ألفته يصير بدونها موحشاً وكئيباً .
أين ذهبت ؟ إنه يعتمد عليها بشكل مطلق ، هكذا عودته ، وليكتمل حظه العاثر ، شعر بقرصة جوع لم تمنحه رحمة التأجيل .
في مثل هذه الأحوال ، قبل اختفائها ، كانت تهيأ له صدرها المكور ، فتترطب شفتاه باللعاب ، ويتحلب حلقه، تضمه إلى حضنها وتفيض فوقه بثديها المتحجر ، تقربه منها أكثر.. فأكثر ، يتلاصقان حتى يكاد لا يميز من ملامحها سوى مبسمها ، تحدق بوجهه طويلاً فيشبع هو قبل أن تفعل هي .
أما الآن ‍‍‍‍..
ذاكرته النشطة عنها ، تعكر مزاجه ، فيقرر أن يرفع عقيرته بالصراخ ، يناديها " ماما "
يخرج من حنجرته صوت حاد ثاقب ودون حروف .. لا تجيب .
محاولة أخرى ، أعلى قليلاً .. حوله لا يتردد إلا السكون ، ألا تسمعه ؟ .
إنها تتجاهله .. إذن سيبكي طويلاً .. سيبكي كثيراً .. ولن يهدأ حتى تعود .
كان ذلك قراره الأول الذي سيصر عليه .
إن العالم الذي يعرفه أو الذي كان يعرفه حتى ساعة خلت ، هو عالم حنانها الهنيء ، يتذكر أن بكائه كان يجزعها فتتحول إلى حدأة تراقبه ، لا يغيب عن عينيها حتى تعرف ما به .
تظن أنه جائع فتعصر ثديها بين شفاهه وترضعه .. تظن أنه متسخ فتشم رائحته وتنظفه .. تظن أنه متألم فتمسح بطنه وتدلكه .
كانت على كل حال تفيض بكل ما عندها ، وبكل ما بوسعها حتى يضحك ويرضى ، وقتها فقط تبعده عنها تنظر إليه بعيون مطمئنة وتستكين .
منذ التقيا وجهاً لوجه لأول مرة ، حين خرج من أسر جدران بطنها الضيق إلى طوق ذراعيها الحانيتين ، على وجه الدقة قبل ثمانية أشهر وعشرة أيام ، كانت تتصرف كأن لا طاقة بها على فراقه .
يقول لنفسه دون أن يجرؤ على فقدان الأمل " الآن ستظهر "
" ستهرع لحملي "
" ستشاغلني بغنوة ، ستصفر وتنغم كعصفور متنكر بثوب أم .. النغم تلو النغم حتى يطيب خاطري "
كل شيء حول " شوشو " الصغير اليائس يزعجه ويضايقه ، حتى الدمى القطنية التي تراقبه بعيونها الغبية المفتوحة دون أجفان ، إنه لا يحبها ، يضربها بقدمه و يبعدها بيديه الاثنتين ، يريحه تبعثرها ، تستقر بعيداً عنه ثم يعاود البكاء ، فلا زال يريد أمه ..
لم يبق أمامه إلا التحرك في محاولة جادة للبحث عنها ، فرغم عيوبه المفترضة يعرف الجميع أنه شخصها المفضل ، ما الذي حدث ؟ لا يرتاح إلى غموضها ، ولا طاقة به على اختفائها .
ثقله المكوم يمنعه من النهوض والتحرك على قدميه كما يفعل الآخرون ، فهو لازال صغيراً .
بذكاء استثنائي تخطر له فكرة الاعتماد على مؤخرته ، يجعل منها نقطة ارتكاز ، يستعين بذراعيه دافعاً بقية جسده نحو الأمام .. ينجح في التقدم سنتيمترات قليلة فقط .
التعب يجعله يلهث ، لكن استنشاق رائحتها مرة أخرى يستأهل الجهد الذي يبذله .
بعد قليل من الوقت يصل إلى منتصف الصالة ، يبدو سعيداً بإنجازه ، فقد تحرر من أسر الزاوية القصية ،
و تجاوز كومة الدمى المندهشة ، إنها تحدق به بإعجاب فقد استطاع النجاة من مأزق قلة الحيلة ، سيخبر أمه حالما يجدها ، إنه لم يعد صغيراً .
ما أجمل الحرية ! نسي بها دموعه فوق خده حتى بردت ربما لأجل ذلك يبدو الكبار سعداء مبتسمين دائماً ، فهو لم ير أبداً وجهاً كبيراً يبكي ..
يتذكر البكاء .. فيستجمع كل صوته ويصرخ من جديد .
فجأة يسمع صوت أقدام فوق البلاط ، ينصت وشيء من الاطمئنان يغمره ، لعلها هي ! كأنها تركض ، تطل أخيراً ..
ترفعه بين ذراعيها ، تضمه ملهوفة إلى صدرها ، يبلله وجهها الرطب ، وتزعجه تلك الفوطة التي تلف رأسها بها فتبدو له من خلال بقايا دموعه غريبة بعض الشيء ، محمرة الوجنات .
يشمها .. كانت تفوح منها رائحة زكية .
من مجموعة " كل شيء عن الحب"

13 مايو 2008

كوني احلامي

أحلم
بسمكة تسقط من غيمة
كأنها لن تموت
أحلم
بظل يظل
فلا شمس تجيء ، ولا يشتعل مصباح
أحلم
بأني أطول من الخوف
قلبي بحر
ولا قبطان
أحلم
بجنون الضوء
ألاعيب العتمة
جسدي
أحلم
ولاأفيق

قوسا خصري النحيل: قصة قصيرة

ملابسي المدرسية كارثة في عالم التفصيل والتصميم بلا منازع ، إنه زي أحمق ، يتفرد بخاصية ارتدائه صدراً لظهر و بالعكس من دون أن يشكل ذلك فارقاً يذكر ، يناسب الجسد الشحيم ، كما يناسب جسد أفروديت المنحوت من مرمر ، ليجعل الاثنين في كفة ميزان واحدة : بلا معالم .
لون خامد .. داكن ، كانقباض صباح شتوي يقاوم شمساً غضبى . مصقول بحشمة دثار .
واسع .. عريض .. و مهلهل أتعثر بأمتار قماشه كلما رغبت في الانطلاق ، قفزاً مثل أرنب طروب ، أو جرياً كغزال شارد ، أو تقهقراً إلى الخلف كسنجاب مذنب ..
تشاء لي الأقدار أن أرتديه كل صباح ، لأبدو مع صاحباتي ، كما لو كنا سرب غربان في موسم عزاء !.
الزر العلوي للقميص يضغط على الرغامى . يضايقني . وقبل أن أختنق ، أحرره عن العروة ، وأمط رقبتي بحثاً عن الهواء ، لكن نظرات مدرسة الانضباط تكمن لي بالمرصاد .
كانت السيدة السمينة التي تشد شعرها وتكومه بملقط فوق قمة رأسها ، تنتعل حذاء رياضياً تقطع به باحة المدرسة باحثة عن أي إشارة تقوض لائحة النظم القدسية ، قد عثرت على ضالتها في قميصي المحلول ، وجهت لي نظرة مؤنبة لا ترحم ، وهزت طرف مسطرتها متوعدة ، فيما بدأت تقدمها بنواياها الشريرة .
قبل أن تضيق منطقة الأمان بيننا بما لا تحمد عقباه ، كنت قد اخترت الموت خنقاً : أقفلت قميصي ، وتراجعت بعيداً عن مسار خطرها اللاسع ، مكتفية بزفرة تأفف لا ضرر منها ولا ضرار .
إن الرجوع إلى الخلف لا يعني الهزيمة ، لكنه تكتيك مسالم للالتفاف حول كل ما لا أستطيع اختراقه مباشرة متفادية شر الصدام ، وهي خطة حربية غاية في الذكاء أستعملها في لعبة الشطرنج ، تبتدئ بضبط النفس ، وتنتهي بأن أفعل ما يحلو لي موفرة على نفسي لهاث النقاش و إطراق التوبيخ .
كنت ومازلت لا أطيق ملابس المدرسة الموحدة و الإجبارية ، أجدها تمس حريتي الشخصية بلا منطق ، ولأني مختلفة فقد اجتزت بوابة مدرستي ذات صباح ، وقد طبقت إلهاماً أنيقاً راودني أثناء الليل : منديل ربيعي مبهج عقدته بأناقة حول عنقي .
أين الكارثة ؟
اليد العنيفة التي سحبتني من مكاني بين جموع الطالبات ، لم تعجبها تعديلاتي البريئة ، هذا ما فهمته ، وأنا أتعرض لاتهامات غير منصفة ، وكلمات لا تسر صاحباً ولا عدوا .
اليد العنيفة نفسها انتزعت عن عنقي منديلي الملون ، وأعملت به مقصها ، لأكون عبرة لمن اعتبر .
لم أبك ، رغم أن كرامتي المنتهكة أصرت علي . ابتلعت شوك حلقي ، وأطرقت لأتابع نملة صغيرة كانت تدور حول الحذاء المطاطي .
يا للذكرى ! خسرت منديلاً .. وانتهى بشق النفس يوم دراسي آخر ، أسمع جرس الانصراف ، فتطرب له أذني أهرول نحو الحمام ، أزاحم الأخريات حتى المقدمة أمام المرآة .. فأبلل غرتي .. وأعقصها أثبتها بملاقط مزخرفة .. أقرص خدي فيتوردان .. ثم أعتق عنقي : زران نحو الأسفل حتى منحدر النحر .. أشمر عن مرفقي .. أغرز عدة دبابيس في الخياطات الجانبية للمريول حتى يتضح قوسا خصري النحيل ..
بخمس دقائق وقليل من الجهد أنقذت ما أمكنني إنقاذه ، استبدلت طلة مزرية بظهور لافت ، لم أعد نقطة بين النقاط فمن بين زرافات التلميذات المتشابهات تتلفت الأعناق نحوي ، وتتمهل العيون عندي ، دون أن أمنحها اختياراً آخر . كما لو أنني مركز الجاذبية الأرضية ، أرضى ذلك غروري ، وأسعدني حتماً ، ضربت قدمي بالأرض تيهاً ، مؤرجحة ذراعي ، ناقزة كمن يسبح في الهواء .
كنت أتسكع متمايلة تحت ثقل محفظتي ، حين انتبهت لوقع خطوات .. أبطئ فتبطئ .. أسرع فتسرع .. نظرت من فوق كتفي نحو الخلف ، ثم استدرت دفعة واحدة .
رأيته : وجه نحيل بشارب خفيف ، وعينين مدورتين كعيني قطتي شامة تحدقان بي . ومثلها لم يكن يرمش ، بل أطلق نحوي شعاعاً مغناطيسياً في تحديق وقح .
بدا لي مقبولاً ويكاد يموء ، و لولا عقارب غرته المنفرة ، ولحيته التي لم تتشكل بعد ، لكان الشخص المناسب لشهية الحب المفتوحة عندي . سأضيفه رقماً جديداً إلى طابور المعجبين .
تابعت سيري كملكة تختال بفتنتها ، وعاد المسكين يتعقبني ، وصوت حذائه يطمئن غروري .
حين صار بمحاذاة كتفي . ناولني رسالة ، رقصت في الهواء قليلاً ثم استقرت فوق الرصيف ، محدثة طرقاً منتظماً في دماغي ، وطبلاً مدوياً داخل صدري ..
" اااااااه " صرخة مكتومة أفلتت مني .. يا للجسارة !
باغتني - على قلة هيبته - استندت إلى سور حديقة منزلية .. أنزلت عن كتفي حقيبتي الثقيلة .. جثوت على ركبتي ، و تشاغلت بأنني أفتحها .. كنت مترددة .. وكان عليّ أن أفكر ملياً .
أصابعي الأكثر اندفاعاً من بقية جسمي امتدت بتهور ، لكن ذاكرة الحذر حاصرتني كحزام ضاغط
"حذار .. حذار ، من لا يحسب لا يسلم " تردد أمي تلك المقولة ، فأسترجع يدي في اللحظة المناسبة .
صوت أمي يعذبني وكذلك الفضول ، أريد أن أقرأ رسالته دون أن أتهم بالابتذال؟
كنت مترددة ما بين نداء يدعوني للمجازفة ، وآخر أكثر حشمة يمنعني من أن أكون سهلة المنال كقطط الأرصفة .
حشرت أصابعي المتعرقة بين الكتب ، أبحث عن حل ، فيما اشتعل رأسي بحساباته :
إن كان الإقبال تهوراً وحماقة ، فالتراجع مماطلة لا طاقة لي عليها .
" أحلى حكايات الحب ، تلك التي تبدأ مباغتة " لو صدقت المقولة لانقلبت حياتي المملة رأساً على عقب .
كنت مغرمة بأستاذ الرياضيات ، لكنه مصاب بقصر نظر خطير ، فهو لم يعرني أدنى اهتمام ، بل إن زوايا المثلث ونظرية فيثاغورث ومتاهات جداول اللوغاريتمات كانت أقرب إلى عواطفه مني .
حب من طرف واحد آلمني دون أن يترك ندوباً ، أنا الآن على أحسن ما يرام ، متماسكة وأسيطر بالكامل على أحوال قلبي العاطفية .
" شاب وسيم .. اتركيه يعاني قليلاً " قلت لنفسي.
كان يراقبني .
في اللحظة التي هممت بها في النهوض انحنى فوقي .. يده الجريئة لامست يدي .. انتفضت مذعورة ..
لم يأبه لي .. كان غاضباً .. حاجباه متلاصقان .. وشرر ما يلمع في عينيه ..
نتر المظروف بحركة خاطفة ، ولوح به أمام وجهي ، مكوراً أصابعه المستفهمة ، مشيراً بسبابته المرتجفة إلى العنوان المكتوب بخط واضح وجميل
- شارع الروضة ، بناية الصغير، بجانب ثانوية نابلس للبنات ، طابق ثالث ، منزل .................
من وراء شرودي كنت أسمع حشرجة حروف تطلقها حنجرته العاصية
- بأ بأ بأ يااااااااا ... ؟




في مجمع الفنار:
العصفور؛ زائر المقهى الوحيد

بارد السوس .. طيب السوس

حلــــــــب

06 مايو 2008

HAPPY LABOR DAY يوميات لامبور من سيريالامبور/ سهى مرتضى


في أوائل شهر الربيع ومنذ أكثر من شهر ونصف تقريباً كنت أعمل على متابعة عملي في المكتب فلمحت من النافذة مجموعة من العمال والفلاحين تنظف وتنسق حديقة "سيادة المسؤول" جارنا الجديد في الطابق الأرضي من المبنى،

فتذكرت حديقة منزلي فوراً وحاجتي الماسة إلى من يتابعها بعد أن سعى "أبو محمد" إلى تصحيرها في السنوات الماضية وهو يحاول إقناعي بأن وجود النخلتين على بابها يتناسب طرداً مع شكلها المتصحر وبدأت أفكر بشكل جدي بشراء جمل لكي يكتمل بهاء صحرائي الصغرى. وعلى إبريق شاي رايح وإبريق شاي جاية وسيكارة طالعة وسيكارة نازلة، والحديقة تمشي في طريقها إلى التصحر والحمدلله. إلى أن جاء يوم وسمعت من أحد أصدقائي وهو مهندس زراعي كان يعمل "أبو محمد" لديه أيضاً، بأن أبو محمد من كثرة حبه للحم الحية (إي الحية..ما غيرها) انقض على إحداها في حقول الزبداني فارتدت عليه تلك الحية (أطال الله في عمرها) ولدغته مما أدى إلى تمدده في المستشفى لمدة أسبوعين والحمدلله.
وبعد أن دار كل هذا الشريط بذاكرتي سريعاً، نزلت إلى حديقة "سيادة المسؤول" مسرعة لعلي أحظى ببديل عن "أبو محمد" وبالفعل قابلت "أبو أيمن" واتفقت معه على أن يتسلم مهامه في حديقتي منذ اليوم التالي، وبالفعل جاءني "أبو أيمن" مع اثنين من أصحابه وخلال أسبوعين بدأت أحس أن الأشجار في حديقتي ترقص فرحاً كلما رأت يدي "أبو أيمن" تمتد إليها.
ولكنني كنت أستغرب أمراً وهو أنه كان كلما رآني يقف باستعداد ليقدم إلي التحية: "أهلين أنسا سهى، شلونك وشلون صحتك، الله يخليلنا ياكي ويخليلنا الحجة ويطول بعمرها" ...(!)... شيه ! ... قلقت كثيراً في داخلي لأنني لم أعتد على التعامل مع الآخرين بهذا الشكل ولا أريد أن يكون الخوف أو الحاجة سبباً لعلاقة عمل بيني وبين "أبو أيمن" لأنني أفضّل أن يكون حبه لعمله هو الدافع الحقيقي لأدائه الجيد وليس خوفه مني، وهذا ما لمسته منه بالفعل منذ أن أتى في يومه الأول وهو يتغنى أمامي بحب الأرض وضرورة الإحساس بالشجرة أثناء تقليمها ومعنى الخضرة الدائمة وقيمتها لدينا، لدرجة أنه صار يردد أحياناً أمامي وبشكل مبالغ به أن "الأرض لمن يعمل بها" ..(!).. فقلت في نفسي: "يا سلام سلّم، من أين جاءني هذا الفلاح المثقف، بكرة بيجبلي خيمة على هالجنينة وعلى مبدأ ثورة البروليتاريابياخد هالجنينة مني وبيقللي رجلك بالهوا تفتل" .. "ولي..." .. "ما الي غير وقعه بالكلام ولائيلي شي حجة لحتى اطرده من هون" ...
وبالفعل صرت أتسقط له وآخده وجيبه بالكلام إلى أن عرفت السر بعد أيام، وهو: أنه كان خائفاً من غضب سيادة المسؤول لأنه ظن أنني إحدى قريباته .. وضحكت كثيراً في داخلي إلا أنني لم أنكر أمامه صلة القرابة الوهمية تلك وذلك لكي أبقي على اندفاعه وحيويته أفضل من الكسل والارتخاء الذي وصل إليه "أبو محمد"، وعلى مبدأ "اتركيه مستهاب أحسن ما ياخد وش من هون لتجي حية تانية وتلمه هو التاني كمان ..".
ومضت أيام أخر وبدأت ببناء علاقة جيدة بيني وبين "أبو أيمن" مبنية على الصدق والإخلاص في العمل وتمكنت من إزالة ظلال سيادة المسؤول عن علاقتنا رويداً رويداً، وبالفعل انطلق أبو أيمن من الحديقة الأمامية إلى الحديقة الخلفية وبدأ الجيران يتساءلون أمامي: "من أين أتيت بهذا الرجل، مبين عليه شاطر ..؟". وشكرت ربي على نعمته عليّ لأنه مكنني أخيراً من أن أصدق أن هذا العالم لا يخلو من الناس الأوادم.
وعلى مبدأ "بوش" في مكافحة الإرهاب، انتقل "أبو أيمن" ليرسم الخطط الدفاعية والهجومية للقضاء على معسكرات "المنّ" عند جيراننا والتي أدت إلى سيطرته على بعض شجيرات حديقتي، فكان يقضي عليها عند جيراني وأنا في حديقتي أنتظر الباقي منها أو الهاربين والمتسللين لأنهال عليها بالأسلحة المضادة التي زودني بها "أبو أيمن" .. وبهذا تم القضاء عليها بنجاح.

يا سلاااام ... مين قال انو العولمة شغلة مو منيحة
اله يسلم ايديك يا أبو أيمن
...
ولكن المفاجأة أن أبو أيمن اختفى بعد ذلك .. فاستغربت كثيراً
ماذا؟ ترى هل تمكنت خلايا "المنّ" الإرهابية النائمة من اختطافه للانتقام منه يا ترى ..
إلى أن التقيت صدفة بزوجة سيادة المسؤول عندما زارت مكاتبنا في إحدى المساءات لتسأل عن مصدر شكوى أقيمت ضدها من قبل أحد الجيران بسبب الإزعاج والضجيج الصادر من بيتها والذي بدأ يتحول من بيت جميل محاط بالخضرة إلى شيء يشبه الثكنة العسكرية حيث تغطت الحديقة الجميلة بأسقف الايتيرنيت (سقف تنك وسقف حجر الله لا يورجيكم) وتحولت المساحات الخضراء بداخلها إلى اللون الأصفر الباهت، في غياب أنظار البلدية على هذا التشويه للمبنى كما هي العادة عندنا بكل أسف.
ما علينا،
المهم أنني عرفت منها أن ابنة "أبو أيمن" تعرضت لحادث أليم أدى إلى وفاتها هي وولديها بسبب اندفاع براد سريع فوق السيارة التي كانت تستقلها ما أدى إلى فاجعة ومأساة كبيرة لعدة أسر، وبالطبع هرب صاحب البراد وعلى الرغم من تمكن أهالي المصابين من جمع بعض المعلومات عن البراد وصاحبه إلا أن الحادث سجل ضد مجهول ولم يكن هناك أي داعٍ للتدقيق والبحث المطول .. يمكن مافي شي بيستاهل:
"كلهم فقرا ومالهن ضهر" .. هكذا قال لي أبو أيمن عندما جاءني مطأطئاً، مكسور الجناح، منذ أيام حاملاً صورة ابنته بين يديه وهذا آخر ما بقي لديه من ذكراها ..
والأنكى من ذلك أنه تم استبداله بعامل آخر في حديقة السفير النمساوي بسبب تغيبه لعدة أيام، وبعد خدمة ستة عشر عاماً هناك أصبح الآن بلا عمل وبدون أن يعطى أي تعويض على خدمته الطويلة لديهم ولم لا وهو (أي سيادة السفير) قد تفقّه في حسن مخالفة القوانين على أيدي مساعديه ومستشاريه من الموظفين السوريين (بكل أسف) قائلاً في سره ولماذا لا أوفر على حكومتي قيمة تعويض هذا العامل طالما أن أبناء جلدته يمشون على مبدأ "إن شفت الأعمى طبه مانك أكرم من ربه"، فأتقن اللغة العربية وأمثالها أيضاً لكي يقول لـ"أبو أيمن": والله ما في عندك إثبات انك بتشتغل عنا .. خلص .. روح .. الله معك.
هكذا إذاً
أضاف "أبو أيمن" الله معي .. وفعلاً ما في غيره معي.
- ونحنا مع الله كمان يا "أبو أيمن" .. ومالو غيرنا وحياتك.
HAPPY LABOR DAY
وكل عام وأنتم بخير
سهى مرتضى

04 مايو 2008

متعة الخيال في عالم الطفل التلفزيوني


إن موازنة الأمور وسيلة نحتاجها لتدبير ظروف حياتنا المتشابكة، لذلك فإطلاق أحكام نهائية قاطعة، تصرفٌ يجافي الصواب ويناقض تماماً قانون النسبية.
فما الذي يعنيه هذا الكلام في موضوع يطرح علاقة الطفل بالتلفزيون..؟
إنها دعوة للاعتدال بين نظريتين إحداهما تجد أن التلفزيون يعتبر عاملاً ايجابياً في تنشئة الأطفال، والآخر يؤكد على أن التلفزيون شر مطلق لابد من اجتنابه..
يقول سارج تيسرون:
"إن الصورة مهمة ليربط الطفل بين تجربته الوجدانية والحسية الحركية وبين الكلمات ودلالتها والمقصود بها.."
مما يجعل للتلفزيون ولأفلام الكرتون ولبرامج الأطفال عامة فائدتها الضرورية التي تشبع حاجاتهم الخاصة وتساعد على نموهم السلوكي والحسي والنفسي .. وهذا يلقي بالمسؤولية على الآباء والمربين كي يوجهوا عادات الطفل ويستفيدوا من القنوات المخصصة للصغار باعتبارها أداة ثقافة معرفية، ضمن ضوابط البرنامج المناسب في الوقت المناسب وبالكم المناسب والكافي للمشاهدة.
مابين أن يرفع الرضيع رأسه قليلاً في شهوره الأولى ومن ثم يستدير لسماعه صوت ما يميز صاحبه، ومابين أن يطلق أصواتاً مختلفة وحتى يستطيع استخدم بعض المفردات ثم يستخدمها في جملة بسيطة
مراحل تعني أن الطفل ينمو في تطور حركي وحسي واجتماعي وعقلي..
أما حين يرد الصغير على الابتسامة بمثلها والتكشيرة بمثلها، فتلك أول بوادر المحاكاة التي تعبر عن نضج الطفل وبداية مرحلة تواصله الاجتماعي..
يحدث ذلك في سن ما قبل المدرسة أي ما بين الشهور الأولى والخمس سنوات والتي تعتبر المرحلة الأغنى والأهم في قابلية الطفل على الاكتساب، كما أن 50% من الذكاء يتم تحصيله في هذه المرحلة، حيث يتلقى جل معلوماته وتتطور قدراته من خلال الأسرة المحيطة وحتما مما يوفره ذلك الصندوق العجيب الذي يسمى التلفزيون..! والذي يخرج من داخله صوراً متحركة لقط يلاحق فأراً.. أو لعروس البحر التي بادلت صوتها بقدمين لتتخلص من ذيل السمكة الذي يعيقها عن رؤية الأمير.
إنها أبواب سحرية تفتح مجالاً واسعاً للتخيل ليس للأطفال فقط بل للكبار أيضاً فمازالت بعض تلك البرامج تجذبني، لأجد نفسي أتابعها بانسجام تام..
وأرجوكم أن تعترفوا، فمن منكم لم يقع في غرام نقار الخشب، أو لم يتابع حتى الهوس المسلسل الكرتوني الذئب الأبيض، ومن منكم لم يحب ميكي ماوس وباقي عائلته الكريمة.. أو لم يتأثر بعيني ريمي الدامعة..! سأذكركم أيضاً بالبحار باباي وبأليس في بلاد العجائب، وبمسلسل " من قصص الشعوب " في حلقاته المتتابعة وأغنية مقدمته ..!
لا أظن أن طفلاً نجا من متابعة بعض تلك الصور بدهشة وتعلق، ابنتي كانت تصالب قدميها متربعة في جلسة ملكية لتركز على ما تراه وتحفظ أغنيات الشارة وتردد ما يقال من كلمات وكم كان ييدو هذا مضحكاً حين تتحدث باللغة الفصيحة كما كانت تنطق أحد تلك المسلسلات، وكم كانت تبدو سعيدة وهي تتابع هايدي الجميلة التي ترعى جدها العجوز وتركض بين المراعي الخضراء، فتضحك وتصفق وتحرك يديها لتقلد ما تراه..
ولكن وكما أشرت سابقاً هناك من لا يقر هذه المتع، ويعتبرها مواضيع تشوش ذهنية الأطفال لأنها لا تشبه واقعنا ولأنها تبعدهم عن القراءة وتلبد مداركهم وهناك الكثير من المقالات كتبت بهذا الخصوص لكنها غير مقنعة،
إلا إذا كان المقصود أن الطفل: طفلي أو طفلك سيستغني عن كل نشاطاته ويتسمر أمام الشاشة الصغيرة 24 ساعة ليتابع كل ما يبث من صور ومسلسلات ونشرات إخبارية..!
من تجربتي الشخصية وممن حولي من أمهات أعرف أن الجيل الجديد أكثر وعياً من سابقه وأيضاً أكثر شقاوة، وهذا ليس بالطبع بسبب طفرة جينية محسنة، لكنه يتعلق بفضل المستقبل على الماضي، وما يتيحه من تنوع في الإمكانيات، وتطور في أساليب التلقي لاكتساب خبرات أكثر، فقد تعددت أنماط اللعب وأدواته وأساليبه، كما تزايد المتاح في منتجات الأطفال بما يلبي حاجاتهم، وأي زيارة بسيطة لمتجر أطفال سيدهشك بما يحتويه من مستلزمات جديدة لا تعرفها لأنها لم تكن موجودة قبل ثلاثة أعوام مثلاً، ترافق هذا مع الاهتمام بنشاطات الصغار من مسرح يقدم عروضاً خاصة، ودور سينما تعلن عن أفلام ذات دقة عالية في إنتاج صورة مبهرة، كما ازدادت دور النشر التي تهتم بطباعة الكتب والمجلات المختصة من قصص مصورة وكتب تسالي وأوراق ملونة للقص وللصق والأشغال اليدوية، وعلى سبيل المثال ففي زمن أقدم قليلاً لم يكن هناك قصة لا يستطيع الطفل تمزيقها أو لوكها في فمه لأنها من البلاستيك..!
كل هذا إضافة إلى ما صارت تقدمه رياض الأطفال من برامج حديثة تهييء الطفل وتهتم بتنمية قابليته للإبداع..
فالإبداع يحتاج إلى المخيلة خصبة وإلى التشجيع على الاختلاف والتفرد لتطوير الجوانب المتميزة، لذلك فإن إفساح المجال للطفل عبر أكثر من قناة للتلقي يصبح أداة ايجابية .. سيما وأن الطفل في مجتمعاتنا يتعرض إما لضوابط الأمر والنهي ، والحشو والتلقين الكافية تماماً لقتل روح المبادرة والبحث والثقة .. أو يتعرض إلى الإهمال حيث توكل للخدم مهمة رعايته والعناية به، فيكبر في حالة استرخاء ودلال وكسل وانفصال عن محيطه والاهتمام بذاته.!
في المحصلة يمكننا القول أن علاقة الطفل بالتلفزيون لا يمكن اختصارها بصيغة مفيد أو غير مفيد فقط.. فمن غير المنطقي القبول بها دون ضوابط ، كذلك رفضها بالمطلق، بل إن طفلاً دون الخامسة سيكون سعيداً حين يتابع برنامجاً يحبه من دون أن يلغي ذلك وقت قراءة قصة ما قبل النوم، ومن دون أن يؤثر أيضاً على فرصته في اللعب في الهواء الطلق والركض ومشاركة أقرانه فوضى الصراخ والوقوع واتساخ ملابسه والبكاء أيضاً.
مقال نشر في مجلة التلفزيون

03 مايو 2008

i can see u






























في حضرة الغياب: محمود درويش

ألحُبُّ كالمعاني على قارعَةِ الطريق. لكنه كالشِّعرِ صعب، تعُوزُهُ الموهِبَةُ و المُكابَدةُ و الصوغُ الماهر ، لكثرةِ ما فيهِ من مراتب. لا يكفِي أن تحبّ – فذلك فِعلٌ منْ أفعال الطبيعة السحريّة ، كهطول المطرِ و اشتعالِ البرق، يأخذكَ منكَ إلى مدار الآخر لتتدبّر أمركَ بِنفسِك. لا يكفِي أن تحبّ ، بل عليكَ أن تعرف كيفَ تُحِبّ. فهل عرَفت؟ لم تستَطع الإجابة لأنّكَ لا تستطيع استعادة الرعشات التي هزَّتكَ و بعثَرَتْكَ على نزواتِ الليلك، و كَهْرَبَتْكَ و عَذَّبَتْكَ بمذاق العسل الحارق. و لا تستطيع استرجاع أكثر أطوار الموت عذوبةً و حياةً، حيثُ غَادَرَتْكَ « أنا » كَ إلى أنثاكَ لمُلاقاةِ نَفسك الطازجة فيها كالثمرة الناضجة.تلك اللحظات، حين تَسْترجعها الكلمات ، عصيَّةٌ على رفع الجَسَد إلى مقام الروح. من منـَّا لم يقُل لأُنثاهُ : ” لا وُجُودَ لي إلاّ فيك ” و كُنا صادقين؟ . و كُنا صادقين أَيْضًا حين وَجدن وُجُودنا في قولٍ مُشابه و في مكانٍ آخر. فهل عرفتَ كيفَ تُحبّ ؟ لم تستطع الإجابة، ربما لأنّكَ لم تتبيّن أحوال الحسِّ المُتنقل في الفوارق بين : الحبّ و العشق، و الوَلَع و الوَلَه، و الهوى و الجَوى، و الشَغَفِ و الدّنَفِ، و الهيَام و الغرَام، و الشَبَق و النزوة ، و الصبوة و الشهوة، و الإعجاب و الانجذاب . . . و غيرها من التباس الصفاتِ على الرغبات. لكلِّ مرتبةٍ حالٌ من أحوال الجَسَد، و لكلِّ حالٍ من أحوال الجسَدِ مرتبةٌ بينَ موتٍ و حياة . فلا تعرِف أينَ كُنت و كيفَ كُنت.
لكنَّكَ الآن، إذ تشرف على حياتك إشراف البحّار على خيبته من أسرار البحر التي لا تُدْرك، و تسأل: أينَ مِينائِي؟ تحار من عودة قلبك سالمًا صلْبًا كحبَّةِ سَفَرْجل صعبة القضم. فلماذا بكيتَ إذًا لأنّ العذراء لم تكُن عذراء قرب الشجرة التي سَبَقَكَ إليها أَحَدُ مُرَوِّضِي الريح؟ و لماذا بكيت ثانيةً لأن الثانيةَ لم تفتح لكَ الباب، و أنتَ واقف في الزمهرير مُرتجفًا من الذل، لا من البرد الذي أوقَدَ مدفأتك؟ و لماذا بكيتَ مرَّةً ثالثةً، لأن الثالثة سافرت، دون أن تنتبه إلى أنك كُنت تعانق وسادة، لا جسدًا من حرير و ريش و نعام؟
لا حُبَّ – تقول – لأنّ لا حُبَّ يشبهُ حبًا، و لا تعريف لقوةِ الجاذبية التي تخلع الكائنَ من كيانه، فلا يسأل عن ذاته و قد اغتربت، و عن حريّته و قد اقتربت من عبوديّة مختارة: أنا لك. بخصلةِ شعرٍ طائشةٍ في الريح تنتقل الجبال من أمكنتها. و بشفتين مفتوحتين تنضجُ بساتينُ الكرز في غيرِ أوانها. و بكلمة لا معنى لها يُنصِّبك التأويلُ ملكًا على عرشِ الهباء.
و أنتَ، أنتَ الممسوس بتيَّارِ كهرباء تسير على غير هدى، على أثر ما يتساقط من أوراقك، تدور بك العاصفة و العاطفة، و تدور بهما، و لا تدري إن كنت حزينًا أم فرحًا لأن الالتباس الذي أنت فيه هو الإحساس بخفَّة الأرض و بغلبة القلب على المعرفة. و ستدرك فيما بعد أن الحب، حُبَّك، هو أوَّلـُه. في أوَّل الحب، تكون معدًّا، كآلة موسيقية، لإطاعة الهواء في ما يملي عليكَ من تأليف: كل نسمة نغمة، و كل سكون صلاةُ شكر. و تكون مُعَدًّا أَيضًا لاستطلاع ليليّ لكُلّ نأمة تفدُ إليك من ديار النجمة. فأَطِلْ هذا الأوَّل، أوَّل الحب ، ليمتثل لك الخيال امتثال الفرَس للفارِس، و لتغزوكَ اللغة و تغزوها كرجل و امرأة يتسابقان على استضافة المجهول بكرم الطاعة المتبادلة.
في أول الحبِّ تنهمرُ عليكَ المطالعُ، زرقاءَ زرقاءَ. و في أوج الحب تحياه، و ينساكَ و تنساهُ و يُنْسيكَ المطالع. و في آخر الحب تطيلُ النظر إلى الساعة. و في الغياب تعثر المطالع على المواجع المترسبة في خُلوّ الغرفة من كأس النبيذ الثانية، و من شال أزرق، فتمتلىء القصيدة بما ينقصها. و حين تكملها بنقصانٍ مفتوح على أخرى، تبرأ من ذكرى و من ندم و لا يصدأُ فيك الذهب. كأن الكتابة، كالحب، بنتُ السحابة إن أمْسَكْتَ بها ذابَت. و كأنَّ العبارة لا تتحفّز إلاَّ لتعويض خسارة. فتتجلّى صورة الحب هناك: في غياب كثيف الحضور.
و حين تخرج من نفسِك، كأنَّكَ أنتَ، و تنظر إليكَ من بعيد كأنك هُوَ: واقفًا تحت المطر، على شارعٍ مُزدَحِم بالمارّة، و في يدك باقة ورد أحمر، لا تشعر بالبرد ، بل بسخريةٍ من وقفتك الزائغة. و تتساءَل: هل كان حُبًّا أم شهوة، هل كانَ عشقًا أم شبقًا؟ و تنسى شعورك . . . تنساهُ و لا تبحثُ عنه، فلا تتألم و لا تندم، بل تكتفي بالسلام عليهِ، عن بُعد، و هو ينتقل إلى ذكرى بعيدة لا تُؤَرِّق، ذكرى تتحكَّم بها كما تتحكَّم بجهاز الفيديو: تَضَعُ النهايَةَ في البداية، أو تثبّتُ الصورةُ على ضروراتِ القلب المُتقَلِّب.
و تضحك خجلاً من كلامٍ تمادى في مديح الشبق حتى احترق: يبدأ من القدمين المنحوتتين بقطعة شمس، فإلى أعلى يلمع البرق من ساقين مسكوبتينِ بقلق المهارات، فأعلى إلى الرُكْبَتَيْن المُصنَّفتَينْ كمُعجِزَتَيْن، فإلى أعلى: البطنُ – الموجُ في حالة جَزْر، فأعلى: يبدأُ الغروب تدريجيًا بامتصاصك بنَهَمٍ نبيلٍ خَفِر ، فتُقْبِل و تُدْبِرُ و تعلو و تهبط و تعرق و تشهق و تغرق في ليلٍ ساخن العتمة فاتنْ. يداكَ أو يداها – لا تدري – تلمّانك و تحملانك كنسرٍ أغمي عليهِ في فضاء يدلف كواكب . . . فتنظر إلى العينين نصف المفتوحتين على عينين نصف مُغمضَتين، ليتأكد كل منكما أنه ينبُتُ في الآخر.
لكن أحدًا لا يسكُنُ الذروة، تسقطانِ دُفعةً واحدةً من أعلى سماء إلى نُعاسٍ مُبلّل بالرذاذ. تهمِسان بصمتٍ واحد، بلا شيءٍ أوضحَ من أيِّ شيء. و تحلمان معًا، و على حدة، بأن يستمر هذا العناق إلى الأبد، إلى أن يتضح بكما أن لهذا الأبد عمرًا قصير الأمد، و أن الأبدية لا تنصاع إلى أحد، فهي كثيرة التداول و الانتقال من لحظة إلى أخرى ، و من حالةٍ إلى سِواها.
و أنتَ الذي لا تعرف الحب إلاّ عندما تحبّ، لا تسأل ما هو ولا تبحث عنه. لكن امرأة سألتك إن كنت تحب الحب لذاته، فتمَلّصت و تخلصت من حيرة الجواب، و قلت: أُحِبُّكِ أنتِ. فألحّتْ: ألا تُحِبُّ الحُب، فقُلت: أحبكِ أنتِ لذاتك، فانصرفتْ عنكَ لأنك لا تُؤتمَنُ غيابها. ليسَ الحُبُّ فكرة. إنه عاطفةٌ تسخن و تبرد و تأتي و تذهب. عاطفة تتجسَّد في شكل و قوام، و لهُ خمسُ حواسّ و أكثر. يطلع علينا أحيانًا في شكل ملاكٍ ذي أجنحة خفيفة قادرة على اقتلاعنا من الأرض. و يجتاحُنا أحيانًا في شكل ثور يطرحنا أرضًا و ينصرف. و يهبُّ أحيانًا أخرى في شكل عاصفةٍ نتعرَّف إليها من آثارها المُدمرة. و ينزل علينا أحيانًا في شكل ندى ليليّ حين تحلب يدٌ سحريَّةٌ غيمةً شاردة.
لكن هذه الأشكال كُلّها تجتمع في امرأة، حسية مرئية، ملموسة محسوسة، لا في فكرة. فنحبُّ الشكل الجاذب، و ينكبُّ الخيالُ على تفحُّصِ مافيهِ من غموض و غرائب. أما الأرواح فتتعارف و تتآلف حول الشكل المتلألىءبالجوهر. و قد تختلف على تأويل ما يقولُ الجسَدِ للجَسَد، فتنصرف إلى شفافية أخرى و تحلّ في أجسادٍ أكثرُ امتلاءً بالماءِ و التناغم و الموسيقى. ألحبّ هو المـُتحَوِّلُ المُتَنَقـِّلُ العصيُّ على الهوية. هو الانخطاف الذي يلتبس فيهِ الشغف مع الإشراق. هو ما لا تعرف و تعرف أنكَ لا تعرف. هو اكتمالُ المعنى باللامعنى من فرط جنوحِهِ إلى المجانية و تبذير الحضُور. و هو نقيضُ التكرار و الإلحاح على إصلاح الهواء و اللون، و إلاّ صار زواجًا تحلُّ فِيهِ صِيانَةُ الكلامِ من الزلل محلَّ الارتجال الضروريِّ لشعرٍ لا يقُومُ الحُبُّ إلا عَلَيه، فلا يصلُحُ نثرَ التدبيرِ المنزليّ لإبقاء إجاصتينِ طازجتينِ على طبق المرمر، و لتحرِيضِ المجهول على إغلاق الطريقِ أمامَ المعلوم. لابُد من سرّ، لابد من سرّ دائِم، ليبقى الحب مُفاجأة و هدية، فلا تفتح خزانة ثيابها الملأى بأسرار طباعها !
و إن خمد الشغف ابتعد الحب، رويدًا رويدًا، إلى نهار الصداقة. و تقول لها: ما أجمل الصداقة حين نشيخُ معًا، و أتـَّكِىء عليكِ و تتَّكِئِينَ عليَّ، و أرحمك و ترحمينني في دار العجزة حيثُ لا نقوى على التذكُّر. لكني أوثر أن أعتمد على عكازي، لا عليكِ. و لا أريدُ أن أرى روميو و جولييت، و لا قيسًا و ليلى، أمامي في أرذل العمر. للحبِّ تاريخُ انتهاء، كما للُمرِ و كما للمُعلَّبات و الأدوية. لكني أُفضَّل سقوط الحب، بسكتة قلبية، في أوج الشبق و الشغف، كما يسقط حصان من حبل إلى هاوية.
سألتُكَ: مَنْ هِيَ، فقُلتَ: لا أعرِفُها من فرطِ تعَدُّدِها في واحدة. هي و لا هي. هي و هُنَّ إذا ما اجتمعن في قصيدة حب كتيرةُ المصادر، تتوزَّعها ضروراتُ البحثِ عن تحقق ما لا يتحقق ، و عن نداء يغمرنا دون أن ندرك أنه لم يصل، و عن تجدُّد العطش أمامَ النبع. هي و لا هي إن حضرت و إن غابت، فكأنَّ حضُورَها غيابي فيها، و كأنّ غيابها حضُورُ التفاصيل. لكنها تنتشرُ بعدة أسماء، فلا أدري إن كانت هي هي، أم من نساء مخيلتي و رغباتي المُتبَدَّلَة. لذلك يبدو أنها اختراع، لأني لا أخطىء بالأسماء، فلا أنادي غيرَها باسمها الذي نسيته من قلة الاستعمال.
و سألتُكَ: لَمْ تَعرِفْ، إذًا، كيف تُحبّ ؟ فأدهَشَنِي قَولُكَ: ما الحُبٌّ؟ كأنني لم أحبّ إلا عندما كان يُخيّل لي أنني أحبّ . . . كأن تخطفني من نافذة قطارٍ تلويحةُ يد، ربما لم تكُن مُرسلةٌ إليّ، فأوَّلتها و قبَّلتُها عن بُعد . . . و كأنْ أرى على مدخل دار السينما فتاةً تنتظرُ أحَدًا، فأتخيَّل أني ذاك الأحد، و أختار مقعدِي إلى جِوارِها، و أراني و أراها على الشاشة في مشهد عاطفيّ ، ولا يعنيني أن أفرَح أو أحزن من نهاية الفيلم. فأنا أبحث في ما بعد النهاية عنها. و لا أجدها إلى جواري منذ أنزلت الستارة.
و سألتُكَ: هل كُنتَ تُمثـِّل يا صاحِبِي؟
قُلتَ لي: كُنتُ أخترعُ الحب عند الضرورة / حِينَ أسيرُ وحيدًا على ضفة النهر / أو كلما ارتفَعَتْ نسبةُ المَلحِ في جَسَدِي كنتُ أختَرِعُ النهر . . .
حلب
شهقة ..( صورة من موقع فليكر)

وحلــــــــــــــب
هكذا أردتها ..نافذتي
لكن!
( صورة من موقع فليكر)




حلب أيضا: الحياة حلوة بس نفهمها( الصورة من موقع فليكر)

حلب يادفا ( الصورة من موقع فليكر لهواة ومبدعي التصوير)

02 مايو 2008

زهر البرتقال/ قصة قصيرة

تنحنح أمجد قليلاً قبل أن يعلن : "سينضم إلينا أحد أصدقائي القدامى . هو مغترب يعيش في ألمانيا . ستكون فرصة لطيفة للتعرف إليه . إنه د.رامز راجي ........... "

ولم أعد أسمع شيئاً ..

ما أضيق هذا العالم ! بعد عشرين عاماً تحكمني الظروف كي ألقاه دون أن أدرب وجهي كي يحتفظ بدهشته ، ودون أن أدرب قلبي كي لا يخفق عالياً ويفضحني .

هاجمتني ذكراه كومضات ضوئية ، الواحدة تلو الأخرى . تلك قصة قديمة ، المفترض أنها بليت تماماً . بعد كل تلك السنين ، ذاك الحب أصبح مستحاثة أو هكذا كان الظن : ظني .

ولكن هاهو الماضي ينبعث من مرقده ليفاجئني كعوارض ذهول طارئ .. كان عقلي قد أصبح عاجزاً عن متابعة ما يقوله صديقنا أمجد ، فقد تفككت الحروف وأصبحت لا تعني أكثر من أصوات تخرج من الحنجرة : حنجرته ، كما تؤكد لي شفتاه المتحركتان .

انفصلت عن مجموعة الأصدقاء ، وحتى عن الكنبة الوثيرة التي كانت تحتويني ، وعدت إلى تلك الأوقات الرائقة تحت أشجار البرتقال ، كان الوقت ربيعاً ، وكنت ما أزال أختال بستة عشر عاماً تجعل قلبي مفرقعة نارية .. اندفعت نحوه دون تحفظ .. لم أقف عند حدي الأمثل كفتاة خجولة بل تحرشت به كقطة عابثة راقتها كرة الصوف . كنت أتجاهل لهفته وأسبقه إلى مبادرة العناق بل لم أخجل حين اختلست منه القبلة الأولى .

جريئة دون تحفظ ‍‍‍‍‍‍، وأي عذر لي سوى أني امتلكت قلباً عارماً بالحياة .. في البداية كان يبتسم سعيداً باندفاعي أو مغروراً برجولته المحفزة .. دون أن يخفي بعض ذهوله ودهشته . لكن إلى حين .. فسرعان ما انكمش على نفسه مذعوراً ، معلناً مخاوفه ، مقسماً أني أبدو أمامه كنصف رجل .

افترقنا و كل جريرتي أني قفزت إليه ، دون أن أخفي افتتاني به .

رحت بعدها أتساءل : " هل كان عليّ أن أكذب ؟ " .

لم أسلم من ألم ودوار وقرصة في القلب الخائب ..

في النهاية قلت لنفسي : "لا يطفئ النار إلا النار "

كنت هشة ومتعجلة وكنت أحاول استعادة ذلك الإحساس الذي أدمنته من خلال تلك الأشياء الصغيرة الجميلة التي كنا نقوم بها خلسة .

المرة تلو المرة .. ألم بعد آخر .. خيبة بعد أخرى .. لأكتشف متأخرة بعض الشيء : أن الحب الأول مغامرة خاصة لا يمكن تكرارها .

حين يئست من العثور على بديل له المقاس نفسه .. قررت الزواج . استذكرت كل المطبات فأعملت جهدي كي أتصرف كطفلة ساذجة تبحث عن الأجوبة . بدوت أمام خطيبي بريئة ومحصنة بوجه آخر لا يشبهني ، تربص بي حتى ارتاح إلى أني لا أفهم إلا ما أفهمني إياه شخصياً .

أنجبت منه شموساً ثلاثة أدور في فلكها . تذكرتهم .. وتذكرت الرجل الذي يجلس إلى جانبي ، ينفخ دخان " البايب " وهو يصالب ساقيه بثقة مازالت تميز كل حركاته . أشفقت عليه .

سيصل د. رامز بعد قليل .. سيجدني مرتبكة .. سأتلعثم .. وسيدرك أني مازلت تلك الحمقاء .. لابد أن أنجو بنفسي

لا بد من الهرب قبل أن يشعر أحد من أصدقائنا بما آلت إليه حالتي .

أمسكت حمالة حقيبتي في وضعية الاستعداد كمتسابق لا ينقصه للانطلاق سوى صافرة البدء ، وكنت أفكر هل يبدو الصداع المفاجئ سبباً مقنعاً للانسحاب السريع . كنت متهيئة كي أنطلق فراراً حين رن الجرس ، معلناً أن الوقت صار متأخراً وأني فوت الفرصة .

دخل ففاحت رائحة زهر البرتقال ، لمحت وجهه ، وتفحصتها ملياً ، كانت زوجته مختلفة عني تماماً . بالتأكيد ‍.. فهو لم يسع إلى بلاد أخرى كي يختار سمراء مثلي ذات قامة ضئيلة وعينين دون تميز لوني .

كانت هي : الأنثى الأخرى ، مشدودة القامة كرمح ، حمراء كجزرة ، تملك بؤبؤين زرقاوين كصفة سائدة بين النساء الأجنبيات ، وكانت أيضاً تمسك كفه ، وفي نفس الوقت تسبقه بنصف خطوة ، لأدرك أنها لم تعتد اللحاق به كما كنت أفعل أنا في ذلك الزمان .

هو أيضاً باغته وجودي .. " مدام شامي " قدمت إليه نفسي بلقبي الجديد ، أم أني نسيت اسمي ؟.

‍‍أسقطتُ يدي في يده وسحبتها بعد دهر.. سريعاً .

كأني به لم يتغير .. بل إنه مازال يمتلك تلك الكف المربعة الدافئة . كان خبثي يتمنى على الله لو أنه صار عجوزاً فقد جاذبيته ورشاقته ، لكن شيئاً من أمنياتي الحاقدة لم يحدث !

خفق قلبي باضطراب وغرابة لا تتناسبان مع ما كنت أطلبه منه هكذا دون توقف بم.. بم .. بم .

لا أدري لماذا التصقت بزوجي أكثر قليلاً مما كنت عليه قبل مجيئه ، بل إني سمحت لكفي الباردة بالرقود فوق ركبته في حركة إلفة ودفء تتناقض مع جليدها .

استلمت سياق الحديث والتعليق بظرف لا يسكنني إلا لماماً .كان يتوجب عليّ أن أقضي على منافستي بالضربة القاضية .. و أحسب أني فعلت .

هو كان ساكناً صامتاً كلغز محير . أملت أن يبدي امتعاضه .. حزنه .. ندمه . تعمدت تجاهله كأي غريب لا أعرفه ، لم تلتق أعيننا إلا خطفاً .

على مائدة العشاء ومن خلال أبخرة الطعام سمحت لفضولي أن يحاصره ، كان جالساً على الكرسي المقابل و شاءت أذناي المتأهبتان أن تلتقطا رغم المسافة تنبيه زوجته كي لا يشره في التهام الطعام ، فكرشه يكبر و يزعجها .

أطاع تعليماتها مكتفياً بالحساء والسلطة ثم أخذ يقضم الخيار والجزر ، حتى صار يشبه الخروف .

مع اقتراب الفجر انتهت تلك السهرة وانتهيت بها .. أرخيت كتفيّ و تنفست الصعداء ..

أخذت مكاني إلى جانب زوجي الذي يقود السيارة بذراع واحدة فيما الأخرى تحيط كتفي ، دون تعمد أبعدت جسدي عنه ، كان ذهني الشارد يبحث عن جملة قالها لي رامز ذات وقت :

" أتخلى عنك كي أحتفظ بك " . لم أفهم يومها .

هل كان من الضروري لأقداري أن تلتقيه هذا المساء ، حتى أعرف ؟ ..

شاب الرأس ـ أكاد أقول ـ ولم يشب القلب ... شيء ما أخذ يضايقني ، تلك المستحاثة نفضت عنها كل ما علق بها تخلت عن تحجرها وتصلبها لتخرج بضّة ، رخوة ، منتفخة بالحياة .

فوق مرآة السيارة أمامي انعكس وجه مراهقة تنضح بالرغبة ، فيما ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة ماكرة تعدني بأشياء كثيرة .

01 مايو 2008

مثل صيف كان وانقضى
مثل اسم انمحى

الغبار يحجب الشمس

الساعة الثانية من ظهر يوم 30/4/2008
في الكويت