03 يونيو 2025

سوزان خواتمي: رفع مستوى الوعي العام حول قضايا المرأة .. مسؤولية من؟

 


صار متوقعاً انتقاد المنظمات النسوية ومهاجمة الفكر النسوي، بل وكثيراً ما يتم محاكمته ومطالبته بتوضيح هويته وإثبات قدرته على التواجد في الحيز العام، باعتباره -حسب اعتقادهم- تقليدٌ لنظريات غربية تشجع النساء على الخروج من عباءة التقاليد والأعراف، ليتجرأن على المطالبة بحقوق ليس من المحمود المطالبة بها، فالموانع التي تأسست تاريخياً بمفاهيم ذكورية عميقة استحكمت لتُفصّل على مقاسات تلائم أو لا تلائم النساء.  

 لتغيير المفاهيم السائدة، وتحقيق العدالة والمساواة لشريحة النساء التي تشكل نصف المجتمع، تبذل المنظمات النسوية والمبادرات والتجمعات الداعمة والمناصرة لقضايا  المرأة جهوداً لا يستهان به لإحراز تقدماً في مجالات تأهيل النساء لمراكز صنع القرار، ومناهضة قضايا التحرش، وإلغاء بنود التمييز في الدساتير والقوانين، وتجريم العنف الأسري، والحد من ظاهرة تزويج الصغيرات، وغيرها من القضايا الشائكة.   

رغم أحقية تلك المطالبات سوى أنها لم تصل بعد لأن تصبح جزءاً من وعي القاعدة الشعبية الأوسع، وهذا ما يدعو إلى التفكير بوسائل قادرة على الانتشار والوصول إلى شرائح الناس بكل أطيافهم تساهم في تغيير المفاهيم السائدة.. تلك مهمة الاعلام.  

 الرأي العام..

لا يقتصر دور السينما والتلفزيون على هدف الاستمتاع والمتعة البصرية، فهو في ذات الوقت قادر على أداء دور المحرض في توجيه الرأي العام، والتسويق لأنساق فكرية بعينها، وغرس المبادئ والقيم، الأمر الذي جعله “موجهاً” من قبل الأنظمة الحاكمة المسيطرة على قطاع الإنتاج والبث لنشر ما يناسبها من إيديولوجيات وسياسات، فوسائل الاتصال هي التي توجه اهتمام الجهور نحو قضايا بعينها، وهي التي تطرح الموضوعات عليه، وهي التي تقترح ما ينبغي أن يفكر فيه.

يتضح ذلك عندما تبالغ وسائل الاعلام في تقديم مواضيع وقضايا ترسخ وجهة نظرها.

في بحث يحمل عنوان ” دور وسائل الاعلام في صناعة الصورة الذهنية” يوضح د. عبد القادر علال :

 [إن الكيفية التي يتصرف بها الإنسان تعتمد على “الصورة الذهنية” وهو مصطلح أطلقه لأول مرة والتر ليمان ويصلح أساساً لتفسير الكثير من عمليات التأثير التي تعمل بها وسائل الاعلام، وتستهدف بشكل رئيس ذهن الإنسان، ويعتبر التأثير في الاعلام والاتصال هو ثمرة أداء توجه الرسالة نحو المتلقي، وتغيير أو ترسيخ أو زرع أفكار وصور وفق الهدف المعد مسبقاً ، وهو الدور الذي تؤديه وسائل الاعلام لتشكيل صور ذهنية عن المواضيع والقضايا لدى المتلقي، لذلك فإن أي تغيير يصيب الصورة الذهنية يتبعه بالضرورة تغيير في السلوك.] *

ما الذي ينطبع في أذهاننا، فيما نتابعه عبر البرامج التلفزيونية؟  

قضايا المرأة..

رغم تحولات أوضاع المرأة في الآونة الأخيرة، ومشاركتها بأدوار فاعلة في ثورات الربيع العربي، وشجاعتها المشهودة في مواجهة أوضاع اللجوء والهجرة وضنك العيش، إلا أن تداول قضاياها في الدراما والبرامج العربية مازالت ضبابية ومتحاملة باستثناء أعمال قليلة هدفت إلى معالجة حقوق المرأة، وحاولت إحداث تغيير حقيقي في المنظومة المجتمعية، كما في مسلسلات مثل “قلم حمرة، زمن العار، ظل امرأة، فاتن أمل حربي” ، وفي أفلام مثل  ” أريد حلاً، هلأ لوين، كفر ناحوم، عفواً أيها القانون”، وأيضاً الأفلام الوثائقية التي عرضت دور النساء في الحرب، وإن كانت أقل مشاهدة.

تلك الأعمال بما طرحته من قضايا إشكالية أثارت ردود فعل متباينة، وأدت في بعض الأحيان الى التغيير على المستوى القانوني والإصلاحي، فقد تحرك البرلمان المصري مؤخراً لمناقشة قانون الولاية على الأطفال بعد عرض مسلسل “تحت الوصاية” .

لكن… الدراما بإنتاجها الأوسع مازالت تحصر المرأة بأدوار الضحية.. اللعوب.. الانتهازية.. المعنَفة.. المستسلمة.. القاصرة عن اتخاذ القرارات السليمة، أما تشيئها كسلعة تسويقية فحدث ولا حرج.

كما تعمد السينما التجارية إلى تقديم مشاهد التحرش باعتبارها محاكاة لإرث ذكوري، وطريقة للفكاهة والتندر، الأمر الذي لا يمكن فهمه إلا بأنه أحد أشكال التحريض على التحرش، فحالة الايهام التي تخلقها المشاهد البصرية تدفع المراهقين والمراهقات إلى تقليدها، وترسخ عند المتابعين والمتابعات المفاهيم المغلوطة.  

 تستطيع الدراما أن ترفع مستوى الوعي العام وأن تخفضه وتشله أيضاً، ويعود قرار ذلك إلى توجه الجهات المنتجة، وإلى دور الجهات الرقابية عندما تتعامى عما يعرض من قضايا مسيئة ومهينة للنساء.!  

إلى أن تتكافل الجهود باتجاه تغيير واقع المرأة، ويهتم أصحاب القرار بالدور التوعوي للدراما، يصبح تغيير الثقافة مجتمعية التي أسس لها الفكر الذكوري أمراً ممكناً.

* مجلة المواقف للبحوث والدراسات في المجتمعات والتاريخ

اللوبي النسوي السوري

سوزان خواتمي: الإنسان الإله.. طموح علمي لنوع بشري محسّن بيولوجياً

 


بشكل يومي نلمس القفزات المعرفية والثورة التكنولوجية وفرص الذكاء الاصطناعي التي أدت إلى تغييرات في نهج الحياة، فهي أكثر رخاء مقارنة بالماضي، فالتطور التكنولوجي السريع وهيمنة التقنيات فرضت منحى حداثياً على تفاصيل حياتنا ما كنا لنتخيلها قبل عقدين من اليوم، مثل الإمكانيات المتطورة للهواتف الذكية، والاكتشافات المذهلة على مستوى الطب والصحة، آخرها اختبار الدم الذي ينبئ بالنوبة القلبية قبل عشر سنوات من حدوثها، واللقاحات والأطراف الصناعية التي يتحكم الدماغ بحركتها، وما توصل إليه علماء الفضاء، وغيرها الكثير في باقي المجالات..

وعادة ما نتساءل ماذا بعد!

كثير من الكتب ناقشت الاتجاهات المستقبلية للبشرية منها المستقبل المتطرف، وفي 100 عام: كبار الاقتصاديين يتوقعون المستقبل، وفيزياء المستقبل وغيرها…

تتشارك العناوين السابقة بذات الموضوع مع كتاب (الانسان الإله – تاريخ وجيز للمستقبل) للمؤرخ يوفال نوح هراري الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس، والحاصل على شهادة الدكتوراة من جامعة أكسفورد، وعلى الدكتوراه الفخرية من الجامعة الحرة في بروكسل، وعلى جائزة بولنسكي للإبداع والأصالة، كما اختارته مجلة مياغازين ليترير الفرنسية ليكون ضمن قائمة أكثر المفكرين تأثيراً في العالم.

في مقدمة الكتاب المترجم إلى العديد من اللغات يشرح هراري سيطرة الذكاء الاصطناعي وتأثيراته، والسباق العالمي في مجالات الكمبيوتر والإنترنت وتكنولوجيا النانو والهندسة البيولوجية وجمع البيانات التي ستنتج شكلاً جديداً من الاستعمار هو الاستعمار البياناتي.

وبعد ذلك الاستهلال، يعود بنا الكاتب في عرض بانورامي للمنجز البشري بدءاً من ظهور الانسان في أفريقيا قبل 233 ألف سنة وتشكل الوعي وتطويع الطبيعة وقوانين المجموعات، مروراً بالثورة الزراعية واكتشاف الكتابة إلى الثورة الصناعية وحتى التاريخ الحديث قبل 500 سنة، وعندما يصل إلى تاريخنا المعاصر وسيطرة العقل يعرض علينا تنبؤاته نحو المستقبل بناء على سياقات العلم فيقول:

” قد.. تؤدي التطورات الى استبدال أنفسنا بآليات مهندسة بيولوجياً تجعل منا أناس مختلفين عما نحن عليه الآن” ويقول: ” قد.. تكون حقبة جديدة نحو امبراطورية عالمية بثقافة واحدة ومزايا بشرية متطورة.”

يبني هراري استقراءاته بناء على الإنجازات الناجحة وتحسن ظروف الإنسان بعد القضاء على مخاوفه الأولى (المجاعات والأوبئة والحروب) ما جعل العلم أكثر طموحاً لتحقيق المزيد من الرغبات البشرية كقهر الشيخوخة ورفع نسبة السعادة، وتحويل الإنسان إلى إله يتسم بقدرات بدنية وعقلية محسّنة.

من يدري ربما يكون هراري محقاً في تنبؤاته التي يحاول إثبات صحتها بناء على التسلسل التاريخي ومنجزات العلم.!

ألوهية البشر

إعادة هندسة وتطوير عقول البشر بحسب هراري هي نظرية تحتمل الصواب والخطأ كما يعترف بنفسه، لكن ترجيح نظريته بربطنا بالتكنولوجيا لا يعطينا تصورات أكيدة لما سيكون عليه الانسان المطوّر جينياً، أو كيف تتصرف الكائنات ذات العقول الأكثر ذكاء.؟

بعض أفلام الخيال العلمي طرحت تلك المسألة، فقدمت السينما عام 2014 فيلم (لوسي) الذي يحكي عما يمكن أن يحدث فيما لو ارتفعت قدرة عمل الدماغ البشري إلى حده الأقصى، وهو ما تعرضت له البطلة سكاريت جوهانسون، وتحولت إلى امرأة خارقة كلية المعرفة كاملة الذكاء تتحكم بخلاياها وتملك ذاكرة تعود إلى لحظة ولادة الكون، امرأة قادرة على اختراق طبقات الجلد بنظر ثاقب يرى كل العمليات الحيوية داخل الجسم وبالتالي هي قادرة على تشخيص الأمراض ولا تشعر بالألم أو بالجوع أو الحزن، ولا بالسعادة..

ربما تكون حالة البطلة أقرب مثال لنبوءة ألوهية البشر !

  ماذا يريد الناس؟

يعتبر أرسطو أن السعادة هي الغاية القصوى لوجود الكائن البشري باعتبارها الخير الأسمى، فيما يرى هراري أن الإنسان الحديث لم يصبح أكثر سعادة مقارنة بأسلافه، فالنزعة نحو الاستهلاك والرخاء والرعاية الصحية والسلام لم تؤد إلى البهجة المنشودة، ولم تنقص حالات الانتحار.

لعل ظهور الانسان الخارق الذي يتحكم بنظامه الكيميائي الحيوي -لو كان ممكناً -سيكون قادراً ذاتياً على رفع مستوى سعادته وقهر المرض والعجز. كما أن تصورات هراري حول السلوك البشري وفق محددات الهرمونات والتشابكات العصبية والجينات، تعني أن نصبح نموذجاً يقارب الآلة، وسيعاني ذلك النوع من البشر من مشاكل مستجدة تحتاج إلى حلول.

تحفظات:

يبني الكاتب تصوراته عن القرن الحادي والعشرين بناء على أساسين  

الأول: سبب تغيير الحقب التاريخية هي الأفكار.

والثاني: العلم والتكنولوجيا يشكلان مصير الإنسان.

ما يجعلني أتساءل عن الأثر الأخلاقي، وبالتالي عن وجودنا الإنساني وتصوراتنا وأفكارنا ضمن مجتمعاتنا القابلة ليس فقط للذوبان، بل وللتعرض للإيذاء من خلال إرادات وإدارات تتحكم بمصير العالم، فسيرورة الحياة مازالت مليئة بالأخطاء، والتهديد بالسلاح النووي قائمٌ، والبلدان النامية تعاني الجوع والفاقة، وهناك أجيال من الأطفال محرومة من التعليم، كما أن بعض الأمراض التي انقرضت عادت للظهور.!

الجدير ذكره أن الانتقادات طالت الكتاب كونه يفتقر إلى المرجعيةالعلمية والتوثيق الأكاديمي، ووفق بعض المقالات تلك النظريات لا تخلو من الخيال والتناقض.

لكن.. سواء اتفقنا أو اختلفنا مع الكاتب، سوى أن سياق الكتاب هو رحلة ممتعة لاستعادة أحداث الماضي بما احتواه من معلومات عن السلوك البشري، وتطور اللغة، وتكوين الأديان، ونمو الامبراطوريات، وعالم المال، والاقتصاد العالمي، والثورات والحروب وسلوك الحيوانات ومفهوم السعادة والثورة المعرفية.

*الكتاب من 413 صفحة صادر عام 2021 عن مشروع كلمة للترجمة/ أبو ظبي. *ترجمه للعربية حمد سنان الغيثي، صالح علي الفلاحي  

رابطة الكتاب السوريين


سوزان خواتمي: يرى من خلال الوجوه.. رواية فلسفية تتخفى وراء حبكة بوليسية

 يبدو أن فكرة فلسفة الحياة ومجاهل الكون والنزعات البشرية هي المواضيع المفضلة التي تدور في فلكها روايات الفرنسي ايريك ايمانويل شميت. كانت أول معرفتي به كقارئة من خلال روايته “السيد ابراهيم وأزهار القرآن“، وتعالج فكرة التشدد الديني، وضرورة التعايش من خلال علاقة تنشأ بين رجل مسلم وطفل يهودي.

تالياً قرأت له رواية “ليلة النار” كتبها بعد رحلته الشخصية إلى الصحراء الجزائرية، فبطل العمل يتوه عن أصدقائه، ويقضي ليلته متجمداً من البرد، يفكر بالحدود الفاصلة بين الموت والحياة،  وبالقوة الإلهية التي تدير الكون.

تتكرر الثيمة في عمله “يرى من خلال الوجوه ” الصادر عن دار مسكيلياني عام 2019، حيث يختار مدينة شارلوروا مسرحاً لأحداث متلاحقة ضمن حبكة بوليسية مشوقة.

 منذ بداية الرواية يظهر أوغسطين الصحفي المتدرب الذي تقوده الصدفة لأن يكون شاهداً على عملية انتحارية يذهب ضحيتها الأبرياء، ينقلُ على إثرها إلى المشفى مع المصابين، لتبدأ المغامرة وتتبدل مجريات حياته، حيث يطلب منه مدير جريدته الانتهازي بيغارد تزويده بتفاصيل ما شاهده في اللحظات الأخيرة قبل الانفجار، لنشرها وزيادة مبيعات الجريدة، ولكن يبدو أن تطورات السعي وراء كشف ملابسات الحادثة ليست بالأمر السهل، فما جرى أمام أنظار أوغسطين له أكثر من تفسير، كما أن الحقيقة لها أكثر من وجه.

أوغسطين الشاب اليتيم الذي عاش في دور الرعاية، بشخصيته المهمشة والمركبة بين السذاجة والانسانية يملك موهبة رؤية الموتى، وعندما يختار مبنى مهجوراً لينام فيه، يعثر على حاسوب الإرهابي القاتل حسين بدوي، ليجد نفسه ملاحقاً من الشرطة التي تشك بإفادته، فما الذي يستطيع فعله أمام الورطات والمطبات التي تحدث له، فهو أضعف من أن يكون لنفسه رأياً، ولكنه أيضاً محور كل الآراء.

أفكار طغت على الأحداث والتقنيات

شخصيات الرواية الرئيسية تدفع الحدث المركزي، وتحافظ على مساراتها حتى النهاية، وهي : أم كلثوم زميل/ة العمل.. المحقق المتجهم الساعي وراء المجرمين.. القاضية المتفهمة التي تظهر وتختفي بشكل مفاجئ.. الشقيق الصغير للإرهابي المهووس بتكرار فعلة أخيه.. إضافة إلى شخصية الروائي إيمانويل شميت، إذ يجري أوغسطين معه لقاء صحفياً، لكن علاقتهما تتطور، لتتخذ شكل المعلم الحكيم والتلميذ المطيع المستمع إلى أفكاره الصوفية وعلاقته بكتبه وكلابه وملاحظاته عن الحياة، فشميت المحاط بمجموعة من الموتى من الكتاب العظماء مثل ديدرو موليير بوذا يستغل شغف أوغسطين بالمعرفة، فيدفعه إلى تجربة روحانية. حواراتهما المطولة تشغل فصول عدة تكفي لعرض آرائه. أورد منها هذه الاقتباسات، فعن علاقة الأديان بالعنف يقول:

” لقد قُتل البشر باسم جميع الديانات حتى الروحانيات الشرقية بررت الحروب، فالبوذية رغم طابعها السلمي تم التلويح بها خلال حمامات الدم التي شهدتها بورما وسيرلانكا”

وفي تحليله لأسباب التطرف، يقول:

” ثمة رابط بين الجهل والعنف يبدو لي العنف عملاً يائساً للهروب من انعدام اليقين، أولئك الذين يقومون بأعمال عنيفة يريدون أن يكونوا على حق وألا يقع تكذيبهم, إنهم يرغبون في الهروب من الأسئلة.”

لا أريد كشف الأحداث أو قطع المتعة عن من يرغب قراءة رواية تكمن أهميتها في  جدالاتها، فالتفجير الانتحاري ضمن حبكة قائمة على الحوارات ليست إلا وسيلة لطرح الأسئلة، ولعرض أكثر من مفهوم، والحصول على أكثر من وجهة نظر، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معها، إلا أن الكاتب شميت المتخصص بالفلسفة، والدارس للأديان الذي يعتبر الإسلام دين الحكمة، استفاد من تخصصه وسعى بذكاء لتحدي آراء القارئ الخاصة، وحثه على منهجية التفكير، فهو يهاجم الأديان ويدافع عنها في آن، وبدل أن يكتب بحثاً عن مقارنة الأديان، والكتب السماوية بدءً من العهد القديم ووصولاً للقرآن الكريم، نشر رواية جذابة لا تخلو من مفاهيم الإرادة الحرة للإنسان، ومصدر الشر، والقدرية، والتطرف.

الكتاب الجيد هو الكتاب المحفز رغم وفرة الأفكار وتشعبها ولغة الأستذة التلقينية، ورغم مهاجمة البعض لمحتوى الرواية لأن فصلاً منها يقوم على حوار مع الله سبحانه، لكن حرية التعبير المصانة في الغرب مازالت تتيح لنا كتباً قابلة للنقاش والانتقاد لو شئنا، فقد حرضتني رواية “يرى من خلال الوجوه” بعد إنتهائي منها على استرجاع الحكاية، وإعادة قراءة أجزاء منها، وأنا نادراً ماأفعل ذلك.

#نعيش_لنقرأ

*إشراق

*موقع رابطة الكتاب السوريين


"رُبْعُ وَقْت" سوزان خواتمي.. أرواحٌ محاصرةٌ وعصافيرُ مُؤَجَّلَة... قراءة للشاعر نزار غالب فليحان


 "ربع وقت" حكاية نائلة ونسيج حكايات متصلة أخرى، منها ما ترك أثراً مباشراً على الحكاية الأم، ومنها ما جاء ليكمل المشهد العام لبيئَتَيْ النص المحلية، حيث تعيش نائلة والعامة الأكثر اتساعاً حيث يعيش الوطن. سوزان خواتمي


حكاية لعبت فيها الروائية دور الراوي تاركة مساحات من النص لحوارات بين شخوص العمل لم تكن على حساب السرد، بل أكملت وظيفته نحو تكوين لوحة أكثر وضوحاً وواقعية، سيما وأنّ لغة الحوار تلك كانت متناغمة مع المستوى الثقافي للشخصيات، كما عززت الكاتبة النص بأفكار وخواطر بعض الشخصيات بين حين وآخر، أفكار وخواطر عكست سرائرهم وطباعهم في محاولة لإعطائهم حرية التعبير عن ذواتهم وتمكينهم من رسم ملامح شخصياتهم لجعلهم أكثر قرباً من القارئ وأكثر بعداً عن ممارسة الراوية ذاتها عليهم، أما لغة النص فقد أتت بسيطة غير متكلفة، كما بساطة شخوص العمل ومراوحتهم اجتماعياً وطبقياً وثقافياً بين القاع والوسط، حيث أَدَمَةُ المجتمع التي يعوَّلُ عليها في كل حراك باتجاه التغيير.


في الحكاية التي تقارب الواقع، كان لا بد من زنزانة تقضي على جموح نائلة، على حريتها التي لم يثنها ظرف عن ممارستها إلى أن اصطدمت بجدار السلطة، حين ظنت أن بإمكانها أن تعبر عن رأيها أو أن تفضح ممارسات فاسدة في ركن من أركان الدولة، بالطبع ليست الزنزانة ضرورة وليست ممارسة الحرية جرماً إلا في ظل سلطة قمعية، لذلك كان على نائلة -شأنها شأن شعب بلادها- أن تدرك أنّ الأرض التي تقف عليها ليست صلبة كفاية حمايتها من بطش السلطة، لكنها أصرّت، لتدفع ثمن إصرارها عشرة أشهر وعشرة أيام قيد الاعتقال.


انعكست أهواء نائلة في أربع سقطات على أقل تقدير، زيجات ثلاث فاشلة هي أقرب في الحقيقة إلى تجارب غير محسوبة العواقب، وابنة وحيدة قطعت حبل الود مع أمها وأمومة مشروخة تعترف نائلة بها دون تردد ولا مواربة ولا وجل، واعتقال أعقبته غرغرينا في قدمها وخَلَّفَ حطام روح.


عاشت نائلة لِذاتِها ما استطاعت، وعاش محيطها في فضاء رغباتها وعنفوانها، عدا ابنتها "جوانا" التي أدركت أنّ أمومة أمها ناقصة بعد أن تخلّت عنها لزوجها الأول "بكر"، الذي ظلّ يحبّ نائلة حتى بعد أن تزوج من ابنة عمه، في حين تلقت صفعتين من "علي"، زوجها الثاني، بعد أن أدركت أن زواجها منه كان خياراً مخيباً لآمالها حين أهملها، ما دعاها لتركه فكانت صفعتها الأولى، وتالياً بعد أن رفض مساعدتها في تأمين رشوة إطلاق سراحها من المعتقل، لتتعزز خيباتها في "سليم"، زوجها الثالث، الذي حارب ليخرجها من المعتقل كي تلد له ابناً يحمل اسمه في ظلّ إصرارها على الإجهاض ليس فقط لأنّهما اتفقا قبل الزواج على عدم الإنجاب، بل لأنها أيضاً متصالحة مع أنها ليست أماً كما يجب.


لكن نائلة انتصرت في النهاية في ثلاث، حين ظفرت بعد إطلاق سراحها بلهفة ابنتها "جوانا" حَدَّ قرار الأخيرة بأنها ستسافر مع أمها، "جوانا" التي لم تكن تطيق سلوك أمها ولا حديثها حتى إنّ "سليم" كاد يوقن أنّ "جوانا" هي من حررت التقرير الأمني بنائلة، كما انتصرت بوفاء "بكر" زوجها الأول، الذي دفع كامل الرشوة لتحريرها، وانتصرت بممارسة حريتها في مناخ لا مكان فيها لبصيص أمل.


"ربع وقت" نَصٌّ يؤسس من ناحية لمخاض الحرية العسير على عتبات بلاد ستغمرها الدماء فيما بعد، كما يؤسس من ناحية ثانية لاجتراح الأمل من عتمة زنزانة باردة، كانت نائلة تمر بسلامياتها على مفاتيح البيانو التي رسمتها بثينة على جدار الزنزانة، وعند كل مرور كانت بثينة تطلق نغمةً لتُعَلِّمَ نائلة العزف، الزنزانة التي كانت تحاصر تلك الأرواح في الواقع صارت عُشّاً لعصافير مؤجلة في الرواية.

ليفانت نيوز

رواية الجهل الايروتيكا الصادمة / ميلان كونديرا


 صديق سابق ربما لا يملك ميزة إلا أنه دلني على كاتب عظيم هو ميلان كونديرا. اكتشاف لا يتكرر بسهولة.

كتب كونديرا في العموم ليست سهلة، ف" الرواية بالنسبة له ليست مجرد احداث، بل هي بعد فكري واستجواب تأملي لما يدور في الخفاء"
أعدت في اليومين السابقين قراءة (الجهل) روايته التي تدخل في عمق الأسئلة الوجودية، تكشف عبر مشاهد منفصلة ومتصلة، أزمة ايلينا التي هاجرت الى فرنسا، ورغم الحنين سوى أنها تتخوف من العودة، عشرون عاماً من الغربة أسست خلالها حياة موازية. هل هذا كل شيء!؟ لا بالطبع، تتحدث رواية الجهل عن عوليس والعودة الى أثيكا، عن حلم جماعي وكوابيس الخوف، عن ايلينا التي تدرك بعد قرار عودتها الى التشيك (وطنها) بأنها كانت تظن أيام غربتها في فرنسا منتهى التعاسة لتتيقن أنها كانت سعيدة بوحدتها، و أن ما تركته خلفها بعد ان غادرت التشيك لم يعد جزءاً منها، انقطاع الذاكرة المشتركة يشكل عبئاً على الصداقات القديمة، لم يسألها أحد كيف كانت أيامك السابقة..! فالغرباء لا يطرحون الأسئلة.
صحيح أن الصفحات الأخيرة من الرواية تحتوي على ايروتيكا صادمة، ولكنها لا تشكل إلا القليل مقارنة بالصدمات الفكرية التي تقصدها الكاتب حول مفهوم الوطن، القمع، براءة المشاعر وكذبها، روعة ما لا تعيشه، قسوة ما تعيشه، اليقينيات الخادعة...
في النهاية:
ان كان انتباهك مشتتاً لا تقرأ " الجهل"
ان كنت تبحث عن حبكة وسرد للأحداث لا تقرأ " الجهل"
ان كنت غير مستعد لتفهم ارباكات النفس البشرية لا تقرأ " الجهل "
ان كنت مكتئباً لا تقرأ " الجهل"

20 يوليو 2022

خبز “البوكر” على طاولة الخال ميلاد

 منذ إطلاق جائزة الرواية العربية (البوكر) في دورتها الأولى 2007 وأنا أتابع القوائم الطويلة والقصيرة لقوائم الترشيح، وإن كنت لم أحتفظ بالقدر ذاته من الحماسة، فأحياناً يخيب رجائي ببعض الأعمال التي قد لا تعجبني، وقد لا أكملها، وربما لا أتذكرها لاحقاً.

على أهمية الجائزة، فإنها تتعرض لسيل من الانتقادات بدءاً من اتهام لجنة التحكيم بعدم الموضوعية، أو بأن معايير الجائزة لا تخلو من المحاصصة الجغرافية والمهادنة السياسية، أو بأحقية العمل الفائز والمعايير الفنية التي رجحته، مع إشارات ضمنية وعلنية لدور النشر وعلاقاتهم في الترشيح!

لا تنكر الزوابع والانتقادات المحق منها والباطل أهمية البوكر، فالمسابقة تنعش الساحة الثقافية بنشاط إعلامي سرعان ما يخبو، وتنشّط حالة القراءة المتدنية في بلادنا الناطقة بالعربية، كما تضعنا في حالة ترقب ورهانات حول توقع النتيجة، إضافة إلى توفير عناوين تشغلنا إن لم يكن لقراءتها، فللاطلاع على فحواها.

موازين النجاح

يقول الكاتب بول سويني: “إذا شعرت وأنت تقلب الصفحة الأخيرة في الكتاب الذي تقرأه أنك فقدت صديقاً عزيزاً، فأعلم أنك قرأت كتاباً رائعاً”.

كم مرة فقدت عزيزاً؟ وهل ينسحب رأيك في روعة الكتاب بموضوعه وأسلوبه على غيرك بالضرورة؟

لا يمكننا الإجماع المطلق على تقييم مستوى الإبداع وتفرده، فنحن نختلف بزوايا رؤيتنا للعالم ودرجات أهمية قضاياه، ومستويات المتعة المتحصلة، ووعينا الجمالي والمعرفي.

إن الأعمال الأدبية ليست معادلة كيميائية دقيقة تفضي إلى نتائج محددة لا يمكن رفضها أو النقاش حولها، وهذا ما يجعل تحديد القيمة الأدبية وجودة العمل تختلف من قارئ لآخر، ومن ناقد لآخر، بل وتتغير عبر الزمن، فهناك نصوص ساذجة بل ورديئة حالفها الحظ في الشهرة ، وتمت طباعتها أكثر من مرة، كما أن أعمالاً على قدر كبير من الأهمية لم يسلط الضوء عليها إلا بعد وفاة كاتبها، فأعمال الكاتب كافكا لم تنشر إلا بعد موته فقيراً مسلولاً، وهو اليوم رائد الرواية الكابوسية!

يتشابه الحال إلى حد ما مع الشاعر أبو القاسم الشابي الذي مات معوزاً، وزادت شهرته وأهميته بعد وفاته.

رواية محمد النعّاس

لم تنج رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” للكاتب الليبي محمد النعّاس من حالة اللغط الأدبي بعد أن حازت على جائزة البوكر العربي للعام 2022 فتعرضت للاستحسان المطلق من بعضهم، باعتبارها عملاً استثنائياً في مضمونه وأسلوبه، كما جوبهت باستياء آخرين، فهناك من اعتبرها تعارض المنظومة الأخلاقية، وتتهجم على الذات الإلهية ليصل المنتقد في النتيجة إلى أن الأعمال التي تنال الجوائز هي تلك التي تحطم المعايير، وتشوه قيم المجتمعات، وتنال من قدسية الأديان، وهناك من رأى أنها رواية جيدة سوى أن الروايات المنافسة كانت أجدر باللقب، وهناك من أطر اعتراضه لأن العمل هو تجربة الكاتب الأولى، وتقنيات كتابة الرواية تتطلب الخبرة!

أرى كل ذاك التعارض حالة صحية، على عكس الإجماع العام الذي يذكرني بنسب الزعماء في الانتخابات الرئاسية.

تدور رواية النعّاس حول التوزيع النمطي للأدوار بين الرجال والنساء في مجتمعاتنا المعتدة بأعرافها، حيث مساحة الحرية والخيارات الشخصية معدومة أمام سلطة التقاليد والعادات والأعراف التي ترفض كل ما لا يشبهها، وذلك من خلال عرض لسيرة البطل “ميلاد” صانع الخبز الذي يعاني من بنيته الضعيفة وميله لعالم النساء، ورغم محاولاته لعلاج ليونته إلا أنه فشل.

بعد زواجه يرضى بأن يقوم بمهام زوجه زينب عوضاً عنها، فيما تخرج هي للعمل، وتتولى مهمة الإنفاق. هذا الانقلاب في الأدوار يعرضهما للسخرية والرفض، حتى يتسلل الشك إلى حياتهما المستقرة، وتتراكم المشكلات وتتصاعد ليمسك ميلاد سكيناً ويجز عنق زينب.

الرواية ذات طرح منفتح وجديد، وإلى حد ما عانيت في فهم بعض المفردات الدارجة باللهجة الجزائرية، كما صدمتني النهاية الموجعة وغير المتوقعة فهي لا تتوافق مع طباع ميلاد.

 عند مستوى عال من الضغط تولد القسوة والعنف وهذا ما خلصت إليه في رواية استندت إلى الطحين والعجين والخميرة لخبز عليه أن يرضي ذائقة الآخرين، وإن لم يتناسب بالضرورة مع رغبة الخباز ذاته.  

الرواية صادرة عن دار مسكلياني

عدد الصفحات 364
*رابطة الكتاب السوريين
*تلفزيون سوريا

05 مارس 2021

سوزان خواتمي: الأرز المطبوخ بالحليب

 جاء خريف ليس ككل خريف. أصابني الوهن وأمراض البرد الشتوية الواحد تلو الآخر. على الرغم من ذلك تحاملت على نفسي، ودخلت المطبخ. أشعلت الموقد وصببت مقدارين من الحليب، ثم أضفت ما يلزم من السكر ومسحوق الأرز مستغلة فرصة نومها، والهدوء الذي يسيطر على باقي سكان البيت.

عندما أنجبتها كانت تشبه صوصاً؛ خفيفة مثل ريشة بعظام هشة وحنجرة قوية. يوماً بعد يوم اتضحت ملامحها وتشكلت لتتحول إلى نسخة مصغرة عن أبيها. لو كانت تشبه سلطعوناً بحرياً، أو قرداً من أدغال أفريقيا، فذلك لن يؤثر على جرعة الحنان الأمومي، أو على در الحليب في صدري كلما أرضعتها، ولكنكم لا تعرفون بأنني كنت أرخي طرف حجابي فوق وجهها لأتحاشى رؤيتها. سوى أن ذلك لم يحل مشكلة الغثيان أو البرد أو عادتي في تعقب شقوق السقف كلما صرخت وذكرتني بوجودها الذي أريد تناسيه.

أمام القاضي بلحيته المحنأة، وعمامته التي تعود إلى ألف سنة قبل يومنا هذا اعترفت:

ماتت… ليس ذبحاً كما تفعلون أنتم في الساحة العامة إنما بسم الفئران. لقمة تلو اللقمة التهمت صغيرتي الأرز الحليب المغلي المخلوط بسم الفئران. تناولته بشراهة، وحين بدأت تتقيأ، كنت أمسح عن وجهها لعابها ودموعها وعصائر معدتها، أنظفها  متفادية عينيها الجاحظتين.

أنا لم أقتلها، فقد ولدت مقتولة منذ ولدتها. حصتي من طبق الأرز بالحليب قاطعه لسوء الحظ دخول أبيها الذي حال بيني وبين إنهائه. كان من المفروض أن تجدوا جثتين وتعفوني وتعفون أنفسكم من الجهد الذي تبذلونه لدراسة قضيتي. لا أخاف قراركم، فالمتأهب لنهايته لا يخشى العقاب، وإن كنت لا أحبذ طريقتكم. إن الدم ياسيادة القاضي يرعبني.

حين كنت أقلب الحليب المغلي بانتظار أن يسمك ويتماسك لم أفكر بأحد. كنت أجهل مصير أهلي تماماً كما يجهلون مصيري، فكتبت رسالة إلى الله. وضعتها في زجاجة، ودفنتها. ذات يوم سيجدها من يقرأها.

” اسمي مها.. عمري ستة عشر عاماً. طالبة في مدرسة على بعد أمتار من البيت. أحب صديقاتي ودروس الفلسفة، وأكره التاريخ والمديرة التي كانت بين الفترة والأخرى تفاجئنا بوقوفها عند البوابة. كانت تلوح بعصاها لتصطاد أية مخالفة في الزي المدرسي. لا أحب لمَ شعري بمطاطة، ولا تلقي ضربات مسطرتها، لذلك كنت أعود أدراجي وأدّعي المرض، لأتحاشاها.

أغرمتُ بالأستاذة مهيبة، وهي معلمة الفلسفة بقامتها الطويلة وملامحها الصارمة بحاجبين يرتفعان دهشة من فرط براءتنا. تُعلمنا المادة المقررة، وتطلب منا قراءة كتب خارج المنهج الدراسي، تثق بقدرتها على تثقيفنا وتوسيع مداركنا. كانت تترك غرفة المدرسات، وتقف تحت مظلة ساحة المدرسة لنلتم حولها. تسألنا وتناقشنا فيما قرأناه؛ الحرية التي تدق، المسألة الوجودية، مشكلة المعرفة، وإشكالية الأخلاق بأبعادها الثلاث.. نلتُ العلامة التامة متفوقة على جميع زميلاتي، وقررت بيني وبين نفسي ليس الإلتحاق بكلية الفلسفة كما تظنون، بل أن أكون ممثلة.. لكن الأقدار لاعتباراتها الخاصة جعلت حياتي تنقلب بين يوم وضحاها رأساً على عقب.

قبل عامين حاصر تنظيم  داعش قريتنا من جميع أطرافها، تخلى عنا العالم بأسره، وتركونا لمصيرنا. باعني أبي مرغماً، وقبض الثمن؛ تصريحاً بخروجه من المدينة المطوّقة مع باقي العائلة، وهل كان بوسعه أن يفعل غير ذلك.! بكت أمي بصمت، مسحت دموعها بصمت، وعانقتني بصمت. لم تعترض. سحبت خلفها أخويّ الصغيرين، وتركتني لمصيري. لطالما حيرني ذلك اللغز الذي يشبه دعابة مقيتة: لو انقلب قارب بابنك وأمك وأباك.. أضف ما شئت ممن تحب، وليس بإمكانك سوى إنقاذ أحدهم فقط من غرقٍ أكيد، فمن تختار؟

غرقتُ.. أصبحتُ سبية عند أحد رجال داعش. لم ير وجهي. لم يخترني لجمالي أو لعيناي الشمعيتين أو لشحوبي إنما لأنه -وبثمن بخس- يستطيع جمع قطيع من النسوة يسرح في باحة بيته. كانت بيننا طفلة ينتظرها أن تحيض ليضمها إلى فراشه. أحاطنا بسور عال وقوانين صارمة.

عالمٌ من النساء والأصوات والزعيق يستمر طوال النهار، وبقدوم الليل يهدأ الجميع لأن أبو عبادة الصهناوي وضع قدمه عند العتبة، فنقف رتلاً ليشير إلى إحدانا، وهذا يعني أنه اختارها لتقوم على خدمته تلك الليلة، ثم تنصاع لفراشه.

الضجيج يزعجني أتقيأ. أصاب بنوبات هستيرية. أدور في غرفتي. أدق رأسي بالجدار، وعندما تتصلب ساقيّ أرتمي على الأرض. أحشو أذنيّ بصوف الفراش، وأنام.

أسألك يا الله إن كان ما حدث يرضيك..! ما الذي اقترفته لأصبح زوجة رغماً عني، وأماً رغماً عني، وقاتلة رغماً عني..!

شرحت لنا مهيبة وهي تضع دائرة حول الأخلاق النسبية بأن الفرد هو الوحيد الذي يستطيع تحديد أفعاله و أفعال غيره إن كانت خيراً او شراً. لا أظنني اقترفت إثماً إلا إذا كان كرهي لإطاعة أوامر العصا يعد خطيئة، أو ربما حين أكذب وأدّعي المرض، أو لأني اخترعت حجة درس إضافي وتسكعت مع صديقتي عند ضفة النهر، أو لأني أردت أن أنقذ ابنتي من مصير السبايا..؟

هل تستحق تلك الخطايا أن أسحق تحت جسد رجل يملك لحية كالمقشة جعلت الحبوب تطفح فوق وجهي..!

عندما أصبح بين يديك يا الله..

ارحمني.

جبر مراد: الحب والانكسار في رواية “ربع وقت” لسوزان خواتمي

 تخوض الكاتبة السورية سوزان خواتمي في “ربع وقت” تجربتها الأولى في السرد الروائي بعد أعمالها القصصية، وسبق أن قرأت لها مجموعة “فسيفساء امرأة” الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب، وكانت حافلة بعوالم نسائية متضاربة تحاكي جمال ومظلومية هذا الكائن الإنسي الرائع.

شخصيات مغلوب على أمرها بمصائر معلقة

“ربع وقت” رواية صادرة عن دار ميم للنشر في الجزائر، تحمل عنواناً موارباً يحيلنا إلى أكثر من معنى. يتنامى فيها السرد خلال فترة تمتد ما بين 1990 تقريباً و2012 أي فترة التحولات الحقيقية في سورية التي أسست لما هي عليه الآن .

شخصيات الرواية محدودة العدد بدت واقعية بسيطة في تعاملها مع الحياة، وفي ردود أفعالها، ومغلوبة على أمرها في علاقتها مع السلطة. يجدها القارئ مألوفة، وقد يكون في محيطه الصغير من يشبهها ويتقاطع مع سلوكياتها.

تحضر نائلة، كشخصية محورية، وهي الأكثر حضوراً وتنامياً مع الأحداث، والأغرب سلوكاً، ففيها التمرد والأنانية والخروج عن المألوف في حبها وعلاقتها. تملك روحاً حرة وثابة ترتبط بعلاقة زواج مع ثلاثة رجال، اثنان بقيا مولعان بها؛ وهما زوجها الحالي المحامي سليم، وطليقها الأول بكر الذي اقترنت به بعد علاقة حب في سن الفتوة، أما الطليق الثاني والذي تعرفت عليه وأحبته وهي على ذمة بكر عندما كانت في حالة حداد على والدتها، فقد تخلى عنها أول مرة في لندن ليلتحق بدورة لمدة اسبوعين ( حسب قوله: تفتح له آفاق جديدة ) والمرة الثانية عند دخولها السجن بسبب مقال صحفي نشرته عن فساد في بناء منشئة رياضية.

شخصية نائلة المركبة والتي تتراوح بين الأنانية والشهوانية والحرية والفشل في تجربة الأمومة، ليست باختصار ابنة مجتمعها في تعاملها مع الحياة، فهي لا تشبه مها زوجة طليقها بكر، أو جاراتها اللواتي ظهرت منهن أم حسام المرأة الثرثارة المغلوبة على أمرها مع زوجها.

أما الرجال الذين ظهروا في الرواية، فكانوا يخونون نسائهم بمبررات واهية، ومع هذا لا يفتقدون النبل والنخوة والمحبة .

بشيء قريب من الدقة تصور الرواية خروج المظاهرات في جامعة حلب من خلال مشهد مؤلم وعنيف، ونقلت الكاتبة الأحداث بعين المتابع الموضوعي إلى حد كبير، فلم تطلق أحكام قيمة، بل تركت ذلك للقارئ، ولكل قارئ قيمه الخاصة به.

توظيف الحوارات:

[من نافذة خليل يبزغ الفجر]

عبارة نقرأها في بداية الباب 12 من الفصل الأول لتُقحمنا في تعاطف علني مع هذا الشاب وتعقيدات حياته، وخلال فصلي الرواية لمعرفة مصير نائلة وسبب اعتقالها، جاء السرد خجولاً وتمهيدياً في البداية، إلا أنه تصاعد حتى النهاية بشكل سلس وغير معقد، وبدون الاستعراضات السائدة لبعض الكتاب.

تقول نائلة : [حلب ثمرة جوز قاسية ولكن ما أن تكسر قشرتها حتى يظهر لك لبها الطيب ].

في “ربع وقت” تم توظيف الحوار لينقل على لسان الأبطال نصوص ومعان تميزت بعمقها، يظهر ذلك في الحديث الذي دار بين جوانا ورفيقها خليل:

 – لم تنم ! النوم كائن جميل ومسالم .

– إن كان كذلك بالفعل فما الذي أيقظك ؟

– لا أعرف .. ربما لاكتشف لغة الصمت.

– الصمت أم السكون ! يقال وفق المذهب الصوفي: التمست قلة الحساب فوجدتها في الصمت أما سقراط فيقول : تحدث حتى أراك !

– ما من شيئ مضر بالصحة أكثر من الفلسفة على الريق .

– وفق رأي هيللر: الصمت له أنواع ، هناك صمت التريث واستقراء الواقع قبل الكلام ويدعى الصمت الحكيم، وهناك التوقف عن الفعل وعدم المشاركة والكف عن الانتقاد والذي يؤدي للاعتصام والعصيان ويسمى الصمت الفاعل، وهناك السكوت وتمارسها الأنا الحرة إما بسبب العجز عن التواصل أو بسبب الجهل بمايدور حولها ، أو بسبب الإحساس بالاغتراب عن المجموعة ويسمى صمت المتلقي….هذا إضافة إلى المراوغة التي يستخدمها المسؤولون والسياسيون، فتعابيرهم التي لا تفسر شيئاً تجعل الكلام كعدمه، ويسمى صمت المتحدثين.

كما احتوت الراوية على مقاطع لكتاب آخرين بشكل غير مقحم، وبدون عسر. تقول جوانا الابنة الوحيدة لنائلة مستعينة بمأثور لابن بطوطة ” فالسفر .. يعطيك منزلاً في آلاف الأماكن ويتركك غريباً في وطنك ” وفي موقع آخر ترد مقدمة رواية دروز بلغراد ” أيقظني الهدير وارتجاج الأرض. أين أنا ؟ “

ربما ستقدم لنا خواتمي عملاً جديداً آخر يستمر بنفس الشخوص، فهم لم يصلوا إلى نهايات يقينية، وبقيت مصائرهم معلقة، فنائلة تتعافى من السجن، وابنتها الوحيدة جوانا الغامضة اللا مبالية والمحبة للفن والمسرح تتحسن علاقتها بوالدتها، ولا نعرف ماذا جرى لباقي الشخصيات.!

لن أكشف تفاصيل العمل أكثر مما فعلت، ولكن أقول بأنها رواية تلتقط مشاهد الحياة وتنثرها في وجوهنا المرهقة، إنه عمل ابداعي متماسك يُقرأ بيومين بمتعة ومحبة.

#موقع_الكتابة

#ربع_وقت

#رواية

هل تعلم أن القانون السوري يقتل الأطفال؟

 لم تشطف الدرج! خطأ دفعت ثمنه هند أنس المصري، ولمن لا يعرفها هي طفلة في العاشرة من عمرها لم تكن مطيعة ما يكفي لتنجو بحياتها.

أشبعها أبوها ضرباً، فأصيبت بكدمات ورضوض في الصدر وخثرات دموية في الأنف تسببت بحالة غيبوبة ونزف دماغي ومضاعفات أدت إلى وفاتها بعد ثلاثة أيام من دخولها المشفى، ولم تكن المرة الأولى، فالتقرير الشرعي بيّن أن جسد الطفلة يحمل كدمات قديمة، تدل على تعرضها سابقاً للضرب وفي أوقات مختلفة.

 الحادثة المرعبة أثارت حالة استهجان عامة على الصعيد الإعلامي، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، لكن وكما يحدث عادة سرعان ما سيطويها الزمن، فمن يتذكر الطفل السوري في لبنان الذي تعرض للتحرش من قبل سبعة أشخاص واضطرت أمه للتنازل عن دعوتها ضدهم بعد تعرضها للضغوط.! وماذا حدث لقصي الذي تعرض للتعذيب خلال عمله في ورشة الحدادة أدى لكسر في جمجمته وضعف في بصره.!

مع مرور الوقت ستصبح القصة ماضياً منسياً لطفلة لم تتوقع أن تنتهي حياتها على يد أبيها، فالعواطف والمشاعر مهما كانت صادقة لا تستطيع أن تحدث تغييراً في البنية المجتمعية، وليست كافية لمواجهة حدث يحتاج إلى أكثر من التعاطف، حيث تقر إحصائيات اليونيسيف بأن هناك ملايين الأطفال حول العالم يتعرضون لأسوأ أشكال الإيذاء دون تلقي الحماية المطلوبة، وغالباً ما ينجو المعنف من العقاب لكونه شخصا مقربا من الطفل، غني عن التعريف بأن النسبة الأكبر من تلك الحالات تقع في منطقتنا العربية.

داخل مجتمعات تقدس الخنوع، وتشجع التربية القاسية، وتعتبر عدم الطاعة ذنبا شنيعا تصبح حكاية الطفلة هند حادثاً آخر من بين حوادث العنف الممارس ضد الأطفال، فالتعنيف والعقاب الجسدي ظاهرة شائعة تتكرر، وستتكرر.

الغريب أننا في سوريا لسنا بحاجة للتكتم على المُعنف، لأن القانون وبكل بساطة يحميه، فالمادة 185 من قانون العقوبات السوري “تجيز ضروب التأديب التي ينزلها الآباء والأساتذة بأبنائهم وتلاميذهم على نحو ما يبيحه العرف العام.”  

ليست نكتة في غير محلها أبداً، هو نص قانوني يرجع له القاضي عندما يُحكّم في قضايا عنف يمارسها الآباء والأمهات نحو أبنائهم، أما إذا أفضى التأديب “المبرر وفق العرف العام” إلى الوفاة، فهو غير مقصود ولا يمكن اعتبار الفاعل مجرماً.

فهل كان أبو هند مجنوناً أم أنه ضحية ظروف تربيته وما نشأ عليه من قيم وما أباحه له القانون من حق مشروع؟ وهل حاول أحدنا الإبلاغ عن حالة تعنيف صادفها في الشارع أو سمع بها من خلال الأصوات التي تعبر جدران بيوتنا وتدل على خطأ يُرتكب؟ وقبل كل ذلك هل هناك جهة مسؤولة وموثوقة تحمي الصغار وتؤمن لهم بيوتاً آمنة للإيواء؟

كل ما سبق من تساؤلات وإجاباتها المعروفة تجعلنا مكتوفي الأيدي أمام حالات العنف الممارس على الأطفال، والذي لا يقتصر على الإيذاء البدني بل يشمل منعهم من حقوقهم في التعليم والصحة، واستغلالهم بالعمل، والإهمال، وعدم تأمين الظروف المعيشية المناسبة، وتعرضهم للتحرش والعنف الجنسي، وزواج الطفلات.

نعم قد لا يموت الأطفال المعنفون جميعهم، لكن بعضهم يعاني من التبول اللاإرادي، وبعضهم يصاب بأمراض نفسية مزمنة، وبعضهم يمارس العنف على رفاقهم، وأغلبهم يكبرون ليتحولوا إلى آباء وأمهات مسيئين ومعنفين.

في بلاد السلطة والتسلط و غياب القوانين الرادعة يتحول العنف من سلوك فردي إلى منظومة اجتماعية وثقافية ممنهجة تمارسها الأنظمة الديكتاتورية على شعوبها، وتتكرر بصور مختلفة ضمن سلسلة الأقوى نحو الأضعف.

هند ليست الضحية الأولى ولن تكون الأخيرة، سنظل نسمع بقصص مشابهة أقل أو أكثر حدة حتى نكوّن رأياً عاماً يرفض ممارسة العنف ويضغط باتجاه تعديل القوانين المجحفة التي لا تنقذ الصغار من “حنان” آبائهم وأقربائهم، أما أساتذتهم فقد منعتهم وزارة التربية من الضرب في المدارس..!

12 يناير 2021

الخيوط المجهولة في رواية "ربع وقت" لسوزان خواتمي

 

عبر سردية هادئة ومتأنية، تنحت الكاتبة السورية، سوزان خواتمي، أحداث وشخصيات روايتها “ربع وقت”، مشيرة في مطلعها، وعلى لسان شخصية نائلة “أن الاستعجال أخو الحماقة..”، وكأنها تلمح إلى عدم الاستعجال في سرد أحداث روايتها، وربما هذا ما جعل خواتمي تفتتحها بحادثة اعتقال الصحفية “نائلة”، لتنتقل إلى أحداث غيرها، رغم أن حدثًا كهذا عادة ما يستدعي تصاعدًا دراميًا في بنية الأحداث، ويجعلها تتمحور حوله، إلا أن خواتمي تشتغل بخلاف هذه العادة، ملتفتة إلى حياكة بنيتها السردية على نحو نوشك معها على نسيان تلك الحادثة، ونحن نغوص في ماضي الشخصيات، وما أحاط بها من مؤثرات ثقافية واجتماعية وسياسية، مع سعي الكاتبة إلى ترك مهمة تفسير وتحليل هذه المؤثرات للقارئ، إلى حد أنها ورطت الراوي الذي يأتي على وصف “نائلة” بأنها شخصية تتمتع بالإرادة والعزيمة، وتحقق كل ما تعزم عليه، إلى أن يكتشف القارئ عكس ما أدلى به الراوي حول هذه الشخصية، التي بدت عديمة الإرادة، ممزقة الأهواء. ويكاد هذا الأمر يندرج على معظم الشخصيات، وكأن ثمة قوة خفية، غير منطقية، تسيرها وتتحكم بخيوط حياتها، وتسوقها إلى مصائرلا حيلة لها فيها. وإذا ما تعمقنا أكثر في عوالم الرواية، باحثين عن ماهية هذه القوة التي أتت في سياق أحداث الرواية، يتبين لنا أنها ليست إلا قوة عبثية، أوجدتها السلطة البعثية في عهدي الأسدين، الأب والابن، لتهيمن على حياة السوريين، وتعمل فتكًا في أعمارهم وأحلامهم. كان لخطاب بشار الأسد بعد أن ورث السيطرة على سورية، أثرًا مشجعًا لـ”نائلة” لإعداد تقرير مشفوع بالوثائق والأرقام، عن حالات الفساد والاختلاس التي صاحب بناء نادي الحمدانية الرياضي في مدينة حلب، لتدفع ثمن هذا التقرير مع بدء أحداث الثورة السورية.

وما يعمق من حالة الخراب، وهذه القدرية العبثية، أن المدعو “أبو خالد” ما هو إلا مهندس زراعي، وليس له أية علاقة بمهنة الصحافة. لكن تم تعيينه مديرًا للمجلة التي تعمل فيها نائلة، لا لشيء، إلا لكونه يجيد كتابة التقارير، فأصبحت المجلة أشبه ما تكون بمقهى شعبي.
وفي السياق نفسه، يباغتنا “أبو زكور” العامل بصفة “مستخدم” في المجلة بمدى النفوذ الذي يتمتع به. ولا يختلف الحال مع “نادر”، الموظف الآخر في المجلة، الذي يأتي اسمه أولًا في جدول قائمة صرف الرواتب الشهرية، رغم عدم التزامه بالدوام، لكونه منشغلًا بإدارة فرن لصناعة المعجنات.
وإن كان عنوان الرواية يشير إلى مدلول “الربع”، إشارة إلى الزمن، فإن هذا يمكن أن ينطبق كذلك على الشخصيات وأحلامها وتجاربها، فهي ربعية في يقينها، وإرادتها، وحتى في تكوينها النفسي، إذ بدت وكأنها أنصاف بشر، يتحركون على الأرض بعماء مطلق، فما من حلم واحد تحقق لأي منهم، وما من طموح يؤازرهم، وجلهم لا يعلم طريقًا يمضي إليه. وحتى إذا أتيحت لهم فرص ضئيلة للخيار، ستكون خيارات ناقصة، لا يحصد صاحبها إلا الندامة، فكل العوالم هنا ربعية. ومع أن الربع أمر خانق، فقد بدا وكأنه قانون كوني مفروض على أناس عاشوا ربع حياة، وربع سعادة، وربع خلاص، وهذا الربع يعمل نخرًا في كيان الإنسان السوري، جالبًا إليه الشقاء والندم والحرمان، فها هي “نائلة”، حتى بعد مرور سنوات عديدة على علاقتها مع “علي”، تلك العلاقة التي لم تدم إلا لزمن قصير “ربعي”، ولم تحقق لها إلا قسطًا ضئيلًا من السعادة، تفتح في أعماقها جرح الندم على قرار هجرها له. وفي وقت بلغت فيه الأربعين من عمرها، وصار لديها زوج وابنة، لا تكاد تتوقف عن مراسلته عبر الإيميل، معبرة عن حالة الندم والحرمان جراء غيابه عن حياتها، غير أن كل هذه الرسائل تبقى من طرف واحد، وما من رد عليها،

وكذلك حال زوجها السابق “بكر”، فهو لا يجيد في حياته إلا الندم، لتخليه عنها في يوم ما، فتعتصره آلام الاشتياق إليها، في حين أن زوجته الحالية تتحول إلى خادمة في البيت، عساها تكسب رضاه، وتنال محبته، لكن أيضًا من دون جدوى. وحال الموظفة “هيفاء”، التي تعمل في مكتب المحامي “سليم”، زوج “نائلة”، لا يختلف عن ذلك، حين نراها تتحرك وتلبي طلباته، وكأنها دمية مستباحة، كيانًا وجسدًا، من دون أن تصدر عنها أي إشارة رفض، أو تمنع، ورغم أن “سليم” يتحكم بحياة الموظفة “هيفاء”، غير أنه هو أيضًا عديم الفاعلية والإرادة، فقد حملت “نائلة” في رحمها جنينًا قبل شهر من اعتقالها، ما جعله يشعر بنشوة الفرح، لكونه لم يسبق له أن ذاق طعم الأبوة، لكن سرعان ما تنقلب فرحته إلى لعنة، حين تتخذ “نائلة” قرار الإجهاض، قبل اعتقالها بفترة وجيزة، ورغم جميع محاولاته لتحريرها من المعتقل، خوفًا على حياة الجنين، ورغم استعانته بمعظم معارفه، من تجار وضباط، لا يفلح في تحقيق أية نتائج، في حين يتصدى لهذه المهمة المدعو “أبو زكور”، وعن طريقه يتم إطلاق سراحها مقابل مبلغ مالي كبير.

وحال الشاب “خليل”، الذي أوشكت “جوانا”، ابنة “نائلة”، أن تتعلق به عاطفيًا، بعد أن حرك في أعماقها أحاسيس جديدة، لا تختلف عن حال الجيل الذي سبقه، فهو و”جوانا”، بدورهما، يخضعان لقانون “الربع”، حتى إذا ما شارك “خليل” في فرحة المظاهرات الأولى، سرعان ما يساق إلى مصير مجهول. وأكثر ما يتضح هذا التمزق والاغتراب عن الذات والآخرين، يتبدى في شخصية “جوانا”، ابنة “نائلة” من زوجها السابق “بكر”، فهي نزقة عصبية، وكارهة لمعنى وجودها، وإن كانت أصغرهم عمرًا، تبدو وكأنها مرآة تنعكس عليها سنين أعمارهم، وما سوف تؤول إليه مصائرهم.
حتى فضاءات الأمكنة في الرواية كانت تشي برحلة الخراب، فالأرصفة تشغلها “بسطات” تباع فيها زهور صناعية قبيحة، وشموع ذائبة في أكياسها، وقطع ثياب نسائية فاقعة الألوان، كلها إكسسوارات مستهلكة ورخيصة. يضاف إلى ذلك أبواق السيارات وسط الازدحام المروري، وتبادل الصراخ بين السائقين وشرطي المرور.. ما يحيلنا إلى الخواء والاغتراب الذي يطبق بفكيه على حياة شخصيات الرواية، من دون أن ننسى “البلاطة” التي أقلقت راحة “نائلة” يوم دخولها الأول إلى المجلة، إلى أن تتعثر بها قبل اعتقالها بأيام، ما يؤدي إلى عطب في ساقها، وكأن الزمن يمسك بالمكان، وكلاهما أبديان لا يتحركان.
ورغم أن معظم المؤشرات تشي منذ البداية بالمصائر التي ستساق إليها شخصيات الرواية، إلا أن خواتمي تحرص على بناء فضاء وأحداث وشخصيات روايتها، قطعة إثر قطعة أمام أبصارنا، لتورطنا في رؤية ذواتنا عبر مرآة روايتها. وعندما يتم إطلاق سراح “نائلة” من المعتقل بعد أشهر من اعتقالها، تكون قد فقدت الجنين من رحمها، ولكن ليس نتيجة قرارها بالإجهاض، إنما نتيجة التعذيب الذي تعرضت له في المعتقل، وتفقد جراء ذلك الإحساس بجدوى الكتابة، وبجدوى الصحة والرشاقة والجمال، حين أرادت أن تضحي بجنينها حفاظًا عليهم في يوم ما.

*العربي الجديد/ ضفة ثالثة

*الرواية صادرة عن دار ميم في الجزائر 2020

#سوزان_خواتمي

#ربع_وقت