‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل

05 مارس 2021

سوزان خواتمي: الأرز المطبوخ بالحليب

 جاء خريف ليس ككل خريف. أصابني الوهن وأمراض البرد الشتوية الواحد تلو الآخر. على الرغم من ذلك تحاملت على نفسي، ودخلت المطبخ. أشعلت الموقد وصببت مقدارين من الحليب، ثم أضفت ما يلزم من السكر ومسحوق الأرز مستغلة فرصة نومها، والهدوء الذي يسيطر على باقي سكان البيت.

عندما أنجبتها كانت تشبه صوصاً؛ خفيفة مثل ريشة بعظام هشة وحنجرة قوية. يوماً بعد يوم اتضحت ملامحها وتشكلت لتتحول إلى نسخة مصغرة عن أبيها. لو كانت تشبه سلطعوناً بحرياً، أو قرداً من أدغال أفريقيا، فذلك لن يؤثر على جرعة الحنان الأمومي، أو على در الحليب في صدري كلما أرضعتها، ولكنكم لا تعرفون بأنني كنت أرخي طرف حجابي فوق وجهها لأتحاشى رؤيتها. سوى أن ذلك لم يحل مشكلة الغثيان أو البرد أو عادتي في تعقب شقوق السقف كلما صرخت وذكرتني بوجودها الذي أريد تناسيه.

أمام القاضي بلحيته المحنأة، وعمامته التي تعود إلى ألف سنة قبل يومنا هذا اعترفت:

ماتت… ليس ذبحاً كما تفعلون أنتم في الساحة العامة إنما بسم الفئران. لقمة تلو اللقمة التهمت صغيرتي الأرز الحليب المغلي المخلوط بسم الفئران. تناولته بشراهة، وحين بدأت تتقيأ، كنت أمسح عن وجهها لعابها ودموعها وعصائر معدتها، أنظفها  متفادية عينيها الجاحظتين.

أنا لم أقتلها، فقد ولدت مقتولة منذ ولدتها. حصتي من طبق الأرز بالحليب قاطعه لسوء الحظ دخول أبيها الذي حال بيني وبين إنهائه. كان من المفروض أن تجدوا جثتين وتعفوني وتعفون أنفسكم من الجهد الذي تبذلونه لدراسة قضيتي. لا أخاف قراركم، فالمتأهب لنهايته لا يخشى العقاب، وإن كنت لا أحبذ طريقتكم. إن الدم ياسيادة القاضي يرعبني.

حين كنت أقلب الحليب المغلي بانتظار أن يسمك ويتماسك لم أفكر بأحد. كنت أجهل مصير أهلي تماماً كما يجهلون مصيري، فكتبت رسالة إلى الله. وضعتها في زجاجة، ودفنتها. ذات يوم سيجدها من يقرأها.

” اسمي مها.. عمري ستة عشر عاماً. طالبة في مدرسة على بعد أمتار من البيت. أحب صديقاتي ودروس الفلسفة، وأكره التاريخ والمديرة التي كانت بين الفترة والأخرى تفاجئنا بوقوفها عند البوابة. كانت تلوح بعصاها لتصطاد أية مخالفة في الزي المدرسي. لا أحب لمَ شعري بمطاطة، ولا تلقي ضربات مسطرتها، لذلك كنت أعود أدراجي وأدّعي المرض، لأتحاشاها.

أغرمتُ بالأستاذة مهيبة، وهي معلمة الفلسفة بقامتها الطويلة وملامحها الصارمة بحاجبين يرتفعان دهشة من فرط براءتنا. تُعلمنا المادة المقررة، وتطلب منا قراءة كتب خارج المنهج الدراسي، تثق بقدرتها على تثقيفنا وتوسيع مداركنا. كانت تترك غرفة المدرسات، وتقف تحت مظلة ساحة المدرسة لنلتم حولها. تسألنا وتناقشنا فيما قرأناه؛ الحرية التي تدق، المسألة الوجودية، مشكلة المعرفة، وإشكالية الأخلاق بأبعادها الثلاث.. نلتُ العلامة التامة متفوقة على جميع زميلاتي، وقررت بيني وبين نفسي ليس الإلتحاق بكلية الفلسفة كما تظنون، بل أن أكون ممثلة.. لكن الأقدار لاعتباراتها الخاصة جعلت حياتي تنقلب بين يوم وضحاها رأساً على عقب.

قبل عامين حاصر تنظيم  داعش قريتنا من جميع أطرافها، تخلى عنا العالم بأسره، وتركونا لمصيرنا. باعني أبي مرغماً، وقبض الثمن؛ تصريحاً بخروجه من المدينة المطوّقة مع باقي العائلة، وهل كان بوسعه أن يفعل غير ذلك.! بكت أمي بصمت، مسحت دموعها بصمت، وعانقتني بصمت. لم تعترض. سحبت خلفها أخويّ الصغيرين، وتركتني لمصيري. لطالما حيرني ذلك اللغز الذي يشبه دعابة مقيتة: لو انقلب قارب بابنك وأمك وأباك.. أضف ما شئت ممن تحب، وليس بإمكانك سوى إنقاذ أحدهم فقط من غرقٍ أكيد، فمن تختار؟

غرقتُ.. أصبحتُ سبية عند أحد رجال داعش. لم ير وجهي. لم يخترني لجمالي أو لعيناي الشمعيتين أو لشحوبي إنما لأنه -وبثمن بخس- يستطيع جمع قطيع من النسوة يسرح في باحة بيته. كانت بيننا طفلة ينتظرها أن تحيض ليضمها إلى فراشه. أحاطنا بسور عال وقوانين صارمة.

عالمٌ من النساء والأصوات والزعيق يستمر طوال النهار، وبقدوم الليل يهدأ الجميع لأن أبو عبادة الصهناوي وضع قدمه عند العتبة، فنقف رتلاً ليشير إلى إحدانا، وهذا يعني أنه اختارها لتقوم على خدمته تلك الليلة، ثم تنصاع لفراشه.

الضجيج يزعجني أتقيأ. أصاب بنوبات هستيرية. أدور في غرفتي. أدق رأسي بالجدار، وعندما تتصلب ساقيّ أرتمي على الأرض. أحشو أذنيّ بصوف الفراش، وأنام.

أسألك يا الله إن كان ما حدث يرضيك..! ما الذي اقترفته لأصبح زوجة رغماً عني، وأماً رغماً عني، وقاتلة رغماً عني..!

شرحت لنا مهيبة وهي تضع دائرة حول الأخلاق النسبية بأن الفرد هو الوحيد الذي يستطيع تحديد أفعاله و أفعال غيره إن كانت خيراً او شراً. لا أظنني اقترفت إثماً إلا إذا كان كرهي لإطاعة أوامر العصا يعد خطيئة، أو ربما حين أكذب وأدّعي المرض، أو لأني اخترعت حجة درس إضافي وتسكعت مع صديقتي عند ضفة النهر، أو لأني أردت أن أنقذ ابنتي من مصير السبايا..؟

هل تستحق تلك الخطايا أن أسحق تحت جسد رجل يملك لحية كالمقشة جعلت الحبوب تطفح فوق وجهي..!

عندما أصبح بين يديك يا الله..

ارحمني.

05 سبتمبر 2020

قطار

 رنَّ المنبه معلناً بداية أخرى لدوامته. وكعادته مدَّ يده وضغط الزر.  بجَفنٍ واحدٍ مفتوحٍ وآخرَ مغلقٍ ألقى على الساعةِ نظرةً نَعْسى. كانت العقاربُ تشيرُ إلى الثانية عشرة وعشر دقائق..!

تنبهتْ أعصابُه الخدِرةُ، استيقظَ ذِهنُه متحولاً دفعةً واحدةً من الخمول إلى الصحو. هل سرقه النوم وفوّت الباص الذي يحشر جسده فيه محاطاً بعشرات الركاب متأرجحاً كالبهلوان حتى يصل مركز عمله.

فتح عينيه على اتساعهما، وجال ببصره مستطلعاً ما حوله؛ ظلال غريبة كانت تنعكس فوق جدران تقشر طلاؤها، لم يستطع التكهن بالوقت. تلمس فراغ الفراش في جهته اليمنى. 

ألم تنم بعد..! أم أنها كعادتها هربت من شخيره ونامت بجانب ناصر ابنها المدلل..!

سأل نفسه، وغرق في تخميناته.

لم يحدث أن استيقظ متأخراً، كما لم يحدث قط أن نهض قبل موعده. أما استعانته بالمنبه فليست إلا عادة مزمنة تتحكم به.

زميلته في العمل سمر.. سهى.. ثريا، أو شيءٌ من هذا القبيل- الحقيقة أنه لا يتذكر اسمها- تستغرب دقته وانضباطه بمواعيد الحضور والانصراف. حاولت الإثناء عليه ومجاملته برِقّة ذكرته بالسحالي، قالت: كأنك ساعة بغ بن. أهنئك.. تحضر دائماً قبل الجميع.. لم تتأخر مرة واحدة.

أجاب متهكماً، منهياً محاولاتها التي يسيء الظن بها: ليس حباً بالعمل.

انفرجت شفتاها المثقلتان بأحمر شفاه داكن، دون أن تفهم تماماً ما يقصده.

بقيّ متجهماً.

متى تجد زميلته الملونة الوقت لتضع كل هذه الزينة.؟ رموشها المثقلة بالكحل وأقراطها الكبيرة، شفتاها بشكل خاص ترعبانه. النساء مكانهن البيت، لماذا يزاحمن الرجال فرص العمل، ويتبرجن كأنهن في محل لبيع الدمى!.

بعض السلاحف تعيش مئة عام، الحوت يعيش أطول من ذلك، لكن هناك نوع من أنواع الفراشات لا يتجاوز عمرها 24 ساعة، يا للخفة .! ليته كان فراشة.

بانتظار محطته الأخيرة يمضي قطار عُمُرِه مُلتزماً بالسِكّة، وبذاك الصفير المدوي في رأسه. يعمل محاسباً في أحد البنوك يراجع حسابات الأثرياء ويحسدهم دون طائل، ثم يستلم في فترة بعد الظهر نوبته في قيادة سيارة أجرة. وما بين أوجاع ظهره وعملين يستهلكانه، يُأمن حاجيات بيت لا تنتهي طلباته.

التوقف أمنية لا يطالها. كان عليه أن يعيش انكساراته كاملاً، يتذكر قبل أن يغفو صفعات أبيه ليعلمه الأدب، ضربات عصا أستاذه ليحفظ دروسه، السجن في الزنزانة الانفرادية أثناء خدمة الجيش الالزامية ليتعلم حب الوطن والطاعة العمياء.

حين بلغ الثلاثين لم يعد يفرح ولا يحزن، طرأت عليه تبدلات واضحة، كان قد استسلم لقدره، زاد وزنه و تخلت عنه فتاة قلبه. ارتبط بزوجة متجاوزاً عبء الوقوع في الحب، أنجب ثلاثة أطفال صبياً وابنتين يصفعهم ليعلمهم الأدب والامتثال، أما زوجه فتعودت تجهمه في وجهها، دون أن تعرف بأنه يهرب منها ومن عالمه إلى جنة يبتدعها لنفسه ليعيش في كوخ بنوافذ حمراء، يطل على غابة شاسعة برفقة جميلة لا تشبه زوجته المملة ولا تشبه حبيبته الخائنة، لا يذهب إلى وظيفة بالكاد تفي متطلبات بيته، ولا يضطر إلى أن يجوب شوارع خانقة، ولا يعكر صفو يومه أحمر شفاه زميلته السحلية، أما أسوأ ما في ذلك الحلم، فهو  اضطراره لإسكات صوت المنبه والعودة الاضطرارية إلى دوامته، ففي الأحلام فقط كل شيء ساحر ومبهج وحقيقي.      

رنَّ المنبه.!

لم يرن.!

يشعر بهوة عميقة في رأسه، لن يعرف إجابة لتساؤلاته إلا إذا نهض. كان يهم برفع الغطاء عنه حين دخلت زوجته بوجه متعرق شاحب وبملامح تنبئ عن كارثة.

ابتلع ريقه وسألها: خير انشالله؟

قالت بصوت جزع: انهض يا رجل، اسمع الخبر يبث في كل مكان.

هب واقفاً وقد أصابته عدوى القلق. بحث عن قناة الإذاعة المحلية. تردد صوت موسيقا غريبة انقطعت فجأة ليعود صوت المذيع:

“نكرر.. السادة المستمعين يؤسفنا أن الشمس ولسبب غير معروف لم تشرق، ما استدعى إعلان حالة الطوارئ. وحرصاً منا على سلامة المواطنين ننصحهم بالبقاء في منازلهم، حتى يتم تحديد الجهة المسؤولة عن هذا الخلل الكوني. ولمعرفة معلومات أكثر يمكنكم متابعة برنامجنا التالي الذي نستضيف فيه نخبة من المبصّرين والفلكيين والباحثين والمحللين.” غمرته غِبطة لم يستطع منعها. تنفس الصعداء. رجع إلى فراشه، سوَّى الوسادة تحت رأسه، سحبّ الغطاءَ حتى حدود ابتسامته، واستسلم إلى النوم .

من المجموعة القصصية : امنحني 9 كلمات

04 مارس 2017

صفعة (قصة قصيرة)


عندما سمعت طرقاً على باب شقتي المؤقتة، هرعت متأملاً جاراً أو صديقاً. إلا أني فوجئت بالزي الكحلي، القبعة الصغيرة جانب الرأس، والشارة  الصفراء على الساعد، ورجل الشرطة ذو الشعر الأحمر يبتسم. ما زال هذا الزي حتى إن لم يكن كاكياً يفزعني.
حاولتُ أن أتماسك، وادعيت الهدوء، وكل عضلة في جسدي تنتفض. رددت التحية .
أردت سؤاله عما يريد، لكني تلعثمت، لم تسعفني اللغة. التصقت العبارات القليلة التي تعلمتها بسقف حلقي.. تأتأت.
في قسم الشرطة ساعدنا المترجم ، قال منهياً كلامه: يتهمونك بأنك أبٌ غير صالح .
-ألأني  صفعت ابني؟.
-ألم تصفعه.؟
-يا أخي، صفعته. الولد مراهق وقلل أدبه. ردّ علي بقلة احترام.
- إنه القانون هنا وعليك أن تحترمه.
بعد يومين قضيتهما في مخفر يشبه إلى حد كبير إحدى فيلاّت الأثرياء في بلادي، هادئ ونظيف وحوله حديقة مليئة بالورود. زارني المحقق برفقة المترجم، كانا يتبادلان ابتسامات لا تعجبني، ترتجف  شفتي السفلية كلما حاولت أن أكرر شرح الحادثة كما حدثت.
كان أبي، رحمه الله، حين يثور، يطحن جسد أمي، ركلها مرتين أمامي. لم تشكِه أمي إلا لله. لم تأت الشرطة يوماً تدق بابه.  وكان يترك علامات زرقاء على كتفي وظهري، يسحب من علاقات بنطاله حزامه، يسوّطه في الهواء، محدثاً ذاك الصفير، كان الصوت يؤلمني أكثر مما تفعل اللسعة نفسها. مع ذلك حين توفي قبَّلت قدميه. وبعد كل صلاة أرفع يديّ أدعو له بالرحمة كما رباني صغيراً.
في اليوم الثالث، حضرت زوجتي التي لم أعرف غيرها امرأة. سألوها، فقالت:
-نعم .. ضربه بشدة تورّم خده، وحين حاولتُ الدفاع عنه دفعني، كتفي ما زال يؤلمني.
تحسستهُ ولمعَ الدمع في عينيها.
ابنة الـ.... لم تدافع عني، ولم تخبرهم أني أبٌ صالحٌ.
قبل ثلاث سنوات وعشرة أشهر كان عبد الرحمن ما زال في التاسعة من عمره وحنان أخته أصغر منه بعامين. عبرنا البحر، وبفضل الصحو والحظ ودعاء أمي التي مازالت تبكي أكثر مما تحكي، لم نغرق.
تركنا خلفنا بيتاً قُصف، كل ما بقيَّ من العمارة بطوابقها الستة؛ شرفتنا معلقة في الهواء، وكرسيٌ وثوبٌ منشورٌ على حبل الغسيل. تلك الصورة تناقلتها وكالات الأنباء، ومواقع التواصل الاجتماعي. اعتبرها الفنانون لوحة سيريالية. وعلَّق الملتحون: المؤمن مُبتلى.  وقال آخرون: إنها دليل الأمل واستمرار الحياة. وتجرأ البعض وقالوا: خرجهم الله لا يقيمهم.
تحولت الحارة إلى أنقاض وخرائب، ومات الكثير من الجيران، دفنوا تحت الحجارة والأسمنت. كنا محظوظين، لكننا دون مأوى. أقمنا لفترة عند أمي العجوز في القرية حيث تعيش مع أختي وأولادها بعد أن قُتل زوجها، كان من المستحيل أن يتسع البيت لنا جميعاً. اتخذتُ قراري، فلم يعد عندي ما أخسره؛ إن مِتنا في الطريق فنحن موتى هنا، وإن نجونا ووصلنا، فهذا يعني فرصة جديدة.
حملنا حقيبتيّ ظهر. ودفعت نقوداً كثيرة للمهرب. ركبنا البحر بقارب مطاطي، ثم قطعنا الحدود البرية والأسلاك، واجتزنا الغابات، ومشينا آلاف الكيلومترات حتى وصلنا السويد.
لم أستطع إقناع أحد من هذه البلاد، أن مجرد صفعة، لا تجعلني أباً غير صالح، ولا تنسف التعب والمصاعب التي احتملتها حتى نجونا.  هذه الجنة لا تعرف أن العقاب والثواب أنصاف أقواس بها تكتمل دائرة المحبة.
قال لي المحامي وهو يبتسم:
Sir- ابنك عبد الرحمن رفض عرضاً جيداً لتتبناه أسرة أخرى.
-  كتر خيره. أجبت.
صديق شهم أرسل لي قيمة الكفالة، ووقعت على إقرارٍ بأني لن أصفع أو أشتم، أو أدفع زوجتي أو ألمسها.
خرجت من السجن، عدتُ إلى البيت. المفتاح في جيبي، ولكني فضلت أن أدق الباب، بصمت الغرباء اتجهت إلى غرفة النوم. فتحت الخزانة، وفي حقيبة ظهرٍ صغيرة وضعت لوازمي القليلة.
لابد أن أمي بانتظاري.


موقع الكتابة




23 فبراير 2017

صور منسية

الأجواء المكفهرة تناسب مزاجي المتوجس. أكثر من ثلاث ساعات
والسماء تمطر، أتحول إلى طفل انفعالي، أنا كائن الماء، سأﻧﻬي آخر رشفة من
قهوتي، وأغادر..
لعنة الله عليه وعلى مواعيده، يلقي على أسماعنا محاضرات بالأصول
واللياقة، ثم وبكل وقاحة، يتأخر!. أشتمه علانية. ذلك لم يجدِ طبعًا، فها أنا
بانتظاره منذ نصف ساعة، وهذا يكفيني.
أزحت الكرسي إلى الوراء مستديرًا بعض الشيء، هممت بالنهوض، لكن
نظرًة خاطفًة نحوها أعادتني مسترخيًا، تعودت أن أبرر المصادفات، وأن أصدقها..
قبل عشرِ سنوات كان يومًا مبل ً لا آخر يشبه هذا، كنت في طريقي لقطع
علاقتي ببثينة، وقعتُ، انكسرت ساقي، حين أطل وجهها في المشفى من
خلال طاقة زهور تحملها، طلبتُ يدها، وصارت زوجتي..
التفاتتي الآن من النوع نفسه.. لمحتها، كانت توزع نظراﺗﻬا على من
حولها، عيناها تتقنان الابتسام وحدهما دون أن تتدَّخل شفتيها، مشرقة
كشمس ساطعة.
لا أعد نفسي رجلا ملتزمًا بالمعنى الأخلاقي للكلمة؛ فأنا أدخن بشراهة،
أشربُ الكحول مرتين في الأسبوع، ونادرًا ما أضرب زوجتي، أما
المعاكسة.. فلا.
ليس من عاداتي ملاحقة النساء ولا مغازلتهن.. نادرًا ما اكترثت بامرأة،
نوعٌ من (اللامبالاة) لا علاقة له بالتعفف، فالنساء، بي أو من دوني، سحر
القلب والنظر.. حدث ذلك بطريقة حاسمة وغير مخططة.
بعد همود فورة الشباب، ومعها كل توابعها من الحماقات، ما عادت
النساء قضيتي الشاغلة.
بلادٌة.. أو تخمة الشبع.. أو ربما حظ السيدة حرَمِنا!.
مع ذلك، ها أنا أحدق بامرأة ليست ملفتة، لكنها فاتنة على نحو ما،
بملامح تتطابق مع ملامح حواء الأولى، فالشبه واضحٌ، في خيالي على الأقل،
لطف متماثل، الدهشُة والتعلق.
تتحرك تلك السيدة بحيوية واضحة، غير أن شحوبًا لم أخطئه يعتريها،
أظنها مريضة، أنحل مما كانت، وقوية كما المعتاد، تبدو في حوالي الأربعين
من عمرها. لست دقيًقا، ربما أصغر أو أكبر بعشر سنوات. اكتشافُ عمر
المرأة أصعب من حساب نسبة الأرباح في مؤسسة حكومية، فالاحتمالات
تخطئ غالبًا.
موقعها على المائدة يجعلها تُحكم السيطرة على من حولها، تنصتُ للصبي
اليافع الذي يجلس إلى يمينها، تؤثره بالاهتمام أكثرَ مما تفعل مع البنات الثلاث
الأصغر..
توزع طبق السلطة فيما بينهم، تملأ كؤوسهم بالمشروبات، فلا تترك
فرصة لتدخل النادل.
لم تكن تحب خدمة الآخرين لها، حتى حين تمرض ..
ابتسامتها تفيض من زاويتي فمها، تغمرني، تتلفت بحماسة، لا يفوﺗﻬا أن
تناول الخبز للصغيرة بجانبها، تصب الحساء، وتحاول جذب ابنها من ملله
وشروده.
سرت عدوى نشاطها إلي، شعرت بخفة طارئة، ارتياحٍ أزال توجسي
وغضبي من صديقي المتأخر..
ربَّ تأخر نافع!.. فليتأخر حتى يومِ القيامة، وليتركني حيث أنا.
مأخوذ ﺑﻬا حتى أني لم أعبأ بثوب مراهقة انحسر أمام عيني، كاشًفا عن
ساقين أبلجين وبياض شاهق. سيخيب رجاء الصغيرة التي تمتحن غوايتها،
فذهني متورط بكامله في متابع ما يحدث على الطاولة المقابلة، ثم أني على ثقة
بأني لو حملقت بسيقاﻧﻬا لتأففت مدعية أني رجل عديم الذوق، وأن حماقتي لا
تناسبها، النساء غامضات، لا ينطبق عليهن قانون ثابت، هن الشيء ونقيضه
في آن، يقف الربُ نفسه عاجزًا عن فهمهن، أما أنا فقد تبت عن المحاولة و ما
عدت أكترث.
تعودتْ بثينة زوجتي قلة اكتراثي، وعلى هذا رتبت أمورها، استغرق
الأمر منها بعض العناء، بلطف مرة وبالبكاء مرة أخرى. كانت محاولاﺗﻬا
المهادنة تستفزني، أرى فيها مكرًا و مزايدًة على طاقة احتمالي.
أمي بدورها كانت لطيفة، دماثتها لم تشفع لها بما يكفي كي أترك
أشغالي، وأمسك يدها الضعيفة، لا أثناء مرضها ولا يوم ماتت..
ورَّثتْ بناﺗﻬا الثلاث الأصغر مني قطعة أرض تملكها، ومترل العائلة
القديم.. أما أنا، وحيدها الحبيب، فقد خصتني بخاتم جدﺗﻬا العتيق، إضافة إلى
رسالة مكتوبة توصيني خيرًا بأخواتي.
آلمتني خديعتها، لطالما ظننتُ أني طفلها المدلل، فرغم ظروفنا المادية
العادية، أرسلتني لأكمل تعليمي في فرنسا.
فاجأتني الوصية، لكني احتفظت برأيي لنفسي، مبديًا، ظاهرًا فقط، أن
الأمر سيان بالنسبة لي، مادامت أموري المادية معقولة، أما ضمنيًا فلم أغفر
لها استثنائي من أملاكها، متفضلة عليّ بحجر ملون.!
ربما كان تصرفها طبيعيًا، أو أني لا أفهم النساء!. في الحالين، لقد خدعتني.
الصبي كسر كأس الماء بحركة طائشة، وقبل أن يبكي بدأت تراضيه..
وشاحها القديم يغطي شعرها، ويلتف حول عنقها، ليس حجابًا بل احتشامًا
يمنحها الهيبة. لم تكن تأبه للخصلات التي تترلق، كل ما كانت تفعله أﻧﻬا
تلملمه بحركة خاطفة من أصابعها الطويلة..
يبرق في وجهي عقيق خاتمها يزين بنصرها النحيل، يجفلني صوت النادل:
- هل تطلب شيًئا آخر يا أستاذ؟
شعرتُ بالحرج، فقد التقطني بالجرم المشهود. طلبت المزيد من القهوة،
وأشحت بوجهي نحو النافذة، التصقت ﺑﻬا، حتى ارتطم أنفي بالزجاج،
أنفاسي الساخنة حجبت المشهد الخارجي، البرد في الخارج شديد، والمطر
طوفان نوح، وصديقي لم يصل بعد.
إﻧﻬا الأيام الأخيرة من العام.. تعاقبت السنون، ويمضي العمر فوق زلاجة
بعجلات.
الإفلات من مغناطيس تلك المرأة صار مستحي ً لا، كهاجس مّلح عدت
أراقبها.
لعلها انتبهت!.
التقت نظراتنا.. لمحت دهشتها.. ذهو ٌ ل ألجمها..انطفأت
ابتسامتها..عبست.. هاجمتني خيالاتٌ متداخلة لامرأة بعيدة الملامح، يرقد
عالمي بين كفيها.
كانت لها رائحة أمي حين كانت تلمني في حضنها أيام البرد، فأدس أنفي
بين ﻧﻬديها حتى تكف أسناني عن الاصطكاك..
وكانت لعمتي التي تتمادى في دلالي، فأشتط، وأتشيطن؛ أنط فوق
وسائدها البيضاء وشراشفها النظيفة.. فلا تعنفني، بل تتخم معدتي بحلويات
تفوح منها رائحة " الفانيلا"..
كانت لصبية الفاتنة التي قرصت قلبي، وعدتني بأﻧﻬا لن تكون إلا لي. حين
رأيتها بعد ذلك بكثير كانت تجر خلفها قطيعًا من الصغار.
كانت لأختي الكبرى التي لم أزرها منذ شهرين، ومازالت تتصل بإلحاح
لتسأل عني، وتستحث همتي:
"بعرف أنك مشغول بس تقبرني طلْ"...
كانت لتلك السيدة التي جرتني إلى فراشها مباشرة، أتذكر تفاصيل
جسدها اللدن وشهقاﺗﻬا، أما اسمها فقد بلعه النسيان...
كانت.. كانت الحبيبة الساحرة التي تخيلتها، ولم أعثر عليها سوى في
فيلم سينمائي حضرته سبع مرات، لم تكن بطلة الفيلم بل مجرد ممثلة ثانوية
تظهر في مشهد خاطف يستغرق عشر دقائق ثم تغيب بعدها..
وكانت لبثينة.. زوجتي تلك التي أتجاهل مكالمتها، وكلما اتصلت سجل
هاتفي النقال رقمها على أﻧﻬا اتصال وارد لم يُرد عليه.
داهمتني وجوههن المنسية خارج القلب بسرعة خاطفة.
حين نظرت إليها ثانية، وجدﺗﻬا تحدق بي، كأﻧﻬا تعرفني.
أطرقت خجلاً متظاهرًا باحتساء قهوتي الباردة..
عقيق خاتمها ميراثي الذي أضعته.
قررت أن أسألها عن خاتمها.. لكني ترددت.. بل خفت.. أين اختفى
الشاب الجريء الذي كنته؟.
لم تكن الفكرة تكمل دورﺗﻬا عبر الحواس حتى تصبح قابلة للتنفيذ..
يقيدني اليوم ألف حساب وحساب..
من يعرف، ربما اﺗﻬمتني بالتحرش قبل أن تسمع سؤالي.
***
من الخلف جاءني صوته يقول إن عطلاً طارًئا في سيارته الجديدة أخره،
إن انتظاري لساعة كاملة يدهشه.
لم أشتمه.. أشرت له أن يجلس،كانت ما تزال تتطلع إليّ، وقد تباطأت
سرعة حركتها..
يبدو أﻧﻬا عرفتني: حوائي الأولى.
تطلع مستغربًا:
- إلام تبحلق؟.
- إليها..
- من؟.
- تلك السيدة التي هناك.
- أين؟.
أومأت برأسي:
- هناااااااك.
- أعوذ بالله منك ومن ﺗﻬيؤاتك .. ما في حدا!.
قصة منشورة في مجموعة (قبلة خرساء