‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات في مجموعاتي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات في مجموعاتي. إظهار كافة الرسائل

03 يونيو 2025

"رُبْعُ وَقْت" سوزان خواتمي.. أرواحٌ محاصرةٌ وعصافيرُ مُؤَجَّلَة... قراءة للشاعر نزار غالب فليحان


 "ربع وقت" حكاية نائلة ونسيج حكايات متصلة أخرى، منها ما ترك أثراً مباشراً على الحكاية الأم، ومنها ما جاء ليكمل المشهد العام لبيئَتَيْ النص المحلية، حيث تعيش نائلة والعامة الأكثر اتساعاً حيث يعيش الوطن. سوزان خواتمي


حكاية لعبت فيها الروائية دور الراوي تاركة مساحات من النص لحوارات بين شخوص العمل لم تكن على حساب السرد، بل أكملت وظيفته نحو تكوين لوحة أكثر وضوحاً وواقعية، سيما وأنّ لغة الحوار تلك كانت متناغمة مع المستوى الثقافي للشخصيات، كما عززت الكاتبة النص بأفكار وخواطر بعض الشخصيات بين حين وآخر، أفكار وخواطر عكست سرائرهم وطباعهم في محاولة لإعطائهم حرية التعبير عن ذواتهم وتمكينهم من رسم ملامح شخصياتهم لجعلهم أكثر قرباً من القارئ وأكثر بعداً عن ممارسة الراوية ذاتها عليهم، أما لغة النص فقد أتت بسيطة غير متكلفة، كما بساطة شخوص العمل ومراوحتهم اجتماعياً وطبقياً وثقافياً بين القاع والوسط، حيث أَدَمَةُ المجتمع التي يعوَّلُ عليها في كل حراك باتجاه التغيير.


في الحكاية التي تقارب الواقع، كان لا بد من زنزانة تقضي على جموح نائلة، على حريتها التي لم يثنها ظرف عن ممارستها إلى أن اصطدمت بجدار السلطة، حين ظنت أن بإمكانها أن تعبر عن رأيها أو أن تفضح ممارسات فاسدة في ركن من أركان الدولة، بالطبع ليست الزنزانة ضرورة وليست ممارسة الحرية جرماً إلا في ظل سلطة قمعية، لذلك كان على نائلة -شأنها شأن شعب بلادها- أن تدرك أنّ الأرض التي تقف عليها ليست صلبة كفاية حمايتها من بطش السلطة، لكنها أصرّت، لتدفع ثمن إصرارها عشرة أشهر وعشرة أيام قيد الاعتقال.


انعكست أهواء نائلة في أربع سقطات على أقل تقدير، زيجات ثلاث فاشلة هي أقرب في الحقيقة إلى تجارب غير محسوبة العواقب، وابنة وحيدة قطعت حبل الود مع أمها وأمومة مشروخة تعترف نائلة بها دون تردد ولا مواربة ولا وجل، واعتقال أعقبته غرغرينا في قدمها وخَلَّفَ حطام روح.


عاشت نائلة لِذاتِها ما استطاعت، وعاش محيطها في فضاء رغباتها وعنفوانها، عدا ابنتها "جوانا" التي أدركت أنّ أمومة أمها ناقصة بعد أن تخلّت عنها لزوجها الأول "بكر"، الذي ظلّ يحبّ نائلة حتى بعد أن تزوج من ابنة عمه، في حين تلقت صفعتين من "علي"، زوجها الثاني، بعد أن أدركت أن زواجها منه كان خياراً مخيباً لآمالها حين أهملها، ما دعاها لتركه فكانت صفعتها الأولى، وتالياً بعد أن رفض مساعدتها في تأمين رشوة إطلاق سراحها من المعتقل، لتتعزز خيباتها في "سليم"، زوجها الثالث، الذي حارب ليخرجها من المعتقل كي تلد له ابناً يحمل اسمه في ظلّ إصرارها على الإجهاض ليس فقط لأنّهما اتفقا قبل الزواج على عدم الإنجاب، بل لأنها أيضاً متصالحة مع أنها ليست أماً كما يجب.


لكن نائلة انتصرت في النهاية في ثلاث، حين ظفرت بعد إطلاق سراحها بلهفة ابنتها "جوانا" حَدَّ قرار الأخيرة بأنها ستسافر مع أمها، "جوانا" التي لم تكن تطيق سلوك أمها ولا حديثها حتى إنّ "سليم" كاد يوقن أنّ "جوانا" هي من حررت التقرير الأمني بنائلة، كما انتصرت بوفاء "بكر" زوجها الأول، الذي دفع كامل الرشوة لتحريرها، وانتصرت بممارسة حريتها في مناخ لا مكان فيها لبصيص أمل.


"ربع وقت" نَصٌّ يؤسس من ناحية لمخاض الحرية العسير على عتبات بلاد ستغمرها الدماء فيما بعد، كما يؤسس من ناحية ثانية لاجتراح الأمل من عتمة زنزانة باردة، كانت نائلة تمر بسلامياتها على مفاتيح البيانو التي رسمتها بثينة على جدار الزنزانة، وعند كل مرور كانت بثينة تطلق نغمةً لتُعَلِّمَ نائلة العزف، الزنزانة التي كانت تحاصر تلك الأرواح في الواقع صارت عُشّاً لعصافير مؤجلة في الرواية.

ليفانت نيوز

05 مارس 2021

جبر مراد: الحب والانكسار في رواية “ربع وقت” لسوزان خواتمي

 تخوض الكاتبة السورية سوزان خواتمي في “ربع وقت” تجربتها الأولى في السرد الروائي بعد أعمالها القصصية، وسبق أن قرأت لها مجموعة “فسيفساء امرأة” الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب، وكانت حافلة بعوالم نسائية متضاربة تحاكي جمال ومظلومية هذا الكائن الإنسي الرائع.

شخصيات مغلوب على أمرها بمصائر معلقة

“ربع وقت” رواية صادرة عن دار ميم للنشر في الجزائر، تحمل عنواناً موارباً يحيلنا إلى أكثر من معنى. يتنامى فيها السرد خلال فترة تمتد ما بين 1990 تقريباً و2012 أي فترة التحولات الحقيقية في سورية التي أسست لما هي عليه الآن .

شخصيات الرواية محدودة العدد بدت واقعية بسيطة في تعاملها مع الحياة، وفي ردود أفعالها، ومغلوبة على أمرها في علاقتها مع السلطة. يجدها القارئ مألوفة، وقد يكون في محيطه الصغير من يشبهها ويتقاطع مع سلوكياتها.

تحضر نائلة، كشخصية محورية، وهي الأكثر حضوراً وتنامياً مع الأحداث، والأغرب سلوكاً، ففيها التمرد والأنانية والخروج عن المألوف في حبها وعلاقتها. تملك روحاً حرة وثابة ترتبط بعلاقة زواج مع ثلاثة رجال، اثنان بقيا مولعان بها؛ وهما زوجها الحالي المحامي سليم، وطليقها الأول بكر الذي اقترنت به بعد علاقة حب في سن الفتوة، أما الطليق الثاني والذي تعرفت عليه وأحبته وهي على ذمة بكر عندما كانت في حالة حداد على والدتها، فقد تخلى عنها أول مرة في لندن ليلتحق بدورة لمدة اسبوعين ( حسب قوله: تفتح له آفاق جديدة ) والمرة الثانية عند دخولها السجن بسبب مقال صحفي نشرته عن فساد في بناء منشئة رياضية.

شخصية نائلة المركبة والتي تتراوح بين الأنانية والشهوانية والحرية والفشل في تجربة الأمومة، ليست باختصار ابنة مجتمعها في تعاملها مع الحياة، فهي لا تشبه مها زوجة طليقها بكر، أو جاراتها اللواتي ظهرت منهن أم حسام المرأة الثرثارة المغلوبة على أمرها مع زوجها.

أما الرجال الذين ظهروا في الرواية، فكانوا يخونون نسائهم بمبررات واهية، ومع هذا لا يفتقدون النبل والنخوة والمحبة .

بشيء قريب من الدقة تصور الرواية خروج المظاهرات في جامعة حلب من خلال مشهد مؤلم وعنيف، ونقلت الكاتبة الأحداث بعين المتابع الموضوعي إلى حد كبير، فلم تطلق أحكام قيمة، بل تركت ذلك للقارئ، ولكل قارئ قيمه الخاصة به.

توظيف الحوارات:

[من نافذة خليل يبزغ الفجر]

عبارة نقرأها في بداية الباب 12 من الفصل الأول لتُقحمنا في تعاطف علني مع هذا الشاب وتعقيدات حياته، وخلال فصلي الرواية لمعرفة مصير نائلة وسبب اعتقالها، جاء السرد خجولاً وتمهيدياً في البداية، إلا أنه تصاعد حتى النهاية بشكل سلس وغير معقد، وبدون الاستعراضات السائدة لبعض الكتاب.

تقول نائلة : [حلب ثمرة جوز قاسية ولكن ما أن تكسر قشرتها حتى يظهر لك لبها الطيب ].

في “ربع وقت” تم توظيف الحوار لينقل على لسان الأبطال نصوص ومعان تميزت بعمقها، يظهر ذلك في الحديث الذي دار بين جوانا ورفيقها خليل:

 – لم تنم ! النوم كائن جميل ومسالم .

– إن كان كذلك بالفعل فما الذي أيقظك ؟

– لا أعرف .. ربما لاكتشف لغة الصمت.

– الصمت أم السكون ! يقال وفق المذهب الصوفي: التمست قلة الحساب فوجدتها في الصمت أما سقراط فيقول : تحدث حتى أراك !

– ما من شيئ مضر بالصحة أكثر من الفلسفة على الريق .

– وفق رأي هيللر: الصمت له أنواع ، هناك صمت التريث واستقراء الواقع قبل الكلام ويدعى الصمت الحكيم، وهناك التوقف عن الفعل وعدم المشاركة والكف عن الانتقاد والذي يؤدي للاعتصام والعصيان ويسمى الصمت الفاعل، وهناك السكوت وتمارسها الأنا الحرة إما بسبب العجز عن التواصل أو بسبب الجهل بمايدور حولها ، أو بسبب الإحساس بالاغتراب عن المجموعة ويسمى صمت المتلقي….هذا إضافة إلى المراوغة التي يستخدمها المسؤولون والسياسيون، فتعابيرهم التي لا تفسر شيئاً تجعل الكلام كعدمه، ويسمى صمت المتحدثين.

كما احتوت الراوية على مقاطع لكتاب آخرين بشكل غير مقحم، وبدون عسر. تقول جوانا الابنة الوحيدة لنائلة مستعينة بمأثور لابن بطوطة ” فالسفر .. يعطيك منزلاً في آلاف الأماكن ويتركك غريباً في وطنك ” وفي موقع آخر ترد مقدمة رواية دروز بلغراد ” أيقظني الهدير وارتجاج الأرض. أين أنا ؟ “

ربما ستقدم لنا خواتمي عملاً جديداً آخر يستمر بنفس الشخوص، فهم لم يصلوا إلى نهايات يقينية، وبقيت مصائرهم معلقة، فنائلة تتعافى من السجن، وابنتها الوحيدة جوانا الغامضة اللا مبالية والمحبة للفن والمسرح تتحسن علاقتها بوالدتها، ولا نعرف ماذا جرى لباقي الشخصيات.!

لن أكشف تفاصيل العمل أكثر مما فعلت، ولكن أقول بأنها رواية تلتقط مشاهد الحياة وتنثرها في وجوهنا المرهقة، إنه عمل ابداعي متماسك يُقرأ بيومين بمتعة ومحبة.

#موقع_الكتابة

#ربع_وقت

#رواية

15 ديسمبر 2018

سوزان خواتمي في مجموعتها الثالثة "فسيفساء امرأة" قصص العيش في الراهن

الناقد: راسم المدهون 
جريدة الحياة
مجموعة الكاتبة السورية سوزان خواتمي القصصية الجديدة"فسيفساء امرأة"، تعود بنا من جديد إلى نعمة القص، إذ هي تقوم في مرتكزها الأهم على الحكاية وتحرص على السرد، وما فيه من تسلسل حدثي يسند بعضه بعضاً، ويسند القصة ليجعل منها في تعريف بسيط، حكاية صوغها في أسلوب فني، وخضعت أحداثها لانتقائية تعيد تشكيلها وتقديمها الى القارئ في كثير من لغة التشويق ومن الحرص على المزاوجة بين الشكل الفني وما يتأسس عليه من جمالية، والمضامين القصصية بما فيها من أحداث حياة ووقائع أيام.
سوزان خواتمي، سبق أن أصـدرت مجمـوعتين قصصيتين"ذاكرة من ورق"دار سعاد الصباح ـ الكويت عام 1999, و"كل شيء عن الحب"دار سعاد الصباح ـ الكويت 2001. وهي سبق أن فازت بجائزة سعاد الصباح الأدبية عن موضوع بعنوان"رسالة إلى شهيد"عام 1993.
"فسيفساء امرأة"منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق، تنتمي قصصها الى عنوانها بأمانة، من حيث هي التفات إلى جزيئات وتفاصيل في حياة امرأة معاصرة، تفاصيل تحمل الكثير من المشاعر المحبطة والأحلام المكسورة مثلما تحمل رؤى وارهاصات لأحلام أخرى تصطدم بوقائع العيش وما فيها من قسوة. سوزان خواتمي تقدم صورة المرأة في محيطها الاجتماعي بكل ما يكتنف هذه الصورة من خطوط سود، هي الفارق الكبير بين الأحلام الأولى، البيض والمحلّقة بأجنحة الخيال، والواقع الصلد الذي تؤسسه الحياة الحقيقية كما تعيشها المرأة بتفاصيل برود العشق، بل تحوله يوماً بعد يوم نوعاً من العادة التي تتكرر ولكنها تفقد كل مرّة شيئاً من ذاتها، لتنتهي بعد ذلك إلى قسوة من نوع جديد.
في"قصة أريد العالم وأكتفي بالشوكولا"، تقدم خواتمي حكاية امرأة مع الريجيم، حيث عليها أن تستعيد بقسوة الجوع قوامها الرشيق السابق بعد سنوات من الزواج، فيما لا ينطبق الأمر ذاته على زوجها الذي يتمتع بحرية السمنة والترهل كما يشاء:"زيادة الوزن بالنسبة إليه وقار رجولي مطلوب، بينما يحتم عليّ ملاحظة ضرسي الطيب الذي يتمتع باللقمة اللذيذة". في هذه القصة انتباه إلى تقليدية الوعي، أو إذا شئنا الدقة إلى ذكورية هذا الوعي والتي تجعل الرشاقة والجمال من الصفات الضرورية للمرأة، وفي الوقت نفسه فائضة عن الحاجة بالنسبة إلى الرجل. هنا تقدم سوزان خواتمي ملامح من معاناة المرأة مع الزواج كعلاقة مع الرجل تصبح محكومة بتفاصيل العيش اليومي وما فيه أسباب إحباط من خلال إخراج المرأة من صورة العاشقة، إلى صورة شديدة الواقعية، هي صورة الزوجة، ربة البيت، والأم، وعاملة التنظيف النشطة التي لا تكل ولا تتوقف عن العمل، والتي تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على صورة العاشقة القديمة، تلك التي لا تعود موجودة إلا في ألبومات الصور القديمة ومنها صورة حفلة الزواج وما فيها من نضارة وشباب.
صورة الحياة
يبدو موضوع هذه القصة تقليدياً إلى حدّ بعيد، لكنّ معالجة الكاتبة تمنحه جدة وحرارة من خلال استقراء المشاعر الذاتية وإضاءة ما فيها من خلجات جزئية صغيرة، هي في مجموعها تفاصيل صورة الحياة الجديدة وملامحها.
أما في"الملفوف الساخن"، فتقدم سوزان خواتمي حكاية شديدة الواقعية لعاشق فقير يقدم على السرقة من أجل توفير حياة أفضل لحبيبته. في هذه القصة تذهب الكاتبة إلى الجانب الآخر من نفس الإنسان، الجانب الذي يحتفظ بنوازع الخير بما فيها الحب. قصة فيها الكثير من إشارات غير صريحة إلى عصف المصاعب الاجتماعية بأرواح الناس البسطاء وإلى المفهوم الحقيقي للانحراف، الذي تجسده في القصة واقعة السرقة من أجل غاية نبيلة في إسعاد الحبيب والحرص في الوقت ذاته، على إبقائه طاهراً من خلال إبعاده عن أجواء السرقة.
قصص سوزان خواتمي في"فسيفساء امرأة"، تفارق في أجوائها وحكاياتها ما نقرأه في هذه الأيام من قصص الكاتبات السوريات، خصوصاً أن سوزان خواتمي توظف حسها الأنثوي في معالجة شؤون حياتيه لبطلاتها وأبطالها بعيداً من الأساليب المعهودة، التقليدية والمتكررة، للغة القص الأنثوية، فلا تعمد الى الاتكاء على تأنيث الحكايات أو تأنيث الحلول إذا جازت العبارات، فنراها تتوغل بالتفاصيل الاجتماعية بكثير من الوعي المشحون بعاطفة صادقة نراها تقع في مكانها المناسب، من دون افتعال أو ادعاء، حيث القصة ملمح ذكي الرؤية لواقعة حياتية، فيها ما فيها من تفاصيل. لغة هذه القصص يومية، بسيطة ومباشرة وإن تكن الكاتبة نجحت في جعلها تتكيف مع وقائعها السردية ومع ما تريد التعبير عنه من مشاهد تحرص الكاتبة على أن تكون أساس قصصها. ففي القصص كلها انتباه إلى أهمية أن ترسم الكاتبة صور ما يجري من وقائع لا أن تقوم بسردها وحسب، وهذه في تقديري واحدة من أهم جماليات قصصها .

28 فبراير 2017

مشاعر تتسامى على ديمقراطية الابتذال / عبد الله الأشمر


الأرض والغيم : قراءة في نص انتظرتك طويلاً ولا وقت إلا للوداع (عدنان المقداد)

تمهيد

في الحب ، نحن محكومون ، عادةً ، بأن نعيش " داخل التجربة " فننفعل للبعد ، و القرب ، و الرضا ،و الخصام ... إلخ .

لكن من منا يملك " ترف " إضاءة هذه التجربة ، كما لو كان خارجها ؟ لكن من منا يحتاج هذا الانفصال عن التجربة ؟ بل هل من السهل تحقيق ذلك ، لو أراد ؟

قد يرغب أحدنا بذلك إذا تعرض لضغط تجربته في الحب ، و ضغط مشاعره ، إلى حد أنه يريد فهم ما الذي يحدث له ؟ ما الذي يجعل هذه التجربة استثنائية إلى درجة سلْب راحته ، و حريته التي يعتد بها ، و يحد من فاعليته التي يجدها من ذاته ، ليكون " منفعلاً " في علاقته مع ( آخر ) .
الحب ، أولاً و آخراً ، هو علاقة مع آخر ، و هذا الآخر – دون غيره – يملك حق امتلاك مفاتيحنا ، و أسرارنا ، و أقبيتنا ، و غرفنا الخلفية ، و زوايانا المعتمة .. يملك ذلك باسم الحب .
و فيما نحن ذاهلون في هذه التجربة قد تتاح لأحدنا فرصة مترفة بإضاءتها ، فهو " داخلها " و " خارجها " في آن معاً . يضئ الانفعالات الصافية التي يولدها هذا الحب .. فماذا قد يجد ؟


/ 1 /

هذا – باختصار – هو ما فعلته " الأنثى " في نص " انتظرتك طويلاً ، و لا وقت للوداع " لسوزان خواتمي ، و هي تعبر عن ذلك بقولها " كانت تجوس في خفايا الحب " .
تقول الأنثى ، إن الظلام الذي أحاط بها يعود إلى أحد أمرين : إما وقوعه ، فعلياً ، خارجها ، أو إنه حدث بإرادتها عندما أغمضت جفنيها .. و لسنا نعرف أيهما الأكثر سطوة في هذه الصورة : هل هو العالم الذي يختفي عنا بليل مطبق ، أم هي الذات التي تملك أن تخفي العالم بمجرد إغماض الجفنين ؟
يا لهذه العلاقة الغربية بين الذات و العالم : يمكن لأحدهما ، ببساطة ، أن يوقع الآخر في مطبّ العزلة عنه ، فيبقى كل طرف وحده ، دون أن يتمكن حتى من معرفة ما حدث ؟
لكن النص يقرر أي الحالتين هي التي حدثت :
(
كنت أهم بمعرفتك ، حين تخلى عني العالم ، لأجد نفسي وحيدة ، و معك ) .
فالأنثى تأكد لها أن العالم هو الذي أعتم ، و الظلام مرده إلى هذا لا إلى " فعل " منها بالإغماض ، و قد حدث هذا بالضبط ، في الوقت الذي همت ، فيه ، بمعرفة الحبيب ( كنت أهم بمعرفتك حين تخلى عني العالم ) .. و النتيجة كانت عزلتها عن العالم ، لكن لا لتكون " منعزلة " بل ليحدث تماماً ما أرادته : أن تكون معه ( وحيدة ، و معك ) !!
بداية معرفة الحبيب تكون بالعزلة عن العالم – هذا ما قاله النص حتى الآن ـ و العزلة قد تأتي لأحد السببين المذكورين أعلاه : إما أن يغمض المرء عينيه عن العالم ، فيحذفه ( و هي حالة إيجابية ) ، أو أن " يتخلى " عنه العالم ، فيجد نفسه وحيداً – نسبة إلى العالم – لكن مع حبيبه – نسبة إلى نفسه – ( و هي حالة سلبية في جوهرها ) لكن الأمرين يقودان إلى النتيجة نفسها .
هذه نقطة بداية : حذف العالم ، و البقاء معه ، وجهاً لوجه .. ثم ماذا ؟


/ 2 /

بالسلبية ذاتها تنتظر الأنثى الخطوة الأولى من الحبيب، صامتة ، فيما هو صامت ، أيضاً ، و بين صمتها ، و صمته يتسع بينهما الأفق – حسب تعبيرها ، و هو تعبير لم يعجبني – و صبرت هي لتسمع منه ، حتى تحول صبرها إلى صفحة بيضاء تنتظر أن يحبرها بكلماته .
الذي حدث هنا أن ( الكشف ) بدأ .. رغم الصمت المتبادل .. و هذا الكشف بدأ من " الرغبة " التي " ابتلعت كل الأشياء التي تخفي بذاءاتها بزيف أهميتها " و هذه جملة مغرقة في الفلسفة تحرض على طرح السؤال التالي :
من الذي يسبغ الأهمية على الأشياء ؟ و هل هو متواطئ معها بحيث يمكن لها بعد اكتسابها الأهمية أن " تخفي بذاءاتها " إذ من الواضح في النص أن " البذاءة " هي صفة حقيقية في الأشياء ، بينما " الأهمية " صفة مكتسبة مزيفة .
تعالوا نر هذه الأشياء أولاً :
-
الفصاحة العرجاء .
-
التمتمة المفهومة .
-
الهمهمة المدعية .
-
النقاش بالأيدي .
-
الساحر الذي من فرط سذاجته لا يسحر أحداً .
-
الموسيقا المتهمة بالشروع في قتلنا حزناً من الجرح إلى الجرح .

هنا يخطر لي : هل هذه صفات الأشياء في حالتها الصّرف ، أي أثناء امتلاكها صفة البذاءة ، قبل إسباغ صفة الأهمية ؟ أم هي كذلك في حالتها النهائية ؟

(
الفصاحة – التمتمة – الهمهمة – النقاش – الساحر – الموسيقا ) كل هذه كلمات مجردة لها " أهميتها " فمن لا يرى الفصاحة – التي هي الإيضاح – مهمة ؟ و من يمكنه اتهام الهمهمة ، و التمتمة ، و النقاش ، و الموسيقا ، و السحر بعدم الأهمية ، بغض النظر عن جوهر هذه الأهمية ؟
لكن مكمن البذاءة في الفصاحة أنها عرجاء ، و في التمتمة أنها مفهومة ، و في الهمهمة أنها مدعية ، و في النقاش أنه بالأيدي ، و في الساحر أنه لا معنى له ، و في الموسيقا أنها " متهمة " .
و على هذا فالأشياء خادعتنا بأهميتها الزائفة ، بإخفاء بذاءتها . لكن هل تريد الأنثى أن توضح لنا " فلسفتها " حول هذا كله ؟ النص لا يريد هذا ، كل الأمر أن النص استعمل طريقة " ملتوية " لتجد الأنثى لنفسها ، و لحبيبها عذراً في الصمت ، الذي لم تكن تتوقعه بدلالة انتظارها لكلماته أن تحبر صفحتها ، فالذي يجمع الأشياء أعلاه أنها كلها " وسائل تواصل " شائعة : فصاحة ، تمتمة ، همهمة ، نقاش ، سحر ، موسيقا .. ( أوضح فقط أنني استندت في اعتبار السحر وصيلة تواصل على أساس معنى السحر الذي هو إظهار الباطل أو الزائف بصورة الحق ، و هذا لا يعدو كونه خداعاً بصرياً ، فهو وسيلة تواصل على بصرية هذا الأساس ، فيما الوسائل الأخرى سمعية ) .
و هكذا أرادت الأنثى إقناعنا – و ربما إقناع نفسها – أنه لا مشكلة لديها مع الصمت ، و من الملاحظ أن خلفيتها هنا هي " إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون " و أخذت تلتمس الأسباب لذلك بذم اللغة ، و تدافع عن صمته باتهام النطق ، و هذه نقطة سلبية أخرى تضاف إلى عدم إلغائها العالم إرادياً .

و بصمتهما( صمتَ الكون ) - كما تنهي المقطع – فاكتمل إلغاء العالم على مرحلتين ، بصرية ( ظلمة ) و سمعية ( صمت الكون ) .. و كل إلغاء جديد يقتضي إغراقاً أكثر في " الكشف " .
و كانت العلاقة تزداد " حسية " ، فيما يظهر حتى الآن ، ففي حين أدى الإلغاء الأول إلى تضخم الرغبة حتى درجة ابتلاع الأشياء ، انتهى الإلغاء الثاني إلى أن " دارت طواحين الرغبة
" .

/ 3 /

و بعد إلغاء حاستين هما البصر و السمع ، و هما الحاستان التان تنتقلان بوسيط خارجي ( الضوء ، و الهواء ) تبقى ثلاثة حواس لا تنتقل بوسيط ، بل هي حواس " تماسية " مع الآخر ، و هذا إيغال أكثر في الحسية التي ذكرت ، و إيغال في الآخر / الحبيب ، و لاحظ كيف ظهرت حاسة الذوق بعد ذلك مباشرة " كان طعم التفاحة..."

أضف إلى ذلك أن التفاحة تحيل بسهولة إلى " تفاحة الغواية " التي أظهرت الذكر و الأنثى أحدهما للآخر : أظهرت " جوعهما " و " حقيقتهما " . فهل بعد هذا كله : أي بعد إلغاء " حواس البعد " و إبقاء حواس التماس ، ثم بعد ظهور الرغبة ، و الغواية و الجوع – هل بعد هذا كله يحتاج المرء إلى لغة أكثر من أن يكون صادقاً مع نفسه ؟ و هل ثمة لغة أكثر إفصاحاً ، في هذه الحال ، من " لغة الجسد " .

المقدمات السابقة أوصلت إلى هذه النتيجة الطبيعية ، بما فيها من إلغاء رقابة العالم ، و اللغات المفتعلة ، بحيث لم يبق سوى ذكر و أنثى ، و جسداهما .. و " لحظة الكشف " هذه كانت " شهقة الولادة لعمر سيكتبني من جديد " .. فكان هذا اكتشافاً للحياة ، و كان انتصاراً للحياة .

كان انتصاراً إذا ، فما هي خسائره ؟
-
العنق و القلادة ؟
-
أقنعة و كفن ؟
-
رشدي و أنفاس روحي المقتضبة ؟

و هل هذه خسائر ؟ العنق الذي قد يحمل نير المفاهيم ؟ أو يرمز لمكان القتل ؟ القلادة التي قد تكون طوق المر الذي يربطه بالعالم ؟ الأقنعة ؟ الكفن ( خصوصاً في حالة انتصار الحياة )؟
أن يخسر المرء هذه الأشياء فهذا مكسب جديد يضاف إلى المكسب الأساس الذي هو الحب ،و هنا يستمر الحب اندفاعاً حسياً بيد ضريرة على جسد الآخر ، و رغم خوفها و توجسها ، و تهيبها : تظل مندفعة في ما هي فيه بأصابع مشتعلة ، معجونة الشوق بفضول كشف الجسد . و شغفها هو محركها في هذا الكشف .. حتى نهاية معرفة الآخر الذي هو الحبيب حين ( فاض التنور ، و اضطربت الحواس لذهول الاكتشاف ) .

/ 4 /

لكن مغامرة الكشف تلك انتهت إلى اتهامات متبادلة بين الطرفين بالتقصير . فهل هذه الخاتمة منطقية مع ما حدث ؟
إلغاء العالم ، و إلغاء اللغة التواصلية المعتادة بكل أثقالها .. ثم إبقاء لغة الحس و التماس و التلاصق .. ثم الانتقال المنطقي – تحت هذا المعنى – إلى لغة الجسد ، و الدخول في حالة حب / كشف منسجمة تماماً لنفاجأ ، بعد هذا كله ، بألم مقسوم على اثنين ، و قاموس شتائم ، و اتهامات متبادلة تشير إلى سرعة ما حدث ؟ و باختصار إلى عدم رضا الأنثى ، و كل واحد يحمل المسؤولية للآخر ؟ أتساءل مرة أخرى هل هذه الخاتمة منطقية ، و منسجمة مع ما سبق ؟


التفات النص

المفاجأة هنا ، في هذا المكان : أن الخاتمة منطقية ، و منسجمة مع .... " العنوان " !!! بل يخيل إليك أن النص ما هو إلا توسيع لمفهوم العنوان ، الذي هو أساس الأمر كله :

هذه أنثى انتظرت ، طويلاً ، ما يكاد يأتي إلا ليذهب . ما يكاد يمر بها إلا ليودعها . لكن الأنثى – بما هي أنثى – لا تتفهم هذا ، و لا تفهم لم ينبغي أن يكون الأمر كذلك ؟ ذلك أن الأنثى مناط إقامة و استقرار ، و الرجل مناط سفر .. الأنثى هي الأرض ، و الرجل هو الغيم : ففي حين الأرض باقية ( بطيئة كسلحفاة ..) يكون الغيم إما ذاهباً ، أو ذاهلاً ، أو ذائباً ( مجرد أرنب مذعور هارب )

فالاتهامات ليست مجرد حديث عن نهاية فاشلة لعملية جنسية ، لكنها خلاف بين متغايرين : بين الثبات و الحركة ، بين الاستقرار و القلقلة ، بين الإقامة و السفر . بين قطبي الحياة .
و النص يقول هذا بمجرد " الالتفات " الحاد من حالة انسجام كانت ماضية باتساق تام – الالتفات إلى حالة عدم انسجام ، و هذا الالتفات ، بربطه مع العنوان ، المغاير للنص كذلك ، و المتسق مع الخاتمة ، هذا الالتفات و الربط يظهر لنا المعنى الأخير و المستوى الأعلى من النص لينقلنا مما كنا فيه إلى شئ آخر .

و الآن ، و الآن فقط ، يحق لنا استعادة سلبية الأنثى التي ظهرت من قبل في موضعين من النص .
لقد كانت الأنثى عاشقة حقاً ، و هي قامت بعملية الكشف كاملة ، و استنفرت كل ما يمكن لفهم عشقها ، و أسست من البداية تأسيساً متصلاً لكل هذا ، لكن هذا كله لا يمكن أن يكون كما ينبغي ما دام بعيداً عن إرادة الثبات لديها ، فهي تدرك أن سلبيتها قسرية لا يد لها فيها ، و لكن جل ما تطلبه ألا يكون الرجل مجرد أرنب مذعور هارب .



انتظرتك طويلاً ولا وقت إلا للوداع


ظلمةٌ دامسةٌ لأحدِ احتمالين

إما أنهُ ليلٌ مطبقٌ لا يعرفُ الرحمةَ
أو لأني أغمضتُ جفنَّي بضرواةٍ .

كنتُ أهِمُّ بمعرفتِكَ حين تخلى عني العالمُ ،
لأجدَ نفسي وحيدةً و معَكَ

وجهاً لوجهٍ تقابلنا ..

اتسعَ الأفقُ بيننا كالمستحيلِ بعينِهِ ،

وانقلبَ صبري صفحةً بيضاء َ
لجوجٌ تنتظرُ حِبرَ كلماتِكَ .

ابتلعتِ الرغبةُ كلَ الأشياءِ
التي تخفي بذاءتَها بزيفِ أهميتِها :

الفصاحةُ العرجاءُ ..

التمتمةُ المفهومةُ ..
الهمهمةُ المدعيةُ ..

والنقاشُ بالأيدي ..
والساحرُ الذي من فرطِ سذاجتِهِ لايسحَرُ أحدا

والموسيقا المتهمةُ بالشروعِ
في قتلِنا حُزناً من الجرحِ إلى الجرحِ

صمتَ الكونُ

دارتْ طواحينُ الغوايةِ .

كان طعمُ التفاحةِ تحتَ الضرسِ الشرهِ

مزاً .. حامضاً ،
ولذيذاً لا يقاوم ،

كانت القضمةُ الأولى كافيةً لينتفضَ الجوعُ
وحشاً مفترساً لا يعرفُ الشبعَ

حين ظهرتْ الحقيقةُ عاريةً

احمرَ وجهانا خجلاً ،
وبدا الصدقُ أقصرَ الطرقِ بين قلبين ،

كانت شهقةُ الولادةِ لعمرٍ سيكتبُني من جديدٍ

خفقةً .. خفقتين

كطبولٍ افريقية
تعلنُ انتصارَها المجنونِ للحياةِ ..

انحنيتُ

لألملمَ كلَ ما سقطَ مني :

عنقي والقلادةُ ..

أقنعتي والكفنُ ..
رشدي وأنفاسُ روحي المقتضبةُ .

ضريرةٌ تلكَ اليدُُ لا حولَ لها ولا قوةً ،

ومذعورةٌ حتى النفسِ الأخيرِ قبل الموتِ ،
تتوجسُ مهابةً

تندفعُ لهفةً

تتلمسُ الطريق .

يا للأصابعِ المشتعلةِ شوقاً
في تحسسِها المعجونِ بالفضولِ ،

وشغفِها لكشفِ ما استعصى على الفهمِ الخجولِ ،

كانت تجوسُ في خفايا الحبِ

تمارسُ لذتَها الأولى ،

حين اكتشفتْ اللحظةُ الحاسمةُ
ذابتْ قاراتِ الجليدِ القطبيةِ ،
فاضَ التنورُ .

اضطربتْ الحواسُ لذهولِ
الاكتشافِ

تجلى الحبُ ناعماً كجدرانِ الوهمِ الزلقةِ ..
حنوناً كقطرةِ ندى . .

مفطوراً على الأوجاعِ .

تبادلنا الألمَ المقسومِ على اثنين ،

وما تذكرناه من قاموسِ الشتائمِ ،

اتهمتَني بأني بطيئةٌ كسلحفاةٍ تختفي تحت صندوقِها الصدَّفي ،

واتهمتُك بأنكَ مجردَ أرنبٍ مذعورٍ هاربٍ .


قبلة " سوزان" الخرساء تنطبع على خدّ الأدب: بقلم الشاعر والكاتب السوري تميم صائب



من صفحتها الاولى، في إهدائها البسيط –المكثّف- تتبدّى لك، أنها أديبة من الطراز الرفيع، فهي أولاً وفيّةٌ لأدبها ولمن أخذ بيدها في سعيها الحثيث لاكتشاف عوالمه، وهي تعرف- ثانياً – وقع الكلمات على قارئها فتتخيّر له بسلاسةٍ مايفجّر فيه اتساعاً في إدراك المعنى، فحين أضافت كلمة واحدة" " بالطبع" إلى سطرها الأول في الإهداء فتحت أمامك باب مشاعرك في محبّة ما ستجد بعد حين:
(إليه بالطبع .. محمد خالد قطمة.. أستاذي)
ولأنني لست من المؤيدين لتشريح الإبداعات الأدبية جزءاً جزءاً، ولأنني أتعامل معه على أنه أنثى مليئةٌ بالفتنة، لا كطبيبٍ جراح يفقد معنى الإحساس بالجمال الكليّ أمام جزئيات الجسد، فإنني أربأ بنفسي أن أفصفصه بحثاً عن مواطن خللٍ أو جمال، لذا فإنني أرى في قصص " سوزان خواتمي" في مجموعتها الأخيرة " قبلة خرساء. صوت يصعد شجر الحكاية" لوحةً أدبيةً مفعمةً بالألوان المتناغمة، والصور المدهشة، والخيال المنفتح، والمعنى الذي – وإن بدا عصِيّاً أولاً – إلا أنه يتوضّح عند السطر الأخير في كل واحدة من قصصها لتقف فرحاً باكتشافك مقدرتكَ على التقاط المعنى والجمال المخبّأ في أزرار براعمه.
ويثير فيّ العجب أكثر، تمكنها من اختيار عناوينها بدقةٍ تُغبط عليها، يفتقر إليها الكثيرون ممن يكتبون هذا اللون الأدبي، فهي تختزل قصتها بعنوانها المكثف إلى جانب عناوينها الفرعية المليئة بالإيقاع والروعة : (أقلب أوراقهم مثل شمسً تتلصّص- ظلال حافية- أصابع بطاطا تحترق- من رحمها أنساب إليها..)
وأحسُّك معي حين ترى الشعرية في اختيارها لمفردات عناوينها، ثم حين تدخل محراب النص فتدرك أنّها ماتخّلت عن هذه اللغة ولا جعلت الفكرة والمعنى تأخذانها إلى السرد الفجّ أو تجبرانها على الانحياز إلى لغة فيها من الواقعية والسردية مايجعلها تبدو فجّة غير مستساغة.
وإنك في مرات كثيرةٍ تعوِل ولاتكفّ عن العويل، لأن " سوزان" استطاعت أن تكتبك كما أنت، وأن تفضح فيك سِرّ حياتك، فوجدته أمامك على الورق كما لو أنك واقفٌ أمام مرآة.
وإن كانت القاصة " أحلام مستغانمي" قد حلقت عبر انزياحاتها اللغوية المتميزة وتراكيبها المذهلة في سماء الأدب، ورفعت اسمها واسم بلدها عالياً عبر مقدرتها على المزج بين الخاص والعام، والذات والآخر، فتهافت القراء على قراءتها من كل حدب وصوب، فإن " سوزان" فعلت ذلك بكل بساطة وعفوية، واستطاعت أن تطيّر طائرها الخاص بها فلايختلط- لفرادته- ببقية الطيور، بل يظل يستهوي عيون الناظرين إلى جناحيه المرفرفين وريشه الملوّن،مطوّعةً في ذلك كلّه المعنى العميق الذي تسعى إليه عبر نظرة للحياة مفعمة بالفلسفة والحكمة جوار البساطة:
(مشكلة فظيعة أن تكون على حقٍ دائماً، وأن تجعل الآخرين مجّرد مخطئين يُطأطئون أمامك بذنوبهم الصغيرة) ، ( ياربّ العدالةّ ! الماء سلسبيل فمن أين يأتي العطش؟) ، ( أي فائدة ترجى من وردة حمراء أمام ورطة الفقد؟!)
فهي لاتتقصد دسّ الحكمة في متن النص، بل هي تأتي كلازمة لابد منها دون أن تشعرك بإقحامها – أستذةً عليك- بغية إدهاشك بسعة معرفتها، فالدنّ ينضح بما فيه، وطريقة إيصالها إليك عبر استفهامات تعجبية ستجبرك على الوقوف عندها والتمّعن في مدلولها لتتوصل إلى ماتريده الكاتبة منها، وهكذا فإن الفكرة تنساح إليك جليلة لأن الكلمات التي ساقتها إليك كانت كذلك، فتأمل معي روعة:
( الوقوع في الحب شغلني إلى درجة أني تعوّدت استيقاف أي شاب لأسأله عن الساعة)..!
فـ " سوزان" تبذل بسخاءٍ مشاعرها، فلاتستحي من أن تُفصح عنها دون أن تسفّ في هذا الإفصاح، ودون أن تتجاوز الخط الأحمر الواهي في نقلها إليك، ديدنها في ذلك صدقها في تعاملها مع هذا اللون الذي اختارته أو اختارها.. هي لاتخدعك أبداً لأنها لاتريد خداع نفسها.
وحتى في سيرتها (ككاتبة  ) والتي أنهت بها مجموعتها القصصية، تتبدى لك شاعريتها، فهي ليست سيرةً عادية كما اعتدنا على قراءتها هكذا- بل هي سيرة كاتبة وضّحت حياتها الأدبية بنص أدبي على شكل سيرة، فبدت لنا كأنها قصةٌ أخرى مضافة إلى مجمل قصصها وبالأسلوب الممتع ذاته الذي اتبعته في كتابة تلك القصص.
(سوزان خواتمي) ببساطة إذن، أديبة صعدت غصناً من أغصان شجر الحكاية وغردت عليه لنستمتع بهذا التغريد ونحن نحتسي فنجان الألق في صباحٍ مليءٍ بالروعة وسبحانية الخالق.



23 فبراير 2017

صوت يصعد شجر الحكاية/ محمد العشري

محمدالعشري/القاهرة:«أحب أن أحَلِّق، مثلي مثل باقي خلق الله، لكن كلما ارتفعت شبراً خذلني الجناح، وأرعبتني النشرة الجوية التي تتلوها أمي على مسامعي».
هكذا، تتشكل أحلام النحيلة التي تحبها القاصة السورية سوزان خواتمي في مجموعتها القصصية الجديدة «قبلة خرساء»، الصادرة حديثاً في سورية، لدى «دار قدمس» للنشر والتوزيع.‏
ربما جاءت تلك المجموعة لتكسر النظرة السائدة التي ترى في الكثير من المجموعات القصصية والروايات الحالية أنها أصبحت أكثر التصاقاً بذات الكاتب، وصدى للفرد، ولم تعد تعبر عن الهم العام الجماعي، وما يعانيه الناس في المجتمعات العربية، وهي نظرة صحيحة إلى حد كبير، إذا ما تمعّنا ورصدنا حال الإبداع في السنوات الأخيرة. لكن، لا زال هناك العديد من المبدعين، الذين ينطلقون من ذواتهم الخاصة، ويشتبكون مع الواقع، والحياة المعيشة لتقديم صورة حية للذات المبدعة في داخل ذلك الإطار العام الواسع، وقد نجحت القاصة سوزان خواتمي في مجموعتها تلك في تقديم ذلك العالم إلى القارئ، من زاويتها وتجربتها الخاصة، وبدت في الكثير من القصص كأنها تحمل عدسة مكبرة، تضخم بها الأشياء الصغيرة، التي تنمو في داخلها، والتي تقابلها في طريقها، والتي تحيط بها، وتتفاعل معها، بالسالب أحياناً، وبالموجب في أماكن أخرى، ولم تركن إلى الرؤية الأحادية في كتابة قصصها، لأنها تترك الأصوات تتحرك وتصعد شجرة الحكاية، قبل أن تغلق عليها الباب، كما في قصة «ثلاثة ألوان لحكاية بلهاء»، والتي تترك فيها التأويلات والتفسيرات تأخذ مجراها الطبيعي، دون أن تضع حاجزاً أمام السرد، أو أمام القارئ وتصادر رؤيته، منهجها أن كل التفسيرات متاحة، ومباحة للجميع: «الإشاعات التي أُطلقت حولها كثيرة ومتشابكة، أما الحقيقة فهي تحصيل حاصل. لم يتمكن أحد من أهل الحي، كما أكدت أمي، أن ينتزع الحقيقة من فمها مباشرة». وتأتي تلك الأصوات في عناوين فرعية ثلاث، توضح مدى التباين بين هذا وذاك، وهي: «حكاية زرقاء مثل دغدغة رومانسية تقول»، «حكاية حمراء مثل إشاعة فاجرة تقول»، و»حكاية سوداء مثل حادثة واقعية تقول».‏
وفي «خرائط الغياب» ترسم صورة صارخة للوضع المأساوي في العراق، من خطف ونسف واغتصاب وجاسوسية، تلك الأعمال الجنونية التي خربت وأودت بأحلام وحياة الكثيرين دون مبرر سوى الاستسلام التام: «الطرقات عام تستدير وتخادع إسفلتها، تبحث عنك لتترك فوقها أثراً». تلك الطرق وغواية الأماكن تمتد في قصص المجموعة، وتظهر في «ظلال حافية»، ورائحة «أصابع بطاطا تحترق» حيث تفوح الغيرة وتفتك بالعشاق، تحول مشاعرهم الناعمة إلى أنصال سكاكين حادة، تقتل وتمزق ثوب الحب: «يجرها من شعرها.. يدفعها بقسوة.. يحط فوقها.. تطبق عينيها.. تستعد للألم.. يلقى رأسه فوق صدرها يجهش بالبكاء»، وهي صورة صادقة، مؤثرة، تربك القارئ وتريحه في آن، لأن تلك الغيرة لا تستند إلى براهين وأدلة ظاهرة تبيّن خيانة الحبيبة، بقدر ما تعتمد على صورة ذهنية تتضخم في رأس الحبيب.‏
وفي «الحب أو.. لا شيء عنه» تكتب سوزان خواتمي قصة في منتهى الرهافة عن ذات مبدعة، تكتب القصص القصيرة: «هل أنا الذي أكتب الكتب، أم هي التي تكتبني؟»، هكذا يختلط الواقع بالخيال، في داخل ذات طفلة، تتألم من استنفار الأم، وحال الخال، وغضب الأب، وغرابة الضيف. تلك الذات التي تكبر في ظل الحكايات، تسمعها وتراها وتعيد تشكيلها من جديد بعد أن تكون قد انفلتت ومضت في عمرها سنوات. وفي «رقصة الفالس الوردية»، و»مواء» ترصد التجربة الثانية لزواج الرجل، وما يعتريه من تغيرات شديدة التباين، ما بين التردد والخجل في القصة الأولى: «ترتعش يدك، وتدغدغ جوانبك تلك الرغبة»، والجرأة والصلافة والاحتكام إلى «شرع الله» في تبرير غايته في القصة الثانية: «إنه شرع الله.. وأنا رجل عادل».‏
تسعى سوزان خواتمي إلى لمس الحكايات من داخل التجربة، ومن منطلق خبرة ذاتية، وليس اعتماداً على رأى الآخرين، كما في القصة التي تحمل عنوان المجموعة «قبلة خرساء»: «أكدت لي صديقتي أن القبلات شيء ممتع للغاية»، وتظل الذات الساردة في داخل الحكاية تحلم بالتجربة، وتسعى للعلاقة مع رجل، أي رجل يقابلها في الطريق وتستوقفه للسؤال عن أي شيء، لكنها تفشل في أن تجذب الرجال إليها، وتستلم في النهاية إلى صاحب العمل، الذي تعمل لديه، لتكتشف أن ما أخبرتها به الصديقة شيء مغاير تماماً لما تحسه: «في الحقيقة لم أتوقع أن تتعدى علاقتي معه الحدود الطبيعية، بين صاحب محل وموظفه عنده، لكنه عندما أقفل الباب، عرفت أن صديقتي تكذب، وأن القبلات لا تطاق».‏

يستطيع القارئ أن يلمس وعى الكاتبة ورهافتها، وهي تنفذ في جلد الحكايات التي تتصدى لكتابتها، وتتعمق في داخلها، كما في «العتبات المحظورة»، امرأة لا تبكي»، «صور منسية»، واصمتي يا زهرة.. أكاد أسمعك»، لتصل في نهاية المجموعة إلى قصة «كان اسمها سعاد»، والتي عبرت من خلالها عن أزمة العديد من شخصياتها: «الفتاة التي أحببتها، وتلك التي أحبتني، أدركت أن الحب ترف عاطفي لا يناسبني». ذلك الترف تصعد في تفاصيله وأوراقه الوارفة القاصة سوزان خواتمي، لتورط القارئ في سطورها، وشبكة صيدها، فهل وجب عليه الاحتراس مثل سمكة، أم أن يُلقي بذاته في غوايتها؟! ذلك سؤال لا تجيب عنه إلا القراءة والإصغاء إلى قبلتها الخرساء.‏