‏إظهار الرسائل ذات التسميات مما قرأت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مما قرأت. إظهار كافة الرسائل

03 يونيو 2025

سوزان خواتمي: الإنسان الإله.. طموح علمي لنوع بشري محسّن بيولوجياً

 


بشكل يومي نلمس القفزات المعرفية والثورة التكنولوجية وفرص الذكاء الاصطناعي التي أدت إلى تغييرات في نهج الحياة، فهي أكثر رخاء مقارنة بالماضي، فالتطور التكنولوجي السريع وهيمنة التقنيات فرضت منحى حداثياً على تفاصيل حياتنا ما كنا لنتخيلها قبل عقدين من اليوم، مثل الإمكانيات المتطورة للهواتف الذكية، والاكتشافات المذهلة على مستوى الطب والصحة، آخرها اختبار الدم الذي ينبئ بالنوبة القلبية قبل عشر سنوات من حدوثها، واللقاحات والأطراف الصناعية التي يتحكم الدماغ بحركتها، وما توصل إليه علماء الفضاء، وغيرها الكثير في باقي المجالات..

وعادة ما نتساءل ماذا بعد!

كثير من الكتب ناقشت الاتجاهات المستقبلية للبشرية منها المستقبل المتطرف، وفي 100 عام: كبار الاقتصاديين يتوقعون المستقبل، وفيزياء المستقبل وغيرها…

تتشارك العناوين السابقة بذات الموضوع مع كتاب (الانسان الإله – تاريخ وجيز للمستقبل) للمؤرخ يوفال نوح هراري الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس، والحاصل على شهادة الدكتوراة من جامعة أكسفورد، وعلى الدكتوراه الفخرية من الجامعة الحرة في بروكسل، وعلى جائزة بولنسكي للإبداع والأصالة، كما اختارته مجلة مياغازين ليترير الفرنسية ليكون ضمن قائمة أكثر المفكرين تأثيراً في العالم.

في مقدمة الكتاب المترجم إلى العديد من اللغات يشرح هراري سيطرة الذكاء الاصطناعي وتأثيراته، والسباق العالمي في مجالات الكمبيوتر والإنترنت وتكنولوجيا النانو والهندسة البيولوجية وجمع البيانات التي ستنتج شكلاً جديداً من الاستعمار هو الاستعمار البياناتي.

وبعد ذلك الاستهلال، يعود بنا الكاتب في عرض بانورامي للمنجز البشري بدءاً من ظهور الانسان في أفريقيا قبل 233 ألف سنة وتشكل الوعي وتطويع الطبيعة وقوانين المجموعات، مروراً بالثورة الزراعية واكتشاف الكتابة إلى الثورة الصناعية وحتى التاريخ الحديث قبل 500 سنة، وعندما يصل إلى تاريخنا المعاصر وسيطرة العقل يعرض علينا تنبؤاته نحو المستقبل بناء على سياقات العلم فيقول:

” قد.. تؤدي التطورات الى استبدال أنفسنا بآليات مهندسة بيولوجياً تجعل منا أناس مختلفين عما نحن عليه الآن” ويقول: ” قد.. تكون حقبة جديدة نحو امبراطورية عالمية بثقافة واحدة ومزايا بشرية متطورة.”

يبني هراري استقراءاته بناء على الإنجازات الناجحة وتحسن ظروف الإنسان بعد القضاء على مخاوفه الأولى (المجاعات والأوبئة والحروب) ما جعل العلم أكثر طموحاً لتحقيق المزيد من الرغبات البشرية كقهر الشيخوخة ورفع نسبة السعادة، وتحويل الإنسان إلى إله يتسم بقدرات بدنية وعقلية محسّنة.

من يدري ربما يكون هراري محقاً في تنبؤاته التي يحاول إثبات صحتها بناء على التسلسل التاريخي ومنجزات العلم.!

ألوهية البشر

إعادة هندسة وتطوير عقول البشر بحسب هراري هي نظرية تحتمل الصواب والخطأ كما يعترف بنفسه، لكن ترجيح نظريته بربطنا بالتكنولوجيا لا يعطينا تصورات أكيدة لما سيكون عليه الانسان المطوّر جينياً، أو كيف تتصرف الكائنات ذات العقول الأكثر ذكاء.؟

بعض أفلام الخيال العلمي طرحت تلك المسألة، فقدمت السينما عام 2014 فيلم (لوسي) الذي يحكي عما يمكن أن يحدث فيما لو ارتفعت قدرة عمل الدماغ البشري إلى حده الأقصى، وهو ما تعرضت له البطلة سكاريت جوهانسون، وتحولت إلى امرأة خارقة كلية المعرفة كاملة الذكاء تتحكم بخلاياها وتملك ذاكرة تعود إلى لحظة ولادة الكون، امرأة قادرة على اختراق طبقات الجلد بنظر ثاقب يرى كل العمليات الحيوية داخل الجسم وبالتالي هي قادرة على تشخيص الأمراض ولا تشعر بالألم أو بالجوع أو الحزن، ولا بالسعادة..

ربما تكون حالة البطلة أقرب مثال لنبوءة ألوهية البشر !

  ماذا يريد الناس؟

يعتبر أرسطو أن السعادة هي الغاية القصوى لوجود الكائن البشري باعتبارها الخير الأسمى، فيما يرى هراري أن الإنسان الحديث لم يصبح أكثر سعادة مقارنة بأسلافه، فالنزعة نحو الاستهلاك والرخاء والرعاية الصحية والسلام لم تؤد إلى البهجة المنشودة، ولم تنقص حالات الانتحار.

لعل ظهور الانسان الخارق الذي يتحكم بنظامه الكيميائي الحيوي -لو كان ممكناً -سيكون قادراً ذاتياً على رفع مستوى سعادته وقهر المرض والعجز. كما أن تصورات هراري حول السلوك البشري وفق محددات الهرمونات والتشابكات العصبية والجينات، تعني أن نصبح نموذجاً يقارب الآلة، وسيعاني ذلك النوع من البشر من مشاكل مستجدة تحتاج إلى حلول.

تحفظات:

يبني الكاتب تصوراته عن القرن الحادي والعشرين بناء على أساسين  

الأول: سبب تغيير الحقب التاريخية هي الأفكار.

والثاني: العلم والتكنولوجيا يشكلان مصير الإنسان.

ما يجعلني أتساءل عن الأثر الأخلاقي، وبالتالي عن وجودنا الإنساني وتصوراتنا وأفكارنا ضمن مجتمعاتنا القابلة ليس فقط للذوبان، بل وللتعرض للإيذاء من خلال إرادات وإدارات تتحكم بمصير العالم، فسيرورة الحياة مازالت مليئة بالأخطاء، والتهديد بالسلاح النووي قائمٌ، والبلدان النامية تعاني الجوع والفاقة، وهناك أجيال من الأطفال محرومة من التعليم، كما أن بعض الأمراض التي انقرضت عادت للظهور.!

الجدير ذكره أن الانتقادات طالت الكتاب كونه يفتقر إلى المرجعيةالعلمية والتوثيق الأكاديمي، ووفق بعض المقالات تلك النظريات لا تخلو من الخيال والتناقض.

لكن.. سواء اتفقنا أو اختلفنا مع الكاتب، سوى أن سياق الكتاب هو رحلة ممتعة لاستعادة أحداث الماضي بما احتواه من معلومات عن السلوك البشري، وتطور اللغة، وتكوين الأديان، ونمو الامبراطوريات، وعالم المال، والاقتصاد العالمي، والثورات والحروب وسلوك الحيوانات ومفهوم السعادة والثورة المعرفية.

*الكتاب من 413 صفحة صادر عام 2021 عن مشروع كلمة للترجمة/ أبو ظبي. *ترجمه للعربية حمد سنان الغيثي، صالح علي الفلاحي  

رابطة الكتاب السوريين


سوزان خواتمي: يرى من خلال الوجوه.. رواية فلسفية تتخفى وراء حبكة بوليسية

 يبدو أن فكرة فلسفة الحياة ومجاهل الكون والنزعات البشرية هي المواضيع المفضلة التي تدور في فلكها روايات الفرنسي ايريك ايمانويل شميت. كانت أول معرفتي به كقارئة من خلال روايته “السيد ابراهيم وأزهار القرآن“، وتعالج فكرة التشدد الديني، وضرورة التعايش من خلال علاقة تنشأ بين رجل مسلم وطفل يهودي.

تالياً قرأت له رواية “ليلة النار” كتبها بعد رحلته الشخصية إلى الصحراء الجزائرية، فبطل العمل يتوه عن أصدقائه، ويقضي ليلته متجمداً من البرد، يفكر بالحدود الفاصلة بين الموت والحياة،  وبالقوة الإلهية التي تدير الكون.

تتكرر الثيمة في عمله “يرى من خلال الوجوه ” الصادر عن دار مسكيلياني عام 2019، حيث يختار مدينة شارلوروا مسرحاً لأحداث متلاحقة ضمن حبكة بوليسية مشوقة.

 منذ بداية الرواية يظهر أوغسطين الصحفي المتدرب الذي تقوده الصدفة لأن يكون شاهداً على عملية انتحارية يذهب ضحيتها الأبرياء، ينقلُ على إثرها إلى المشفى مع المصابين، لتبدأ المغامرة وتتبدل مجريات حياته، حيث يطلب منه مدير جريدته الانتهازي بيغارد تزويده بتفاصيل ما شاهده في اللحظات الأخيرة قبل الانفجار، لنشرها وزيادة مبيعات الجريدة، ولكن يبدو أن تطورات السعي وراء كشف ملابسات الحادثة ليست بالأمر السهل، فما جرى أمام أنظار أوغسطين له أكثر من تفسير، كما أن الحقيقة لها أكثر من وجه.

أوغسطين الشاب اليتيم الذي عاش في دور الرعاية، بشخصيته المهمشة والمركبة بين السذاجة والانسانية يملك موهبة رؤية الموتى، وعندما يختار مبنى مهجوراً لينام فيه، يعثر على حاسوب الإرهابي القاتل حسين بدوي، ليجد نفسه ملاحقاً من الشرطة التي تشك بإفادته، فما الذي يستطيع فعله أمام الورطات والمطبات التي تحدث له، فهو أضعف من أن يكون لنفسه رأياً، ولكنه أيضاً محور كل الآراء.

أفكار طغت على الأحداث والتقنيات

شخصيات الرواية الرئيسية تدفع الحدث المركزي، وتحافظ على مساراتها حتى النهاية، وهي : أم كلثوم زميل/ة العمل.. المحقق المتجهم الساعي وراء المجرمين.. القاضية المتفهمة التي تظهر وتختفي بشكل مفاجئ.. الشقيق الصغير للإرهابي المهووس بتكرار فعلة أخيه.. إضافة إلى شخصية الروائي إيمانويل شميت، إذ يجري أوغسطين معه لقاء صحفياً، لكن علاقتهما تتطور، لتتخذ شكل المعلم الحكيم والتلميذ المطيع المستمع إلى أفكاره الصوفية وعلاقته بكتبه وكلابه وملاحظاته عن الحياة، فشميت المحاط بمجموعة من الموتى من الكتاب العظماء مثل ديدرو موليير بوذا يستغل شغف أوغسطين بالمعرفة، فيدفعه إلى تجربة روحانية. حواراتهما المطولة تشغل فصول عدة تكفي لعرض آرائه. أورد منها هذه الاقتباسات، فعن علاقة الأديان بالعنف يقول:

” لقد قُتل البشر باسم جميع الديانات حتى الروحانيات الشرقية بررت الحروب، فالبوذية رغم طابعها السلمي تم التلويح بها خلال حمامات الدم التي شهدتها بورما وسيرلانكا”

وفي تحليله لأسباب التطرف، يقول:

” ثمة رابط بين الجهل والعنف يبدو لي العنف عملاً يائساً للهروب من انعدام اليقين، أولئك الذين يقومون بأعمال عنيفة يريدون أن يكونوا على حق وألا يقع تكذيبهم, إنهم يرغبون في الهروب من الأسئلة.”

لا أريد كشف الأحداث أو قطع المتعة عن من يرغب قراءة رواية تكمن أهميتها في  جدالاتها، فالتفجير الانتحاري ضمن حبكة قائمة على الحوارات ليست إلا وسيلة لطرح الأسئلة، ولعرض أكثر من مفهوم، والحصول على أكثر من وجهة نظر، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معها، إلا أن الكاتب شميت المتخصص بالفلسفة، والدارس للأديان الذي يعتبر الإسلام دين الحكمة، استفاد من تخصصه وسعى بذكاء لتحدي آراء القارئ الخاصة، وحثه على منهجية التفكير، فهو يهاجم الأديان ويدافع عنها في آن، وبدل أن يكتب بحثاً عن مقارنة الأديان، والكتب السماوية بدءً من العهد القديم ووصولاً للقرآن الكريم، نشر رواية جذابة لا تخلو من مفاهيم الإرادة الحرة للإنسان، ومصدر الشر، والقدرية، والتطرف.

الكتاب الجيد هو الكتاب المحفز رغم وفرة الأفكار وتشعبها ولغة الأستذة التلقينية، ورغم مهاجمة البعض لمحتوى الرواية لأن فصلاً منها يقوم على حوار مع الله سبحانه، لكن حرية التعبير المصانة في الغرب مازالت تتيح لنا كتباً قابلة للنقاش والانتقاد لو شئنا، فقد حرضتني رواية “يرى من خلال الوجوه” بعد إنتهائي منها على استرجاع الحكاية، وإعادة قراءة أجزاء منها، وأنا نادراً ماأفعل ذلك.

#نعيش_لنقرأ

*إشراق

*موقع رابطة الكتاب السوريين


رواية الجهل الايروتيكا الصادمة / ميلان كونديرا


 صديق سابق ربما لا يملك ميزة إلا أنه دلني على كاتب عظيم هو ميلان كونديرا. اكتشاف لا يتكرر بسهولة.

كتب كونديرا في العموم ليست سهلة، ف" الرواية بالنسبة له ليست مجرد احداث، بل هي بعد فكري واستجواب تأملي لما يدور في الخفاء"
أعدت في اليومين السابقين قراءة (الجهل) روايته التي تدخل في عمق الأسئلة الوجودية، تكشف عبر مشاهد منفصلة ومتصلة، أزمة ايلينا التي هاجرت الى فرنسا، ورغم الحنين سوى أنها تتخوف من العودة، عشرون عاماً من الغربة أسست خلالها حياة موازية. هل هذا كل شيء!؟ لا بالطبع، تتحدث رواية الجهل عن عوليس والعودة الى أثيكا، عن حلم جماعي وكوابيس الخوف، عن ايلينا التي تدرك بعد قرار عودتها الى التشيك (وطنها) بأنها كانت تظن أيام غربتها في فرنسا منتهى التعاسة لتتيقن أنها كانت سعيدة بوحدتها، و أن ما تركته خلفها بعد ان غادرت التشيك لم يعد جزءاً منها، انقطاع الذاكرة المشتركة يشكل عبئاً على الصداقات القديمة، لم يسألها أحد كيف كانت أيامك السابقة..! فالغرباء لا يطرحون الأسئلة.
صحيح أن الصفحات الأخيرة من الرواية تحتوي على ايروتيكا صادمة، ولكنها لا تشكل إلا القليل مقارنة بالصدمات الفكرية التي تقصدها الكاتب حول مفهوم الوطن، القمع، براءة المشاعر وكذبها، روعة ما لا تعيشه، قسوة ما تعيشه، اليقينيات الخادعة...
في النهاية:
ان كان انتباهك مشتتاً لا تقرأ " الجهل"
ان كنت تبحث عن حبكة وسرد للأحداث لا تقرأ " الجهل"
ان كنت غير مستعد لتفهم ارباكات النفس البشرية لا تقرأ " الجهل "
ان كنت مكتئباً لا تقرأ " الجهل"

23 ديسمبر 2019

"أخف من الهواء” نوفيلا الرشاقة والمتعة

أثناء تجوالك في معارض الكتب قد تمسك بورقة تحتوي على عناوين قرأت عنها وترغب باقتنائها، إلا أن تلك الورقة تغدو على الأغلب هامشية عندما تراودك نفسك لشراء كل ما تعرضه الرفوف من أغلفة الكتب المشوقة، بل وتصبح عديمة الفائدة حالما ينصحك صديقك صاحب دار النشر مشيراً إلى كتاب بعينه.
وفق إرشاد من الصديق الشاعر محمد النبهان وهو صاحب دار النشر “مسعى” اشتريت رواية “أخف من الهواء” للروائي الأرجنتيني فيديريكو جانمير.
أجل.. أنا أيضاً لم أسمع قبل اليوم باسم الكاتب الحاصل على جائزة كلارين عام 2009 ونقل الرواية عن الاسبانية المترجم محمد الفولي ، وذلك تقصير لا يمكن تفاديه أمام آلاف الآلاف من المنشورات السنوية.
لنعد إلى الرواية ذات الـ 175 صفحة، والتي يمتد خطها الزمني إلى أربعة أيام مفصلية غير محددة تبدأ بتاريخ 29 نوفمبر تحتوي على تقاطعات استرجاعية بين الحاضر والماضي، إلا أنها تنطلق منذ لحظة محاولة لص شاب في الرابعة عشر من عمره هاجم عجوزاً في الثالثة والتسعين بقصد سرقتها لكنها تمكنت من إقناعه بأنها تخبئ ثروتها في الحمام. حنكتها تقلب موازين القوى بينهما ليتشاركا مكاناً محدوداً لا يتعدى مساحة الحمام حيث يقبع الصبي سانتي سجيناً، وباقي أرجاء منزل ليتا كما تحب أن يناديها، فهل كانت الصدفة هي البداية؟
“لا وجود للصدفة سواء تعلق الأمر بهذا أو ذاك، فالرب كان يدرك أنك أنت وأنا كنا في حاجة متساوية لتعارفنا، وحينها دبر ما دبره من ترتيبات. الرب يرى كل شيء، حتى ولو لم تصدق، ووفقاً لما يراه وما يعلمه، يقرر ما هو أكثر ملاءمة لكل امرئ منا في كل لحظة من حياتنا.”
العجوز الضحية ومن ثم السجانة تغتنم الفرصة لتروي، فيأتي على لسانها:
” أقسم لك كنت أظن دوما أنه ليس من المستحب أن أقص على شخص آخر شيئا يهمني أنا وحدي، إذا أمعنت النظر فإن عدم رؤيتي لوجهك وأنا أحكي يجعل المسألة تبدو كاعتراف في الكنيسة.
السرد المغاير والمثير يتصدر الأحداث، فالعمل منذ سطره الأول وحتى نقطة النهاية مبني على مونولوج حاد وصادم لعجوز تعاني الشيخوخة والوحدة تجبر اللص المسجون في حمامها سواء رغب أم لم يرغب على سماعها، وتمده عبر فتحة الباب برقائق البسكويت وشرائح اللحم الرقيقة.
“أعتقد أن بإمكاني مسامحتك، لكن امنحني بعض الوقت من فضلك. دفعتني لتذكر وحدتي في اللحظة التي ظننت أنني أخيراً عثرت على من قد يهمه حقاً معرفة ما حدث لأمي. الوحدة قبيحة.”
لا فائدة ترجى إذا ما صرخ أو ضرب الباب، فالشاب عليه أن ينصاع ويصغي إلى حكاية أمها ديليتا الشغوفة بالطيران والتي تلتقي بطيار يعد بتعليمها ثم يستغل رغبتها الجامحة ليحصل على ما يريده. تنصله من وعده يجعلها تهدده وتطلق عليه الرصاص ثم تقلع بطائرته رغم صعوبات التحليق في ظل وجود الرياح، وتموت أثناء الهبوط. لا يتوقف السرد عند تلك الحكاية فقط بل تتفرع عنها حكايات صغيرة تأتي على تفاصيل حياتها البائسة واغتصابها ومعاناتها وآرائها وانتقادها لجماعة الغاتشو وهم رعاة الأبقار في الأرجنتين.
“ماحدث فقط أنهم غيروا ملبسهم. أحدثك عن مسألة أكثر عمقاً، عن طبيعة انسانية معدية تنتقل من جيل إلى آخر…. أكره الماتي وعشبته. أعتقد أنهما المذنبان في كل مساوئ الوطن ومساوئنا”
تمر العلاقة بين السجانة والسجين بمستويات مختلفة من الانفعالات؛ كالغضب والملل والإذعان والتوسل والوعود وأيضاً التعاطف، وقد اعتمد الكاتب بجرأة على تمرير كامل العمل الروائي ليأتي على لسان العجوز وحدها، فتتولى نيابة عن الطرف الآخر سرد تعابيره وما يقوله رغم ذلك يظل القارئ مرتبطاً بشغف لمعرفة ما سيحدث في مفاجأة النهاية، وما حدث في النهاية أتركه لمن سيرغب بقراءة هذا العمل الجميل.
موقع رابطة الكتاب السوريين
جريدة اشراق

20 أبريل 2019

وجبة زيت وزعتر

لماذا قرأت رواية هاروكي موراكامي (نعاس) للمرة الثانية..؟ ربما لأني نسيت أحداثها تماماً، وهذا بحد ذاته ليس سبباً طالما أن النسيان عادتي الطبيعية. إذن السبب الحقيقي أنها لا تتجاوز المئة صفحة، وهذا شيء مشجع ورائع.. تستحق الكتب التي لا ترهقنا التقدير.. الكتب التي تستعجل الخاتمة قبل أن نصاب بالملل.. رواية النعاس أحدها.  
الرواية بسيطة بساطة صندويشة زيت وزعتر، وهي عن امرأة تمارس طقوس يومها الاعتيادية بشكل روتيني، وبلا تذمر. تعتني بابنها الوحيد، وزوجها اللطيف، وتعد وجبات الطعام، وتذهب للسباحة والتسوق، وتنتظر عودتهما.. حياة الأسرة السعيدة في ظاهرها تستمر إلى أن تصاب بالأرق، وما عادت تنام.. سبعة عشر يوماً متوالية لم تغمض عينيها. صارت تقضي ليلها في القراءة، بدأت رواية  آنا كارنينا التي تحتفظ بها بين كتبها، ونسيت احداثها (مثلي تماماً) . وحين انتهت منها في تلك الليالي الطويلة عادت لتقرأها من جديد.. قرأتها ثلاث مرات متتالية، وفي كل مرة تكتشف عبقرية تولستوي في أجزاء وفصول لم تنبه لها. تجربة اليقظة الدائمة فكرة لا تخطر على البال، فالنوم موت صغير، أو [دفعة على الحساب من رصيد الموت، لكن ... ماذا لو كان الموت مختلفاً تماماً عن النوم، ظلمات يقظة تمتد إلى مالانهاية .. لم لا يكون بقاء أزلياً في حالة يقظة معتمة...!]  
تحولت حالة الاستيقاظ حين يكون زوجها وولدها نائمين فرصة للتفكير في ذاتها وحاجاتها وحياتها...
وتماماً كما أن الزيت والزعتر وجبة لذيذة، كذلك رواية موراكامي الذي تتصدر أعماله قوائم الأفضل مبيعاً، ومن كتبه الممتازة كافكا على الشاطئ.

04 أبريل 2019

رواية”صعاليك هيرابوليس” .. شهادة حيّة عن حياة غير عادلة

بين عناصر الشرطة الثورية وسجون الأسد عاش صعاليك هيرابوليس.
ربما.. وحتى أمد بعيد سيصعب على السوريين أيا كان موقعهم الجغرافي، أو توجههم السياسي والانتمائي، كتابة نصوص خارج موضوع المقتلة السورية بكافة أبعادها، والتي جاءت نتيجة ثورة على الطغيان والاستبداد لتتخذ بعد ذلك مسارات شتى. لهذا علينا أن نتوقع الكثير من الإصدارات حولها. ضمن هذا الاطار كتب محمد سعيد روايته الأولى” صعاليك هيرابوليس” الصادرة عن منشورات دار نوفل.  يأخذنا تسلسل الأحداث إلى توثيق جانب من معاناة مجتمع كل جريرته أنه أراد تحويل أحلامه بالحرية والديمقراطية والكرامة إلى واقع، ولكن.. تأتي الانتكاسات بما لا تشتهي السفن. “ففي هذا المكان الضيق حتى الصراخ سيجردونك منه، أنت هنا لا شيء. مجرد جسد صالح للتعذيب بكل الوسائل التي أنتجتها مخيلة الجلادين عبر العصور”
 ولست هنا بصدد حرق متعة قراءة الرواية التي تجعل من الحب الحسي رديفاً موازياً للموت. الكثير من الجنس ربما أكثر مما تحتاج لقراءته بالفعل، إلا أن القوتين المتجاذبتين تضادان وتتعاكسان لتشكلا العمود الفقري الذي تستند إليه الأحداث، فأمام قسوة القتل والتعذيب والعنف والطغاة الصغار والكبار منهم هناك ماريا التي تظهر كحورية أجمل من أن تكون حقيقة.
” اشتقت إلى رائحتك وابتسامتك التي كانت تسند هذا العالم البائس… هذا العالم يصبح بيتاً موحشاً ومهجوراً عندما تكفين عن الابتسام، لذا أرجوك ألا تكفي.”
الشخصيات والأماكن والأحداث كما يخبرنا الكاتب في الصفحة الأولى واقعية جداً وأي تشابه  هو بمحض الصدفة. يا للصدفة في واقع مدينة منبج (هيرابوليس) الصغيرة الدافئة، والتي تلوذ بمزار الشيخ عقيل المنبجي من جهة، وتتكئ من جهة أخرى على خيم القرباط. أبطال الرواية كما هو الواقع السوري متعددي الملل. أطياف فسيفسائية من معتقدات وانتماءات وسويات ثقافية يتلمسون بأصابع مرتجفة ربيع الثورة، ولكل منهم دوافعه حتى جمعة الحماماتي الذي قرر حمل البندقية، وسعى بأعين مفتوحة إلى موته، كذلك عروة الشاب الذي كان شاهداً على النهاية المفجعة لأبيه المعتقل في سجن صيدنايا وأخته المنتحرة، فحمل إرث الغضب، والراوي العليم الذي يكتب الشعر ويقرأ الكتب ويشاهد الأفلام. ” إن كل لحظة تمر من حياتنا يمكنها أن تكون الأخيرة، لهذا نحن نعيشها بكامل الشغف والجنون”  ولكن الثورة تحولت إلى كفاح مسلح، وانبثقت الكتائب المقاتلة التي تسيطر حيناً وتفر أحياناً، وخلال فترة أقل من حلم دفعوا الثمن غالياً، حملوا أقدراهم على أكتافهم، وتغيرت  مسارات حياتهم العقيمة إما بالهجرة أو بالسجن والتعذيب أو بالموت، أليس الوضع على هذا النحو للسورين جميعاً أيا كانت مدنهم وشتاتهم وحيواتهم ..!
ضمن 57 فصلاً ، و220 صفحة تبدل زمن السرد الرشيق في تعاقبات تقود القارئ حتى نهاية شتاء 2018 ليجتاز عتبات الأمل باتجاه انتكاسات الثورة وأمراء الدين المسلحين الذين يهدمون مزار الشيخ عقيل ويعدمون الدرويش دالي، فالطغيان يستمر وإن اختلف اسمه.

14 مايو 2018

لعبة التشويق الممتعة .. عن رواية " امرأة في النافذة"


كثيرة هي الأسباب التي تجعلنا نقرأ، وأقل القليل ما يجعلنا نواصل القراءة... 
رواية "امرأة في النافذة" للكاتب أ.ج. فين، وهي (لست واثقة إن كان ذلك يعني شيئاً) الأكثر مبيعاً على قوائم نيويورك تايمز. تملك الرواية كل الألاعيب السحرية لامتلاك قارئها، ولا يعمد الروائي إلى التشويق وحده، والذي أتقنه تماماً كما أتقن الحبكة شارلوك هلمزية، فزرع مفاجآته كالألغام التي تنفجر في وجهك حيث لا تتوقع، وجاءت وفق رأيي الشخصي أكثر مما تحتمله قصة امرأة وحيدة تعيش عزلتها وتتفرغ لمراقبة الأشياء والجيران من نوافذ بيتها الواسع، مستخدمة عدسة كاميرتها.
إن فكرة " المراقبة " ليست جديدة على الأدب المكتوب والمرئي، فهناك أكثر من عمل اعتمد تلك الثيمة، إلا أن الـ 433 صفحة كتبت بأسلوب ومفردات وتوصيفات ذكية وممتعة ومختلفة تجعلنا نستغرق في تتبع الاحداث، حيث قام السرد على التحليل النفسي، وبشكل مواز على قائمة من الأفلام القديمة المشهورة، فالبطلة آنا أو الطبيبة فوكس تشغل وقتها في مشاهدتها، وهي مدمنة كحول، ماهرة في لعبة الشطرنج، مرت بمأساة موجعة قادتها للإصابة بدورها بمرض نفسي يمنعها من أن تخطو خطوة واحدة خارج بيتها، فكانت تقضي على الفراغ باللجوء إلى مواقع الانترنت لتمارس مهنتها كمحللة نفسية تساعد أشخاصاً بأسماء وهمية، وتقف عاجزة أمام مرضها الخاص، كما تقف عاجزة عن إثبات الجريمة التي رأتها، فلا أحد يصدق امرأة تقف على حافة الجنون، والموت أيضاً.
الحياة أيضاً تفرض حلولها، فمهما كان الانسان ضعيفاً إلا أنه يتشبث وبقوة لينجو، وهذا ما تنوه إليه خاتمة الرواية.
نجحت الرواية ضمن ترتيبها الزمني وتطورها البنائي في خلق الأجواء والمشاعر المناسبة للشخصيات المرسومة بأبعاد معقدة. لعل المأخذ الوحيد هو فيض المفاجآت في الصفحات الأخيرة من الرواية. ما عدا ذلك فهي رواية بارعة حقاً.


28 أبريل 2018

(أنت قلت).... قصة حب مدمر

حين نقرأ الروايات بمتعة فإننا نتلصص على حيوات ابتدعها كتاب وروائيون يجيدون خلق المشهد، أما حين نقرأ كتاب مذكرات فهذا يعني أننا داخل حيوات شخصية، سمح لنا اصحابها بأن نعيشها معهم.
"أنت قلت" كتاب لكوني بالمن وهي فيلسوفة وكاتبة هولندية . روت لنا دراما عاشقين الشاعر الانكليزي تيد هيوز وزوجته الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث التي انتحرت لأسباب نفسية ليس أقلها فشل زواجها، وحاجتها المجنونة (كما يوحي لنا زوجها) كي تكون شاعرة يخلدها التاريخ.
استمدت الكاتبة الأحداث من مجموعة الحوارات والقصائد والمذكرات وآلاف المواضيع الصحفية التي تناولت حياة الزوجين.
وربما لأنه كتاب واقعي وليس متخيلأ، فالقارئ أي أنا مثلاً يؤخذ بما يقرأ بشكل كامل، قبل أن يضيع وتلتبس عليه المواقف.. هل كان تيد بشهرته وعلاقاته سبباً مباشراً في انتحار سيلفيا؟ وسبباً أيضاً في انتحار عشيقته الرسامة آسيا ويفيل مع ابنتهما الصغيرة بعد أن رفض الزواج بها فتتكرر الفاجعة بذات الطريقة، بعد تسع سنوات !
الجوانب النفسية الملتبسة لكائنين، والضغوط النفسية لمهنة الكتابة، وتداخلات الطفولة المؤرقة ، الحياة المرتبكة، والتنقلات الكثيرة بعيداً عن الاستقرار.. كل ذلك يرفع من وتيرة ( أنت قلت) ويشدنا بقوة إلى الأوساط الأدبية في الخمسينات، والتي لا تخلو من النميمة والمنافسة والزئبقية والمزاجية.
توفي الشاعر تيد هوز عام 1998 وبقي طوال حياته يعاني من أصابع الاتهام بكونه خائناً ومسؤولاً مباشراً عن وفاة زوجته، ولكنه رغم ذلك اختار الصمت، ليأتي هذا الكتاب الذي ترجمته لمياء المقدم كنوع من أنواع قلب الطاولة، ومحاولة للدفاع عن النفس، فالرجل كما يدعي عن نفسه لم يكن على تلك الدرجة من السوء.
وكي لا احرق الأحداث لمن يرغب بقراءة الكتاب، أكتفي بأن أقول: إنه يسبب الحزن .. يكشف متاهات الحياة .
ملاحظة: لم تهتم الصحافة بحادثة انتحار العشيقة آسيا ويفيل ولم تربط بين اسمها واسم الشاعر تيد هيوز، رغم حياتهما المشتركة الواضحة للجميع، واهتمامها بوضع رسوماتها لعدد من كتبه.
.
مقتطف من شعر سلفيا:
كأنك لم تكُ يومًا
كأني جئت إلى هذا العالم
من رحم أمّي وحدها:
سريرها الواسع ارتدى ثوب القداسة...
متّ كأي رجل
فكيف لي أن أشيخ الآن؟ أنا شبح انتحار شائن...
كان حبّي هو الذي قاد كلينا إلى الموت.
مقتطف من شعر تيد هيوز:
من ذا يملك هذين القدمين الصغيرتين العجفاوين؟ الموت.
من ذا يملك ذا الوجه ألأهلب ذو نظرة محرقة؟ الموت.
من ذا يملك هذين الرئتين اللجوجتين؟ الموت.
من ذا يملك هذه العضلات مغلفة بالمنفعة؟ الموت.
من ذا يملك هذه الأحشاء الصامتة؟ الموت
من ذا يملك هذه الأمخاخ المسائلة؟ الموت.
و له هذا الدم البارد؟ الموت.
و له هاتين العينين ذواتي كفاية دنيا؟ الموت.
و له هذا اللسان الصغير سليطا؟ الموت.
و له قبضة تأتي على غير توقع؟ الموت

#تيد_هيوز
#أنت_قلت
#سيلفيا_بلاث
#حب

07 فبراير 2018

ايزابيل الليندي والحب الأبدي : رواية العاشق الياباني

بسهولة وببساطة مازالت الكاتبة التشيلية ايزابيل الليندي تستطيع جرّي إلى منعطفات لغتها الخاصة. قرأت لها أغلب أو جميع رواياتها، متأملة في كل مرة دهشة جديدة تحققها بمهارة حاوي يجيد قذف الكرات.
رواية " العاشق الياباني " تتناول الشغف والرومانسية والحب الأبدي جنباً إلى جنب مع إلحاحات الذاكرة والهرم والخيبة والخسارات الفادحة. بطبيعة الحال لا يمكن لكاتبة تعد الأكثر مبيعاً أن نتوقع منها قصصاً تقليدية، نتحدث هنا عن 65 مليون نسخة! بهذا الرقم المرعب لنا كقراء وكتاب عرب، تتسلح الليندي لتخوض بحرية في العلاقات المحرمة، والأهواء والنزعات البشرية على اختلافها من خلال تشابك حيوي بين شخصيتين رئيسيتين " ألما" السيدة الثرية العجوز بقلب حي تتستر على قصة حب لا تنتهي بينها وبين البستاني " ايشمي" الياباني ، و "إيرينا" الموظفة المهاجرة التي تعمل في دار المسنين وتخفي ماضياً حافلاً باشلمآسي.
اختارت الروائية للأحداث امتداداً زمنياً  بين النصف الثاني من القرن العشرين وحتى أوائل القرن الواحد والعشرين، فتورد: السجون النازية في بولندا، ومعتقلات اليابانيين الأميركيين، اسرائيل والعرب، مرض الايدز، ديانة الأوموتو المشتقة عن الشنتويّة،  بل وأيضاً مخيمات اللاجئين السوريين.
كل ذلك إضافة إلى تفاصيل المشاعر والمشهدّية وإيفاء الشخصيات حقها، كانت على درجة من الاتقان فلم تقطع التشويق السردي.
أثناء القراءة تذكرت الأفلام العربية التي تعتمد في كل قصصها البائسة على أبطال شبان، مقارنة بالكثير من التحف السينمائية الغربية التي تتناول الحياة في كل وجوهها، فلا تقتصر على الشباب والفتوة، ولا على الحبكة التقليدية التي تنتهي بالزواج. قلت لنفسي "لسا بدنا فت كتير"



20 سبتمبر 2016

التائهون.. أمين معلوف

 أقوى دليل على الرواية الجيدة، هو قدرتها على جذبك لقراءتها بذات الحماسة من السطر الأول حتى الأخير. 
تمتعت وتورطت وأحببت رواية أمين معلوف (التائهون) سواء بموضوعها الذي يدور حول تأثير الحرب الأهلية وتبعثر الأصدقاء في الشتات، أو في القفزات السردية وتكنيك الكتابة المستخدم بين الماضي والحاضر مستخدما كل التقنيات كالرسائل والحوارات والمونولوج، أو في نمو الشخصيات وتنوعها، أو في كل ما طرحته من أفكار حول الهوية والحرب والحرية والدين والحب والضداقة ضمن تعدد وجهات نظر، فمعلوف لا يحصارك بمقولات شعاراتيه. ... 
ايي طبعاً أريد أن أقول من لم يقرأ التائهون فاته الكثير ...!
للعلم أمين معلوف كاتب فرانكو لبناني من مواليد 1949 انتخب عضواً للاكاديمية الفرنسية، وله كتاب (الهويات القاتلة) الذي فتح عيناي على مطلق المعنى..
.
سوزان خواتمي

النبطي.. رواية يوسف زيدان

النبطي.. رواية يوسف زيدان


الصادرة عام 2010 عن دار الشروق وتمتد على مدى 381 صفحة من القطع المتوسط.
حصلت على نسخة من الكتاب في طبعته الخامسة مخطوفاً من بين يدي الصديق صالح النبهان، الذي كان بدوره قد خطفه من مكتبة نادي ابداع الثقافي، ما يدل على فوائد الخطف من خاطف.!
ربما كان من أكثر الاشياء التي تتكرر عند كل قراءة لما يكتبه زيدان، اني ارغب بتقصي المعلومات التاريخية التي يعتمد عليها في بناء رواياته، وهي للأمانة ليست سهلة ولا قليلة. الجميل في (النبطي) أن التاريخ لم يثقل البناء الروائي، بل كان ينساب مرتاحاً بين السطور، لنستدل من خلال السارد وهو هنا شخصية ماريا على أعراف وعادات وتقاليد الانباط، وحال منطقة الجزيرة العربية أثناء ظهور الاسلام حيث كانت هناك طفرة من النبوات، والسنوات العشر التي احتل فيها الفرس مصر. ماريا التي انتقلت بعد زفافها من تاجر نبطي، من منطقة الدلتا إلى شمال الجزيرة العربية حيث تقيم قبيلة زوجها متوزعين بين الخيام والبيوت المنحوتة في الصخر، رحلة طويلة وشاقة على ظهر بغل مع قافلة استمرت شهوراً ومرت بسهوب وصحارى واراض وجبال، وتتحول في ظروف حياتها بل ويصبح اسمها ماوية كما اطلقت عليها حماتها (ام البنين) والأنباط كما يأتي في التعريف عنهم [جماعات عربية كبيرة كانت تعيش من قبل الإسلام، بل من قبل المسيحية فى المنطقة الشاسعة الممتدة من جنوب العراق، مرورا بالمنطقة المسماة اليوم شمال السعودية، وجنوب الأردن، وفلسطين، وسيناء، وهم الذين بنوا الآثار الهائلة الباقية إلى اليوم منحوتة بالجبال بمنطقة «البتراء»، وما حولها من مناطق مثل «مدائن صالح»، و«وادى رم».]
كثيرة هي الأسباب التي تجعل القارئ يطلق على عمل ما أنه جيد، ويتبع ذلك ذائقة القارئ، فالقراءة فعل نرجسي في المقام الأول. بالنسبة لي حقق زيدان لي حصتي من المتعة إضافة إلى أن عمله شجعني على البحث في تاريخ الأنباط، والذي كل ما عرفته عنه زيارة قديمة لمنطقة البترا الفائقة الروعة .
في السرد الروائي ليس مهماً التأكد جازمين من المعلومات التاريخية، بقدر أهمية الحبكة الروائية المقنعة، ثم لا بأس ان أتى لبحث والتقصي لاحقاً، أو ان لم يأتِ.
أسوأ ما في الرواية هو غلافها واللاصق الضعيف المستعمل، والذي سمح لأوراق الرواية أن ينفرط عقدها، رغم جميع محاولاتي بأن لا تنفرط.

سوزان خواتمي

25 يونيو 2016

من ذاتية الألم إلى ابداع النص


قراءة في كتاب " لأننا لم نفترق "

يقال إن فان كوغ اكتشف اللون القادر على أن يتحدث عن الألم تحف به ألوان الشمس .. 

شدتني قراءة " لأننا لم نفترق " * وقياساً مع الفكرة اعتبرتها صوت يعارض إجحاف الحب ورفض لمجتمع يسامح نزوات الرجل ويتقبلها برحابة صدر ...
هل يقتصر فعل الكتابة هنا على كشف لمعاناة اجتماعية ، أما هي محاولة فطنة لطرح أسئلة وإشراك القارئ في البحث عن علّة الأشياء ؟ .. 

" لأننا لم نفترق " كتاب جاء من حيث التبويب مقسم إلى ثلاثة أقسام : 
1- لأننا لم نفترق .. ويرد تحت العنوان 26 مقطعاً بعناوين جانبية مختلفة 
2- رسائله – النور الخفي 
3- رسائلها – زهرة الغضب 

ورغم عذوبة الرسائل المتبادلة بين البطل والبطلة في القسمين الثاني والثالث و ما تحويه من فيض مشاعر مرهفة ورؤى فلسفية وأبعاد نفسية ، إلا أني سأقتصر في تعليقي على القسم الأول .

في البدء تعلن الكاتبة ليلى مقدسي **وبوضوح بأن كتابها لا يدخل ضمن مسمى الرواية 
" ربما يسامحني القارئ عن كل ما قلته وكل ما كتبته ولا يظن أنه تجديفاً أو غضباً ، كل الظنون ، وكل أقلام النقد التي ستشهر لن تمنعني من البكاء " ص132 

" إذن هي تعرية الذات وتصويراً لأدق للمشاعر .. هي الكتابة إليك ومنك " ص11

ومن هذا المنطلق تتسلح الكاتبة بقلمها لتسطر به نزيف روحها ولنكون شهود الحالة .. فنقرأ معها تفاصيل حب نبتت بذرته الأولى من خلال رسائل متبادلة – نجدها في القسمين الثاني والثالث – 
تلك الرسائل التي حملت طابعاً فلسفياً ووجدانياً ومصيرياً وبسببها استيقظ الاحساس الغافي من سباته ليتبرعم ذاك الانجذاب ويولد الحب رغم معوقات ظروف البطلة مع وضعها الصحي والبيئي ووضعه المادي والمعنوي وأخيراً اختلاف المذهب الديني بينهما .. 

وكادت الحياة تسير بالمركب الزوجي الذي أنتج ابنة وحيدة هادئاً حتى ضفة الأمان لولا شبح المرأة الطرف الثالث والذي تسلل إليهما تحت عباءة الصداقة الفكرية لتتأزم الأمور وتكثر المشاحنات أمام الاقتحام غير المتوقع والذي استمر بطيئاً ومزعجاً .. رغم كل إشارات التحذير والخطر وتأجج النزاعات فقد أدى إلى زواج ثان .. 
ليتقلص الحب القديم الأول ويقتصر وجوده المتقزم على لقاء صباحي يبدأ بسؤال 
- كيف أنتِ الآن ؟ هل تحتاجين لشيء ؟ ص 103

" نلتقي ... بنمط آخر كأصدقاء مقربين وكأحبة متباعدين " ص127
ذلك اللقاء الصباحي الذي يظهرهما معاً وإقامة بعد الفراق البطل في بيته الثاني
" كأنهما يحرسان ضريح الحب .." ص127

هي أحداث واقعية امتد زمنها كما حددته السطور الأولى من الكتاب منذ 1969 وحتى 1997 وتجدر الإشارة إلى أن الزمن لا يسير بخط مستقيم ، حيث أن الأحداث بدأت من الخاتمة – الانفصال – ومع إمطار الذاكرة تتدفق الوقائع حسب تسلسلها الزمني .
اعتمدت ليلى مقدسي في روايتها على أسلوب الاستفهام بأسئلة كمفتتح تأتي بعد أجزاء منتقاة من فكر البطل وكتاباته فاستطاعت أن تثير فضول القارئ ليبحث بين السطور عن الأجوبة.
وقد جاءت التفاصيل مثل خط واه تسرب إلينا عبر إشارات وجمل محدودة ومتباعدة إذ تركت الكاتبة مساحات بيضاء من الإلغاء بسبب الخجل أو الحرج الغريزي من الإساءة للعائلة كما أوضحت في ص 71

ورغم ذلك فقد استخدمت الكاتبة مجموعة من التقنيات الفنية الواعية 
منها الحوار والذي جاء تفسيرياً لحالات الفوضى والتناقض الذي يعيشها البطل المهتم بالثقافة والفلسفة بين ما يؤمن به وما يطبقه على أرض الواقع 
وتتساءل الكاتبة 
" هل الفلسفة مجرد آراء وأفكار تحليلية أظن أن الفلسفة الحقيقية هي تجربة العيش والثقافة سلوك حضاري ينبع التطور ويضبط بإيقاع الأخلاق " ص 54
لم تستغن الكاتبة في الإسلوب الكتابي عن بوحها الشعري والتي دعوتها شعرية الحزن فهي تقول :
" بقيت الستارة التي تلوح من الماضي ، وفقدت قوة بتر الماضي .. ولم تختصر بهاراتك اللفظية وكل يوم ترش ملح الصبر على أصص وحدتي الجافة ، لتنعش موائد ضجر ، وتطعم أعصابي بنهم الشهوة لحطب ذاكرتنا العتيقة ، فأواصل وداعك لكي يوم إلى الباب وعلى وجهك تمازج ألمي ، لأن ابتسامتي مغمسة بالسواد النقي ، فأغلق الباب دونك ووحدتي تنتفض حولي مذعورة " ص45 

" كرهتك بشراسة حبي " ص 109 

وقد امتزجت اللغة الشعرية التي تأتي في بعض المقاطع مع اللغة العلمية التي تأتي في مقاطع أخرى حين تحلل أسباب انكسار الحب في شرقنا : 
"ربما في الشرق لا نحب ، إنما نعيش حالة حب وهمية بسبب انعدام الوعي العاطفي أو نتيجة حتمية للكبت الجسدي ولمؤثرات التربية الخاطئة والأمراض النفسية الموروثة من البيئة والتي تنمو في تكويننا وتصبح مرضاً مستعصياً يصعب علاجه كذلك مورثات المجتمع ومقياسه على سلم التقاليد وذكورة الرجل الحاكم ...." ص 114
كما استخدمت الكاتبة إضافة إلى المقاطع الفلسفية والشعرية التي هي مقتطفات من أقوال البطل مقاطعاً من الكتاب المقدس وأيضاً أقوالاً وحكماً لمفكرين وفلاسفة أمثال 
– فرويد ، أدلر ، يونغ ، سكنر ، ديكارت ، ابن معاذ - مما أضاف قيمة تأكيدية و معرفية داعمة لأفكار الكاتبة .
وقد سعت الكاتبة وبهدوء توضيح وجهة نظر البطل والحديث عن مشاعره المتغيرة وإحساسه بالذنب 
" أعرف أنك تتألم لأجلي ، وأحس أنك تتلوى صراخاً ورفضاً غير معلن ورطتك معها أكبر من أن تحتملها وأنت الشارد المعاند بين فكرك وقلبك بين الرافض والمرفوض .. بين الحارق والخروق وتستمع إلى هذياني بصمت صبور ، وأستمع إلى ضجيج صمتك القاتل وأنت تكسر أحاسيسك على صخر لا يرحمني . " ص 110

كما رسمت وبحنق ملامحاً تحدد ولو من بعيد صورة المرأة – الطرف الثالث – :
" هذه الأنثى مسمومة بمفاهيم خاطئة عن التمرد والعبث والتركيز على الأنا الضخمة وإلغاء الآخر مهما كانت مكانته ودرجة قرابته ، وبأصابعها المتطاولة تملك قدرة رهيبة في كسر أقفال تحصينات عائلية واجتماعية ، وترسم كل صور الشر في الأماكن التي تكون أكثر هدوءاً ومحبة وانسجاماً ." ص 84

ولا ننسى أن ليلى مقدسي نجحت في إطلاق صرختها عبر مجموعة من التساؤلات تدين المجتمع الذكوري وتساؤلات أخرى تبحث عن مفهوم الحرية والزواج الذي يخنق الحب ويحوله إلى شفقة وثالثة عن تناقضات الفكر مع الممارسة .. تلك الازدواجية التي يعاني منها جلَّ أفراد مجتمعنا وغالب مثقفينا - وربما هم تحديداً - لأن الصراع مابين الفكرة وتطبيقها يتحول إلى أزمة نفسية يسقطون بين براثنها في أول اختبار . 
فهي تقول :
" لماذا يحمي القانون الرجل في حالة فورة الدم ولا يحمي المرأة؟.. هل ليس فيها دمٌ يفور مثله في لحظة الخيانة؟"

يقال ما بين الحب الشديد والكره الشديد شعرة ومن هذا المنطلق نتفهم معاناة البطلة ، ونتفهم أيضاً المعنى الملتبس بين الحضور والغياب عند ليلى مقدسي فالحب مازال أخضراً حين تقول 
" أحاول أن أقاوم الدمع كي أعيش فوق درجات الخطر رغم إني أحس الآن أن الواحد يعيش مع الآخر رغم انفصالنا " ص 81 
ومن هنا جاء عنوان الكتاب " لأننا لم نفترق " .. 

ومع خاتمة الحروف المنكسرة تمكنت الشاعرة والكاتبة ليلى مقدسي وبطريقة ذكية لا تخلو من الوعي الاستئثار باهتمامنا ومن ثم تعاطفنا من خلال هذه الرواية والتي " كما عرفت " سيظهر لها جزء ثان قريباً ...

* " لأننا لم نلتقي " رواية صادرة عام 2003عن دار المقدسي للطباعة والنشر والتوزيع 271 صفحة من القطع المتوسط .

** ليلى مقدسي شاعرة من سوريا صدر لها أكثر من مجموعة شعرية : ثالوث الحب - غمامة ورد - وردة أخيرة للعشق - عرس قانا - نص القلب - لغة الجمر . 

سوزان خواتمي 

15 يونيو 2016

سرد ماراثوني: قراءة في رواية "خرائط التيه" لبثينة العيسى

تبدأ رواية خرائط التيه (الدار العربية للعلوم ناشرون 2015) بجملة " قبل هذه اللحظة كل شيء كان على ما يرام" وخلال زمن الرواية الذي لا يتجاوز الاسبوعين يبدأ بالتاريخ الهجري 7 ذي الحجة 1431 وينتهي يوم 29 منه، نشهد مأساة أسرة مشاري الطفل الكويتي الذي ضاع أثناء مناسك الحج ومن ثم رحلة البحث عنه. كانت الساعة 12:26 ظهراً، اختفى مشاري في طوفان الحجيج، ومنذ تلك اللحظة الفاصلة نتوه في رحلة البحث.
في سباق سرد ماراثوني وخلال 400 صفحة من القطع المتوسط راهنت الروائية بثينة العيسى بجدارة على زمن مسلط كالسيف، وقدر لا يمكن تفسيره، وفجيعة أبوين ملتاعين (سمية وفيصل) لنلاحق معها -مقطوعي الأنفاس- مجريات الأحداث صفحة فصفحة، تنقلنا بين فصل وآخر في متاهة من الأمكنة، تحت كل خطوة لغم ومفاجأة. نجتاز مدناً ونقطع حدوداً مذعورين وراء أثر ولو بسيط لمعرفة مصير طفل بغرة كثيفة وشامة في الرقبة وفراغ في الأسنان الأمامية، اختطفته روينا احدى افراد عصابة تتاجر بالأطفال الفقراء وتستغلهم في التسول أو تبيعهم في صفقات تجارة الأعضاء ولا مانع من الاغتصاب أيضاً. مهمة بثينة لم تكن سهلة، وكان من الممكن أن تفقد بثينة البوصلة، فنفقد الحماسة وسط كل تلك التفاصيل، لكنها لم تفعل.


الألم يوحد البشرية:
في المتن امتد الفضاء المكاني من الحرم الشريف في مكة إلى عسير إلى جازان وأبها ثم البحر الميت ومن مطار شرم الشيخ إلى العريش على الحدود مع اسرائيل حيث ينتهي البؤساء إلى مصيرهم بين أيدي مهربين تديرهم شبكة إتجار بالأعضاء تضم وزراء وجنرالات وحاخامات، أدارت العيسى رحلة البحث بشقيها (الأب يتبع اثر ابنه، الام تنشد الخلاص السماوي) في بناء تداخلي وعملية تناوب سردي جعلتنا نتتبع على مستويين خريطة التيه بحمليها النفسي والروحاني، وتحركات العصابة التي فتكت ببعضها البعض، وفي مستو ثالث تكشف لنا بخطوة استباقية أن الطفل في مكان آخر. آلية القطع والوصل تلك جعلت من نسق الكتابة محرضاً للاستمرار ورفع مستوى التوتر حتى نكاد نصرخ: ماذا تفعلون هنا، عودوا إلى جازان فمشاري لم يتجاوز الحدود إنه سجين يتعرض للجوع والاغتصاب في غرفة نظام شجاع الدين.!
[أهلا بك في جحيم العدالة في المكان الوحيد الذي يساوي البشر؛ في عالم الجريمة]

فنية اطلاق الأسئلة:
إضافة إلى الحبكة المشوقة والموظفة درامياً، جاءت الشخصيات مرسومة بحرفية وموضوعية، وضمن ثنائيات تلتقي وتفترق (الأم والأب- الطفل الكويتي والطفلة الهندية) نواجه عالماً فاتكاً شريراً قاسياً. كما نجحت العيسى في التعامل بحياد مع الأشرار، فالخاطفان جرجس وروينا مجرمان لكنهما ضحايا العنف في مخيمات ليتشور في بلادهم، ونظام شجاع الدين الرجل المنعزل يغتصب طفلاً ولا يقطع صلاة ولا يهمل الأرض التي يعمل بها. هكذا تصبح النوازع البشرية جديرة بالتأمل والخط الفاصل بين أسباب الخير والشر أوهى من أن يُلحظ.
"خرائط التيه" مررت لنا مستو عال من الصراع الداخلي المؤثر، وأطلقت من خلال تصويرها للضعف البشري أسئلة مربكة حول حقيقة الوجود والإيمان واليقين والعدالة والشك دون أن تحاصرك باستنتاجاتها الخاصة.
الأبوان يواجهان الفكرة العبثية "لماذا ضاع مشاري؟" ما الذي فعلاه لينالا هذا المصير!. وهنا إن أردنا طرح الاشكالية على نحو مختلف، فهل المقصود بالرواية تيه طفل فقط أم أن المقصود متاهات موازية.!
لم يكن رد الفعل واحداً أمام المصيبة، فسمية الأم تتقوقع على نفسها، تنتظر الفرج بالدعاء، والمزيد من الاستغفار، وتتحول إلى كائن يهلوس تجلد ذاتها وتبحث عن الغفران لذنب لا تعرفه.
[ من المرعب أنك تبكين ويفترض أحد بأنك امرأة خاطئة؛ المرعب أكثر أنك تصدقين ذلك]
على نقيضها يتحرك الأب فيصل في سعي محموم لملاحقة الخاطفين، يفقد صحته وايمانه، ينهار ولكنه لا يستطيع إلا مواصلة البحث، محاصراً بالشكوك؛ لماذا فقد طفله أثناء الحج؟ وهل خُطف صغيره بسبب اهمال زوجته.!

ملاحظات أخيرة:
بثينة العيسى وفي كل إصدار لها تفاجئنا بإمكانيات جديدة، وأجزم بأن "خرائط التيه" انجاز يحسب لها، كي تبني عليه انجازات قادمة أكثر وقعاً في الكتابة السردية. ويحسب لها في هذا العمل جرأتها المدروسة بدقة والتي لم يكن بالإمكان الاستغناء عنها في مشاهد كثيرة صورتها دون أن تقع في فخ الابتذال. كما لا تخلو الرواية من جدية البحث قبل الكتابة حول المناطق وتقصي المعلومات اللازمة والكافية. إلى جانب إغناء العمل بالحوارات العميقة في بناء سردي حرفي. وتوزيع الفصول زمنياً ومكانياً دون إرباك داخل شبكة نسجت حكاية تيه بأشد الطرق تشويقاً على الاطلاق.
ربما؛ ومن وجهة نظري كان يمكن إنهاء الرواية عند العثور على مشاري، وحذف الباب الأخير الذي تضمن الرسائل، بحيث تترك الطعنة الأخيرة لخيال القارئ الذي تابع كل هذا الكم من الفجيعة.
#بثينة_العيسى

#خرائط_التيه

22 نوفمبر 2010

الخ... طعام صلاة حب

[طعام، صلاة، حب].. بهارات صالحة لتذوق الحياة
لست من النوع الذي تستهويه العناوين (الطنانة)، ينطبق هذا على الدعايات المغرية، والعبارات الإعلانية التي تُكتب على بعض الأغلفة متباهية بأنها الأكثر مبيعاً، فالانتشار بفعل الأغلبية ليس الأفضل بالضرورة. لكن بطريقة ما، دُفعت لشراء رواية [طعام، صلاة ، حب ] للكاتبة اليزابيث جيلبرت، والتي بيع منها أكثر من 4 ملايين نسخة حول العالم، كما تحولت إلى فيلم قامت ببطولته جوليا روبيرتس ذات القوام الرشيق، إضافة لظهور الكاتبة في حلقة من برنامج أوبرا وينفري الأشهر، والمفضل عندي. رواية اليزابيث جيلبرت التي ترجمت من قبل مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ونشرتها دار العربية للعلوم ناشرون، حازت على كل تلك الشهرة وذاك الاهتمام، بل وطبعت على غلافها الأخير شهادات خاطفة لشخصيات لامعة بعضها أعرفه كهيلاري كلينتون، وميغ رايان، وبعضها لا أعرفه، لكني وضعت اسمه على غوغل كطوني كوليت، وميني درايفر ،واستر فرويد.. بالله عليكم أي موضوع أثير هذا، الذي يجعل العالم يحتفي به، ويدفعني لقراءة 400 صفحة، بل وبجعلني أشاهد فيلم رشيقة القوام جوليا!



إنها قصة ليز؛ صحفية تبلغ من العمر 31 عاماً مقيمة في نيويورك، ومتزوجة منذ 8 أعوام، تفتقد شيئاً ما، لا تعرفه، لكنه يدفعها إلى طلب الطلاق من زوج اختارته عن سابق حب متعلق بها ويتوقع منها أن تنجب. درامياً لا يحدث هذا في واقع مجتمعاتنا، لكن ذلك لم يمنعني من متابعة الأحداث التي تبدو في بدايتها متلاحقة فبعد الانفصال مباشرة يظهر الشاب ديفيد في حياة ليز فتدمن، كعادتها، حبه. هذا بالضبط ما يودي بعلاقتهما إلى الفشل. ليز المحاصرة بالخيبات وعدم الرضا،فبعد ما يقارب الـ 50 صفحة من الرواية، تعاني خلالها من عوارض الاكتئاب وأدويتها زانكس وزولفت، تقرر أن تترك أريكة بكاءها اليومي، وتسافر في رحلة طويلة إلى ايطالية والهند وأندونسيا، في اختيار دقيق لأماكن وحدتها التي فرضتها على نفسها.


ومن هنا تبدأ الرواية الحقيقية، لنكتشف مع ليز صفحة بعد صفحة، خليطاً ممتع من العالم الخارجي للأمكنة والعالم الداخلي للذات، ففي ايطالية تتعلم ليز اللغة، ومابين (الطعام والكلام) تقضي أيامها في أحضان ثقافة تمجد الحب والكسل واللذة والجمال. وأثناء تنقلها مابين بولونيا وفلورنسا والبندقية وصقلية وسردينيا ونابولي، تحاول أن تصبح أكثر صلابة وقدرة على مواجهة ذاكرتها، ومقاومة خسارات الحب. فتتعلم من ( أغوستيوم) المكان الأكثر هدوءاً ووحدة في روما، والذي تحول من ضريح، إلى قلعة، إلى مستودع، إلى حلبة مصارعة، بأن حياتنا أيضاً ترضخ للتقلبات الهائجة والتغيرات المضطربة، ورغم ذلك نحن نبقى نحن.


المحطة الثانية في رحلة الهروب والبحث عن الذات، هي الهند؛ بلاد التقشف، والتأمل، حيث تقيم ليز في المعتزل، وتخضع لطقوس التعبد، فتمارس التأمل، ودروس اليوغا، في محاولة للوصول إلى الكمال، وللتخلص من الشعور بالذنب فهو بحسب رأي البطلة ( ليس إلا خدعة من الأنا لجعلك تعتقدين بأنك تحرزين تقدماً أخلاقياً) .


أما المحطة الأخيرة للرحلة، فكانت أندونسيا، تلبية لنبوءة عراف سبق أن قال لها: ستعودين إلى بالي. الناسك كيتوت الذي بدا أنه نسي تماماً ما قاله حين قرأ كفها، يمدها بحكمته وعلاجاته لتصل إلى طريق التوازن المفقود، في الوقت نفسه تستمتع ليز بقضاء الوقت في أحضان طبيعة رائعة، برفقة مجموعة من أًصدقاء ظرفاء.


تبدو الرواية حافلة بعوالم مختلفة، متناقضة، انفعالية، هدفها تحقيق الذات عبر تنوع الرغبات. فمن أجواء الحياة والصخب، إلى دنيا الروحانيات، إلى التورط بالمشاركة والاهتمام بالآخرين. تقدمه لنا كخليط من البهارات، ففي مطاعم المدن الايطالية حيث يقدمون الـ [بيتزا الأرق واللينة بطعم الجبن الكثيف]، وفي الهند إذ يتحتم عليها أن [ تتعلم إطلاق سراح كل المسائل القديمة] ، أما في بالي فترضخ لعلاج القلب المفطور [ بفيتامين E وكثير من النوم، والسفر إلى مكان بعيد عن المحبوب، التأمل وتعليم القلب أن هذا هو القدر].


تم تقسيم الفصول على طريقة مسبحة الـ " جابا مالا " الهندية، وأتوقع أيها القارئ أن تكون مثلي، فلا تعرف شيئاً عن حبات المسبحة الـ 108 والتي تعتبر بحسب الفلاسفة الشرقيين رقم السعد، ولتحقيق التوازن(مرة أخرى) قسمت الرواية إلى 108 حكاية من خلال ثلاثة أقسام لثلاثة بلدان.. إنها معلومات تتبرع بها المقدمة التمهيدية للكتاب، لكنك بعد قراءة الرواية سترضي فضولك بمعرفة أوسع عن الطقوس الروحية التي تقام في معابد يؤمها الناس على مختلف مللهم وانتماءاتهم، للوصول إلى الراحة والسكينة، فيصومون عن الكلام، ويساهمون بنصيبهم من الخدمة العامة.


الكتاب مدهش في توصيفه لمشاعر الحزن والإحباط التي تشبه بدقتها ما ينتابنا عموماً، ورغم أن الكاتبة/ الراوية/ البطلة تركت كل شيء خلفها لتهرب من الحب، فهي لا تفاجئنا كثيراً في الخاتمة حين ترفع راية الاستسلام أمام أقدار العاطفة، فتقرر أن القلب الذي يخوض في الألم، لا يمانع في الوقوع بالحب المرة تلو المرة. وسواء رفضنا ذلك، أم اقتنعنا به، تبعاً لتجاربنا الخاصة، إلا أني شخصياً استمتعت بالرواية ومنطقها. وحسدت كاتبة ليست من أعضاء اتحاد الكتاب العرب، ولا أي اتحاد آخر، وليست تحت وصاية ناشرينا، لأنه كان إمكانها، ومن تمويل كتابها الذي لم تكتبه بعد، أن تسافر لعام كامل في جولتها الخاصة تلك.!  وتعلمت أيضا، وللمرات المقبلة، أن أكون أكثر ثقة بالعناوين الطنانة، والدعايات الرنانة.. الخ .. الخ .. الخ