‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقديات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقديات. إظهار كافة الرسائل

20 يوليو 2022

خبز “البوكر” على طاولة الخال ميلاد

 منذ إطلاق جائزة الرواية العربية (البوكر) في دورتها الأولى 2007 وأنا أتابع القوائم الطويلة والقصيرة لقوائم الترشيح، وإن كنت لم أحتفظ بالقدر ذاته من الحماسة، فأحياناً يخيب رجائي ببعض الأعمال التي قد لا تعجبني، وقد لا أكملها، وربما لا أتذكرها لاحقاً.

على أهمية الجائزة، فإنها تتعرض لسيل من الانتقادات بدءاً من اتهام لجنة التحكيم بعدم الموضوعية، أو بأن معايير الجائزة لا تخلو من المحاصصة الجغرافية والمهادنة السياسية، أو بأحقية العمل الفائز والمعايير الفنية التي رجحته، مع إشارات ضمنية وعلنية لدور النشر وعلاقاتهم في الترشيح!

لا تنكر الزوابع والانتقادات المحق منها والباطل أهمية البوكر، فالمسابقة تنعش الساحة الثقافية بنشاط إعلامي سرعان ما يخبو، وتنشّط حالة القراءة المتدنية في بلادنا الناطقة بالعربية، كما تضعنا في حالة ترقب ورهانات حول توقع النتيجة، إضافة إلى توفير عناوين تشغلنا إن لم يكن لقراءتها، فللاطلاع على فحواها.

موازين النجاح

يقول الكاتب بول سويني: “إذا شعرت وأنت تقلب الصفحة الأخيرة في الكتاب الذي تقرأه أنك فقدت صديقاً عزيزاً، فأعلم أنك قرأت كتاباً رائعاً”.

كم مرة فقدت عزيزاً؟ وهل ينسحب رأيك في روعة الكتاب بموضوعه وأسلوبه على غيرك بالضرورة؟

لا يمكننا الإجماع المطلق على تقييم مستوى الإبداع وتفرده، فنحن نختلف بزوايا رؤيتنا للعالم ودرجات أهمية قضاياه، ومستويات المتعة المتحصلة، ووعينا الجمالي والمعرفي.

إن الأعمال الأدبية ليست معادلة كيميائية دقيقة تفضي إلى نتائج محددة لا يمكن رفضها أو النقاش حولها، وهذا ما يجعل تحديد القيمة الأدبية وجودة العمل تختلف من قارئ لآخر، ومن ناقد لآخر، بل وتتغير عبر الزمن، فهناك نصوص ساذجة بل ورديئة حالفها الحظ في الشهرة ، وتمت طباعتها أكثر من مرة، كما أن أعمالاً على قدر كبير من الأهمية لم يسلط الضوء عليها إلا بعد وفاة كاتبها، فأعمال الكاتب كافكا لم تنشر إلا بعد موته فقيراً مسلولاً، وهو اليوم رائد الرواية الكابوسية!

يتشابه الحال إلى حد ما مع الشاعر أبو القاسم الشابي الذي مات معوزاً، وزادت شهرته وأهميته بعد وفاته.

رواية محمد النعّاس

لم تنج رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” للكاتب الليبي محمد النعّاس من حالة اللغط الأدبي بعد أن حازت على جائزة البوكر العربي للعام 2022 فتعرضت للاستحسان المطلق من بعضهم، باعتبارها عملاً استثنائياً في مضمونه وأسلوبه، كما جوبهت باستياء آخرين، فهناك من اعتبرها تعارض المنظومة الأخلاقية، وتتهجم على الذات الإلهية ليصل المنتقد في النتيجة إلى أن الأعمال التي تنال الجوائز هي تلك التي تحطم المعايير، وتشوه قيم المجتمعات، وتنال من قدسية الأديان، وهناك من رأى أنها رواية جيدة سوى أن الروايات المنافسة كانت أجدر باللقب، وهناك من أطر اعتراضه لأن العمل هو تجربة الكاتب الأولى، وتقنيات كتابة الرواية تتطلب الخبرة!

أرى كل ذاك التعارض حالة صحية، على عكس الإجماع العام الذي يذكرني بنسب الزعماء في الانتخابات الرئاسية.

تدور رواية النعّاس حول التوزيع النمطي للأدوار بين الرجال والنساء في مجتمعاتنا المعتدة بأعرافها، حيث مساحة الحرية والخيارات الشخصية معدومة أمام سلطة التقاليد والعادات والأعراف التي ترفض كل ما لا يشبهها، وذلك من خلال عرض لسيرة البطل “ميلاد” صانع الخبز الذي يعاني من بنيته الضعيفة وميله لعالم النساء، ورغم محاولاته لعلاج ليونته إلا أنه فشل.

بعد زواجه يرضى بأن يقوم بمهام زوجه زينب عوضاً عنها، فيما تخرج هي للعمل، وتتولى مهمة الإنفاق. هذا الانقلاب في الأدوار يعرضهما للسخرية والرفض، حتى يتسلل الشك إلى حياتهما المستقرة، وتتراكم المشكلات وتتصاعد ليمسك ميلاد سكيناً ويجز عنق زينب.

الرواية ذات طرح منفتح وجديد، وإلى حد ما عانيت في فهم بعض المفردات الدارجة باللهجة الجزائرية، كما صدمتني النهاية الموجعة وغير المتوقعة فهي لا تتوافق مع طباع ميلاد.

 عند مستوى عال من الضغط تولد القسوة والعنف وهذا ما خلصت إليه في رواية استندت إلى الطحين والعجين والخميرة لخبز عليه أن يرضي ذائقة الآخرين، وإن لم يتناسب بالضرورة مع رغبة الخباز ذاته.  

الرواية صادرة عن دار مسكلياني

عدد الصفحات 364
*رابطة الكتاب السوريين
*تلفزيون سوريا

04 أبريل 2019

رواية”صعاليك هيرابوليس” .. شهادة حيّة عن حياة غير عادلة

بين عناصر الشرطة الثورية وسجون الأسد عاش صعاليك هيرابوليس.
ربما.. وحتى أمد بعيد سيصعب على السوريين أيا كان موقعهم الجغرافي، أو توجههم السياسي والانتمائي، كتابة نصوص خارج موضوع المقتلة السورية بكافة أبعادها، والتي جاءت نتيجة ثورة على الطغيان والاستبداد لتتخذ بعد ذلك مسارات شتى. لهذا علينا أن نتوقع الكثير من الإصدارات حولها. ضمن هذا الاطار كتب محمد سعيد روايته الأولى” صعاليك هيرابوليس” الصادرة عن منشورات دار نوفل.  يأخذنا تسلسل الأحداث إلى توثيق جانب من معاناة مجتمع كل جريرته أنه أراد تحويل أحلامه بالحرية والديمقراطية والكرامة إلى واقع، ولكن.. تأتي الانتكاسات بما لا تشتهي السفن. “ففي هذا المكان الضيق حتى الصراخ سيجردونك منه، أنت هنا لا شيء. مجرد جسد صالح للتعذيب بكل الوسائل التي أنتجتها مخيلة الجلادين عبر العصور”
 ولست هنا بصدد حرق متعة قراءة الرواية التي تجعل من الحب الحسي رديفاً موازياً للموت. الكثير من الجنس ربما أكثر مما تحتاج لقراءته بالفعل، إلا أن القوتين المتجاذبتين تضادان وتتعاكسان لتشكلا العمود الفقري الذي تستند إليه الأحداث، فأمام قسوة القتل والتعذيب والعنف والطغاة الصغار والكبار منهم هناك ماريا التي تظهر كحورية أجمل من أن تكون حقيقة.
” اشتقت إلى رائحتك وابتسامتك التي كانت تسند هذا العالم البائس… هذا العالم يصبح بيتاً موحشاً ومهجوراً عندما تكفين عن الابتسام، لذا أرجوك ألا تكفي.”
الشخصيات والأماكن والأحداث كما يخبرنا الكاتب في الصفحة الأولى واقعية جداً وأي تشابه  هو بمحض الصدفة. يا للصدفة في واقع مدينة منبج (هيرابوليس) الصغيرة الدافئة، والتي تلوذ بمزار الشيخ عقيل المنبجي من جهة، وتتكئ من جهة أخرى على خيم القرباط. أبطال الرواية كما هو الواقع السوري متعددي الملل. أطياف فسيفسائية من معتقدات وانتماءات وسويات ثقافية يتلمسون بأصابع مرتجفة ربيع الثورة، ولكل منهم دوافعه حتى جمعة الحماماتي الذي قرر حمل البندقية، وسعى بأعين مفتوحة إلى موته، كذلك عروة الشاب الذي كان شاهداً على النهاية المفجعة لأبيه المعتقل في سجن صيدنايا وأخته المنتحرة، فحمل إرث الغضب، والراوي العليم الذي يكتب الشعر ويقرأ الكتب ويشاهد الأفلام. ” إن كل لحظة تمر من حياتنا يمكنها أن تكون الأخيرة، لهذا نحن نعيشها بكامل الشغف والجنون”  ولكن الثورة تحولت إلى كفاح مسلح، وانبثقت الكتائب المقاتلة التي تسيطر حيناً وتفر أحياناً، وخلال فترة أقل من حلم دفعوا الثمن غالياً، حملوا أقدراهم على أكتافهم، وتغيرت  مسارات حياتهم العقيمة إما بالهجرة أو بالسجن والتعذيب أو بالموت، أليس الوضع على هذا النحو للسورين جميعاً أيا كانت مدنهم وشتاتهم وحيواتهم ..!
ضمن 57 فصلاً ، و220 صفحة تبدل زمن السرد الرشيق في تعاقبات تقود القارئ حتى نهاية شتاء 2018 ليجتاز عتبات الأمل باتجاه انتكاسات الثورة وأمراء الدين المسلحين الذين يهدمون مزار الشيخ عقيل ويعدمون الدرويش دالي، فالطغيان يستمر وإن اختلف اسمه.

12 مارس 2019

عن سارقة الكتب وأشياء أخرى


سارقة الكتب للأسترالي ماركوس زوساك ادرجت  ضمن الكتب الأكثر مبيعاً حسب الويكبيديا المحجوبة في تركيا، ولا أعلم سبباً للتخوف من موقع معلوماتي.؟ ما علينا..  بطبيعة الحال يختلف مفهوم الأكثر قراءة بين عالمنا وعالم الغرب القارئ، وبالتالي أهمية تلك النسبة، وإن كان هذا الاختلاف يحتاج إلى دراسة تحليلية لست بصددها.
نعود الى الكتاب بنسخته المترجمة، والذي يتحدث عن حقبة الحرب في ألمانية النازية، المفارقة تكمن في أن الرواية لا تتطرق للمظلومية اليهودية وإن كانت واردة بشكل أساسي، فهي تتحدث أيضاً عن معاناة الألمان انفسهم في تلك الفترة. الحرب والجوع والخوف من الديكتاتور وتحول الناس إلى عبيد منصاعين لأفكار هتلر إضافة إلى حوامل الرواية بتعددية الشخصيات التي تتألق بخيرها وشرها وأقدارها التي تساق إليها. صوت الراوي هو الموت الذي كان يتدخل بالتقديم والتأخير والتوضيح لمجريات الأحداث ملقياً في الوقت ذاته أسئلة وجودية لقدره الشخصي في أن يحصد آلاف الأرواح. كان الموت يحزن ويتعب ويعتذر، ولكنه مجبر على متابعة القيام بمهمته. أما الشخصية الأساسية فهي لطفلة في التاسعة من عمرها هي ليسل التي فقدت عائلتها وتعيش مع اسرة بالتبني، كانت تعاني من صعوبة في تعلم الحروف، لكنها مع الوقت تقرأ وتتعلق بالكتب بل وتسرقها من مكتبة زوجة رئيس البلدية...
للأسف أو لحسن الحظ فإن رواية سارقة الكتب، لا تحكى ولا تلخص لأن متعتها الأساسية تكمن في التفاصيل، في قراءتها سطراً سطراً للاستمتاع بمداخل الفصول، وتطور الشخصيات، والصور المشهدية. لذلك فالكتاب أجمل من الفيلم المأخوذ عنه. لذلك لنعد إلى الكاتب الشاب الذي يقول بأنه متخوف من إصداره القادم ( جسر من طين) رغم أن عشر سنوات استغرقها في كتابته. وهذا ما يجعلني أقف مدهوشة من أمام الاسهال الكتابي الذي ينتاب كتابنا العرب في اصدارات متلاحقة ضمن مراثونات الجوائز والطباعة. ولست هنا في وارد اللوم لأن الكتابة في الجهة الأخرى من العالم تطعم خبزاً وكاتو، فقد بيع من سارقة الكتب خلال الخمس سنوات الأولى مليونان ونصف المليون نسخة، وإن كان إبداء الرأي متاحاً دون مسبباته، فإن استهلاك الورق والحبر يجعل من معظم الروايات العربية مجرد كتابات هواة ينقصها التجريب والعمق والتأثير في مجملها.
سوزان خواتمي

07 فبراير 2018

ايزابيل الليندي والحب الأبدي : رواية العاشق الياباني

بسهولة وببساطة مازالت الكاتبة التشيلية ايزابيل الليندي تستطيع جرّي إلى منعطفات لغتها الخاصة. قرأت لها أغلب أو جميع رواياتها، متأملة في كل مرة دهشة جديدة تحققها بمهارة حاوي يجيد قذف الكرات.
رواية " العاشق الياباني " تتناول الشغف والرومانسية والحب الأبدي جنباً إلى جنب مع إلحاحات الذاكرة والهرم والخيبة والخسارات الفادحة. بطبيعة الحال لا يمكن لكاتبة تعد الأكثر مبيعاً أن نتوقع منها قصصاً تقليدية، نتحدث هنا عن 65 مليون نسخة! بهذا الرقم المرعب لنا كقراء وكتاب عرب، تتسلح الليندي لتخوض بحرية في العلاقات المحرمة، والأهواء والنزعات البشرية على اختلافها من خلال تشابك حيوي بين شخصيتين رئيسيتين " ألما" السيدة الثرية العجوز بقلب حي تتستر على قصة حب لا تنتهي بينها وبين البستاني " ايشمي" الياباني ، و "إيرينا" الموظفة المهاجرة التي تعمل في دار المسنين وتخفي ماضياً حافلاً باشلمآسي.
اختارت الروائية للأحداث امتداداً زمنياً  بين النصف الثاني من القرن العشرين وحتى أوائل القرن الواحد والعشرين، فتورد: السجون النازية في بولندا، ومعتقلات اليابانيين الأميركيين، اسرائيل والعرب، مرض الايدز، ديانة الأوموتو المشتقة عن الشنتويّة،  بل وأيضاً مخيمات اللاجئين السوريين.
كل ذلك إضافة إلى تفاصيل المشاعر والمشهدّية وإيفاء الشخصيات حقها، كانت على درجة من الاتقان فلم تقطع التشويق السردي.
أثناء القراءة تذكرت الأفلام العربية التي تعتمد في كل قصصها البائسة على أبطال شبان، مقارنة بالكثير من التحف السينمائية الغربية التي تتناول الحياة في كل وجوهها، فلا تقتصر على الشباب والفتوة، ولا على الحبكة التقليدية التي تنتهي بالزواج. قلت لنفسي "لسا بدنا فت كتير"



12 مارس 2017

homefront فيلم لا أنصح بمشاهدته



دون أي شعور بالذنب بإمكانك أن تقول عن الفيلم بأنه (مريع)، وبقليل من الذنب ستشعر أنك قضيت نحو ساعتين تقريباً تتابع صراعاً خلاقاً على طريقة هوليوود، لا يموت فيه البطل على الإطلاق، ويتساقط أمامه جميع الأشرار في المواجهات المتتابعة سواء كان يتوقعها فيتصدى لها أو تباغته فيتصدى لها أيضاً.. وهنا أيضاً لا يهم عددهم ، فالضربات العنيفة للبطل الخارق تهزمهم دائماً.
ساعد على كل ما تقدم ذكره، القوام الذي يتمتع به البطل "جيسون ستاتهام" وهو ممثل إنجليزي وغطاس سابق، استغلت الكاميرا وسامته وكماله الجسماني على أكمل وجه، وأعانته الخدع السينمائية التي لا مجال الا الاعتراف بإبهارها . فالحركة على صعوبة تصديقها مرسومة بالمليمتر .
قصة الفيلم
تدور أحداث الفيلم وهو من انتاج عام 2013 ومن اخراج غاري فليدرحول شرطي في إدارة المخدرات يستقيل من عمله بعد وفاة زوجته التي لا نعلم كيف ماتت، وكي لا نتهم الحبكة فقد يكون قطع الرقابة لمشاهد من الفيلم هو الذي أحدث هذه الفجوة .!
الشرطي المتقاعد يستقر في بلدة صغيرة نائية مع طفلته التي تبلغ العاشرة من عمرها، وكان قد دربها كي تدافع عن نفسها.  وقد اختار "جيسون ستاتهام" العزلة كي يعيش بهدوء وسلام بعيداً عن العنف، ولكن الحظ خانه، ففي البلدة الصغيرة هناك أشرار أيضاً، أحدهم يعمل في تصنيع المخدرات .
وتتجه التقاطعات والصدف التي بدأت بشجار بين ابنته وطفل آخر في مدرستها، إلى تصعيد خلاف حاول ستاتهام تهدئته بحلم وصبر مطلقين، لكنه يضطر أخيراً إلى الدفاع عن نفسه وعن ابنته، فيصفي كل أفراد العصابة دون الحاجة لمساندة أحد، حتى الشرطة ورئيسها الذين يتم توظيفهم كخلفية ناجحة لمشاهد مثيرة، ولحسن حظه وحظنا كمشاهدين مع نهاية الفيلم يظل  "جيسون ستاتهام" هو الناجي والمنتصر الوحيد.
يتجه الحوار في الفيلم إلى طرح موضوع تجنب العنف، والاتجاه نحو المسالمة، ورفض مبدأ الاقتصاص، وتقديم الاعتذار بسهولة لتجنب المشاكل، لكن على النقيض من ذلك تذهب المشاهد والأحداث التي تسوق البطل وتستخدم كل أنواع الترويع بدءاً من التضارب بالأيدي إلى اشهار السكاكين والمسدسات والإنفجارات والملاحقة وتصادم السيارات، ولم تنفع مشاهد الغابة وهدوئها، ولحظات ركوب الحصان، وضم الابنة إلى صدر أبيها على تخفيف المغالاة في العنف الذي يتصاعد ولا يكف.

إنها التوابل التي لا تستغني عنها السينما الأميركية وأفلام الأكشن والحركة التي تستقطب المشاهدين الذين يميلون إلى مشاهدة البطولات الخارقة ومشاهد التدمير فيما هم يتلذذون بالبوشار.! بالنسبة لي أفضل سينما أكثر احترافية وأقل مباشرة، الأفلام التي تطرح الأسئلة . وما زلت أذكر فيلماً لا يذهب من بالي هو (Life of Pi) الذي وصلت إيراداته لأكثر من 600 مليون دولار، وفاز بأربعة جوائز أوسكار، أنصح بمشاهدته أو إعادة مشاهدته ، ففيه كل خدع الاثارة والمغامرة والتشويق والخيال إضافة إلى حوار مخادع يسيطر على ذهنك ليملأه بالتساؤلات .
سوزان خواتمي
موقع آراء الالكتروني 

03 مارس 2017

ذاكرة غابرييل غارثيا ماركيز ليست حزينة أبداً.. قراءة في رواية (بيت الجميلات النائمات لـ ياسوناري كاواباتا


" بيت الجميلات النائمات" رواية الياباني ياسوناري كاواباتا، هو الكتاب الوحيد الذي ود الكاتب الكولمبي غابرييل غارثيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل لعام 82  لو يكون كاتبه.
هذا الاعتراف جاء في مقدمة قصة قصيرة له عنوانها  – الجميلة النائمة -
لكن يبدو أنها فكرة ( زنانة ) بقيت تلح إلى أن كتبها في رواية تحمل عنوان – ذاكرة غانياتي الحزينات- صادرة عن دار المدى وترجمة صالح علماني.
يتشابه فضاء الروايتان، في بيت دعارة يقدم خدماته على شكل علاقات جنسية مع فتيات صغيرات نائمات تحت تأثير المخدر.. لكن ما الذي يمكن حدوثه بين صحفي في التسعين من عمره وبين صغيرة نائمة طوال ما استغرقه زمن الرواية؟ .
لا يمكن القلق على روائي معتق مثل غابرييل فقد اعتمد على غرائبية هذه العلاقة وتحولها العاصف من رغبة مجون عابر إلى شعور راسخ بالحب.
إنها حكاية صحفي عجوز يريد أن يحتفي بعيد ميلاده فيتصل ب روسا كاباركاس صاحبة ماخور
ليقضي ليلته تلك مع عذراء صغيرة، 
هكذا يلتقي متأخراً بمعجزة الحب الأول وهو في عقده التاسع ليعيش بين لذة وهم يصنعه عن فتاة ينام إلى جوارها دون أن يعرف اسمها وبين واقع حياته التي مرت دون أن يعرف الحب إلا في علاقات جسدية عابرة.. فيؤكد بأنه لم ينم مع امرأة باستثناء داميانا خادمته إلا ودفع لها وسجل اسمها في مفكرة خاصة تحتوي 500 اسم..
لكن " الجنس هو العزاء الذي يلجأ إليه المرء عندما لا يحصل على الحب " .
ولأنه كاتب ولأنه صحفي فقد كرس زاويته الأسبوعية للكتابة إلى هذه الصغيرة التي تبدو " واقعية إلى حد أن لها عيد ميلاد" ، دون أن يلمسها أو يعرف اسمها،  تستبد به لهفة صناعة تاريخ لها فيقرأ لها كتاب الأمير الصغير ويهديها دراجة ، يسمعها موسيقاه المفضلة، ويترك فوق مخدتها بعض الهدايا الصغيرة.
لكن حادثة قتل مصرفي تؤدي إلى إغلاق النزل وتشميعه وأيضاً  توقف ليالي السعادة تلك، وتتحول إلى الخوف والشوق وأيضاً إلى قلق من العثور عليها صاحية، والجزع من فقدها كاحتمال كبير، فيقول :
" الحقيقة أني لم أكن قادراً على تحمل روحي وبدأت أعي الشيخوخة من هواني في الحب "
يتقاطع محور الحب كثيمة أساسية في الرواية مع ذاكرة فذة لرجل تسعيني يتحدث بسلاسة عن تفاصيل حياته..بيئته.. موسيقاه.. كتبه.. وعلاقاته النسائية عبر قفزات زمنية رشيقة استغرقت مئة وثلاث صفحات.
يمكن قول الكثير عن جوانب روعة هذه الرواية، فإلى جانب الشخصيات المرسومة بإتقان واللغة (السحرية ) طرية الملمس، والتماسك المذهل للأفكار وتسللها عبر الصفحات،  فإن"  ذاكرة غانيات الحزينات " رواية تعبق بالأحاسيس الإنسانية التي تترفع عن الجنس وتنتصر لمطلق الحب دون نزوات،  إذ يتجاوز البطل في خاتمة الرواية مشاعر الغيرة التي استبدت به ويسامح حبيبته بل
ويوصي لها بكل ثروته بعد موته، مفضلاً أن تكون إلى جانبه ما بقي له من حياة، متقبلاً النصيحة
" افعل ما تشاء ولكن لا تضيع هذه المخلوقة، فليس هناك نكبة أسوء من موت المرء وحيداً "
تبقى كتابات غابرييل غارثيا مركيز خلطة سحرية بين الخيال والواقع ينتصر فيها للحياة من منطق الحب، ليجعله مقاوماً للموت والانطفاء
" فليست السن هي ما بلغه أحدنا من العمر، بل ما يشعر به "  

عورة : تنويعات القص الرشيق عند دلع المفتي: قراءة في مجموعة (عورة)


عبر 150 صفحة من القطع المتوسط تخرج إلينا مجموعة تحمل عنوان (عورة ) الصادرة مؤخراً عن دار جسور للترجمة والدراسات والنشر والتي حوت 28 نصاً.. وهو الاصدار الثاني للكاتبة بعد روايتها – هن لسن أنت -
تقطف الكاتبة دلع المفتي حكاياتها من شجر الواقع، فتنقله إلينا عبر حوار خاطف لشخوصها أو مشهد عابر تقتطعه من مسرح الحياة الكبير، وهي تفعل ذلك من دون افتعال، ببساطة وعفوية ومباشرة تتجه نحو فكرتها، كما الخط المستقيم الذي هو أقصر الطرق، مقتصدة في عباراتها وجملها، من غير فائض مكونة باقة من النصوص المتنوعة بين القصة القصيرة وق ق ج أي التي نالت في وقت قصير مكانتها في المشهد الأدبي..
هذا التنوع يمكن اعتباره ثيمة تؤكد فيه الكاتبة أنها لا تبحث عن آليات محددة أو منهجية ثابتة تكرسها لكتابة نصوصها، فالفكرة بتجلياتها هي فقط ما يشغلها فتترك العنان لتلقائية ذاتها المحركة عبر حدث يأتي – غالباً - على  لسان الراوي العارف بكل شيء..
ومض الفكرة يلمع في كل نص مشكلاً ملمحاً مهماً مجتزأ من شاسع الحياة، نقلته المؤلفة من سذاجة عروس لم تتخط السابعة عشر تعاني من الارتباك والتعثر ومما بقي من طفولتها فيما هي على عتبات مرحلة الزواج الغامضة..
هكذا تأتي الفكرة إنسانية مبللة بمشاعر فياضة من التعاطف كما في " شعرها المنثور"  التي تحكي معاناة مريضة أثناء علاجها بالكيميائي الذي يؤدي إلى تساقط شعرها.. تلك القصة مهداة إلى روح منى مما يحمل القارئ على مزيد من التعاطف لحدث ليس مجرد تخيل فحسب.  
أما قصة " خطوات" فهي عن متسول أعمى يتخذ من ناصية شارع مكاناً دائماً له، لكن الفقر والحاجة لم تسلخاه عن العطاء..!
تلجأ دلع المفتي أحياناً إلى وضع فكرتها في قالب ساخر متهكم، كما حدث في نقلها لتصرفات خارجة عن اللياقة لكاتبة كانت بالأمس القريب تدعي الأدب والتأدب عبر لقاء تلفزيوني !..
من المؤكد أن الإلمام بكل أفكار المجموعة القصصية " عورة" من خلال هذا العرض المتعجل يكاد يكون مستحيلاً، سوى أنه يمكننا ملاحظة بعض النصوص التي تشكل في طرحها  قلقاً تساؤلياً، كإشارة استفهام لسؤال تبحث الكاتبة من خلال القارئ عن جواب حاسم لها..
فهل العورة هي عورة الجسد أم عورة الروح..؟
وهل الخروج عن قوالب الحياة الجافة هو خروج عن لياقة الاحترام؟
وهل جلوس المرأة في العدة هي الطريقة الأمثل لإظهار حب الزوجة الأرملة وإخلاصها؟ 
يبدو جلياً اهتمام دلع المفتي بوجوه المرأة الكثيرة، معنية بالتفاصيل الصغيرة، متنقلة بين مشاهد تدركها عين فاحصة لأم تنقلب من كائن ضعيف يتقبل الركل والضرب إلى وحش بري حين تصل المهانة والألم إلى جسد ابنتها الصغيرة.. أو لزوجة تؤمن بحدسها بشكل قاطع أقرب ما يكون إلى اليقين من غير احتمالات أخرى.. أو حتى في حكاية جدة تتلبسها وساوس الطهارة فتجعلها تغسل كل شيء سبعاً.. أو في ذعر مستبد لأم على براءة طفلتها فتقدم جسدها بديلاً دون كثير تفكير..
وأيضاً انسياقاً مع الفكرة وسطوة متطلباتها جاءت قصتان من المجموعة تحولت فيها الأشياء ( الطبلة – اليد) إلى كائنات ناطقة تحكي معاناتها..
هي تنويعات رشيقة عبر قصص المفتي.. كمنجز تأتي قيمة النص عبر الحيز الذي يتركه عند المتلقي..
إن حيوية المجموعة في اختلاف حدتها وتنوع إسلوبها وتطرقها إلى الشائك والعادي والمهم وحتى الأقل أهمية من القضايا يجعل الحكاية/ النص يصل إلى مبتغاه المراد منه، من غير أن يعاني مشاكل تتعلق بعدم الوضوح أو الإبهام الذي تتعمده بعض الكتابات

ساق العرش رواية تنتقد ذهنية المجتمع الكويتي وتتبناها : قراءة في رواية (ساق العرش) للكاتب محمد هشام المغربي

مقدمة لابد منها:
 (ساق العرش) رواية صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2007، جاءت في 192صفحة من القطع المتوسط، وتعتبر العمل السردي الأول للشاعر محمد هشام المغربي بعد أربعة دواوين شعرية، عنوان الرواية وكذلك مفتتحها الذي يبدأ بمقولة للإمام علي بن أبي طالب " أرى تراثي نهباً" يهيئنا كقراء إلى تلمس أجواء العمل، وهيكله العام..  وكلاهما، العنوان والمقولة ، تحيلان إلى أجواء دينية شيعية.. فماهي الرسالة التي أراد الكاتب ايصالها إلينا عبر تلك الاشارات، وهل حقق غايته؟

عن ساق العرش:
الرواية توزعت على فصول أربعة حمل كل منها عنواناً مختلفاً: الثلث الباقي/ متاه النأي/ هجرة الموال الأخير/ غنائم فادحة.
أما الاحداث فتدور  حول (أحمد النازح ) الذي يعاني منذ الصفحات الأولى من خلل النسيج الاجتماعي الكويتي، والذي ينظر إلى درجة مواطنة الفرد من خلال أصوله الأولى، وقلق أحمد لايقتصر فقط على المواجهات اليومية لجنسية تعود في أصلها إلى العراق، بل أيضاً الظروف السياسية التي تجعل من ورقة التجنيس تلك ليست أكثر من سبة وتهمة بعد أن غزا صدام الكويت.. " فأنا لست نجدياً مثلك ولا فارسيا كغيرك .. أنا الثلث لباقي" ص33 ...
وحبكة الرواية تدور حول سر يحتفظ به أبو أحمد متكتماً حول نسبه وجذور عائلته، مخفياً الورقة التي توضح ذلك النسب،  ومن خلال فقرات تتقاطع وتتصل من حيث السرد الزمني نتواصل مع ذاكرة أحمد وسيرورة حياته بين الجدة والأب ورفقاء الجامعة، التي يتطرق من خلالها إلى المشهد السياسي والاجتماعي داخل الكويت، وأخيراً علاقته المتوترة مع عبلة الفتاة التي أحبها وتزوجها ومن ثم فقد عاطفته نحوها..!
الشخصية المحورية الثانية في الرواية هي (علي )الجندي  في الجيش العراقي، لا يبدو مقتنعاً بمعركة هو مجرد أداة فيها، فشخصيته بعيدة عن العنف والقتل، يظهر محايداً ، مجبراً، وعالقاً تحت وطئة ظروفه، يتعاطف مع أهل الكويت البلد التي جاءها غازياً، ويسكت عن نشاط شبان من المقاومة يسكنون في حي ( الدوحة )، الحي الذي يتولى هو ومجموعته حراستها، يُقتل شاب من تلك المجموعة، فتؤول له ملكية صندوق خشبي يحتوي على أبيات شعرية قديمة لايبدو أن هناك رابط بينها..
وبعد أن يعود إلى بلده يسكنه هاجس حل رموز الورقة بطريقة السيمياء والدلالة متنقلا في العراق بين مدينة وأخرى ليصل في نهاية المطاف إلى حل الشفرة ويكتشف أنها وثيقة نسب تعود إلى آخر ابن من سلالة الخليفة العباسي السادس والعشرين، العائلة التي هربت من بطش الوهابين في العراق فلجأت باسم مستعار إلى الكويت.. لكن قبل أن تصل الورقة إلى صاحبها الذي يقضي اجازة عند أهل زوجته في الاردن يقتل بطريقة غامضة وتنتهي الرواية .

المتن/ الخطاب
إذ يقول بول ريكور" إن النصوص تفرض ضوابط تفسيرها" ، وأنا هنا كقارئـ/ة لاأدعي سوى أني تتبعت الاشارات التي تركها كاتب الرواية عبر محورين متوازين، معتمداً على عامل المصادفة الذي يدير أغلب مفارقات حياتنا، في أسلوب حداثي بعيد عن كلاسيكية القص، هذا الشكل الحداثي الذي يهمل الإطالة والوصف،  ويبني الرواية على القطع والوصل للاحداث وللزمن دون التقيد بتسلسل محدد، إن الإشارات المبثوثة داخل العمل سواء من خلال الشخوص أو من خلال الراوي تأتي لتعمق فهم المجتمع الكويتي ضمن عين تراه من الداخل، وإذ تمضي هذه الإشارات بحمولاتها الخفيفة التي تميل إلى تقديم الاجتماعي من خلال عبئه النفسي أو نقل هذه العبء النفسي المتشكل بسبب الفضاء الاجتماعي للنص فهي تشكيل سواقي تحفر مجراها في ذهن ومعرفة القارئ عن المجتمع الكويتي لتلتقي في نهاية النص في بحيرة واسعة يمكنها أن تحيل إلى معرفة القارئ بهذا المجتمع، فقارئ الرواية ستكون معرفته بالنسيج الاجتماعي للكويت أعمق منها قبل قراءته لهذا العمل، ولأكن أكثر مصداقية، استدعتني شخصياً لأستوضح عن بعض النقاط، ولأفهم المشهد الاجتماعي العام .

الحبكة، والشخصيات:
تدور حبكة الرواية بكل فصولها حول قضية مازالت شائكة، تعاني منها الكويت في صراعات داخلية مذهبية وعرقية تصنع شعباً متنافراً على عدة مستويات، هي قضية الانتماء، واختلاطاتها مع مفهوم المواطنة، وسطوة مايعنيه كل ذلك في مفردات تصوغ مفاهيم هذا المجتمع، الذي يؤكد ضمنا وعلانية على الجذور وقيمة النسب والأصل والفرع. " مديرنا كلما رآني يربت على كرامتي ( المو أصلية) بالشغف نفسه الذي يربت فيه على مؤخرة منيرة" ص50، مما يساهم في خلق مشاعر اغتراب ونقمة وانطواء على الذات، وهو الوضع الذي تحتكم إليه شخصية البطل( أحمد ) بمشاعرها وعلاقاتها، كأنه وسط دائرة طباشير، يتمزق بين وطن ينتمي إليه، ووطن لم يعد له ولا يعرف جذوره فيه.. ولأننا في عالم لايملك العصا السحرية لحل المشاكل، فأحمد يتعايش مع ظروفه، وإن لعنها في داخله، ويتلازم هذا مع مشاعره نحو عبلة زوجته التي يكرهها ضمناً ويهرب من مواجهتها إلى الاستلقاء في حمامه الساخن، يريح أعصابه من أي جدل محتمل، ولابأس البتة من أين يدفع المال
( كأتاوة) ليضمن ذلك، فعبلة أيضاً لم تحبه كإنسان، وكل مايهمها منه حسابه في البنك، ولذلك فهذه الشخصية بقيت تتحرك في سياقات الصدفة وماتفرضه الظروف، ولايتغير هذا الحال حتى حين ينضم إلى مجموعة شبان المقاومة، ولأنها شخصية هشة منذ البداية فهي تبقى كذلك حتى النهاية.
وفي المقابل فإن شخصية العراقي (علي )تبدو لنا مسالمة، تحتكم لظرفها، فهو جندي في حرب لاتمثله، وتنتابنا الدهشة من صداقته وتعاطفه بل وتغطيته لنشاط شباب المقاومة، وهو تورط خطر في ظرف لايعرف الرحمة، لكن علي لايخشى  على نفسه، ونجده بدافع الفضول أو بدافع تحمله لعبء مقتل صاحب الصندوق أمامه، فهو لايقف ساكناً بل يحاول بكل السبل والوسائل حل رموزها والوصول الى معانيها .
الحوار:
جاء الحوار بَرقي خاطف مكثف ومبتور، كلمات قليلة خبرية تتدافع على ألسنة أصحابها، غايتها الاخبار والتوضيح ، وبنفس الروح تقريباً تتقافزالأحداث بسرعة في الزمان  والمكان بضربات سريعة من الكلمات، فنكاد لانرى قبل الفصل الأخير أي توسع أو مونولوج داخلي مطول، وكأن الراوي يتعمد ذلك، فيما عدا تسريب لاشارات مختصرة لتصوير المشاعر والتركيز على حالة الزعزعة النفسية للبطل في مكان جغرافي يعتد بأصوله ونسبه ..
في  الفصل الأخير تتحول اللغة السردية عن وجهتها لتحل مكانها  اللغة الشعرية والمعبرة عن حالة الحب الطارئة، فما يتباطأ الايقاع السردي ليهتم أكثر بالتفاصيل.. فتظهر قدرات الشاعر/ الرواي لتورطنا بالجو العاطفي للحالة.
رأي:
تأتي الخاتمة بنهاية فجائعية هي موت البطل أو مقتله الغامض، لتضعنا أمام فداحة مفهوم الخسارة، وانهزام الانسان قبل أن يعثر على أناه، مخلفاً وراءه أحلامه وأوهامه في الحب والانتماء والمواطنة..
الرواية لا تتبنى مقولات كثيراً، ولا تتطرق لاشكاليات خارج فكرتها الأساس، فهي منذ لحظتها الأولى مشدودة إلى بناء روائي محكم بلا استطرادات ، لكن بدا لي أن الكاتب من خلال الرواية والتي من المفروض أنها تنتقد فكرة حكم القيمة المستمدة من الاصول أيا تكن، وتنتصر للانسانية ومجمل السلوكيات، إلا أنه في الوقت نفسه نراه يعزز تلك القيمة ضمن منطق الأعراف والتقاليد، فيفرد فصلا كاملاً ساعياً وراء نسب، منساقاً  ضمن الأعراف والتقاليد نفسها، ويمتد هذا  ليشمل شخصية البطل أحمد التي تجدها في نقاشاتها ناقمة على فكرة الأصول التي تحكم النظرة الاجتماعية لكنه في الوقت نفسه يسعى جاهداً لمعرفة أصول انتمائه، بل أن البطل يتورط من حيث يدري أو لايدري، فيلقي حكم قيمة مضمر حين يقول في الصفحة 32: " لو أن أبي نطق بأصلنا أو أشهره أيا كان.. أقبل حتى لو كنت هندياً!"
إضافة إلى أن فكرة المعاناة بقيت بعيدة عن تعاطفنا الكامل، كونها اقتصرت على استنطاق داخلي حول هاجس النسب ضمن أجواء يسر وتعايش وعلاقات مستوفية لشرطها الاجتماعي بشكل عام، وإذ تدور فكرة الرواية حول التراتبية الاجتماعية المستمدة من النسب والأصل وغياب فكرة المواطنة الكاملة التي أصبح لها إطار قانوني هو درجات الجنسية؛ فقد  تجاهلت الرواية عرض مشكلة غير محددي الجنسية أو ممن يسمون الـ( بدون)، والتي تعتبر قضية تمس أيضاً النسيج الاجتماعي وفكرة المواطنة.


وعي الحكاية: قراءة في مجموعة نسرين طرابلسي (وأدرك شهرزاد الملل)


لا يمكن للفن أن ينفصل مهما ادعينا عن نسق الحياة، بكل تفاصيلها ونمنماتها، حيث يكمن الاختلاف في الوسيلة التي يرتئيها المبدع والتي تعكس وجهة نظره ورؤيته للواقع.
يقول لوكاتش " إن المقولة الرئيسية والمعيار للأدب الواقعي هو النمط ذلك المركب الغريب الذي يربط بين الخاص والعام بطريقة عضوية في الشخصيات والمواقف "
أما درجة الوعي والشكل الذين يحتويان الفكرة فهما نقطتا الاختلاف بين كاتب وآخر.

تقدم لنا القاصة نسرين مجموعتها التي تحمل عنوان " وأدرك شهرزاد الملل "1
وهي  تجربتها الثانية في عالم القصة القصيرة بعد " في انتظار اسطورة "2
من خلال 23 قصة يتخللها 12 نصاً بصياغة بوحّية أُدرجتها تحت عنوان " مونولوج "
يمكنني التطرق لهذه المجموعة من عدة نواحي :
الشخصيات – المواضيع – الأسلوب

الشخصيات :
تختار نسرين شخوص قصصها غالباً من شرائح اجتماعية متوسطة وعادية ونسائية غالباً كما في  حارتنا ضيقة - أوبرا القطط - قطة شيرازية - الحليب المر - ..
هي خليط مابين الحلم والواقع .. المستحيل والممكن .. الشر والخير دون أن يطغى عنصر على آخر.
ترصد الكاتبة حركتهم ضمن ظروفهم النفسية والاجتماعية..وتترك لنا مهمة البحث عن الدوافع السيكولوجية لتصرفات تلك الشخصيات..   
فنجد مثلاً الشخصية المهمشة التي تعاني البؤس والوحدة  كما في حال بطل قصة/غرغرينا/  الذي نعرف كل شيء عن مرضه ووحدته وتفاصيل يومه كشخص منبوذ يدمن مشاهدة أفلام بروسلي كأنه يستعيض بها وبقطة تزوره عن انهياره الجسدي وضعفه.
وتتركز الحبكة على تصوير الصراع الذي تعانيه هذه الشخوص في نضالها مع الحياة كمعنى.
وهكذا تنقسم المجموعة لنوعين من القصص القصة الفكرة والقصة الشخصية..
والكاتبة هنا لا تهمل الرابط النفسي الذي يجمع ويفسر متناقضات الذات البشرية المعقدة والتي يصعب أحياناً فهم دوافعها بسهولة بالرغم من محاولة الكاتبة على توضيح البنية الدرامية للشخصية في بنائيها الوصفي الخارجي والنفسي الداخلي ..
والنماذج متنوعة فهناك الشخصية المقعدة والمعوقة والمريضة والمتوحدة ، وأيضاً العانس والغيور والانتهازية والطموحة، والمصابة بالصدفية، و مع توتر المعاناة يتصاعد الحدث دون أي تدخل مباشر من الكاتبة لفرض قانون أخلاقي ما رفضاً أو قبولاً.. ولو أن انفعالات الرواي انعكست دون ادعاء في المفردات المستخدمة.    

المواضيع :
أغلب القصص استمدت مواضيعها من أرض الواقع فيما عدا – وأدرك شهرزاد الملل – التي حوت شيئاً من الفانتازيا فقد انفصل الصوت السارد / الكاتب عن صوت الشخصية/ شهرزاد التي خرجت من غلاف الكتاب لتقص حكايتها معلنة علاقتها بمسرور السياف بعد أن تساوت أسباب وجودهما معاً في قصر شهريار الذي دأب على النوم بعد انتهاء الحكاية..
بطبيعة الحال لا يمكننا فصل المادة الإبداعية عن كاتبها لأنها تعبر بطريقة ما عن وجهة نظره وتأملاته للحياة، ومن هذا المنطلق نستطيع حصر بعض المناحي التي تلح على الكاتبة فتعبر عنها منها على سبيل المثال لا الحصر:
 - البيئة الدمشقية:مكاناً وعادات متبعة وإرثاً اجتماعياً ولهجة لتثبت ولع الكاتبة وارتباطها بالمدينة
الذي انعكس في النسيج الحكائي لأكثر من قصة والتي اعتمدت اللهجة الشامية المخففة والمحببة إضافة إلى الأمثال الشعبية وأسماء شوارع وأوصاف تتطابق مع حال تلك المدينة ورابط الحنين بين ثنائية الوطن والغربة.
- نموذج الأم : الذي يحضر في أكثر من قصة كشخصية صلبة وذات سطوة تعرف ما تريده وتحققه، وهي شخصية بعيدة عن النموذج الكلاسيكي الذي اعتدناه من حيث اللين والضعف والمسايرة ربما لأن مفردات الحياة تغيرت بذاتها، فقد أصبحت الأم نموذجاً ايجابياً يصنع توزناً لهذا العالم .
ففي قصة /الحليب المر/ كمثال تأخذ الأم الموظفة إذن ساعة كي ترضع ابنتها ورغم أن تلك الساعة من حقها إلا أن مديرها لايبدي تفهماً وتعاطفاً مع حالها، ولا تنتهي القصة عند إلقام ثديها للطفلة الجائعة وتفريغ قسط الحنان وما يعقبه من راحة ونسيان لكل معاناتها، بل يتجاوزها إلى توصيف مرير ولاذع لحرقة تلك الأم كامرأة لا تجد وقتاً لنفسها.  

- وبشكل مختلف تطرقت (طرابلسي) للمواضيع الجريئة أو تلك التي يتجنب بعضنا مناقشتها بشكل مباشر  وقد استخدمت نسرين لغة التلميح بدل التصريح متجنبة التعبير الفج والمباشر معتمدة على حنكة القارئ ووعيه..
ففي قصة " قطة شيرازية " والتي تصف مرحلة البلوغ عند الفتيات من خلال تداعيات سردية لمفيدة خانم السيدة التي تحن إلى زمن الارستقراطية الباذخ والذي لم يبق منه سوى أشغال الكانفا تتوارث بروتوكولياً ومعنوياً إلى الأبد.. ومابين نضوج ثمرة الفريز وتأويلها إلى نضوج تلك الطفلة وارتباكات تلك الفترة تتحدث و تعود بنا إلى طفولتها حين كانت فتاة بعمر الزهور تحمل اسم الدلع " فيدو"
أما قصة " طالما أحدٌ لن يموت " فهي تنقلنا إلى عوالم المعرفة الحسية المرتبطة بألعاب الطفولة حيث يمل الولد الذي يبدو أكبر مما هو من لعبتي  الغميضة وشد الحبل ويهدد الطفلة التي تقترح عليه أن يلعبا عسكر وحرامية ليصر هو على لعبة عروس وعريس، يتدخل صوت الراوي العالم بكل شيء ليوضح بأن اللعبتين متشابهتان تماماً .
" اغرسني في الأرض أفرغ صاعقتي "  تقوم بنية هذه القصة حول إدراك البطلة لحالة الصرع التي تجتاحها وأن عليها أن لا تخبر أحداً بمرضها مما يؤدي بها إلى مرض آخر هو الانفصام، فتراجع طبيباً نفسياً تتمدد أمامه  لتحدثه عن حياتها وعن مشاكلهم العائلية والكتمان الدائم المطلوب منها كي " لا تفوح الفضائح أمام الجيران "  سوى أن الطبيب ذاك لم يكن على مستوى قدسية مهنته فيتحرش بها وحين ترفض يصرخ بها :" لن يصدقك أحد "
وتتعرض تلك المسكينة لصدمة أكبر حين يفضح الطبيب من خلال برنامج تلفزيوني حالتها ليزداد بركان الأسرار، حتى يتفتق الحب عن لحظات البوح الصادق والمكاشفة المريحة لتتلقى بطلة القصة الضربة القاضية حين يقول لها من توسمت به التفهم : لا أعتقد أنه يمكنني أن أتزوجك فالصرع مرض يمكن أن يورث .. وهكذا تتداعى كل مقاومتها للمرض فتعض لسانها حتى تقطعه، أما الأخرى التي هي ذاتها في حالة الانفصام فتنهار منهكة القوى. 
قصة أخرى بعنوان " سأصمت الى القبر " تأتي عبر ذاكرة الاسترجاع لطفلة يسوقها فضولها إلى أن تكتشف علاقة أخيها بابن الجيران وترتبك بهذا السر الذي يجعلها تخاف من أحلامها لتبتلع بالكتمان كل ما تعرفه ليذهب معها إلى القبر.

الأسلوب :

أهم ما يمكن استخلاصه في وصف أسلوب المجموعة هو التلقائية والمدى الحر الذي تمنحه الكاتبة لشخوصها في التعبير عن أنفسهم ورسم بياناتهم المجهولة بالنسبة للقارئ
وقد ظهر هذا واضحاً في انسيابية الجملة رغم طولها النسبي في بعض الأحيان،  ليكون هدف القص الوصول إلى الوجدان ومحاكاة النفس والروح..
ونسرين تعتني بالوصف والتفاصيل الحميمة.. لذلك فقد اعتمدت التلوين السردي، من خلال ذاكرة الاسترجاع و تقنية الحلم وأيضاً تمثل الشخصية واستعمال ضمير المتكلم.   
اللغة أداة للتعبير عن الذات وأداة توصيل للآخر الذي نكتبه.. 
ومن الملاحظ أن التجسيد الفني عندها لا يختص بالتفاصيل الجمالية بل يتعداه إلى إعادة تجسيد العالم الخارجي ولو من خلال الصور المؤلمة والبشعة، هذا ما ظهر بوضوح في الوصف المقزز لحالة مريض الغرغرينا في إحدى القصص مثلاً.
 وقد استخدمت الكاتبة لغة شفافة داخل نسيج لغوي احتوى الرمز والمقولة والحوار.

في الخلاصة عزفت نسرين مجموعتها بتنوع وبراعة وحذق، لننتهي بأن شهرزاد الحكاية لم تصبنا بالملل، وبالتالي بالعقم القرائي، بل هي وضعتنا عند مفاصل أساسية تضيء بعض مواقفها تجاه هذه الحياة ودرجة وعيها، ذاك الذي أشرت إليه في مقدمة هذه القراءة..


1- وأدرك شهرزاد الملل صادرة عن دار المدى  2004

2- في انتظار إسطورة 1997

16 أكتوبر 2016

الطريق إلى حقوق المرأة.. أفعال لا أقوال

الطريق إلى حقوق المرأة.. أفعال لا أقوال 

سوزان خواتمي
من المتوقع بعد أقل من شهر أن تفوز هيلاري كلنتون بالانتخابات الرئاسية لتكون الرئيس 48 لأميركا المتحكمة باقتصاد وسياسات العالم، في الوقت الذي عليّ أن أكتب عن حقوق المرأة السورية الدستورية، وأهمية مشاركتها في الحياة السياسية.! يبدو ذلك مجحفاً –بالنسبة لي على الأقل- قياساً بما قدمته النساء من تضحيات، خلال السنوات الخمس الماضي، حيث كن معارضات ومعتقلات ونازحات وأمهات لشهداء، وزوجات لمختفين قسريين، إضافة إلى العبء الثقيل الذي حملنه للمحافظة على الأسرة والبيت في ظروف التقشف والحصار وعدم الأمان. ولكن يبدو أن كل ذلك لم يشفع لهن، فما زالت المرأة السورية غائبة عن القرار السياسي والتواجد الفاعل في المناصب القيادية، وما زالت تحتاج إلى الدفاع عن نفسها واثبات كفاءتها في مجتمع ذكوري كي تنال حقوقها وتصل مع الرجل -يداً بيد- إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية.
رفضت المرأة في سوريا الاستبداد والنظام الحاكم، وتعرضت نتيجة ذلك لكل أشكال القمع والعنف والبطش والتعذيب، إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الانسان حتى العام الفائت18457 امرأة قتلن بيد النظام، مع غياب الرقم الفعلي للمعتقلات في السجون، والأعداد الحقيقية لمن تعرضن للاغتصاب. إذاً؛ ليس بإمكان الثورة نفي المشاركة الفعّالة للمرأة، ومع ذلك ما أن استلمت الفصائل الاسلامية المتشددة زمام الأمور في المناطق المحررة التي خرجت عن سيطرة النظام، حتى تم تحييد المرأة وإقصائها عن حقها في المشاركة في المجالس المحلية، وتعرضت الناشطات للاعتقال والتضييق، بل أقرّت ضدها قوانين تحد من حريتها في اختيار ملابسها ومجال عملها وتنقلاتها (منذ فترة بسيطة تم ايقاف فتيات ومضايقتهن والتحقيق معهن لأن صورهن على جواز السفر بدون حجاب).
أمام تراجع مكانة المرأة في دورها الاجتماعي والسياسي، وشكلّية مشاركتها وإحجامها عن الخوض في العمل التنظيمي والحقوقي، تظهر أهمية دور المنظمات المدنية والنسوية والأحزاب والتيارات الديمقراطية والقوى المجتمعية ووسائل الاعلام، وتأثير رجال الدين التنويريين، للعمل ليس فقط على تحسين وضعها بمعونات غذائية ومساندتها بدورات الدعم النفسي، وتعلم الأشغال اليدوية، بل أيضاً في تمكينها وتأهيلها وإشراكها في المجالس الاستشارية، والمؤتمرات، واللجان الحقوقية لتساهم مستقبلاً في تعديل ثغرات الدستور السوري فيما يخص التشريعات الجزائية وقانون الأحوال الشخصية لضمان تحقيق عدالة انسانية لا تميز بين رجل وامرأة.
والطريق إلى ذلك لم يكن يوماً مفروشاً بالورود، قبل فترة تسنى لي مشاهدة فيلم Suffragette الذي يوثق لحركة "سوفرجت" التنظيم النسوي السري في بريطانيا، وزعيمته بانكيرست التي تردد مقولتها (الأفعال لا الأقوال). بدا الفيلم تحية للمناضلات الأوائل؛ سيدات مشّين طريق كفاح شاق وطويل مطلع القرن العشرين. حركة "سوفرجت" بدأت بحملات سلمية، ثم انتقلت إلى ممارسة العنف، وتعرضت عضوات الحركة للاعتقال، والملاحقة والاستهزاء والمقاطعة والطلاق. نماذج قدمها الفيلم مثل مود واتس العاملة في مغسلة ضمن ظروف صعبة وأجر هزيل، انضمت للحركة وحُرمت جرّاء ذلك من حضانة ابنها، لكنها قررت أن تستمر في الدفاع عن حقوق المرأة لمنع استغلالها واضطهادها وتمييزها في القوانين. واخترقت إيميلي دافيسون مضمار سباق الخيل ووقفت أمام حصان الملك وهتفت "التصويت للنساء" رافقت جنازتها ضجة اعلامية وبعد خمس سنوات تم تعديل القانون ونالت نساء بريطانيا حقوقهن السياسية عام 1918. قالت ميشيل باشليه رئيسة تشيلي 2006- 2010: "عندما تصبح المرأة رائدة فإنها تغير حياتها، أما عندما تصبح النساء رائدات فإنهن يغيرن القوانين والسياسات".
إن المرأة التي لا تركن إلى وسادتها تدرك أهمية مشاركتها في أيام السلم وفي أيام النضال، وتحمل مسؤولية تحررها وتعزيز قيمتها في المجتمع , بالعلم و العمل تستحق أن تكون رائدة ومساهِمة في تحقيق حرية وكرامة سوريا.

20 سبتمبر 2016

التائهون.. أمين معلوف

 أقوى دليل على الرواية الجيدة، هو قدرتها على جذبك لقراءتها بذات الحماسة من السطر الأول حتى الأخير. 
تمتعت وتورطت وأحببت رواية أمين معلوف (التائهون) سواء بموضوعها الذي يدور حول تأثير الحرب الأهلية وتبعثر الأصدقاء في الشتات، أو في القفزات السردية وتكنيك الكتابة المستخدم بين الماضي والحاضر مستخدما كل التقنيات كالرسائل والحوارات والمونولوج، أو في نمو الشخصيات وتنوعها، أو في كل ما طرحته من أفكار حول الهوية والحرب والحرية والدين والحب والضداقة ضمن تعدد وجهات نظر، فمعلوف لا يحصارك بمقولات شعاراتيه. ... 
ايي طبعاً أريد أن أقول من لم يقرأ التائهون فاته الكثير ...!
للعلم أمين معلوف كاتب فرانكو لبناني من مواليد 1949 انتخب عضواً للاكاديمية الفرنسية، وله كتاب (الهويات القاتلة) الذي فتح عيناي على مطلق المعنى..
.
سوزان خواتمي

النبطي.. رواية يوسف زيدان

النبطي.. رواية يوسف زيدان


الصادرة عام 2010 عن دار الشروق وتمتد على مدى 381 صفحة من القطع المتوسط.
حصلت على نسخة من الكتاب في طبعته الخامسة مخطوفاً من بين يدي الصديق صالح النبهان، الذي كان بدوره قد خطفه من مكتبة نادي ابداع الثقافي، ما يدل على فوائد الخطف من خاطف.!
ربما كان من أكثر الاشياء التي تتكرر عند كل قراءة لما يكتبه زيدان، اني ارغب بتقصي المعلومات التاريخية التي يعتمد عليها في بناء رواياته، وهي للأمانة ليست سهلة ولا قليلة. الجميل في (النبطي) أن التاريخ لم يثقل البناء الروائي، بل كان ينساب مرتاحاً بين السطور، لنستدل من خلال السارد وهو هنا شخصية ماريا على أعراف وعادات وتقاليد الانباط، وحال منطقة الجزيرة العربية أثناء ظهور الاسلام حيث كانت هناك طفرة من النبوات، والسنوات العشر التي احتل فيها الفرس مصر. ماريا التي انتقلت بعد زفافها من تاجر نبطي، من منطقة الدلتا إلى شمال الجزيرة العربية حيث تقيم قبيلة زوجها متوزعين بين الخيام والبيوت المنحوتة في الصخر، رحلة طويلة وشاقة على ظهر بغل مع قافلة استمرت شهوراً ومرت بسهوب وصحارى واراض وجبال، وتتحول في ظروف حياتها بل ويصبح اسمها ماوية كما اطلقت عليها حماتها (ام البنين) والأنباط كما يأتي في التعريف عنهم [جماعات عربية كبيرة كانت تعيش من قبل الإسلام، بل من قبل المسيحية فى المنطقة الشاسعة الممتدة من جنوب العراق، مرورا بالمنطقة المسماة اليوم شمال السعودية، وجنوب الأردن، وفلسطين، وسيناء، وهم الذين بنوا الآثار الهائلة الباقية إلى اليوم منحوتة بالجبال بمنطقة «البتراء»، وما حولها من مناطق مثل «مدائن صالح»، و«وادى رم».]
كثيرة هي الأسباب التي تجعل القارئ يطلق على عمل ما أنه جيد، ويتبع ذلك ذائقة القارئ، فالقراءة فعل نرجسي في المقام الأول. بالنسبة لي حقق زيدان لي حصتي من المتعة إضافة إلى أن عمله شجعني على البحث في تاريخ الأنباط، والذي كل ما عرفته عنه زيارة قديمة لمنطقة البترا الفائقة الروعة .
في السرد الروائي ليس مهماً التأكد جازمين من المعلومات التاريخية، بقدر أهمية الحبكة الروائية المقنعة، ثم لا بأس ان أتى لبحث والتقصي لاحقاً، أو ان لم يأتِ.
أسوأ ما في الرواية هو غلافها واللاصق الضعيف المستعمل، والذي سمح لأوراق الرواية أن ينفرط عقدها، رغم جميع محاولاتي بأن لا تنفرط.

سوزان خواتمي

25 يونيو 2016

من ذاتية الألم إلى ابداع النص


قراءة في كتاب " لأننا لم نفترق "

يقال إن فان كوغ اكتشف اللون القادر على أن يتحدث عن الألم تحف به ألوان الشمس .. 

شدتني قراءة " لأننا لم نفترق " * وقياساً مع الفكرة اعتبرتها صوت يعارض إجحاف الحب ورفض لمجتمع يسامح نزوات الرجل ويتقبلها برحابة صدر ...
هل يقتصر فعل الكتابة هنا على كشف لمعاناة اجتماعية ، أما هي محاولة فطنة لطرح أسئلة وإشراك القارئ في البحث عن علّة الأشياء ؟ .. 

" لأننا لم نفترق " كتاب جاء من حيث التبويب مقسم إلى ثلاثة أقسام : 
1- لأننا لم نفترق .. ويرد تحت العنوان 26 مقطعاً بعناوين جانبية مختلفة 
2- رسائله – النور الخفي 
3- رسائلها – زهرة الغضب 

ورغم عذوبة الرسائل المتبادلة بين البطل والبطلة في القسمين الثاني والثالث و ما تحويه من فيض مشاعر مرهفة ورؤى فلسفية وأبعاد نفسية ، إلا أني سأقتصر في تعليقي على القسم الأول .

في البدء تعلن الكاتبة ليلى مقدسي **وبوضوح بأن كتابها لا يدخل ضمن مسمى الرواية 
" ربما يسامحني القارئ عن كل ما قلته وكل ما كتبته ولا يظن أنه تجديفاً أو غضباً ، كل الظنون ، وكل أقلام النقد التي ستشهر لن تمنعني من البكاء " ص132 

" إذن هي تعرية الذات وتصويراً لأدق للمشاعر .. هي الكتابة إليك ومنك " ص11

ومن هذا المنطلق تتسلح الكاتبة بقلمها لتسطر به نزيف روحها ولنكون شهود الحالة .. فنقرأ معها تفاصيل حب نبتت بذرته الأولى من خلال رسائل متبادلة – نجدها في القسمين الثاني والثالث – 
تلك الرسائل التي حملت طابعاً فلسفياً ووجدانياً ومصيرياً وبسببها استيقظ الاحساس الغافي من سباته ليتبرعم ذاك الانجذاب ويولد الحب رغم معوقات ظروف البطلة مع وضعها الصحي والبيئي ووضعه المادي والمعنوي وأخيراً اختلاف المذهب الديني بينهما .. 

وكادت الحياة تسير بالمركب الزوجي الذي أنتج ابنة وحيدة هادئاً حتى ضفة الأمان لولا شبح المرأة الطرف الثالث والذي تسلل إليهما تحت عباءة الصداقة الفكرية لتتأزم الأمور وتكثر المشاحنات أمام الاقتحام غير المتوقع والذي استمر بطيئاً ومزعجاً .. رغم كل إشارات التحذير والخطر وتأجج النزاعات فقد أدى إلى زواج ثان .. 
ليتقلص الحب القديم الأول ويقتصر وجوده المتقزم على لقاء صباحي يبدأ بسؤال 
- كيف أنتِ الآن ؟ هل تحتاجين لشيء ؟ ص 103

" نلتقي ... بنمط آخر كأصدقاء مقربين وكأحبة متباعدين " ص127
ذلك اللقاء الصباحي الذي يظهرهما معاً وإقامة بعد الفراق البطل في بيته الثاني
" كأنهما يحرسان ضريح الحب .." ص127

هي أحداث واقعية امتد زمنها كما حددته السطور الأولى من الكتاب منذ 1969 وحتى 1997 وتجدر الإشارة إلى أن الزمن لا يسير بخط مستقيم ، حيث أن الأحداث بدأت من الخاتمة – الانفصال – ومع إمطار الذاكرة تتدفق الوقائع حسب تسلسلها الزمني .
اعتمدت ليلى مقدسي في روايتها على أسلوب الاستفهام بأسئلة كمفتتح تأتي بعد أجزاء منتقاة من فكر البطل وكتاباته فاستطاعت أن تثير فضول القارئ ليبحث بين السطور عن الأجوبة.
وقد جاءت التفاصيل مثل خط واه تسرب إلينا عبر إشارات وجمل محدودة ومتباعدة إذ تركت الكاتبة مساحات بيضاء من الإلغاء بسبب الخجل أو الحرج الغريزي من الإساءة للعائلة كما أوضحت في ص 71

ورغم ذلك فقد استخدمت الكاتبة مجموعة من التقنيات الفنية الواعية 
منها الحوار والذي جاء تفسيرياً لحالات الفوضى والتناقض الذي يعيشها البطل المهتم بالثقافة والفلسفة بين ما يؤمن به وما يطبقه على أرض الواقع 
وتتساءل الكاتبة 
" هل الفلسفة مجرد آراء وأفكار تحليلية أظن أن الفلسفة الحقيقية هي تجربة العيش والثقافة سلوك حضاري ينبع التطور ويضبط بإيقاع الأخلاق " ص 54
لم تستغن الكاتبة في الإسلوب الكتابي عن بوحها الشعري والتي دعوتها شعرية الحزن فهي تقول :
" بقيت الستارة التي تلوح من الماضي ، وفقدت قوة بتر الماضي .. ولم تختصر بهاراتك اللفظية وكل يوم ترش ملح الصبر على أصص وحدتي الجافة ، لتنعش موائد ضجر ، وتطعم أعصابي بنهم الشهوة لحطب ذاكرتنا العتيقة ، فأواصل وداعك لكي يوم إلى الباب وعلى وجهك تمازج ألمي ، لأن ابتسامتي مغمسة بالسواد النقي ، فأغلق الباب دونك ووحدتي تنتفض حولي مذعورة " ص45 

" كرهتك بشراسة حبي " ص 109 

وقد امتزجت اللغة الشعرية التي تأتي في بعض المقاطع مع اللغة العلمية التي تأتي في مقاطع أخرى حين تحلل أسباب انكسار الحب في شرقنا : 
"ربما في الشرق لا نحب ، إنما نعيش حالة حب وهمية بسبب انعدام الوعي العاطفي أو نتيجة حتمية للكبت الجسدي ولمؤثرات التربية الخاطئة والأمراض النفسية الموروثة من البيئة والتي تنمو في تكويننا وتصبح مرضاً مستعصياً يصعب علاجه كذلك مورثات المجتمع ومقياسه على سلم التقاليد وذكورة الرجل الحاكم ...." ص 114
كما استخدمت الكاتبة إضافة إلى المقاطع الفلسفية والشعرية التي هي مقتطفات من أقوال البطل مقاطعاً من الكتاب المقدس وأيضاً أقوالاً وحكماً لمفكرين وفلاسفة أمثال 
– فرويد ، أدلر ، يونغ ، سكنر ، ديكارت ، ابن معاذ - مما أضاف قيمة تأكيدية و معرفية داعمة لأفكار الكاتبة .
وقد سعت الكاتبة وبهدوء توضيح وجهة نظر البطل والحديث عن مشاعره المتغيرة وإحساسه بالذنب 
" أعرف أنك تتألم لأجلي ، وأحس أنك تتلوى صراخاً ورفضاً غير معلن ورطتك معها أكبر من أن تحتملها وأنت الشارد المعاند بين فكرك وقلبك بين الرافض والمرفوض .. بين الحارق والخروق وتستمع إلى هذياني بصمت صبور ، وأستمع إلى ضجيج صمتك القاتل وأنت تكسر أحاسيسك على صخر لا يرحمني . " ص 110

كما رسمت وبحنق ملامحاً تحدد ولو من بعيد صورة المرأة – الطرف الثالث – :
" هذه الأنثى مسمومة بمفاهيم خاطئة عن التمرد والعبث والتركيز على الأنا الضخمة وإلغاء الآخر مهما كانت مكانته ودرجة قرابته ، وبأصابعها المتطاولة تملك قدرة رهيبة في كسر أقفال تحصينات عائلية واجتماعية ، وترسم كل صور الشر في الأماكن التي تكون أكثر هدوءاً ومحبة وانسجاماً ." ص 84

ولا ننسى أن ليلى مقدسي نجحت في إطلاق صرختها عبر مجموعة من التساؤلات تدين المجتمع الذكوري وتساؤلات أخرى تبحث عن مفهوم الحرية والزواج الذي يخنق الحب ويحوله إلى شفقة وثالثة عن تناقضات الفكر مع الممارسة .. تلك الازدواجية التي يعاني منها جلَّ أفراد مجتمعنا وغالب مثقفينا - وربما هم تحديداً - لأن الصراع مابين الفكرة وتطبيقها يتحول إلى أزمة نفسية يسقطون بين براثنها في أول اختبار . 
فهي تقول :
" لماذا يحمي القانون الرجل في حالة فورة الدم ولا يحمي المرأة؟.. هل ليس فيها دمٌ يفور مثله في لحظة الخيانة؟"

يقال ما بين الحب الشديد والكره الشديد شعرة ومن هذا المنطلق نتفهم معاناة البطلة ، ونتفهم أيضاً المعنى الملتبس بين الحضور والغياب عند ليلى مقدسي فالحب مازال أخضراً حين تقول 
" أحاول أن أقاوم الدمع كي أعيش فوق درجات الخطر رغم إني أحس الآن أن الواحد يعيش مع الآخر رغم انفصالنا " ص 81 
ومن هنا جاء عنوان الكتاب " لأننا لم نفترق " .. 

ومع خاتمة الحروف المنكسرة تمكنت الشاعرة والكاتبة ليلى مقدسي وبطريقة ذكية لا تخلو من الوعي الاستئثار باهتمامنا ومن ثم تعاطفنا من خلال هذه الرواية والتي " كما عرفت " سيظهر لها جزء ثان قريباً ...

* " لأننا لم نلتقي " رواية صادرة عام 2003عن دار المقدسي للطباعة والنشر والتوزيع 271 صفحة من القطع المتوسط .

** ليلى مقدسي شاعرة من سوريا صدر لها أكثر من مجموعة شعرية : ثالوث الحب - غمامة ورد - وردة أخيرة للعشق - عرس قانا - نص القلب - لغة الجمر . 

سوزان خواتمي