10 أبريل 2008

قبلة خرساء: قصة قصيرة


الحق يقال لم يأخذني عنوة، سألني: ما رأيك؟.. فسكت.
بعدها تتالت الأمور كما لو أنها تحدث لغيري. أكدتْ لي صديقتي أن القبلاتِ شيءٌ ممتع للغاية.
الآن فقط أعرف كم كانت تبالغ، فالحقيقة أني لا أحتمل أنفاسه، لها طعم خفاش، حين يقترب مني أدير وجهي لأداري نفوري، لم يعد يقبلني، ليس غبيًا كما اعتقدت. يظنني خجولة، ربما لأني أتكلف ابتسامة بخيلة تليق تمامًا بفتاة لم يعد يشغل بالها لفت الانتباه، أو ربما لأني أخبئ الحكايات جيدًا، متجنبة، قدر الإمكان، ما يمكن أن يتعب رأسي المثقل دائمًا بأسئلة كثيرة وأجوبة شحيحة.
يقول لي: ألم تجربيه قبلي؟.
لست ثرثارة، تعودت ابتلاع الغبار والأسرار، أكتم البكاء والشكوى، أكز على أضراسي حتى آخر الدمع، وحتى يتفتت جزءٌ منها.
زغاريد العرس ضوضاء تركت أثرها في الهواء، البارحة تزوجت ابنة الجيران، تصغرني بخمس سنوات وأربع أشهر وعدة أيام، لبستْ ثوبًا أبيض وتاجًا من ورد.
كنت أستعد للحفلة حين سمعت أمي تقول: "وْلي على قامة الحظ دق بابهم وطف بابنا."
أضافت وهي تنظر نحوي : قلبي عليك يا بنتي.
سحبتُ من شعري الملاقط، تهدل دفعة واحدة. قلت: أشعر بالصداع لن أذهب معك.
قضيت الليل بطوله أسد بالقطن أذنيّ في استجداء النوم، استيقظت متورمة داكنة، الكريم المفتح للبشرة يجعلني بلون حبة الكستناء، كذلك أحلامي تبقى سمراء، رأيت في أحدها خفافيشَ تطير فوق أرض الديار، ترتطم بالجدران، تعاود الطيران، ومابين أشواط الذهاب والعودة، يستمر اصطدامها كما لو كانت في قفص. الخفافيش غبية لا ترفع عينيها، ولا تعلو نحو السماء.
قدماي تقطعان الطريق برتابة الاعتياد، تتجهان إلى محل العطور حيث أعمل، سنتين لم أغير مساري المرسوم بحنكة، في الوقت نفسه من كل صباح، أصادف الأشخاص أنفسهم، أراقب تثاؤبهم.. وجوهم الشاحبة.. خدرَ أطرافهم.. ارتخاءَ أجفانهم.. أسمع نداءات الباعة المتجولين المتكررة حتى البحة والملل. التعب والطفر، والابتسامات النادرة في زحمة الكآبة.
لا شيء يثير اهتمامي، أصل في تمام التاسعة، كان يمكن لحياتي أن تنقضي على منوالها، لو لم يحتجزني ذاك المساء، في المحل، مقفلًا علينا الباب الزجاجي، داسًا في كفي أجر ( التاكسي ).
ممتنة له.. هكذا لا أتأخر عن البيت، لا تقلق أمي، لا يزعق أبي في وجهي، ولا تنتشر الإشاعات عن بنت عانس، وسمعتها القابلة للخدش عند أقل همسة.
قامتي قصيرة، أقل من متر ونصف، لذلك ربما تبدو الأشياء جميعها أطول مني، ولذلك أيضًا أحشر قدميّ المسكينتين داخل حذاء، إضافة إلى خشونة جلده، فإن كعبه العالي يجعل ساقي الرفيعتين تختلجان فوقه، أسميه عدوَّ المشاوير الطويلة، يسبب الآلام والثآليل، يتسلل الوجع من أطراف الأصابع صعودًا نحو الأعلى، أخلعه آخر النهار، ثم أربط رأسي بعصابة أشدها بقوة، مدركة بأن الشقاء يبدأ من الأسفل.
العالم لا يلتفت لمتواضعي القامات، والمشي ما كان مرة نزهةً ممتعةً، ولا طريقة للحفاظ على الرشاقة، بل هو روتين متكرر، به يبدأ يومي، في هذه المدينة العتيقة التي تبتلعني، وبه ينتهي.
الثامنة والربع تمامًا، أخرج من الزقاق الضيق في حي" العقبة*" أتهزهز فوق البلاط المتراص مثل رقعة شطرنج، ينزلق الطريق نزولاً حتى الشارع العام، هناك بالضبط، أصحو تمامًا، على ضوضاء تسحق أذني ، أبواق تزعق ، يختلط صراخ الباعة بشتائم ونداءات يتبادلونها. صخب يطرد آخر نعاسي، يعيد لي سوء مزاج البارحة، كالعادة تظل ساحة "السبع بحرات"* مزدحمة بأشخاص، تداركهم الوقت، متعجلين، نزقين بالضرورة، إضافة إلى كم هائل من سيارات، تتدفق من كل مكان، بعضها يتابع صعودًا باتجاه "باب النصر"*أو ينحرف جهة اليمين نحو "الجامع الكبير"*، وأخرى تنعطف مثلي يسارًا باتجاه حوانيت "التلل"*.
تربكني الإشارة الضوئية، تتغير ألوانها، ولا يلتزم بها أحد، حتى أنا، أمر بحركات بهلوانية بين السيارات، متجندلة بين الركض والتمهل.
يضحكني شكل الشرطي المسكين، يتصبب عرقًا، قابضًا على عصا صغيرة ( لا تهش ولا تنش )، مكتفيًا بإطلاق صافرة نصف مكترثة، فيما يراقب بنصف عين فتاة نحيلة وقصيرة مثلي تحاول عبور الشارع دون أن تقع تحت عجلة ما..
أمشي كالمنومة. قبل سنوات كنت في أوج مراهقتي، انحصر همي في لفت الأنظار، لا أقصد شخصًا بعينه، الوقوع في الحب شغلني إلى درجة أني تعودت استيقاف أي شاب لأسأله عن الساعة، جميعهم كان يتابع طريقه دون اكتراث ، بل ودون أن يلفتهم وجهي، متعجلين، تاركين الإحباطَ اللعين، وفجوةً مازالت شاغرة داخل صدري. قِصري المفرط هو السبب، لو أني أطولُ قليلاً.
بعد المحاولة المئة استسلمت لليأس، لن يكترث بي أحدٌ. في الحقيقة لم يكن قرارًا، فأنا لا أتخذ القرارات ولا حتى من أجل مشكلة صغيرة كقرصة الجوع مثلاً. محفظتي لم تحتفِ منذ تاريخ شرائها بأكثر من خمسين ليرة، وأي قرار متهور كشراء فطيرة جبن، يخل بميزانيتي البائسة، ويجعل احتجاجات أمي تصل السماء، لأني مبذرة من جهة، ولأنها أعدت شرائح الباذنجان المقلية وطبق السلطة المعتادين.
على امتداد حارة ال"كيالي "* أمر ب "حمام برهم باشا"*، ثم بحوانيت تعلق بضائعها بكلابات حديدية.. أستنشق ما ينبعث من زنخ اللحم المذبوح، والدجاج منتوف الريش، وأوعية كبيرة للقوانص والكبد، في الوقت الذي أتذكر (تنكة) الزيت التي تكاد تنضب. عائلتي تحب أن تغمس أرغفة الخبز بالزيت والزعتر وبجانبها كأس شاي محلى، إنها وجبة أبي الألذ قبل أن يمرض. بعدها صارت يده ترتجف، أساعده لأن أمي امتنعت عن الامتثال لأوامره، إلا فيما ندر،كأن الجسد الذي تكوم فوق الكنبة العتيقة ما عاد يخصها. أمي امرأة شريرة.. لعلها حواء التي تآمرت مع الحية. أتدارك الفكرة بتناسيها. أحكامي ما كانت لتهم أحدًا، لقد رأيتهما يختلفان كثيرًا، ثم يضمهما الفراش متعانقين. المواقف الثابتة هي نفسها الأكثر التباسًا، وموقفي أن لا يكون لي موقفٌ أبدًا. فقدت قدرتي على الغضب، على أي حال لم يرد أبي بخاطري سوى لثوان، حين رأيت كومة الزعتر، والأكتاف المتزاحمة فوقه.
أتجاوز دكاكين الأطعمة بروائحها، أقاطع شارع التلل من آخره، الألوان الزاهية ونداءات الباعة تستوقفني، أحب (البكل) المعقودة، و(الدانتيلا) المزمومة بكشاكش، ألتفت لبائع عرق السوس يطرق الصناجات المعدنية. أحيانًا حين ينتبه لي يضيفني كأسًا من منقوعه البارد، لا يأخذ ثمنه، أدعو له بالرزق، فيدعو لي بالستر، من غير أن يعرف أحدنا اسم الآخر.
الوقت يكاد يدركني، والشارع المقبل يغص بالأثاث، أنعطف يمينًا، ثم شمالًا بعد محل الكواء .
أصل إلى حيث أعمل، أسحب الشبك الحديدي إلى الأعلى، وأسارع بتنظيف المحل قبل أن يقبل صاحبه. في الحقيقة لم أتوقع أن تتعدى علاقتي معه الحدود الطبيعية، بين صاحب محل وموظفة عنده، لكنه عندما أقفل الباب، عرفت أن صديقتي تكذب، وأن القبلات لا تطاق.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أسماء أحياء وأماكن في مدينة حلب

08 أبريل 2008

بنت المطر


طرقاتنا المؤجلة ولغتنا التي تعبرنا إليه

-دون احتمالات بديلة-

تطرق النسيان بأصابع مترددة، فتهز الذاكرة كتفيها بعناد وصلف، ودون تردد تنغرس في الحبر واليقين

تستحضره خيالات من صدى لاهثة، تستدير، تعلو..

تجتاحنا مثل هلوسات هذيان أو محض بلاهة,.. شيئاً من الثرثرة

مباركة لغة نختم بها دماء لانرضى لها ان تسيل

كدمع عصي

تتسلل متخففة من عنائنا

هالة سحرية

هالة عنيدة تجازف بنا في وردي العبور وشريان الاستقرار

هائلة للوحلة الأولى بحجم حلم نغمده في شهقة لاتقدر المخاوف

غانية فوق السطور تتثنى

عارية وشفافة

تروق لنا كضوء ينساب مبدداً خواء الجسد

مستحضراً روحاً عطشى

وبصرا يرنو/ تنبعث الرؤية ثانية في الكتابة/ ليشهق مذهولا من نص نكتبه مئة مرة ولا نشفى

من معصية الغياب

من رغبة تتكور غصة في الحلق

في أن( نلمس بنت المطر)

أن ( تحك دمنا كي ينام الفرس)

أن ( نتوضأ بغبار ملائكتها )

أن نعثر على اسمنا بين شفتيها

ولا شفاعة!
نص منشور ضمن كتاب ( سيرة افتراضية / مسيح)

روحها في الأزرق (حامد بن عقيل)


روحها في الأزرق

فجأة كانت تغني !

لاتعبر الصوت إلي ولاتعبر الهواء

فقط ، تغني.

رغم أنها لم تترنم، ولكنها قالت لي: لنتحدث عن مفهوم السعادة!

***

انطفأ جيل على ضفاف اللون: لاصورة/ لاكتاب/ لاطاولة وحيدة

تشكو كسل النادل بيننا وتمنحنا وردة

وحين جاءت صورتها في الأزرق

هتفت كالثبيتي:

-إني رأيت ، ألم تر.؟

- عيناي خانهما الكرى.

وسهيل أودع في يمين الشمس مهجته وولى

والثريا حل بين خيامها قمر شامي

***

في الغناء كما في الحياة تماما

يصبح الورد حاضرا في القلب

والأصدقاء الذين نعرفهم على شكل حكايا

كقبلة في باطن يدها اليسرى

قريبا من القلب

...

أتخيلها تحملها إلى شفتيها وتأوي إلى العشب.

***

حينها أطلب صفحا مبهما، وأهتف متضرعاً إلى الله :

ربّ ، باركها ككل الزنابق وككل حمامة تأوي إلى شرفة الروح صباحا

حامد بن عقيل

شاعر وناقد سعودي

دخل الشتا


دخل الشتا وقفل البيبان ع البيوت

وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت

حاجات كتير بتموت في ليل الشتا

لكن حاجات اكتر بترفض تموت

صلاح جاهين

الرجل كائن لايمكن ارضاءه

يصر التاريخ، أكثر مني، على أن يعود بإشكالية العلاقة بين الرجل والمرأة إلى جذرها الأصلي، أي؛ إلى آدم وحواء، فمنذ أن خرجا من الجنة، ونقاشهما المحتدم مازال مستمراً.. يحمِّل الرجلُ المرأة كل تبعات الحياة وقسوتها، فيضطهدها، متهماً إياها أنها كانت السبب في طرده من الجنة..! فيما ترفع المرأة كتفيها، وحاجبيها، وأحياناً أي شيء في متناول يدها، لتعترض بسخط على الكائن الذي يقف أمامها حائراً؛ بين أن يبقى طفلها كما تريده، وبين أن يصبح الرجل عسير الأخلاق صعب المراس الذي يريد. الحيرة أيضاً إرث علاقات لم تنضج بعد، مكتوبة- قبل أن تُخترع الكتابة- على جدران الكهف، لرجل يمسك هراوة ثقيلة في يد، وفي اليد الأخرى يسحب امرأة من شعرها دون أن يبدو عليه العناء.. وقتها لم تكن قد وجدت بعد المحاكم الشرعية، ولا منظمات حقوق الإنسان، مع أن كلاهما بلا فائدة، لكنه الرمز التسلطي المحفور في عمق الزمن لخطاب القوة، كل المطلوب إذن عضلات مفتولة. انتقل ذلك الرمز بقدرة قادر من الكهف إلى إعلان تلفزيوني عن شامبو لتقوية الشعر، لقد استخدموا تلك الفكرة مع بعض التغيرات الطفيفة، تتعلق بشعر المرأة الطويل اللامع، وابتسامتها الغامرة..! إنها ثقافة الصورة، وماتحفره في وعينا من معان لا أظنها تخفى على أحد..المرويات أيضاً، بما تشمله من نصوص إبداعية، وسير شعبية، وخرافات، وملاحم وحكم، وأمثال متوارثة ومنقولة، تشكل ذاكرتنا الوجدانية، عظيم إذن، فهل زال الالتباس..؟ وهل ساد الفهم العام الذي يجعل العالم يتناسل فيخلف الصبيان والبنات، فيما هو يتأرجح من فرط السعادة..؟ كل شيء يبدأ بالحب، فما أسهل أن يخترق سهم كيوبيد قلبين، ويربطهما بالعشق، إذ لابديل لوجود الرجل في حياة المرأة ، لذلك فهي تردد في أمثالها "ظل راجل ولاظل حيطة"، في الوقت نفسه، أو ربما باندفاع أكبر، يقع الرجل في الحب مرة و مرات.. الوقوع في الحب نقطة يتفق حولها الطرفان، ويختلفان في الطريقة، ففي مقابل إذعان الرجل المطلق لهواه، تحبذ المرأة أن تمارس حيل الغنج والدلال قبل أن تستسلم . إسلوبان مختلفان لهدف واحد، لطالما كان الأمر كذلك، وقد تورط الأدب مع تلك القضية الشائكة، فلاتكاد تخلو رواية ولا قصة ولا قصيدة من الخوض في أسرار كائنين، إن لم يلتقيا، لم تعمر الأرض، ولم تقم حياة.. الحكاية الأطول روتها شهرزاد، استمرت ألف ليلة وليلة، وهي تحكي، لتنقذ عنقها من سيف مسرور المتربص، بقصص لم تكن بريئة تماماً، بل كانت حيلاً تقول بها ماتريد لمولاها شهريار؛ سريع الغضب، بالغ النزق، قليل الاطمئنان، كطريقة التفاف ذكية مازالت المرأة تمارسها لتتخلص من أكثر المواقف ضيقاً ، أي أنها ضرورية" لوقت الزنقة"إنه علم المناورة، تكتيك حربي مشروع الاستخدام، أمام مجتمعات مازالت تمارس سطوتها الذكورية بما تملكه من حقوق اجتماعية وقانونية وشرعية.. وسيعترض الرجل لأن المرأة بهذه الأساليب، ماكرة، وذات دهاء، أما هو، فسيد الاستقامة والوضوح.بعض الحكايات تناقض قصة الاستقامة والوضوح تلك، فرواية (شجرة اللبلاب) لعبد الحليم عبد الله، أشهرت إصبع التحذير، وفضحت زيف رجل لايقبل بامرأة تمنحه نفسها حتى لو كان الحب ثالثهما.. لهذا ذبلت شجرة اللبلاب بين النافذتين، ودفعت المرأة وحدها ثمن عارها، لأن شرف المرأة أغلى كثيراً من شرف الرجل، ولايلزمه إلا عود ثقاب (لتوليعه).. ومع ذلك كلما تزحلقت إحداهن، أقسمت أنها لم تقرأ تلك الرواية، وأنها لم تعلم عن حادثة مشابهة حدثت قبلها وستحدث بعدها حتى مالانهاية. المرأة الكاتبة لم تعبر عن اضطهاد المرأة أكثر مما فعل الرجل، لكنها جعلته موضوعها المفضل والمستمر في (زنٍ) متواصل، بينما يتناول الرجل هذا الواقع في جزئية من كتابه أو روايته..في رواية (حكايتي شرح يطول) تهمد البطلة بعد أن تاريخ من الشراسة ورفض الواقع، وتخلص إلى التوبة والندم، أما في (مريم الحكايا) لعلوية صبح، فالرجل وحده يصنع مصير المرأة.. بينما تستمر نوال السعداوي في تعنيف الواقع ومناصبته العداء، في سخط مستمر. لكن العالم يتغير بشكل طفيف، متأثراً بظروف خارجية، وبضغط الواقع الذي لم يعد يأبه كثيراً لصورة المرأة ضعيفة، ناعمة، مستسلمة، منصاعة، ساحرة، رقيقة، ففي مسلسلات وأفلام هذه الأيام، وهي أيضاً تعكس واقعاً معاشاً، تضع البطلة يديها في خاصرتيها، وتصرخ بزوجها :" طلقني حالاً"الأمر على هذه الصورة مرعب لمجتمع لا يريد (دوشة راس)، والمشهد التمثيلي إشارة إلى سحب البساط من تحت قدمي عصر ذهبي يسمى – عصر سي السيد- والذي صنعه نجيب محفوظ؛ في نموذج أحمد عبد الجواد؛ رمز الرجولة الأبدي في الأدب العربي. شباب الجيل الجديد يمصمصون شفاههم حسرة على ذلك العصر الذي أفلت منهم ، أيام ساد مفهوم (قطع راس القط من يوم العرس).القضية واضحة، إنه نزاع أزلي على السيادة، ومواقع القوة، يقول الرجل بصوت مقنع:" السفينة التي لها ربانين تغرق" ، وتعتقد المرأة جادة، أن استلامها لحقيبة وزارة الداخلية داخل بيتها أمر محسوم، لأنها حين تهز المهد بيمينها تهز العالم بيسارها، ولايمكن لأحد أن يُكذِّب نابليون بونابرت، خاصة إن كان هذا الأحد زوجها مثلاً.! في الغالب، تتعلق المسألة بوجهتي نظر مختلفتين، أو ببعد ثالث لم يُطرح أصلاً لأنه بقي خارج مجال الرؤية ، حينها يصبح " ماالذي تقصده أيها الرجل، أو ماالذي تقصدينه ياامرأة.." سؤالاً مشروعاً أياً كانت اللغة والصياغة، مادام التساؤل سيحل مشكلة سوء الفهم لرجل يتباهى بأنه سباق إلى كل التجارب، وبأن المرأة من خلال المسيرة التاريخية ستظل كائناً تابعاً.. ويتصرف على هذا الأساس.أو لامرأة تحلف الأيمان بأن الرجل كائن لايمكن إرضاءه.. ولا المشي أمامه، ولا حتى وراءه..!وكلها انتقادات فحسب، فمازال الرجل سقف حماية، مازالت المرأة ملهمة وحبيبة،يقول نزار قباني:في البدء كانت فاطمة وبعدها تكونت عناصر الأشياء النار والتراب والمياه والهواء وبعد عيني فاطمة اكتشف العالم سرّ الوردة السوداء .وعلى الرغم من أن الحياة ليست حلبة مصارعة، إلا أن المسافة تحقق قدراً معقولاً من الشوق، تعيد للرومانسية مجدها.. فابتعاد المرأة لا يعني شحوب صورتها بالضرورة، بل هي تصبح أجمل حين تسترجعها ذاكرة رجل عاشق.ففي رواية (الضغينة والهوى) لفواز حداد تظهر أمام بطل الرواية، وبعد سنوات طويلة، الفتاة المراهقة التي أحبها، وقد صارت امرأة مطلقة، فيقول: " بغتة ظهرتِ أو عدتِ أمامي، كنتِ حولك يتحلق الماء والجفاف والخشب المحفور والأملس والتراب الرطب والرخو بأشكال ينساح بعضها إلى بعضها متلاصقة، متعامدة ومتوازية، تشتق تناغمها ونشازها ، منك أنتِ المنتصبة كتمثال نصفي، صامت ومحير . هل تعمدتِ أن تكوني لامبالية ؟ أم كنتِ فعلا شاردة أكثر منك متسائلة، رأيتك متحفزة وبلامكياج في عز انوثتك، وكأروع ماتكون المرأة جمالاً وشحوباً . نبستُ في سري: أضعتكِ سنوات طويلة." أما غياب الرجل عن ساحة عاطفة المرأة، فهو موضوع آخر.
مقال نشر في مجلة( آدم وحوا) الكويتية
وربما في (البراق)..مابتذكر
ومنشور في الحوار المتمدن
صورة عام 2007
لقطة للمصور السوري وسيم خير بيك
فاز بها عن اتحاد وكالات الانباء العربية

هل من تعليق على هذه الصورة؟