21 سبتمبر 2008

أمي ليست مجرد مساحة حنان

في عالم يدعو المرأة أن تكون جميلة وتصمت، مثمناً قيمتها بشكلها، محتفلاً بصورتها الجسدية، وماتبدو عليه، تدير الأم ظهرها لأنوثتها، فلا تبالي بالبالون المنتفخ في بطنها، ولا بجنون هرموناتها الذي يسبب لها الغثيان، ولا بهجمات الكآبة، ولا بتقوس عمودها الفقري ، ولابانتفاخ قدميها، وتشقق جلدها، ولا بأسنانها التي ينخرها السوس بالجملة، لأجل كائن بحجم الكف، يشاركها دمها وغذاءها وأنفاسها تسعة أشهر، وتحتمل عبأه ما بقي لها من عمر، بل وتحتمل ألم الولادة، وتعيد التجربة كلما طولبت بواجبها على استمرارية النسل العائلي، في الوقت الذي أثبت فيه العلم أن الرجل بعضلاته وقوته لا يستطيع احتمال مثل ذلك الألم..!
تتحول المرأة إلى أم من دون تعليم أو تدريب، إنها تنام وتصحو لتجد نفسها متورطة بأمومتها، ويرتبط الأمر بهرمون معين تفرزه أثناء الرضاعة ، ويحولها إلى صنف استثنائي من البشر، فهي لاتشبه إلا نفسها، بوجوه متعددة كموشور من المرايا، فتستطيع أن تكون أكثر من شخص في آن، وبوحي من فطرتها تقود سفينة أولادها مهما كان الموج عالياً، منتقلة بهم من مراحل الطفولة إلى عتبات الشباب، وهي تمتلك مجسات تلهمها تجنب الخطر، فتراها قادرة على ترقيع الفراغات، وتجاوز الصعوبات لتحقق الأمان والحماية، مستمدة تلك الطاقة من ثقافة المجتمع الأمومي الذي كان سائداً في العصور البدائية قبل أن يفككه المجتمع الذكوري الجديد..
لكن الأم ليست مجرد مساحة شاسعة من حنان وعطاء ، كما يصر على توصيفها العرف الاجتماعي الجمعي، فالصفتان، وإن تكن مبررتين وصادقتين، ولكنهما غير كافيتين، ومن الغبن بحق حصر قدرات الأم وطاقتها ضمن ذلك النطاق وحسب..!
ومن الظلم أيضاً اختصار المرأة بأمومتها، وقدرتها على الحمل والولادة، ورفضها إن لم تكن كذلك، فهي ليست مجرد آلة تناسلية وطاقة حنان مطلق، إنها تثور وتهدأ، تعطي وتمنع، تقسو وترضى، تتوعد وتنسى، تحب ولا تكره.. مثل كائن خرافي القدرات، أمي مثلا لم تكن هي نفسها على الدوام، فالمرأة التي أميز رائحتها حين تلمني في حضنها وتنقذني من أشباح الظلام، غير المرأة التي تركض خلفي لتدغدغني، أو تغير ملامح وجهها لتضحكني ، والمرأة التي تجبرني على كتابة واجباتي المدرسية بخط جميل رغم تعبي وارهاقي، غير المرأة التي تقرص أذني دون شفقة لأني أخطأت، والمرأة التي ترسلني في رحلات مدرسية وتبقى مع هواجس شياطينها حتى أعود، غير تلك التي مازالت تتصل بي بصوت ملهوف، فعلى رغم غربتي الطويلة لم تتعود غيابي عنها، ولم تتعلم كيف تغالب شوقها وتغلبه.
أضحك.. وأتذكر أني لم أكن خارقة الذكاء لأكتشف أن كل تلك الوجوه هن أمي.
ومثلي، مثل غيري، ارتبطت علاقتي مع أمي بمقدار حاجتي لها، واعتمادي عليها، الذي يأخذ بالتناقص تدريجياً، قارضاً معه مقدار التعلق ورغبة الالتصاق الجنينية الأولى، فيما تنمو الحاجة إلى التفرد والابتعاد، وإثبات الشخصية بالحرية والتمرد، وأمي مثلها مثل كل الأمهات بقيت في موقعها الأزلي تترصدني بتعليماتها ، بل لاأظنها لاحظت أني كبرت، وأني أستطيع تدبر أموري دون نصيحتها التي أصغي إليها بنصف أذن، وأتصرف بمشاكسة ( لا ) العجيبة، كنت مراهقة بامتياز، وأسوء المراهقين الواثقون بأنفسهم..
شتان بين ذلك الوقت واليوم، والمسافة ليست إلا ( فركة كعب)، الفرق بين هنا الآن وهناك البارحة غمضة عين، أو رفة جفن لذاكرة ماكرة، فلي اليوم وجه أمي الغاضب وصوتها وحكمتها ، ولي مثلها لحظات قسوتها، و لحظات هدوئها ، بل أني أضبط نفسي وأنا أعيد حكاياتها لأمرر عبرة خفية، ولي قلقها غير المبرر،ولي أيضاً تسامحها وغفرانها رغم الأخطاء التي تتكرر المرة تلو المرة، فأصدق بسذاجة تشبه سذاجتها الوعود والتوبة، ولي مثلها ابنة مشاكسة، تحمل جينات مراهقتها، فتشاكس وتعاند وتثق بأنها كبيرة بما يكفي لتعرف مصلحتها، أنها لم تعد بحاجتي لتتعلم شيئاً، إن فزع الأم من هجران أولادها لايخصنا فقط، ويكاد يكون هماً واحدا في مختلف الثقافات، ففي الصين تزرع الأم زنابق بيضاء في حديقة منزلها تعبيرا عن حزنها لفراق أولادها لمغادرة الأولاد الذين كبروا وشبوا عن الطوق، والحقيقة لاأعرف أي طوق يقصدون، لأحرسه، فلا تقفز عنه ابنتي ولا تتجاوزه.. هل في هذا نزعة للتملك و السيطرة، أم فرط حماية، أم حبل مشيمة لا ينقطع..!؟

17 سبتمبر 2008

ياسوزان قولي عاش بابا

يتسع المعنى حين يكون الأب معنياً.. أغمض عيني وأبحث عن وجهه تحديداً، أراه ممتداً مثل حقل شاسع من الخضرة، لم أسمع أبي يصرخ، كان يكفي أن يقطب جبينه حتى ننكسر جميعاً.. هكذا تصبح معادلة القوة مرادفة تماماً لحضور حنون..
"يا سوزان قولي عاش بابا"
جملة تبعها إصبعي الصغير حين كنت طفلة أتهجى أول كتب القراءة في مناهج التعليم آنذاك.. ومازالت تدور في رأسي حتى اليوم..
تلك فكرتي عن أبي، والذي لم يرد بعد في الشخصيات التي أكتبها.
في الروايات والسير التي تناولت الأب في طقس حضوره الخاص، ونسجت واقعاً متخيلاً يستمد صورته الأساسية مما هو " واقعي " يختلف مزاج الأب في حدته، وفيما يتركه من أثر، فهو ليس واحداً، خاصة عبر تأريخ مجتمعاتنا التي تعرضت وتتعرض لتغيرات في بنيتها الاجتماعية والثقافية والنفسية أيضاً..
الحقائق التاريخية تقول بأن " النظام الأبوي " جاء لاحقا للمجتمع الأمومي، وقد ساد بعد أن تآكلت مكانة المرأة مقابل تنامي مكانة الرجل وسيطرته، في هذا النظام يسيطر الرجل على مقدرات العائلة؛ بذرة المجتمع الأولى، هذا التحول بدأ في مجتمع بلاد مابين الرافدين، هناك حيث ظهرت أسطورة "جلجامش" التي تعتبر أول نص ذكوري بامتياز.
كذلك ما دون في شريعة حمورابي التي حددت:
" إذا ضرب الابن والده يجب أن تقطع يده.. وإذا توفي الأب وترك أطفالاً غير متزوجين فالأكبر سناً يصبح رئيساً للعائلة، أما إذا كان الأطفال صغاراً فيمكن أن تعطى لوالدتهم صلاحية الأبوة "
وقد جاء " الموروث الديني " لاحقا ليعزز هذه السلطة، ويكرّسها عبر جعل " الرجال قوامون على النساء ".. من خلال كل ذلك ساد العرف الاجتماعي الذي يطالب الرجل بصفات القوة والهيمنة والسيطرة والتفرد، كي يحافظ الأب على هذه الصورة كان عليه أن يرسخ الخوف، وأن يقيم حواجز بينه وبين أفراد أسرته لخلق أجواء الهيبة.. تماماً كما( سي السيد )فمن خلال الأدب المعاصر أول مايتبادر إلى الذهن " أحمد عبد الجواد " في ثلاثية نجيب محفوظ، الذي استطاع عبر هذه الثلاثية أن " يخلق " شخصية تمثل روح المجتمع في تلك الفترة ، ناقلاً لنا أدق تفاصيلها الجسدية، وتناقضاتها النفسية، عبر وجهين متناقضين يبدو الأول صارماً شديداً بين أفراد أسرته، والثاني ضاجاً شرهاً للحياة والضحك مع أصدقائه وفي جلسات صفوته خارج إطار عائلته، و رغم كل ما أظهره السيد أحمد من جبروت في تلك الرواية، إلا أن موت ابنه كمال، أعلن حقيقته الكامنة كأب، وجعله ينعزل تدريجياً عن العالم الذي أحبه..
من المؤكد أن الرجل كائن يحمل مسؤولية ذكورته في مجتمع يطالبه أولاً وأخيراً أن يكون مختلفاً في أفعاله وردودها، فأحد أهم صفاته التكوينية أن لا يبكي.. و لكم أن تتخيلوا السخرية، والنبذ الاجتماعي الذي يتعرض له الرجل، فيما لو أبدى تخليه عن أحد شروط رجولته.. هذا المجتمع لايبدو عادلاً، بل إنه يضغط على جنس الرجال كي يلقوا حتفهم سريعاً، فمتوسط عمر الرجل على سبيل المثال يقل عن عمر المرأة نتيجة الضغط النفسي الانفعالي الذي عليه أن يخفيه، شاء ذلك أم أبى.. لذلك على الرجال ممن يهمهم ممارسة الحياة أن يطلقوا العنان لدموعهم، وهي نصيحة لوجه الله تعالى، إذ أن الدموع شأن إنساني وليس نسوي، صدق ذلك أيها القارئ أو لاتصدق..
ولنرجع إلى الروايات العربية التي تستلهم أحداثها وشخصياتها مما حولها ثم تعيد صياغتها، لترد شخصية الأب، في الكثير من الروايات ، على أنه كائن مسيطر، فمن رواية لرجاء عالم (الكاتبة السعودية)تقول بطلة الرواية:
" كلمة طائشة..كلمة تبلغ أبي كفيلة بإطلاق المفارق صوبي لتمزقني. كفيلة بقفل الأبواب وتركي خارج العود, خارج الحميم, خارج جسدي هذا الكلي, كلمة واحدة كفيلة بشطري نصفين... أهذا ما أسعى إليه ويرعبني هذه الكلمة السكين؟ في الثامنة عشرة، في العشرين، في الثلاثين، في غمضة عين سيتحتم على أبي الاختيار لي بين جسدين"
الأب يفرض رأيه، وكل من يخرج عن عباءة الوصاية هذه، يدفع الثمن، وعلى المستقبل وحده أن يكشف صواب هذا الرأي أو خطأه..
في الإبداع السردي تأتي السيرة الذاتية كأحد أهم وأصدق هذه الفنون، يكشف الكاتب عن حياته ويعريها، يعبر عن تجربته الذاتية في سرد كثيف وحميمي، ولابد من أن يكون للأب حصته في تلك المرويات..
يكتب سعد الله ونوس عن تفاصيل مرضه بالسرطان في كتاب " عن الذاكرة والموت" :
(
لحظة خلوت فيها مع أبي .. أذكر وجهه هادئاً وربما محايداً.. أذكر صوته تقريرياً وحاسماً، استغرقتني الحيرة، وأصغيت إليه كالمأخوذ، قال: هذا المرض أصاب زوج عمتك رشيد، وفي بلعومه، فعولج في دمشق وشفي منه، ولكنه بعد أن طبق السنتين عاوده المرض، وأودى به،ثم صمت..
كان يحكي مثل عراف يطلق نبوءة، أو عالم يقرر حقيقة علمية، لم تعكر وجهه أية انفعالات، ولم يخفف الاحتمالات السيئة، التي ينطوي عليها الخبر، بكلمات التعوذ والعبارات التي تبعد الشر، وتتوسل منع الأذى واقصاء المشابهة، هي لحظة غريبة، لاأعرف ماذا كان أبي خلالها، هل كان ملهماً هل كان عرّافاً هل كان نذيراً هل فاضت معرفة قديمة ومتخمرة في دواخله وانسكبت غصباً عنه، ودون أن يود انسكابها.
طبعاً.. بعد قليل عاد أبي يتهالك عاطفة وحناناً، ويحيطني بكل مايملك من الرعاية والحب، ولكن .. ظلت تلك اللحظة تعاودني مثل الهاجس، فأجفل استغراباً ودهشة
.)
لنتخيل الحالة الشعورية لمثل هذا الأب، الذي يرافق نهاية ابنه حتى الموت، لكن المطلوب منه أن يكون واقعياً وأن يكون صلباً ومتماسكاً وعارفاً.. إنه عبء من العسير تقييمه بسهولة، وهو ميراث طويل من العادات والتقاليد والممارسة والتعليم الشفوي..
وفي نموذج آخر لصورة الأب، أستحضرها هنا عبر ذاكرة الكاتب المغربي محمد شكري والتي يرويها في سيرته الذاتية " الخبز الحافي "
(
أبي يعود كل مساء خائباً نسكن في حجرة واحدة.. أحياناً أنام في نفس المكان الذي اتقرفص فيه ، إن أبي وحش.. عندما يدخل لاحركة، لاكلمة إلا بإذنه كما هو كل شيء لايحدث إلا بإذن الله كما سمعت الناس يقولون . يضرب أمي بدون سبب أعرفه .. )
(اذا كان من تمنيت له أن يموت قبل الأوان فهو ابي. أكره ايضاً الذين يشبهون أبي. في الخيال لا أذكر كم مرة قتلته! لم يبق لي الا ان اقتله في الواقع.)
( تذكرت كيف لوى أبي عنق اخي..كدت أصرخ : أبي لم يكن يحبه هو الذي قتله نعم قتله قتله رأيته يقتله لوى عنقه تدفق الدم من فمه
)
يكتب محمد شكري تعرضه المباشر لاضطهاد الأب وقسوته في بيئة فقيرة وطفولة مشردة وظروف قاسية.. إذ يقتل أباه أخاه الرضيع..
الكاتب السوري حنا مينه في روايته " بقايا صور" لايبدو حاداً في محاسبة أبيه، بل يبدو أنه يلتمس الأعذار لأبيه الغارق في سكره والتابع لملذاته، العاجز عن تحمل مسؤوليته نحو أسرته، إذ يتركهم فجأة ثم يعود فجأة
" أنا لا أزعم أن سفينة عائلتنا وحدها التي عرفت هذا التخبط في لجة بحر الفقر الكبير، ولكنها، بسبب من لا مبالاة ربانها، كانت أشدها اضطرابا في مصطرع النوء وأسرعها إلى الضياع في اللجة، وقد ضاعت فعلاً، وحين سيكتب لها أن تعود إلى الشاطىء، ستكون قد فقدت بعض أفرادها برغم انها كانت لا تزال في الصفحات الأولى من سفر التيه الذي عاشته"
إنها روايات تسبب الصداع، الحياة ليست وردية بالضرورة، والكثير من الكتابات يأتي حاداً، يرسم شخصية الأب بقسوتها الجارحة..
كتب الصحفي سمير عطا الله مقالاً بعنوان " 2002 عام الثأر من الأب" ذكر فيها تلازم الأب مع ذاكرة الألم عند عدد لابأس به من الكتاب مثل: سهيل ادريس، جبران خليل جبران،الكاتب الروسي تورغنيف، والشاعر الفرنسي جاك بريفير، المسرحي الفرنسي انطونان ارتو.. إنهم كتاب
"أمسكوا مسدس الحبر وأفرغوه على الجدار الابيض".
سوى أن مكانة الأب تتبدل بين الماضي والحاضر، فالوضع التقليدي للأب طالته التغيرات نتيجة استدعاء حالة نموذج عصري، بحيث لم يعد الخوف هو مفتاح العلاقة بين الأب وأبنائه، مما أدى بالتالي إلى تغير نموذج الأب في السرد الروائي ..
فالأبوة الجيدة أساسية وداعمة لنشأة الأطفال، ولاكتسابهم المهارات الاجتماعية، وفي حال غياب الأب بالموت أو بالهجرة، فإن الكثير من الاضطهاد النفسي يمس الطفل.
يقول شارل بوكوفسكي:
"الأب سيدك دائماً حتى حين يرحل"
الأب كلّي التأثير، سواء كان نموذجاً إيجابياً أو سلبياً، يقول فرويد: " كل شيء يتم كما لو كان الأساسي في النجاح يتمثل في الذهاب أبعد من الأب، كما لو أن تجاوز الأب أمر ممنوع" ..
هكذا أو لهذا يقع الأبناء في مطب التردد ما بين المطلوب منهم في إثبات الذات والمضي في اختياراتهم الخاصة، وما بين الحفاظ على مكانة الأب واحترامها وعدم تجاوزها..
كذلك يقع الآباء في مأزق الاختيار مابين الحفاظ على مكتسبات السيطرة أو ممارسة الأبوة الجيدة.. وغالباً ماتختلط الأمور.. لنطالب هذه الأيام بالشيء وعكسه.. إذ يزعق الأب الديمقراطي فجأة بأن الديمقراطية انتهت عند هذه النقطة ..
ويبدو أن الشعر أكثر وجدانية من الرواية، فالشاعر نزار قباني لم يخجل من دموعه، ولم يدارها حين نعى ابنه توفيق:


أشيلك يا ولدي فوق ظهري
كمئذنة كسرت قطعتين
وشعرك حقل من القمح تحت المطر
ورأسك في راحتي .. وردة دمشقيه .. وبقايا قمر
أواجه موتك وحدي .. واجمع كل ثيابك وحدي
لو كان للموت طفل .. لأدرك ما هو موت البنين .
ولو كان للموت عقل ... سألناه كيف يفسر موت البلابل والياسمين
ولو كان للموت قلب ... تردد في ذبح اولادنا الطيبين
أتوفيق ...
إني جبان أمام رثاءك ... فأرحم أباك.
هكذا يتعرى الشعر من الصورة المسبقة للأب ويمشي حافياً ملتاعاً مبللاً بالضعف والأسى، كما في كلمات نزار السابقة ..
بينما " يرسم " لقمان الديركي صورة أب مثقف في قصيدته " الأب الضال" ناقلاً بحياد واقعاً معاشاً ، دون إدانته أو رفضه، فيقول:
على رصيف
يلمِّع الأحذية
وخلف زجاج المقهى
يقرأ جريدة البارحة
في الزحام
سيرتطم بكتفكِ
وستأخذين معكِ
رائحة الخمر
وعينيه المليئتين بالدمع..

كأنني، وكأنكم معي بحاجة لنقف أكثر أمام بوابة الشعر، وحميميته، لنتصور عمق عاطفة الأبوة في تجليات الحنان والعطاء إذ يقول الشاعر عمر بهاء الدين :
شغفاً، إذا أكلوا وإن شربوا
يتزاحمون على مجالستي
والقرب مني حيثما انقلبوا
يتجهون بسوق فطرتهم
نحوي إذا رهبوا وإن رغبوا
فنشيدهم " بابا" إذا فرحوا
ووعيدهم" بابا " إذا غضبوا

هذه القصيدة التي تذكر الأب كأفضل ما نودي به:بابا .. بابا
تظهر أرق المشاعر الإنسانية في بساطة وعفوية، في محاولة ناجحة لتعديل الميزان، فقد اعتاد العالم على تخليد عطاء الأم، بحيث تهمش دور الأب على نحو ما، وارتبط في أحسن حالاته بالعطاء المادي، أكثر مما ارتبط بمفردات العاطفة الجياشة..
إن إي محاولة لإيراد نماذج ايجابية عن الأب أكثر تنوعا وغنى، وأكثر شمولاً سترتطم لا شك بحائط قلة التدوين السردي الروائي لنموذج " الأب الإيجابي "، ربما لأن التجارب عن الأب الحداثي المتفهم والمتعاون مازالت في بوتقة الاختمار، وستظهر لاحقاً في الكتابات الأحدث..
فمجتمعاتنا ذات النظام الذكوري والتقاليد البطركية، المتباهي بفحولته، والقائم على الفصل بين مهمات الأب والأم وبين المطلوب منهما لا يرضخ بسهولة لمتغيرات الحياة، ومطالبات علم النفس الحديث..
ولعل من الطريف أن نعلم أن تبادل الأدوار بين الأنثى والذكر يبدو ممكناً في الطبيعة والتاريخ، ففي غينيا هناك قبائل (الأرابيش) ويبدو أن رجالها لهم سمات الأمومة، فغاية الحياة في نظر الرجال والنساء على السواء هي الحمل وتنشئة الأولاد، والفعل " يحمل طفلاً" يعني الأب أو الأم، وهم – أي قبائل الأرابيش ) يعتقدون أن الرجل يعاني آلام المخاض سواء بسواء كالمرأة، فإذا كان الولد يخلق من نطفة الرجل وعلقة الأم فإن " نسمة الحياة " تأتي من أحد الوالدين..!
أما قبيلة (مندوجومور) وهي أيضاً في غينيا، فالتماثل بين شخصيات الرجال والنساء، يكمن في نشأة القسوة وتناقص جوانب الأمومة ومظاهرها في كلا الجنسين، فكلاهما الأب والأم ملول ويتضايق من تربية الأطفال..!
أما عند قبائل (تشامبولي) فالمرأة هي الطرف السائد المتجرد من العاطفة، وهي الآمرة الناهية، أما الرجل فهو الأقل إحساسا بالمسؤولية، وهو الذي يعتمد على غيره من الناحية العاطفية، وعندهم في تلك الأقاصي تخرج النساء لصيد السمك وجمع الطعام، فيما يختص الذكور بصنع الأقنعة وفنون الرقص والحفر..
وتلك مسألة أخرى..

12 أغسطس 2008

الدخول في النسيان. لاتعتذر


"يا صاحبي !كم تبلّلتِ الأبجديّة بالحزنِ"
عدنان المقداد
مساءً، جاءَ صوتُها من المسافة: " مات.. "يسيرُ، الآن، خفيفاً..
كفيَّ وهواجس الرمل لاجدوى من التشبث
مرارا يأتي الموت ننقش على الرخام أسماءنا، ننزلق في النسيان؛ نسجل انتصارنا الأخير على الحياةكي نمضي متشابهين....
ياصديقتي : كان يمكن أن يصبح غيره، وكان يمكن أن يعتذر، لكنه مضى في بهائه.
……………

فلنتحدث عن مسالك الريح، عن خطواتٍ جسورةٍ، ورسائلَ لم يحمِها الحظّ من الضّياع، وعن الخوف من الضّياع..فلنتحدث عن سَرَف النوايا، عن أصابعه حين تحب- حين يحب- عن رائحة تفوح من النوافذ، عن نهر يشاكس الغصة، عن ورد السياج .. وعن سياج يحلم بالحرية.
فلنتحدث عن شرود الطرقات الجانبية، وجسرٍ يعود بنا إلى غفلة الصيف، حيث تنتظرنا الشمس والبراري والطائرات الورقية والريح الممتنة لهبوبنا ..!
لم يكن لغرفتنا جدران، ولم نعرف أين ندق مسمار عودتنا وكما قلت لكِ ياصديقتي، كان محضَ عذر لنُفرط في الغياب، ولنخلف وراءنا قصيدة حب جميلة لم تتسع لها حقائبنا، وأرغفة خبز ساخنة للجائعين بعدنا، ومرآة تعكس فوضى ماتركناه فوق سريرنا.كنت صلبة ، وكنت قد كبرت على الانتظار.

…………..

أسقط منك، وتسقط مني.. مثقلين بثمارنا، هرمت ياحبيبي. غدا بعيد جداً على الوعود، أتذكر قلباً نام على زندك؟ هكذا تنعس عيون الظباء، رويداً.. رويداً وعلى خجل، نتسرب منا الأماكن، نخلف ظلا يقضم اظافره، ورائحة حزن معطوبة، وصدى سقط للتو، وضحكة على هامش من غبار..لنمضي دون تنبؤ، ودون اسم، وبما بقي من هشاشتنا.ممتنة لقلبك في مواسمه، لنداء كانت له فتنة الغريب وقامة الهذيان، لأنفاس زفرتها خفيفاً كي لاأصحو، لطعمي في فمك، لعروقي في دمك، لقواف أيقظت ليل العاشقين .لست سيئة الظن لكننا نتبدد، ونورث الفقد لنسلنا من الجنون، نطعن أيامنا ونبكي، نطعن آثارنا ونبكي، نطعن الهواء والبياض والعناق ونبكي، نطعن سلالم صعدناها لاأكثر، ونطعن حماما هدل في آذاننا، ونطعن مطرا ماجف بعد، ونطعن مصادفات اخترعناها كي تصادفنا، ونبكي، كي نبكي ..تعال ننتصر على الحياة، نخمن نزف الأوردة وشهوة الدم، أو نجرب الاختناق شهقات وحشرجة، أو تعال كما البؤساء نطوح أقدامنا في الهواء، تخرخر الروح كما الشبق..
سبع دقائق اضافية ..وأخسر لاعبا كان جديرا بكل الوقت الذي مضى
كما جاء ذهب
لمثل هذا خلقت المفاتيح التي نعيدها لأصحابها ونقول وداعا.. اللافتات والأسهم التي تدلنا على جهة الخروج.
أفتح كفي وأشم الرمل..
كان من حقي أن أخطئ، فللفراشات عمر قصير، ومن حقها أن تطير من غير أن تعتذر..

09 يوليو 2008

المظلة الزرقاء: من مجموعة فسيفساء امرأة

لضجيج الأفراح غفرانها؛ صخب مختلط، ضحك عال، موسقى الأعياد الاحتفالية، أعلى.. أعلى.

أغني، والقلب ينتعل حذاء الرقص..

الإضاءة الغامرة عكست السعادة، فتألقت الوجوه.. وحفاوة المناسبة العامرة بلطفها حملت البالونات إلى الأعلى.

اشتهيتُ لو ارتفعت أكثر من غيمة طليقة، لكنها بقيت أسيرة سقف البيت..

بعدد سنوات العمر شموع مشتعلة، وأنا أنفخ بكل ما في رئتي من هواء.. يطير ذيل فستاني..

يومئذ كان عيد ميلادي.. تسعة عشرة عاماً والبقية تأتي.

" عقبال المئة "

سحب يده من وراء ظهره، وناولني مظلة زرقاء.

" لكن نيسان يتفتح.. ألا تشم زهر العسل يا أبي؟ "

كان أبي يشبه أبا الهول، نادراً ما يتكلم، أو يغضب، أو يجادل.. لكنه يمتلك صدر حنان يتسع برحابة لمساوئي الصغيرة وشقاوتي التي لا تضر..

خذلتني مظلته والمفاجأة، أيقنت بأن الآباء خلقوا خصيصاً كي يخيبوا رجاءات أولادهم، تمنيت لو أهداني مجموعة أحمر شفاه بكل درجات الأحمر والوردي والعنابي، لأبادلها القبلات.

نظرة حاسمة من عينيه غامقتي الزرقة أنهت نقاشاً لم يبدأ.. بسرعة الفرح الخاطف المسروق من لحظة هرعت إليه، أخفيت في حضنه ملامح خيبتي، سمعت دقات قلبه قريبة وعميقة، مرغت خدي بلحيته البيضاء، فتركت أثراً مما يفيض. الصبا عصي على الخذلان.. نسيت ما كنت أريده وقنعت بما تيسر..

عدت دون ضغينة إلى حفلتي أغني وأرقص بحماسة.

***

الحياة لا تَعد بالربيع الدائم، والمروج الخضراء تدوسها الأقدام العابرة من ضفة إلى أخرى، نسيت حفلات الميلاد الباذخة وتلك المظلة.

" يا أبي اشتقت إليك "

من بقعة قصية في ذاكرتي تلمع عيناه غامقتا الزرقة، ومظلته الزرقاء تعدني بالأمان.

تواصل الهطل مطراً بعد مطر.. جاء شتاء وراح ربيع، بردٌ ينخر العظم، جيوب المعطف لا تكفي الأطراف المتجمدة.

كان الوقت دامس العتمة يعدني بالضياع، خضت في برك الوحل، تسللت الرطوبة إلى حذائي.. جواربي.. صعوداً حتى الرئتين.. سعلت.

أصابني طقس الحياة الرديء.. وأقعدني المرض مهدودة بشراسة الوجع وأنينه.. أهلوس بالكلام وأناديه..

أقر الأطباء بأنها الحمى..

مرمية فوق الفراش بكامل ملابسي، منذ لم يعد النوم أماناً استغنيت عن منامتي المريحة وجواربي القطنية التي تدفئ قدمي، ولم يخطر ببالي يوماً أن ارتداء " البيجاما " ترف المطمئنين، فالمتعبون يسقطون في هوة النوم دون مقدمات، والمؤرقون يستجدون غفوتهم قطافاً بين لحظة هاربة وأخرى، وأنا وابني وبيننا منبه أخرق أتابع عقربيه، أذكره بمواعيد الدواء المزعجة، سيرن لو فعلناها ونمنا.

" التزمي الدقة في مواعيد الدواء ياسيدتي، ثم الأمر لله وحده. "

نهرا دمع يحفران ملحهما فوق الخدين.. امتلأت سلة القمامة بالمناديل المبللة والشهقات والانكسارات،

" ليس في اليد حيلة "..

حاصرتني واخترقت كل الموانع .. مادام الغرق يهددني، ما نفع القشة؟.

يرن المنبه.. لا أسمعه، صملاخ الأذنين كشمع الصمم، كموت مؤجل يتربص بفلذة كبدي، وينساني!..

يهزني قليلاً، يمسح دمعة متكلسة، تلمع عيناه غامقتا الزرقة، بنظرة كرحمة المسيح، يقول لي:

- " يا ابنتي .. أهدِه مظلتك الزرقاء. "

- " لهجتك تضحكني أيها العجوز.. كيف تفيده مظلتي الزرقاء؟.

يااااااااااه يا أبي.. كل الجهود هباء، والوقت بصالح الأسوأ.. انتفخ الملف الطبي بما لا يفيد: صور الأشعة بخيالات دخانية.. أرقام التحاليل المربكة بالأحمر والأسود.. وصفات دوائية بخط أطباء يخربشون تشخيصاتهم.. يحضرونني لكل الاحتمالات.. ولاشيء يجفف عرقه، أو يخفف شحوبه، أو يزيل بقع النمش المتزايدة فوق جلده..

يااا أبي.. تطلع إليه جيداً.. إنه يرقد مثل كيس عظام.. يخبأ صلع رأسه بقبعة مضحكة .. يقذف كل ما في معدته..

هل سمعت أنينه بين الوجع والوجع؟ .. وحش يأكله و لا يرحم، والمورفين يخمده دفعة واحدة في زاوية الفراش، ينام ما تبقى منه فوق شراشف السرير المبقعة..

مظلة زرقاء يا أبي! بماذا تفيده مظلة زرقاء؟.

ليس فصلاً شتوياً يا أبي.. إن ابني مريض بلوكيميا الدم.

أخذتني سماء عينيه، تلمعان بالإصرار، تماماً كما المرة السابقة، ولا مفر من طاعته.

تداركني صمته، وهيئة يقينه، خانني لساني، وتصمغ ببقية الكلام، تحشرجت الصرخة المكبوتة مع مخاض البكاء.

خرج الزمن من مواعيده المؤجلة، لاوياً عنقي عقربيه.

صغيري ابن العاشرة ينسى أعياد ميلاده المؤجلة، ينسى حضني، وينسى كرته، وبوابة مدرسته، يركض إلى حضن جده ليمسك يده.

أسرب له ابتسامتي، فيلتقطها بين أسنانه، أعطيه المظلة الزرقاء، أُطبق أصابعه الواهنة على مقبضها المفضض.. أضغط برقة.. فيتشبث بها.

يرتفع رويداً.. رويداً.. مخلفاً وراءه رائحة عرق، وعلب أدوية، وفتات قلب.

01 يوليو 2008

حب في الشوب: لقمان الديركي

شوب شوب يا يوب وبحبِّكْ.. هذا ما قاله الشاعر الحلبي لحبيبته ممعناً في حبها، فهو يحبُّها رغم الشوب، لكنك قد تستخفُّ بذلك يا عزيزي، وتقول في نفسك أنو شو هالحب الفظيع يعني، وإذا بيحبها بالشوب، أين الإنجاز؟!!
لكنني صدَّقتُ الشاعر الحلبي صاحب قصيدة (يا رايحة عالحديقة ليش الباجاية رقيقة)، والباجاية هي ذلك الخمارِ الأسود الذي فعل ما فعل بناسك متعبِّدِ، صدَّقته، فقد كنتُ على موعد مع الحب ذلك اليوم، ونزلتُ صباحاً لأشتري الصحف والجرائد كي أمارس هواية التصحف السريع مع فنجان القهوة البطيء، ذلك أنني ما إن خرجت من منزلي الذي ليس منزلي، وأنا مضطرٌّ لقول ذلك لكون صاحب المنزل الذي أنا فيه بصفة مستأجر كان قد وقَّعني على ورقة لا تجيز لي استخدام كلمة (منزلي) دون أن أنوِّه بأنه ليس منزلي وإنما منزله، المهم مالكم بالطويلة لفحني ذلك الهواء اللي مو عليل ولا ضعيف ولا مريض بل ساخن حارق مدمِّر، وزخَّ العرق بينما أهبط الدرج، وعلى الرصيف يا حبيبي الذي ليس رصيفاً في الحقيقة وهو إنما مرآب للسيارات، وسوبر بسطات في أوقات الفراغ، بدأ العرق يزخُّ من كل الجوانب، حتى إنه لم يبقَ موضع من جسمي ليس فيه مساماً يضخ العرق بلا ثمن، ووصلنا بعد فاصل زكزاكي معروف بين النزلة من على الرصيف لتعذر المرور بسبب بوز السيارة اللي سادد الطريق وهو يقول لي أن أسدَّ بوزي وأنزل مكملاً هوايتي في السير على القدمين على أرض الشارع، ونزلنا يا معلم وإذا بسيارة قادمة مثل سيخ النار مع أنو الدنيا نار، والأسعار نار، فتراجعنا إلى الخلف هلعين، ولكرامتنا مهدرين، وبصوتنا الرخيم هادرين.. أختك على أمك يا حيوان، لكن الحيوان فص ملح وداب، اختفى، بينما عدنا لأنكم بقيتم معنا، ونزلنا إلى الشارع، وركضنا صوب الأربع مفارق، ثم لمحنا طرف الرصيف، فصعدنا، لأنكم حملتم معنا، وعلى الرصيف تابعنا، وبسوبر بسطة اصطدمنا فنزلنا فابقوا معنا، ومن جديد صرنا على أرض الواقع، وبدأنا نسير في الشارع، لكن سيارة الغاز طحشت فهلعنا ورجعنا، ومن بين سيارتين واقفتين مررنا، وإلى الرصيف عدنا فوجدنا أنكم ما زلتم معنا، فتابعنا المسير، وبعد قليل اصطدمنا بثلاث حاويات زبالة فكوَّعنا على اليمين، ونزلنا من على الرصيف راضين ومسرعين، وأكملنا الدرب الصعب ورحلة العذاب على الطريق اللجينِ يا عاقد الحاجبينِ، ثم دخلنا حارة المكتبة، وصعدنا الرصيف، ولكننا اصطدمنا ببسكليتاتي صفَّ بسكليتاته على الرصيف رغماً عن أنف السيارات، فنزلنا وفي صدرنا شتمنا فاستروا ما شفتوا منا وابقوا معنا، ولأنكم بقيتم معنا فقد اشترينا الجرائد، وعدنا، وعدتم معنا إلى البيت، وعند الوصول وجدتُ نفسي غارقاً في بحر من العرق السادة، ودخلنا إلى الحمام، ولكن لوحدنا ، فبقيتم في الصالون على أنغام الكونديشن منتظرين، وبوردنا، وجلسنا نتفرَّج على التلفزيون، ونظرنا إلى الساعة وقلنا أنو يا ريت ما تتِّصلي فينا وتتذكَّري الموعد اللي بيناتنا حاكم ماني نازل من البيت يعني ماني نازل من البيت.. شوب، ولكنكِ لم تتَّصلي، فقلتُ في نفسي أنو يا عيني تمام رح أتناسى الموعد وأتنعم بالكونديشن، بس قلبي لم يطمئن فاتصلتُ بكِ، وقلتِ لي بصوتك العذب أنو حبيبي بلاها الموعد اليوم والله شوب، فقلتُ لكِ بكِ معجباً، ولكِ عاشقاً، والعرق رغماً عن الكونديشن يسبقني
( شوب شوب يا يوب .. وبحبِّكْ).

تحت الحزام: طاهرستان

بالأمس قرأت كما قرأتم -تصريح وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد، في تعليقه على فتح المجال لمنح الزيارات للمقيمين في الخليج: لن نسمح بدخول العاهرات، وسنبقى بإذن الله بلدا طاهرا.... هذا ما قرأته، إما فهمته، وليسمح لي سعادة الوزير قلة فهمي، ما يلي:
-1 انه سنضيف لقبا جديدا لاسم بلدنا، ويصبح اسم بلدنا الرسمي دولة الكويت الغالية الطاهرة، أو لعلها تتغير وتصبح طاهرستان!
-2 إننا بلد طاهر، بخلاف بعض دول مجلس التعاون النجسة!
-3 الطهارة والنجاسة مرتبطة فقط عند الوزير بجريمة الدعارة فقط لا غير!
-4 الكويت بلد لا توجد بها أي جرائم دعارة، وان ما تنشره الصحف يوميا حول القبض على شبكات الدعارة مع صور الضباط بنجومهم، هي مجرد إشاعات تسعى إلى تنجيس طهارة البلد!
-5 معدل الجريمة في الكويت، يصل إلى 60 جريمة يومية، بأنواعها وأشكالها وألوانها، والمعدل في ازدياد، ولكن معدلات الجريمة لا علاقة لها بالطهارة!
-6 السرقة، والاختلاس، والرشاوى، والنصب، والاحتيال، والاغتصاب، وجرائم الاتجار بالبشر... لا تنجس البلد، وتعتبر طاهرة، وبإمكاننا الوضوء بماء هذه الجرائم!
-7 المقيمون والمقيمات هم سبب نجاسة البلد كون النجاسة تأتي من الخارج، والبلد طاهر طهور لولا بعض المقيمين الأنجاس، والحمد لله فنحن لدينا جهاز رقابة كامل يمنع النجاسات من دخول البلاد!
-8 وزير الداخلية سيتحدث من الآن ولاحقا، عن الطهارة والنجاسة، وسيترك لوزير الأوقاف الحديث عن الأمن في البلد!
-9 الوزير هدفه المستقلبي «تطهير» البلد، وان كان «التطهير» من مهمات وزارة الصحة!
-10 إن الطائرات الممتلئة من مطار الكويت باتجاه المطارات الخليجية هي عبارة عن هروب كويتي، من الطهارة باتجاه النجاسة، ولهذا فعلينا منعهم!
-11 ونستنتج أخيرا ان الوزير لا يقصد كل ما سبق «يعني لازم ندقق على كل كلمة»!
***
سيقول البعض: أفهم من مقالك انك ترضى بجلب الدعارة الى البلد؟ وسأجيب يبدو انك لاتفهم ما تقرأ!
***
أخي وضاح (الشاعر والكاتب في جريدة الجريدة)، أخجلتنا بشعرك، وأخفض هامتي شكرا لك!

جعفر رجب
jjaaffar@hotmail.com