12 نوفمبر 2008

رثاء محمد خالد القطمة

الرجل الذي علمنا كيف نمسك بالقلم من الوسط
أعمق من العقل.. أحن من العاطفة
عدنان فرزات
أبعد الكتابات عن العقل أقربها من العاطفة.. ذلك انه من غمرة الحب تتضاءل العقلانية وتتلاشى أضواء الواقع، وقد ينهمر الكلام سخيا دون ضوابط ودون تقتير.. لا لشيء إلا لأن الذين نحبهم يتركون أرديتهم الدافئة فوق أجسادنا الحزينة، نلوذ بها من غربة الزمان.. ويخلعون علينا بردتهم حتى وان بردوا. كان «المعلم» خالد القطمة واحداً من هؤلاء الذين لا تحكم العقل بحبهم، بل تترك للعاطفة سطوتها.. تهواه كما تشاء. وقد يضيق الورق بذكر مآثر هذا «المعلم.. المؤسس»، لكن القلب بصفحاته التي لا تنضب يحمل له في كل نبضة فضلا ومعروفا وموقفا رجوليا، ويذكر باعتزاز قلمه الجريء وتاريخه العريق في تأسيس «مذاهب» صحفية، واتجاهات فكرية إعلامية.. لقد كان يفضل لقب الصحفي على أي لقب آخر.قبل عقد ونصف العقد من الزمن وجدت في غربة الدهر يدين من تبر الحكمة مبسوطتين كضلوع الآباء الذين تركناهم في بلادنا يلهجون بالدعاء لنا بأن نجد آباء مثلهم يعوضونا عن حكمتهم ورأيهم ومشورتهم وحنانهم.. كان هذا البديل هو «المعلم» خالد القطمة.كان الدرس الأول الذي لقننا إياه هو كيفية الإمساك بالقلم.. وذلك بأن نمسكه من «الوسط» فلا نميل به باتجاه اليمين كل الميل ولا باتجاه اليسار كل الميل.كان مخلصا جدا للشاعرة الدكتورة سعاد الصباح، وخاض معارك نبيلة للحيلولة بين الدار وعدد من الطامعين الذين نظروا الى مشروعها الثقافي من باب المال لا الفكر، فاستخلص منهم الدار ووضع خطواتها على الدرب النقي الذي وجدت لأجله.كان يتذكر بوفاء نادر ويردد على مجالس العلن وقفة الوفاء التي وقفتها معه الشاعرة الدكتورة سعاد الصباح، بعد فترة الغزو الآثم وتركه لعمله، وكان يفرح كبهجة العيد فوق ثغر الطفولة حين نحمل إليه قصاصة من صحيفة كتبت عنها أو عن تجربتها الأدبية.ولأنه بهذا الوفاء فقد هيأ له الله تعالى من يذكر له صنيعه، معهم، وأنا أحدهم، وزميل هذه الصفحة الإعلامي عبدالستار ناجي يذكر له مواقف اكثر عمقا من خلال عمله معه في صحيفة الأنباء. ولأنه «المعلم» فحين نستذكر مواقفه أمامه كنوع من رد الجميل، كان يرمينا بابتسامة توحي بأن نتوقف عن الإطراء.ذات يوم سألته أن يختار الطريقة التي أرد له فيها جمائله، خصوصاً أن الله عز وجل كفاه حاجة الناس في شتى الأمور، فهزمني بابتسامة جديدة.. ولم أجد من يومها ما أرد به له الجميل سوى.. هذا المقال.ولأن أرواح الأنقياء لا تغادر عشق المكان.. فهو الآن مثلنا يقرأ دمعنا، ويسمع نواح القلم وهو يجر حزن حروفنا فوق الورق.. ثم يبتسم كونه مرة أخرى لا يحتاج منا الآن.. سوى الدعاء.

رثاء محمد خالد القطمة


رثاء
كان غيمة من بياض

رحمه الله..كان غيمة من بياض..وكان دمعة تسكن قلبا كبيرا...وكان يحب أصدقاءه بشكل استثنائي جدا، ولم يكن يؤلمه أكثر من تنكر بعض هؤلاء له أحيانا.اتصلت به ذات يوم عقب مشاهدتي لبرنامج تلفزيوني كان قد استضافه للحديث عن ذكرياته الكويتية تحديدا. وسألته عمن اتصل به ممن ذكرهم وشكرهم من الشباب الكويتي (آنذاك)، فقال بألم شديد وصوت دامع: لا أحد...، قبل ان يستدرك :تذكرت.. اتصل أحدهم ليلومني بعنف لانني ذكرت اسمه في ذلك الموضوع بالذات...رغم انني مدحته، لكنه كما يبدو يريد ان يتنصل من دوره القديم!!رحمه الله...دمعته كانت أكبر من أن يخفيها عندما رحل صديقه الشاعر نزار قباني، وظل طويلا يتذكر الراحل الكبير وحكاياته معه، وكلما اردت ان استرسل معه في الحديث كنت أسأله عن نزار... تحديدا. وكان يتصل بي كل سنة قبل حلول ذكرى رحيله مطالبا بأن نكتب شيئا في الصفحة الثقافية عنه...رحمه الله...من بين يديه خرجت الطبعة الثانية، الحقيقية، من كتابي الأول، عبر دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع، أو الخيمة التي ظللت بداياتنا بجميلها الكبير، ومنذ تلك الأيام وعلاقتي به مستمرة ومتجددة.رحمه الله..أهداني يوما قصيدة عنوانها «غياب.. غياب.. غياب» تعليقا على صدور ديواني الثاني «تغيب فاسرج خيل ظنوني»، وطلب مني نشر تلك القصيدة في الصفحة الثقافية التي أحررها، وعندما تحرجت من نشر الإهداء الموجه إليَّ كاملا، استبدلت به الحرفين الاولين من اسمي (سين، ميم)، فلم يعجبه الأمر إلا انه اعتمده عندما نشر القصيدة في احد دواوينه بعد ذلك.رحمه الله..كلما أرسل لي، المجموعات الشعرية التي وصلت إلى التصفيات النهائية في مسابقة سعاد الصباح للإبداع الشعري كي أساهم في اختيار الفائزين كل عام، كان يسألني عن واقع الإبداع الشبابي من واقع مستوى تلك المجموعات التي تصلني، فكنت أعلق بكلمة لا بأس... وكان يرد ضاحكا... هذي هي المشكلة!!رحمه الله...كلمني للمرة الأخيرة من خارج الكويت بعد رحيل محمود درويش، طالبا مني أن انشر له شهادته عن الشاعر الراحل، وكانت مقالة مميزة فعلا. سألته يومها عن صحته فقال: ارجوك.. لا تسأليني هذا السؤال..كل الناس يسألونني السؤال نفسه... شو؟ ما وراكم غير صحتي؟... ضحكنا كثيرا.وكان حدس ما يلح علي، ويقول لي انها الضحكة الاخيرة التي اسمعها منه، فقد كانت تشبه غيمة من بياض. ولم اكلمه بعدها حتى لا أسأله ذلك السؤال المزعج.رحم الله محمد خالد قطمة... صديقنا كلنا في الصحافة والشعر والنثر وما لا تدركه المشاعر والكلمات والمهن.
سعدية مفرحwww.saadiah.info

11 نوفمبر 2008



فقدت الصحافة الكويتية والعربية مساء يوم الاحد 9 نوفمبر 2008 الكاتب والصحافي الاستاذ خالد القطمة عن عمر يناهز الــ 74 عاما بعد معاناة مريرة مع المرض.تنقل في مسيرة حياته بين سوريا ولبنان والكويت وانتسب الى الحزب القومي السوري، كما أسس عددا من الصحف الكويتية :الرأي العام، و اليقظة والهدف، ثم «الوطن» لينتهي به الترحال في حاضنته الطبيعية جريدة الانباء، وفي فترة الغزو كلّف باصدار الانباء في القاهرة، وهكذا كان مشواره الطويل في التأسيس والعمل الصحفي ليعتزله بعد التحرير وينضم الى دار سعاد الصباح للنشر ويصبح مديرا لها الى يومنا هذا، وقد دفن الفقيد في مقبرة الصليبخات في الكويت.




03 نوفمبر 2008

الحب في زمن الكوليرا: سينما قاربت الرواية من بعيد









انتظر غابرييل غارسيا ماركيز الكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل 22 عاما قبل أن يسمح بتحويل روايته الساحرة (الحب في زمن الكوليرا) التي صدرت عام 1985 إلى فيلم أخرجه مايكل نيويل ولعب بطولته الممثل الأسباني خافيير بارديم، والممثلة الايطالية جيوفانا ميزغيورنيو، ووضع موسيقاه انتونيو بنتو، أما الأغنيات فكانت بصوت شاكيرا، وكتب السيناريو رونالد هاروود.
الفيلم الذي أنتجته هوليود مؤخراً بميزانية إنتاج قدرها 50 مليون دولار ليجسد واحدة من أعظم قصص الحب تبدأ أحداثه بلحظة وقوع لدكتور خوبينال اوربينو وموته، ولأنه أحد وجهاء المدينة فإن أجراس الكنيسة تقرع لتنتشل العاشق العجوز فلورينتينو اريثا من بين أحضان عشيقته رقم 622، فيهرع إلى تقديم العزاء لحبيبته فيرمينا داثا، معلنا لها أن لحظته معها التي تأجلت51 عاما وتسعة أشهر وأربعة أيام قد حانت الآن. الأرملة المتألمة تصرخ في وجهه وتطرده خارج بيتها، لكن فلورينتينو الذي كان ينتظر بإصرار موت غريمه لن يعرف التراجع.
وهنا تعود بنا الكاميرا لمتابعة الحكاية منذ بدايتها في عام 1879 في مدينة كارتاجينا في كولومبيا، حيث اشتعلت شرارة الحب منذ النظرة الأولى، بين فلورينتينو الصبي الذي يعمل في مكتب التلغراف وبين الشابة الجميلة فيرمينا ابنة تاجر للبغال، تستمر قصة الحب هذه من خلال المراسلات المتبادلة بين الطرفين، فالصبي العاشق الذي يسود الصفحات الواحدة تلو الأخرى ، وتنتابه نوبات الحمى والقيء، فأعراض الحب تتشابه مع أعراض الكوليرا، ذلك الوباء الذي انتشر وقتها ليحصد المئات، لكن الجميلة فيرمينا داثا التي تأبت عن قبول (زهرة العهد البيضاء) تغير رأيها فجأة، وتتخلى عن عاشقها – فما هو إلا شبح- وتذعن لرغبة والدها فتتزوج من طبيب مشهور من الطبقة البرجوازية الراقية، وتتكيف مع وضعها الجديد، ولكن فلورينتينو الذي أقسم على الحب بالشغف نفسه طوال العمر، قرر أن الحب قدره في الحياة، وانه سينتظرها مهما طال الأمد، ومع مرور السنوات يسعى لأن يكون ثرياً كي يليق بمحبوبته حين يموت زوجها وتحين اللحظة الموعودة، وليداوي قلبه المجندل يقيم علاقات غرامية جسدية عديدة مع نساء عابرات في لم تعوض حبه المؤجل، ولكن الرغبة الجسدية رغم استبدادها المؤقت تبقى أسيرة الوله الأزلي الذي تجسده فيرمينا داثا عبر السنين.. ينتصر الفيلم لفكرة الحب وخلودها وترينا اللقطة الأخيرة عاشقين عجوزين تمخر بهما سفينة رفعت علم وباء الكوليرا، لتستمر في ذهابها وإيابها عبر النهر..
إمكانيات الفيلم العالية، وخبرة المخرج مايكل نيويل الذي اخرج من قبل هاري بوتر، أتاحت للكاميرا رصد الفترة الزمنية والمكانية التي يتناولها الفيلم و تستمر عبر نصف قرن، وما رافقها من تغيرات حضارية ودخول عوالم المدينة من شوارع اسفلتية وسيارات وازياء مناسبة إضافة لنهر ماغدالينا المتدفق وجمال طبيعة كولومبيا وكل ماينساب بين اليابسة والماء ..
لكن ماكان مقنعا في الآليات والازياء والمشاهد الخارجية للطبيعة الآخاذة، لم يستمر على نفس مستوى الاتقان بالنسبة للممثلين الذين قدر لهم أن يمثلوا على الشاشة أعمارا تتراوح مابين السبعة عشر ( سن المراهقة) وحتى السبعين( سن الشيخوخة)، خاصة بالنسبة لفيرمينا التي ظهرت وهي في سنواتها الـ 72 وقد اعتلى وجهها بعض الشحوب وغزت التجاعيد البسيطة عينيها الفاتنتين، مع شيب أنيق لشعرها وتسريحة مناسبة، وبقوامها النحيل والمنتصب تتحرك ببطء لا يؤثر كثيراً على روعتها كحبيبة منتظرة، أما فلورينتينو العاشق النحيل فلم تقنعنا تصرفاته بفلسفته عن الحب الأبدي وإخلاص القلب الذي لاعلاقة له بالجسد، إذ بدا في مجونه أقرب إلى الدون جوان، متصيدا النساء.. وحتى في لحظة اللقاء المرتقبة حين ينفردا على سفينة تذهب وتجيء عبر النهر، لم تأت ملامحه بجديد، وهي أكثر مشاهد الفيلم خيبة.
فالبطل – لخلل ما – لم يستطع خلال ساعتين هما مدة الفيلم أن يجسد حركيا وانفعاليا عوارض الحب الأزلي التي عبر عنها ماركيز في روايته، ربما لذلك لم يبخل علينا المخرج بلقطة يقول فيها فلورينتينو أريثا لفيرمينا داثا في لقاء الحب الأول بينهما، بأنه احتفظ لها بعذريته ، فتجيبه: أنت كاذب كبير..
إن المقارنة بين الرواية والفيلم مجحفة حقاً، فما سمحت به إمكانيات العمل الدرامي السينمائي من كاميرات وطاقم إخراج ومونتاج وصوت وموسيقى وأداء الممثلين، اختلف كلياً عما أتاحه الخيال الشخصي ومدارات الكلمة المكتوبة لجابرييل ماركيز..
كما أن متعة قراءة أحداث رواية بكل تفاصيلها الدقيقة بلغة قادرة على اعادة انتاج الروائح
والأحاسيس لاتشبه إطلاقا المتعة الناتجة عن المتابعة البصرية للقطات متتابعة على الشاشة فالمشاهد الذي قرأ قصة الحب الكبيرة، وشُحن بأفكار مسبقة، فوجئ، دون شك، بعمل سينمائي قارب الرواية بخطوطها العريضة فقط، ولم يكن هذا كافيا أو مقنعاً ..! إن رواية ( الحب في زمن الكوليرا) بعوالمها اللامعقولة وفكرتها العاطفية التي تخرج عن المنطق المألوف في الحياة لم تمنح نفسها كاملاً للكاميرا، لذلك ربما كان على ماركيز أن ينتظر 20 عاما إضافية ليسمح بإنتاج فيلمه.
نشرت في جريدة( فنون) الكويتية لعدد اكتوبر

28 أكتوبر 2008

أقوال مأســـــــــــــــــــورة




* فليفسح الندم القديم مكانه لندم جديد


* وطن؛ كان ظني، والأوطان مستحيل


* كل صباح استيقظ أقل


* الحب فقير؛ كنحن؛ كالبلاد


* ليتنا عرفنا حكمة الصمت أبكر


* الندم؛ للأسف؛ عاجز على أن يرجعنا الى اماكننا القديمة


* أمرر احلامي


*وانت مضيئة لاحد احتمالين اما لانك تخفين الشمس خلف عينيك، او لان الخالق خلق من جديد( وليد قارصلي)

25 أكتوبر 2008

حريتي: بقوة الريموت كونترول

 من محاسن الصدف نيلي لشهادة الثانوية العامة في زمن سبق عصر القنوات الفضائيات، والأطباق اللاقطة، وأجهزة الاستقبال(الرسيفر)، وإلا كان مستقبلي ضاع..حتما!
فعلى رغم شح برامج ،تلك الأيام ، وقلتها وقتها، إلا أني كنت مصدرا يوميا لشكوى الست الوالدة، فأنا ابنتها التي تتابع برامج التلفزيون السوري من العلم إلى العلم، أي من لحظة بثه الاولى إلى لحظة بثه الاخيرة، والتي تبدأ وتنتهي بعلمنا يلوح في الهواء الطلق.. كنت مدمنة متابعة لكل مايبثه الاعلام ، كان نصيبنا من البرامج مقنن و أعجف، يادوب مسلسل عربي إسبوعي وحيد ننتظر حلقاته في توقيت ثابت في يوم معين، فإذا تصاد
ف حدث وطني أومناسبة قومية احتفالية – لاسمح الله- منعنا ذلك من متابعتنا الإسبوعية، لنصبح عرضة لنسيان الأحداث والممثلين وموضوع المسلسل..
أما قدس الأقداس بالنسبة لي وقتها، فكان مسلسلاً أجنبياً اسمه – الجذور – مأخوذ عن رواية شهيرة لأليكس هيلي، ولسوء حظ أمي ، فقد استمر بأجزاءه المتتالية طوال شهور المدرسة ، وامتحاناتها..!
بالطبع هذا ليس كل شيء ، فكنت أشاهد برنامجا يتيما يبث أغان أجنبية بحسب ما يطلبه الجمهورمن منى كردي- لمن يذكرها - .. وإلى جانب _ تلك التحبيشة- حصتنا الأوفر من أغان لكمشة من مطربين ومطربات نعرف عنهم كل شيء، لقلة عددهم آنذاك.
وتبث الأغنية بنسخة تسجيلية نقلاً عن حفل على المسرح، أو مصورة داخل ستديو، فيتسمر المغني/ المغنية بين أعمدة الديكور الكرتونية ، وأرضية مشمعة تعكس أضواء وألواناً وظلا، كأنها شجرة عيد الميلاد، وغالباً ماترمى بين اقدام المغنية كمية من البالونات ، التي يبدو أنها كانت الارخص والأكثر بهجة لعيون المخرجين ..
أما الأغنية شعبية، فلا بد أن يصحبها فريق الدبكة ، ليقدم أفضل ماعنده من حركات خبط الأقدام على الأرض وهز الأكتاف وتطاير الشعر(كانت موضة الشعر الطويل)..
على كل ، لم نكن نرى الامر بهذه الطريقة، بل الحقيقة أن استمناعنا كان طفولياً، ومازلت اذكر متابعة المسرحيات في سهرة الخميس، والافلام العربي المليئة بالبوس والرقص في سهرة الجمعة..
وحين ينتهي البث يظهر على الشاشة تموجات ضوئية و وتشششش..
في الأعياد والعطلات كانوا يزيدون ساعات البث، فتبدأ برامج الجمعة عصراً، وأستطيع أن أؤكد أن القائمين على البث كانوا يعتبرونها عطية ومنّة تستاهل الحمد والشكر..
اختلف الحال كثيراً هذه الأيام، فأكثر من 325 قناة في انتظارك على الشاشة، بل وهناك الكثير من القنوات تستعد للانطلاق على اختلاف توجهاتها ورسالتها، في بث يستمر ل 24 ساعة فقط،، هذا الوضع بدأته قناة الـ mbc وكانت الفضائية الأولى الخاصة، التي كسرت احتكار الإرسال المحلي الواحد .
ومن وقتها ومستويات القنوات تختلف من ناحية الشكل و المضمون وأهدافها المباشرة وغير المباشرة، وينحصر اعتراض الأغلب منا على الكم الهائل من قنوات ( فرفش تعش تنتعش)، بأغانيها التي تكاد لاتفرق فيها بين صوت المغنية السرير ومؤخرا أصابع أقدامها، ورغم ايماني بأن ( الله جميل يحب الجمال) لكن شعوري المتقزز بأنهم يعودون بنا الى عصر الجواري والنخاسة، يفسد علي المتعة!..

فما هي حقيقة تزايد الاستثمار السعودي في المجال الإعلامي التعويضي ..؟ هل هي لمجرد الأرباح المجزية، ومن باب - اللهم زد وبارك- أم أنها الموجة التي يركبها الجميع..والتي لاتعني الا أن يزداد الغني غنى والجاهل جهلا والفقير حسرة..!
لايقتصر الربح المادي المباشر على الاعلانات التجارية وماتضخه رسائل ال sms
القصيرة ..وقد كان لأحدهم موقفاً صارماً وحاسماً لوقف هذه المهزلة – كما يسميها- إذ وضع شريطا لاصقا أسفل جهاز تلفزيونه ليحجب عن عينيه الشريط المتحرك ..وبالطبع لم يتوقع وقتها أن يصبح الشريط الأفقي اثنان ثم يضاف ثالث عمودي على طول الشاشة .. لا أعرف تماماً، لكن من المؤكد أنه كف عن إيجاد الحلول..!

وكي لا نبدو متخوفين من كل جديد سيقضي بالضرورة على أصالتنا، أو مقتنعين بنظرية المؤامرة التي تستهدفنا كشعوب، فإن للفضائيات توجهات أخرى، لا تقتصر على الجانب الترفيهي المذموم، فهناك قنوات تعليمية وسياسية واجتماعية ورياضية واقتصادية وتثقيفية.. إضافة إلى قنوات تخصصية تقدم مجالاً وأغلبها ليس مجانياً مثل ديسكفري والعقارية،وقناة المسافر وقناة الأطفال و..و..!

مما لاشك فيه أن الوفرة والتنوع فتحت أبواب التنافس الذي يحسن سوية مايعرض ، خاصة وأن المشاهد شخص صعب الإرضاء بما يملك من اختيارات كثيرة.

ولنعترف بأن هذه الفضائيات نوعت أدوات المعرفة عند المشاهد العربي، ومنحته أفقاً أوسع في الاختيار الحر.. ويستطيع أي منا بضغطة زر واحدة على جهاز التحكم ( الريموت كونترول ) أن يختار مايناسب ميوله وتوجهه بكامل إرادته الواعية، أما الأطفال والناشئة ، فهم رهان المستقبل، والتوعية والتوجيه ووضع خيارات بديلة كفيل بأن ينتج جيلاً أكثر اطلاعاً وتميزاًً

وأرجوك يامشاهد التلفزيون من المحيط الى الخليج، حين تبدأ بالتأفف والتذمر ومن ثمن الاعتراض، أن تتذكر أيام الوجبة – التي ما في غيرها- عبر قناة إلزامية مفروضة ، تجبرك على مالديها : نشرة اخبارية واحدة، وقت للغناء، تسلية غصب عن أهلك، ثقافة مفروضة، منوعات الزامية...

وكل ذلك ،بغض النظر عن ما يحيط بنا من عوالم أخرى..

15 أكتوبر 2008

رقصة الفالس الوردية

منذ لم يعد قميصُ نومها الوردي عاري الظهر والكتفين يثير منكَ ولو التفاتة واحدة. وأنت تهجس بالفكرة...‏ كان الضوء شحيحاً، ولم تكن تضمر لعنة، مجرد فكرة فضحتها نظرتك، حين دمعت عيناها وتناولت منديلها، مددتَ يدَك إلى صدرك تبحث عن حبك الهارب فارتطمت بالشفقة.‏ يا للبؤس.!‏ كممت فمك قبل أن تخرج تلك التنهيدة. تقلصت أطرافك خوف ملامسة لا تنبت ولا تزهر... كلاهما معاً اللهفة والاختناق.‏ كنتَ حزيناً أكثر منها، تبحث عن دمعكَ الذي تجمد في المقلتين، وتحول إلى نبض في الصدغين...‏ تهجس بالفكرة.!‏ تتذكّر رجاءكَ المتسوّل وأنت تطلبها من أبيها، كانت حلقات الدخان تدور فوق رأسيكما والصمت الوقور...‏ ـــ "على بركة الله"...‏ قالها بصوته الخشن فتنفستَ الصعداء... رقصت روحكَ فالساً لا تتقن خطواته، ودغدغت جوانبك الرغبة...‏ لكزتك أختك من خاصرتك كي تهدأ.‏ فيما كنتما تجهزان منزلكما الزوجي قلتَ لها وعينك تغمز وحاجبك يرتفع:‏ ـــ كل شيء في البيت سيكون باللون الوردي...‏ غاصت غمازةٌ ضاحكة في خدها، وقفز قلبك عالياً، التفت البائع وابتسم في وجهيكما، كانت أسنانه سوداء.‏ كان فعل ماض، عند زاوية الانكسار شفة مقلوبة.‏ تهجسُ بالفكرة.‏ نهضتَ فجأة، وقررتَ أن تنام وبين كتفيكما مسافة سنوات من الإنكسار، لتنتصب في الحلم حقولٌ عطشى وأشجارٌ ظمآنة.‏ منذ أن تحوّل شأنكما الخاص إلى شأن عام، واللغط والتساؤلات تحشرك في أضيق المواقع.‏ بعد الساحة العامَة منعطفات ضيقة ومتشابهة تسلكها في طريق عودتك من عملك إلى بيتك... تنتابك عقدة الاتجاهات... القطط فقط ترجع إلى مأواها دون أن تضل... لولا بقايا انتباهك لضعت بين ملامح الوجوه المتجهمة الرمادية للعابرين.‏ زقاق منزلك يحتله عمال البلدية وآلياتهم، تقفز فوق الحجارة المكسورة وبرك الوحل، يبللَك المطر، ويلطمك الهواء.‏ "الشتاء هذا العام يبدو قاسياً".‏ كل عام تردد الجملة نفسها... يتسخ حذاؤك والمعطف... وتغوص ببركة طين لم تنتبه لها... آخر مرّة حفروا المكان نفسه، كنتَ أكثر رشاقة وأقل شحوباً، تضحك وتخوض في البرك كلها وأنت تقهقه، أما الآن فقد أطلقت لعنة وشتيمة.‏ منذ لم تعد الذاكرة نقشاً على حجر...‏ وأنت تهجس بالفكرة‏ شيء ـــ لا مفر منه ـــ يضغط على أعصابك، ينسيك ألف باء الحب، وياءه أيضاً...‏ حار بك الأصدقاء، نصائحهم البيضاء ترتق في السماء غيماً لا يمطر.‏ لماذا الطلاق.؟ كان عليك أن توضح أمراً أنت نفسك لم تفهمه تماماً، مما جعل أصواتهم لا تعبر أذنيك، وكأن سداً مانعاً يعيق المنطق.‏ هي تريدكَ وتقسم أنها تحبكَ أكثر من قبل.!‏ أليست المرأة جبلاً من الرحمة..؟ تنتظر مثل مذنب برئ كلمتك العليا... ونيران غضبك تحرق الأخضر واليابس.‏ تصل إلى بيتك مهزوماً، ترمي معطفك الشتوي المبلل بنحيب السماء، تشعر كم أرهق أكتافك ثقله.‏ لو أنك ارتديت سترة المطر الجلدية لخففت عنك العناء...‏ وكنت تهجس بالفكرة. فاجأك السكون‏ كان الصمت دامساً أكثر من العتمة... في قاعة الجلوس وحشةٌ توحي بالغياب أفزعكَ منظر باب الخزانة المفتوح والفوضى التي جدَّت على المكان... تأوهت أوجاعك دفعة واحدة...‏ جرس الباب، وجارتك تمدّ يدها بالمفتاح، تقول بأسف:‏ "لم أستطع إقناعها بالبقاء".‏ تهزّ رأسك بارتياح... لطالما تقدمتكَ بخطوة، أنقذتكَ من المبادرة، ووخز الضمير، كم ستشوه من الأشياء بعد غياب ابتسامتها.؟..‏ آخر مرة رأيت غمازتيها منذ ما لا تذكر... وكان ثالثكما حديث مقطوع... وأنفاس نرجيلة تعدها لك ثم تنسحب...‏ تبرعم شوقٌ صغير مدغدغاً مَوات حواسك، تشرب فنجان شايك.‏ تتقلّب قليلاً فوق فراشك، غداً في المحكمة ينتهي كل شيء... تنام على الجنب الذي يريحك.‏ الباب يقرع ويقطع عليك غفوة الظهيرة...‏ نصف ابتسامة وارتباك كامل يطلان من وجه جارك، يقول:‏ "عرفت أنها تركتك... كل شيء قسمة ونصيب. هل يمكنني الدخول".‏ تبتعد عن الباب مفسحاً له المجال.‏ صوته يخرج غريباً وشائكاً:‏ "ربما أتعجل في طرق الموضوع لكن يقال أعزب دهر ولا أرمل شهر لولا أني أحبك ما فاتحتك بالأمر... ما رأيك بأخت زوجتي!؟.‏ لن أخبرك عنها.. ستعجبك حتماً... إنها ست بيت ممتازة... متأكد ستعجبك... لن أخبرك عنها، سترى بنفسك، صدقني هي تعجب ملك... صغيرة ونشطة و...".‏ ترتعش يدك، وتدغدغ جوانبك تلك الرغبة... أين كوع أختك ليلكزك.؟‏