04 ديسمبر 2009

بعض عيوبها: تمام التلاوي


مِنْ بينِ مَنْ أحببتُهُنَّ اخترتُ رِقَّتَها لأنساهُنَّ.
أجملُ ما بضحكتِها السنونو.
كلّما ليلاً هَمَتْ أمطارُهُنَّ على خدودي,
شرّدَتْني الذكرياتُ وهدّدَتْ رأسي الوساوسُ,
فالْتجأتُ لبابِها..




بعضُ عُيوبِها

تمام التلاوي


إنْ قلتُ: وردَ منالَ,
أعني أنّ شاعرةً بعُمرِ الوردِ
تسكنُ في طريقِ الوردِ
ملءَ الطابقِ الورديِّ مِنْ قلبي,
وأعني أنَّ ماءَ الوردِ قَطْرُ دموعِها ما إنْ تراني واقفاً في بابِها.
هيَ بينَ مَنْ أحببتُهُنَّ طريقتي في الموتِ حُبّاً كلّما أسْلَمتُ روحي مرّةً بسريرِها.
وهيَ التي إنْ قلتُ: ليلَ منالَ, أعني أنني خبّأتُ وجهي في ضَفَائرِها.
وإنْ قلتُ: اكتمالَ منالَ,
أعني أنَّ نَحّاتاً تألَّمَ عندما مرّتْ مصادفةً,
ورسّاماً تعذّبَ عندما الْتفتَتْ مصادفةً,
وأعني شاعراً كسَرَ المحابرَ بعدَ قامتِها.

تعرّتْ مرّةً..
فعلمتُ كمْ كذبتْ عليّ الأخرياتُ بشأنِ تأريخِ الأنوثةِ.
واستحمَّتْ مرّةً..
فرأيتُ كيفَ الماءُ يصبحُ خمْرةً, وشربتُ حتّى مَنْ رآني ظَنَّ أنّي ثعلبٌ بيْنَ الكرومِ.
ومرّةً وقفَتْ بنافذةِ الصباحِ لكيْ تجفِّفَ شعرَها بالضوءِ,
فازدحمتْ شُموسٌ لا تُعَدُّ أمامَها, وتصادمتْ في الأفْقِ آلافُ الكواكبِ..
صدّقوني لا أبالغُ, فالبلاغةُ ليس تبلُغُها,
ولكنّي أقولُ وحسبُ
بعضَ عُيوبِها.

عُشّاقُها هُمْ مَنْ رأوها,
ربّما مِنْ أجْلِ ذا خبّأتُها عنْ والدي.

مِنْ بينِ مَنْ أحببتُهُنَّ اخترتُ رِقَّتَها لأنساهُنَّ.
أجملُ ما بضحكتِها السنونو.
كلّما ليلاً هَمَتْ أمطارُهُنَّ على خدودي,
شرّدَتْني الذكرياتُ وهدّدَتْ رأسي الوساوسُ,
فالْتجأتُ لبابِها..
كمْ أدخلتْني بعدما طالَ الضياعُ,
ودفَّأتْني عندما اشتدَّ الشتاءُ,
وأطعمَتْني بينما عُشّاقُها حولي جِيَاعٌ.

لا انتظارَ لها
سوى إصغائِها بينَ المرايا لارتطامِ حُطامِ روحي فوقَ عتْبَتِها,
وتعلمُ أنّني إنْ جئتُ لا أشكو اشتياقاتي لرِقَّتِها
ولكنْ قسوةَ الطرقاتِ أشكو..

واقفاً في بابِها هذا المساءَ
أُعيدُ توزيعَ النِّصَالِ على جراحاتي
ليكتسبَ الأنينُ أناقةَ الجنرالِ بعدَ النصرِ,
لكنْ كلّما هِيَ مرَّرَتْ يدَها على قلبي
تُحِسُّ بنُدبةٍ أخرى
فأزدادُ انكساراً..

ليسَ ما بيني وبينَ منالَ مِنْ سِرٍّ إذنْ
إلاّ الذي أفْضَتْ إليهِ قُبلتي الأولى على فمِها.
أعودُ لبابِها وأدُقُّ لهفتَها بدمعي كلّما خذلتْنِيَ امرأةٌ..
أُبرِّرُ رعشتي بالبرْدِ,
والبَللَ الذي يعلو القصائدَ بالمطرْ,
وإذا أرادتْ أنْ أُفسِّرَ حُمرَةً تعلو قميصي,
قلتُ: رُمَّانٌ,
فإنْ هِيَ صدَّقَتْ ما قلتُ,
كذَّبَني الشّجرْ.

الآنَ كيفَ –بربِّ هذا الليلِ- أشرحُ هذهِ الحُمّى؟
"دقَقتُ البابَ حتى" سبَّني الجيرانُ واتَّفقَتْ على تِيهي الشوارعُ.
بعدُ لمْ أسمعْ خُطاها
أوْ أنينَ المقبضِ السّكرانِ في يدِها النبيذِ.
وقيلَ لي: رحلَتْ,
وقيلَ: تزوّجَتْ..
ولمَحتُ نجماتٍ تضاءَلَ ضوءُها
ورسائلَ احترقَتْ.. وجدراناً بكَتْ.

مِنْ بينِ مَنْ أحببتُهُنَّ
اخترتُ وردَكِ
كيْ أُعِيدَ إلى فرَاديسِ القصيدةِ
ما المعاني بدَّدَتْهُ مِنَ الحنينِ.
فأينَ غيَّبَكِ الغيَابُ
وما الذي قطَعَ الطريقَ على الأغاني والوتَرْ؟.
لاشيءَ
–قالَ الوردُ-
أخَّرَني المطرْ..


* اللوحة للفنانة تغريد البقشي

22 نوفمبر 2009

تصحيح خطأ الموت/ دعد حداد

مكتنزة سمراء
بثوب كثوب ملكات الغجر
في أول خيوط الفجر الشتوي
ثقيل
وعاتم
بلون الرصاص
ممزوجا بالوجوه الحجرية
هبطت من الدرج اللولبي
بثقل الأربعين
حزناً
وحزناً
رفعت يدها السمراء من الكم الأسود
أحدهم يتأمل الخاتم الملون في إصبعها الأسمر المكتنز.
وضعت موسيقى في علبة الموسيقى
لكن الموسيقى.. لم تأت
هزتها قليلاً
شجرة الموسيقى الزئبقية
ابتسم الحضور
وعلق أحدهم بطراوة
مكتنزة سمراء
تهبط الآن درجا لولبيا آخر
في عيون المزروعين بموائد مزينة بقطع الحوت
المشوية والموءودة
تتوسل مرة ثانية بنقود
كي تسير الآلة
كي تصدح الموسيقى
والسعادة.
وحيدة هي هذه اللحظة
أكثر من أي وقت.
والموسيقى لا تأتي
صعدت الدرج اللولبي
وأنّ الخشب تحت قدميها الثقيلين
بإباء الملكات الوحيدات
شدت قامتها
كجذع شجرة مقطوع
ورفعت رأسها نحو السقف الأبيض بلطف
وابتسمت.
ثم..
غابت
في غرفة ستائرها قرمزية
وهواؤها بلون الرصاص
الذي خضب قلبها الطفلي
مخترقا الستائر الحمراء
وثقب أول خيوط الفجر الغجري
ملوحا بمنديل عرسها المبلل
وهي تنتظر..
في ساعات الغجر
تصحيح خطأ الموت

19 نوفمبر 2009

اطلاق الترجمة الأولى لـ ريتسوس من اليونانية الى العربية في متحف كافافيس

في متحف كافافيس بالاسكندرية أقامت الجمعية اليونانية في الاسكندرية اليوم الخميس 19-11- 2009 احتفالية بمناسبة مرور مائة عام على ولادة ريتسوس، حضرها جمهور سكندري من عرب ويونان مقيمين في الاسكندرية ممن غص بهم بيت كافافيس.


الاحتفالية قدمها مانولي مارانغوليس رئيس الجمعية اليونانية بالاسكندرية وتضمنت كلمة للشاعر المصري رفعت سلام تحدث فيها عن تأثر بعض الشعراء العرب بريتسوس؛ ثم تلا ذلك قراءة من أشعار ريتسوس التي ترجمها رفعت سلام من الانكليزية قرأها كل من الشعراء سامي اسماعيل ومنتصرعبد الموجود ثم قراءة لبعض قصائد سلام المترجمة الى اليونانية تلاها قراءة تلك القصائد بالعربية من الشاعر نفسه.

بعد ذلك قدم رئيس الجمعية اليونانية الترجمة الجديدة لريتسوس الصادرة عن دار جدار بعنوان « جيران العالم » والتي قام بها المترجم خالد رؤوف مشيراً إلى أنها الترجمة الأولى لريتسوس من اليونانية الى العربية مباشرة ومخاطباً الحضور أن هذه الترجمة صدرت اليوم. وقدم المترجم الذي قرأ مقدمة ترجمته متحدثا فيها عن منهجه في الترجمة؛ الذي توخى فيه أن يكون مخلصاً لأفكار ومعاني الشاعر، محاولاً نقل اسلوبية ريتسوس نفسها؛ في الكتابة الشعرية، الى العربية متوخياً أن تولّد استجابة مشابهة في ذهن قارئ النص المُترجَم لتلك الموجودة في ذهن القارئ من اللغة الأصلية.

منهيا كلمته بتقديم ناشر جدار خلف علي الخلف الذي تحدث بإيجاز عن الترجمة شاكرا المترجم بقصيدة ريتسوس «كلمة شكر».

قرأ بعدها اثنان من المشاركين (عربية – ويوناني سكندري) مقتطفات من قصيدة روميوسيني باليونانية، وأكمل قرائتها مانولي مارانغوليس؛ بعد ذلك تناوب على قرائتها بالعربية الشاعر خلف علي الخلف والمترجم خالد رؤوف من ترجمته الصادرة حديثا. ثم قرأت سيدتان يونانيتان قصيدة المراثي باليونانية وقرأتها أميمية عبد الشافي وايمان عبد الحميد بالعربية من ترجمة خالد رؤوف.

وفي ختام الاحتفالية استمع الحضور الى صوت ريتسوس يقرأ قصائد من شعره. واختتمت الاحتفالية يتوقيع المترجم خالد روؤف على نسخ من كتابه الجديد

13 نوفمبر 2009

خالد.. خسارة الايام


ميَّزته تلك الضحكة التي كان يصر عليها في كتاباته، لسعة من حس ساخر، صادمة وخادعة، تضحكك والمفترض بها أن تبكيك؛ محملاً بتلك الروح جاء كتابه الأخير «هارب من الإعراب»، وأظنه من أجود ما كتب، بدأه بإهداء وفي إلى أستاذه وصديقه سعيد تقي الدين، ومقال عنه ألقاه في احتفالية بمرور مئة عام على ميلاد سعيد ألقاه في جمعية متخرجي الجامعة الأميركية يختم المقال بقوله: «واليوم أقول لكم.. مازلت ناطراً سعيد».. وحسبي أنهما يلتقيان الآن روحان ترويان المقالب؛ سعيد بالبروتيل والشحاطة والسيجارة، وخالد القطمة خلف مكتبه في دار سعاد الصباح، وعلى بابه علقت تلك اليافطة، «أنا أكتب إذن أنا موجود». كان يعلم بأن مكانه كمدير عام دار سعاد الصباح لا يفي بطاقته وقدراته الصحافية، لذلك عاد بعد توقف طويل لغوايتها، وصار يكتب افتتاحية جريدة النهار، ومن تابعها تلك الفترة، يلمس نباهة حسه الصحفي، ومتابعته التي لم تفتر، وأدواته التي امتلكها بمهارة الحواة.. وذلك لأنه في الحقيقة لم يتوقف عن الكتابة في الشأن العام يوماً، كان يقول لي إن مقالات بأكملها، حول مواضيع الساعة، وكل ما يقلقه يكتبه ذهنياً من الحرف الأول حتى نقطة السطر الأخير قبل أن ينام.. ولكنه نادرا ما ينشر.
ومن موقعه خلف المكتب، كما عرفته أول مرة، بقي خالد شيخاً للصحافيين ومآلهم، يزورونه، ويعقدون عنده جلساتهم، ويأخذون بمشورته، ويطلبون مساعدته.. ولا يتهرب إلا من ثقلاء الظل، فهم كما يقول ناقلو عدوى، ورأس الحكمة توخّي الحذر..! وكي يبقيني بقربه كصديقة كان عليّ أن أتفهم مزاجه أولاً، والأهم أن أستوعب قفشاته الطائرة..
عام كامل مضى على رحيل خالد القطمة. قرر بهدوء أن يدير ظهره لصور معلقة على حائط مكتبه، تروي سيرة أيامه الحافلة بالحزب والسياسة ومعارك الشباب ومغامراته وأصدقائه الذين رحلوا، والذين بقوا. نبهه الطبيب ليخفف وزنه، ولاحقته زوجته نور بملاحظاتها الصحية، فكان يطلب من محمد طبق الخس، ويوفر لبعض الوقت فقط، أنفاس السيجارة.. ثم يشعلها.. فقد أتم بربع ساعة كاملة نضاله ضدها، لم يكن مريضاً مطيعاً، تماماً كما لم يكن طالباً مسالماً في الجامعة الأميركية في بيروت، فقد دخل السجن بتهمة انتمائه الحزبي للقوميين السوريين، هواه الدائم حتى آخر أيام حياته.. كان وافر الحيوية، ضاجاً بالحياة حتى وهو يقاوم الشيخوخة والمرض.. وجل ما ظهر عليه من اختلاف، ميله للصمت، ولم يكن كذلك!
لم أجرؤ على زيارة مقر دار سعاد الصباح بعد وفاته، الغياب يفزعني، إلى أن مررت قبل أسابيع، وندمت.. الموت لا يورثنا إلا الحزن الذي يستيقظ بكامله دون أن نحسب حسبته، غرفته مازالت خالية وكأنها بانتظاره.. وسمعت صوته مرحباً.. قلت له: كن سعيدا حيث أنت. بالنسبة لي سيكون من الصعب ملء مكانه، ليس لأنه مختلف فحسب، بل لأنه ما من أحد يشبهه..

11 نوفمبر 2009

سأذهب الى أرض أخرى( خلف علي الخلف)

إلى كافافيس



كلُّ من يحدق في البعيد.. سيبحث عن مدينة أخرى. الإسكندرية لم تعد كما تركتها، بحرها الآن عجوز مصاب بالزهايمر، لم يعد قادراً على استقبال المراكب، بل لم يعد قادراً على تذكر أيامه حتى. لم يعد أحد يبحر من الإسكندرية يا كافافي، ولم تعد روحها تتجول في الطرقات بشعرها الطويل وبناطيلها الضيقة.. لقد سكنت العشوائيات، وعلى الدوام تلبس القفازات كي لا تصافح أحداً ..


المدينة التي نسيت البحر وأدارت وجهها للصحراء منذ وقت طويل؛ لم يعد على شواطئها نساء يغسلن بشرتهن بالضوء القادم من الأقاصي. ليلها يأتي باكراً لينام بحذائه على بسط مهترئة.. لقد خدعتنا يا كافافي؛ غررت بنا، فجئنا متلمسين خطاك.. لم نجد بحرا ولا سراويل معلقة على الشرفات.. ولم نجد أثراً لك في المدينة.!جئنا لنصافح أيامك ونبني على أطرافها بيتاً تسكنه الريح، جئنا نبحث عن مدينة أخرى مسكونين بحلم إيثاكا.. وجدنا أياما ميتة، في المساءات نجلس على حافة قبورها نتسلى بالنظر اليها وهي تمضي.


المدينة التي أصبحت باردة اكثر من قدرة جسد عار على التحمل؛ المدينة التي لم تعد تزورنا في ليلها الأحلام ؛المدينة التي لم تعد انثى؛


لن ندع الشيخوخة تدركنا فيها منتظرين البرابرة.









28 أكتوبر 2009

ستبقى القبل خرساء







لا تؤمن بنسوية الأدب وتصدر روايتها بعد قرن
سوزان خواتمي: ستبقى القبل خرساء

حوار: محمد هشام المغربي
جريدة القبس

منذ أن اقترفت الكتابة ذنباً شهياً كانت بدايتها، تلك الصبية الحلبية، أن فازت عام 1993 بجائزة سعاد الصباح عن «رسالة إلى شهيد»، و عام 2002 حصلت على جائزة البتاني في الرقة للقصة القصيرة. والحكايات نهر يسيل.

• أسميت مدونتك «شبابيك الغربة»، صفي لنا المشهد من شباك غربتك؟
ـــ من مدونتي أطل على نفسي المشتتة في المكان، إنها حالة من التعبير الحر، أو طريقة آمنة للقفز في الهواء، أقتل بها حالة الانتظار الحادة حين يعصف الحنين.. هي شبابيك لتواصل متبادل: أشخبط ، أحكي ، ألعب، أبكي ، وأحتفظ بحالات قلقي داخل ذاكرة الشبكة العنكبوتية ،مثل لقطات فوتوغرافية لغربتي .. المدونة بشكل عام حالة فريدة من الحرية، بعيداً عن أي سلطة.

• هل حقا قلت. «كل شيء عن الحب»؟
ـــ ما من عاقل يستطيع أن يقول كل شيء عن أي شيء، إلا المدّعي..! أحاول أن أحيط بملامح الحب، فما بين لحظتي الولادة والموت هناك فرصة لأن يعيش بنا الحب ونعيشه، وأقصد هنا فهمي للحب كطاقة على العطاء، وفي قصة «كل شيء عن الحب» التي تحمل المجموعة اسمها، أعبر عن أقصى حالات الحب، كما أرصدها من وجهة نظري، والحقيقة أني تعمدت اختيار هذا العنوان الملتبس المغري جداً والمنفر جداً، وقد صحّ توقعي، فالبعض اشترى الكتاب لأنه أراد أن يعرف كل شيء عن الحب ، والبعض امتنع عن شرائه للسبب المعاكس، فهناك من ينظر إلى الحب باعتباره عيباً، فكيف إن كان كل شيء عنه!
• يقال إن هذا العصر عصر الرواية ــ طبعا في مقابل الشعر ــ فما موقع القصة القصيرة في نظرك؟
ـــ بالنسبة إليّ ككائن يتعلق بالأشياء والأشخاص والأماكن، تعلقت بهذا الفن الجميل، فالعشرة بيننا طويلة وتمتد إلى أربع مجموعات قصصية.. القصة القصيرة لماحة، سريعة الإيقاع، مختزلة في المشاعر، عميقة في التأثير، وأيضاً متعددة الدلالات على رغم قصرها بما لايتعدى القليل من الصفحات ، وهو أمر حيوي لمن يهوى التلميح عن التصريح، والمواربة عن اليقين، ليستطيع أن يصل إلى معناه الخاص كقارئ .. إضافة إلى أنها تناسب إيقاع الحياة السريع، ليس بالنسبة إلى القارئ (المستعجل) فحسب، بل إلى الكاتب أيضاً، وأعترف بأني منذ سنة كاملة مضت أدرجت فكرة كتابة الرواية ضمن برامجي المستقبلية، ويبدو أن سنيناً أخرى ستمضي قبل أن تتحول إلى أوراق جاهزة للنشر، وعلى هذا الأساس، تخيل ــ على سبيل المثال ــ كم سأحتاج من العمر لأنشر روايتين أو أكثر قليلاً..!

• كيف ترين المشهد السردي في الكويت بمستوييه الروائي والقصصي خصوصا في ظل ظهور الجيل الجديد؟
ــ أنا من أشد المعجبات بالجيل الجديد الذي ظهر أخيرا ضمن المشهد الثقافي الكويتي، إنه جيل متميز وواع، وإن كنت آخذ عليه بعض الانتقادات والملاحظات، متمنية عليه أن لايضيق الخناق على أنفاسه، وينفتح على كل التجارب، ويوسع نطاق المنافسة الإيجابية، فلا يكتفي بإنجازه الداخلي الضيق.. ولا يحول المنافسة الشريفة إلى عداء لايفيد أحداً.. وأخيراً ألا يقتله الغرور فكلنا يعرف أنه مقبرة العظماء..

• هل القصاصة أو الروائية الكويتية تؤدي دورها والتزامها تجاه قضاياها الخاصة في نظرك؟
ــ لا أظن أن الكاتبة ــ الأنثى في أي مكان من عالمنا العربي استطاعت أن تعبر عن نفسها بالحرية المرجوة، إما تحرجاً من المواضيع المطروحة أو تخوفاً من النتائج. الكتابة وعلى الرغم من أنها شكل من أشكال التعبير عن الذات ، فهي لا تنفصل عن التأثر بالسلوك الاجتماعي والثقافي العام، وتخضع لاحتكامات مرحلتها وثقافة زمانها، مايجعلها جزءا من القضايا الجمعية العامة.. ونجد التمايز واضحاً حين نقارن الكتابات الشابة بالكتابات السابقة من خلال المواضيع المطروحة وجرأة الآراء والمناخ العام المغاير بكل تأكيد.. فحيثما كانت الكتابة فإنها تعبير عن قضية ورأي.

• في ظاهرة شبابية نلاحظ ميل الأعم لكثرة الإصدارات، ما رأيك في ذلك؟
ـــ الاندفاع الذي يقترن بمرحلة الشباب يجعلهم راضين عن قدراتهم الكتابية بما يكفي لدفعها إلى النشر، إضافة إلى عامل الوفرة المادية، لكن من جهة أخرى أنا لاأرى ضرراً من سعي أي من الكتاب الشباب المتحمس للنشر، ففي النهاية هذا يعني اصراره والتزامه في اختيار هذا الطريق، وكلنا يعلم أن المنافع لم تعد مغرية، ولم تعد الكتابة تأخذ حقها من الشهرة إلا ما قل، وفي النهاية تبقى النتيجة في مرحلة مابعد النشر، وهي المعيار الحقيقي لجدوى كل تلك الكتابات..
• تكتبين عن المرأة ، فما موقفك من نسوية الأدب؟
ـــ المصطلح بصيغته الحالية يفترض أن هناك جوهراً محدداً ومفروضاً يميز بينها وبين كتابة الرجل، وهي فكرة غير منطقية، إذ يتحقق الابداع ضمن سياقاته وسماته ومكوناته التي ترتكن إلى اللغة والمخيلة والتنوع وغيرها.. ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بالسمة الجنسانية للكاتب، وكون الكتابة صادرة عن امرأة لايعني بالضرورة اشتراطات ذهنية مسبقة، كما أنها لاتحدد مجالات معينة للكتابة، وهي لاتتجه إلى القارئة الأنثى بالضرورة، كما هي الحال في ما ينتج تحت مسمى أدب الأطفال على سبيل المثال.

• إلى متى ستظل «القبل خرساء»؟
ـــ مامن موعد معين، لكنه ليس قريباً بالتأكيد، مادام المسكوت عنه يتزايد مع التزايد المستمر لهوس القمع والمحاكمات الفكرية. وفي الوقت الحالي يرتهن الكاتب مرغماً إلى حسابات تخضع لمنطق السلطوية، ولأن حرية أي كاتب أو كاتبة مازالت حرية منقوصة فلا مجال أمامه أو أمامها سوى اعتماد اسلوب التورية والتلميح لا التصريح، مما يجعل الحركة الادبية مقيدة ومشروطة بحدود التابوهات الثلاثة المعروفة.

• في قصصك لا نلمس ظهورا للمحكية والدارجة، فهل هذه مجرد مصادفة أم موقف؟
ــ في العموم الحوارات قليلة في قصصي، أعاني من مشكلة شعوري بأن المكان ضمن القصة القصيرة لايتسع للاعتماد على أكثر من تكنيك كتابي، الحوارات ان لم تكن لغاية في حد ذاتها فهي عبء على القصة، ولا اعتراض عندي على استخدام اللغة المحكية الدارجة بدرجتها العليا، تلك التي هي مابين الفصحى والعامية، كي أضمن وصول المعنى للقارئ أيا كانت جغرافية مكانه..

• بناء الحبكة يتسم بالطول في معظم قصصك، فأين أنت من الاختزال ولغة اللقطة في القصة؟
ـــ لا أوافقك في هذا، فأنا لجوجة في الكتابة، أحيانا تجرني اللغة التي أستهويها، وأجاهدها ، فأنجح حيناًً وأفشل حيناً، وفيما عدا الجملة اللغوية فأنا أسعى إلى هدفي لأني ــ كما أسلفت ــ لجوجة بطبعي، وينعكس هذا على كتاباتي وعلى اسلوب حياتي..

• في عناوين قصصك تميلين إلى صيغة مكررة وهي المضاف والمضاف إليه، ألا تولين تنوع صيغ العنوان أهمية لديك؟
ـــ يتعبني اختيار عناوين قصصي أكثر من كتابة القصة بأكملها، أتخوف من العنوان كونه العتبة الأولى للنص، وغالبا ما أترك قصتي دون مسمى وقتاً طويلاً، وأؤجلها حتى لحظة النشر الأخيرة.. لكني أعترف أني لست بارعة في هذه المسألة.

• ما رأيك في تجربة القصة القصيرة جدا وهل فكرت في خوضها، خصوصا في ظل ريادة السرد السوري في هذا المجال؟
ـــ لست من المتحمسات لهذا النوع الكتابي الذي نشأ في سوريا كتجارب أولى جديدة ومستجدة على الانواع الأدبية، أشعر أنه فن بخيل جداً، ويكاد لايعلق بي شيء من اللقطة ــ القصة، وهو رأيي الشخصي على أي حال.

• ما هو جديدك؟
ـــ رواية ستصدر قريبا بعد قرن من الزمن.. ربما!.

اصداراتها
1. ذاكرة من ورق - إصدار دار سعاد الصباح، عام 1999
2. كل شيء عن الحب - إصدار دار سعاد الصباح، عام 2001
3. فسيفساء امرأة - إصدار اتحاد الكتاب العرب، عام 2004.
4. قبلة خرساء - صوت يصعد شجر الحكاية - إصدار دار قدمس، عام 2007.

لاامانع الخوض في الجسد









القاصّة سوزان خواتمي:
لا أمانع الخوض في الجسد حين تتطلّب القصة ذلك
حوار ادم يوسف


جريدة الجريدة الكويتية

أصدرت القاصة السورية سوزان خواتمي أربع مجموعات قصصية، أبرزها «قبلة خرساء»، الكتاب الذي حظي بإشادة صحافية وقراءات متعددة. في حديثها إلى «الجريدة» توضح خواتمي أن الخوض في الجسد أمر لا يعيب الكتابة إذا كان في سياقه القصصي السليم بعيداً عن الإثارة، موضحة أنها تعيش حنيناً جارفاً إلى المكان الأول في حياتها (مدينة حلب) متتبعة ملامح الوجوه وانفعالات الإنسان في أي بقعة أخرى تقصدها من العالم.

نلت جائزة سعاد الصباح عام 1993، ماذا أحدثت في نفسك؟

منعطف بعينه، بغض النظر عن الظروف الأخرى المحيطة، قادر على أن يحول أسلوب حياتك ومصيرك. بالتأكيد أثّرت جائزة سعاد الصباح فيّ بشكل مباشر وإيجابي، إضافة إلى البهجة التي أدخلتها إلى قلبي. فللجائزة دعمها المعنوي، ما جعلني أحدد هدفاً لم يكن واضحاً أمامي سابقاً. الإبداع رمال متحركة، بلا يقين، خصوصاً حين تأتي عن طريق الهواية، من غير أي تأكيد معرفي. تحصيلي الجامعي هو العلوم الطبيعية، وإن لم أكمل مشواري فيها، وتبقى الدراسة العلمية مجالاً بعيداً عن الكتابة، وجائزة الصباح حددت يقيني كي أبدأ المشوار.

«قبلة خرساء» كتابك الأبرز ضمن مجموعاتك القصصية، هل ثمة ظروف معينة واكبت كتابة قصصه؟

ستضحك إن عرفت أن التعجل كان الظرف الذي أحاط بالنشر. عندما سمعت عن إعلان «دار قدمس»، وعلى رغم أنني لم أكن قد أنتهيت تماماً من المجموعة، رأيتها فرصة سانحة للنشر، خصوصاً أنني لا أملك الحماسة ولا الخبرة ولا الرغبة في الخوض في مسألة النشر الخاص... وفعلاً تخليت عن طريقتي السلحفاتية في الكتابة، بعد الإضافة والمراجعة والحذف، وأعددت مخطط المجموعة، وتم اختيارها ضمن سلسلة صدرت لكاتبات من العالم.

كان لاهتمام مدير الدار زياد منى ودقته الكثير من الفضل كي تخرج المجموعة بالشكل الأمثل طباعياً، وإن عانيت في ما بعد من مشكلة التوزيع، فمجموعتي المطبوعة في دمشق لم تصل إلى حلب... تخيل!

أشاد بعض النقاد بتقنيات الكتابة لديك، خصوصاً بالنسبة إلى الخاتمة التي تأتي مفاجأة وغير متوقعة، هل تحددين آلية معينة للسرد القصصي قبل البدء بالكتابة.

ما من خطة مسبقة تحكم لحظة الكتابة لأن السياقات تحظى بأمزجتها، والقصة لا تبدأ عندي وتنتهي في جلسة واحدة. التغيير يجعلني أصل إلى منطقة مختلفة عما بدأت، لا سيما في ما يتعلّق بالخاتمة المفاجئة، ربما كي أضلل القارئ، وأبعده عن شروطه المسبقة. إن استطعت التقاط لحظة الدهشة، لن أتاخر، والخاتمة غير المتوقعة تكون سبباً في إعادة القراءة، وملاحظة التفاصيل التي لم يتم الانتباه إليها ربما لأن الحياة بمجملها تحكمها الصدف غير المتوقعة.

يحوي «قبلة خرساء» شخصيات نسائية، بعضها مكسور الجناح، وبعضها قوي بأنوثته وإغوائه، لماذا المرأة تحديداً؟

لا أتهرب من تعاطفي المستمر مع قضايا النساء، شئت أم أبيت أنا ككاتبة أكثر فهماً لطبيعة المرأة، لانفعالاتها وتناقضاتها، للضغوط التي تعايشها، لأنماط تفكيرها، وشخصيتها. المرأة كائن أكثر تعقيداً من الرجل، وهي حاضرة في قصصي لأنني ما زلت على قناعة بأن مجتمعاتنا لم تنصفها، فغبن كبير يقع عليها، يقننها ضمن إطارات محددة أقل بكثير مما تستحق. أحب للحياة أن تكون عادلة مع إناثها، لذا لا أفعل شيئاً سوى أنني أكتب المرأة بخيرها وشرها.

تسترسلين في وصف المكان، الأزقة الملتوية، الباعة المتجولون، وزحام الشارع، هل هو الحنين إلى حلب مسقط رأسك؟

نعم، جداً. أملك عطباً في قلبي اسمه الحنين، إلى درجة أنني لم استطع بناء ذاكرة مكانية غنية في مكان آخر مثل حلب. حتى في الدول التي زرتها وأحببتها، تركز التقاطاتي البصرية على الناس والانفعالات، وتهمل تماماً جغرافية المكان وتفاصيله. الحنين حالة شجن تتشبث بي لتسحبني عنوة إلى توصيف مدينتي الأجمل، حتى بعد أن شاخت، وفقدت الكثير من فتنتها وبهائها.

هل أثر عملك في الصحافة على عملك الابداعي، خصوصاً أنك انضممت إلى هذا العالم منذ فترة قصيرة؟

نعم أثر بشكل كبير، خصوصاً أن العمل الصحافي لا يتحدد بمواعيد منتظمة. الكتابة الخاصة أيضاً مزاجية، ويصعب علي برمجتها. منجزي الإبداعي لم يكن غزيراً في الأصل، لكن «يا محلاه» مقارنة بحجم ما أكتبه اليوم! تضطرني المهنة إلى إعطاء الكتابة الصحافية الأولوية على حساب تأجيل فكرة رائعة تجول في مخيلتي، التي غالباً ما تتبخر أو تفتر حماستي تجاهها، على رغم ذلك أجد الصحافة المهنة الأكثر التصاقاً باهتماماتي الأدبية، وإن لم أحبها بعد.

هل تفكرين بالانتقال إلى الكتابة الروائية؟

نعم، كثيراً. أعمل على مشروع رواية راهناً، ربما هي تجربة استثنائية في الكتابة المشتركة مع أحد الأصدقاء. طبعاً ثمة مشاكل وعوائق كثيرة، إن لم تغلبنا، سأكون سعيدة بأن يرى هذا العمل النور قريبًا، إضافة إلى رواية قصيرة، آمل أن أنجز شيئاً منها خلال إجازتي المقبلة. قد يبدو غريباً أن أخبرك أن أغلب قراءاتي، وأنا قارئة نهمة جداً، يأتي في مجال الرواية، أكثر من أي نمط كتابي آخر.

«الحق يقال، لم يأخذني عنوة، سألني ما رأيك؟.. فسكت. بعدها تتالت الأمور، كما لو أنها تحدث لغيري». هل المقطع المشار باب للحكاية عبر الجسد؟

بطلة «قبلة خرساء» المأخوذ منها هذا المقطع، لا تشعر بجسدها، إلى درجة أنك تتعاطف معها حتى وهي تستثمره. على كل لا أمانع الخوض في هذا المجال حين تتطلب القصة ذلك.. فالجسد إحدى أكثر المناطق التباساً، وفي الوقت نفسه أعترض من حيث المبدأ على الخوض في هذه المنطقة لأجل لفت نظر الإعلام، وبغية الانتشار. الكتابة اختياري الأحب، وأرفض التعامل معها بمحدودية الإثارة كهدف بحد ذاته.

إلى أي حد يمكننا توظيف الجسد في الكتابة القصصية؟

التوظيف الجيد لآليات القصة يصنع قصة متميزة، سواء اعتمدت في موضوعها على الجسد أم على غيره. ثمة مشكلة تخصنا كمجتمع شرقي، ينوء تحت ثقل أعرافه وتقاليده ومفاهيمه، إذ نرى أن الجسد منطقة ألغام خطرة. لست جريئة إلى درجة تجاوز كل شيء، وقلب الطاولة، وهي «على فكرة» ليست ميزة، ولا ادعاء أخلاقي من أي نوع، على العكس تماماً. لكنني لا أعجز عن ابتكار إسلوب خاص على مستوى اللغة والموضوع والصورة، مستوى لا يخدش ولا يصدم، وفي الوقت نفسه لا يتجاهل أبداً هذا الجانب الجسدي من ذواتنا...