21 سبتمبر 2010

"مثلث العشق" لشريف صالح: أبجدية الجسد ومتاهة الرغبة

عادة تنتهي علاقتي مع الكتاب فور الانتهاء من قراءته، ويمكن للكتاب الجيد أن يحظى فيما بعد بفرصة أخرى لتقليب سريع لصفحاته، لكن الذي حدث بعد إنهائي مجموعة ]مثلث العشق[ للقاص شريف صالح أنني تمنيت لو كنت كاتبتها، لما تميزت به من خصوصية صادمة، وخصوبة سردية فنية، ترافق بعضها مع أجواء غرائبية على مستوى عال من الخيال، فقد استطاع الكاتب، وأغبطه، من ليّ ذراع تابو الجنس بطرح فني جريء يحسب له ، فخاض في لغز الجسد ورغباته ضمن علاقات إنسانية نتجاهلها لكنها موجودة. ولم تكن المجموعة في طرحها صادمة ولا منفرة كما صارت إليه إصدارات حديثة كثيرة تلهث وراء إعلاء قيمة الجرأة بفجاجة، على حساب مستوى الرهافة الإبداعية المطلوبة، فتلغي بتعمد عامل المتعة الذي يعتبر الهدف الأسمى للكتابة.




المثلث ونظرية الضعف الإنساني


لايخفى على القارئ في مجموعة ] مثلث العشق [وحدة موضوعها وتجانسه بدءاً من العنوان الذي يحيل إلى تشابك العلاقات، وإقفالها على أضلاع ثلاثة، مدعماً بلوحة الغلاف في معنى مضمر وتكاملي لحالة حسية وجسدية تتعلق برجل وامرأة والحالة الحسية بينهما، حيث تتعرض القصص بمجملها إلى مفهوم "الرغبة " ضمن سياقات اجتماعية محبطة، هذه المعالجة الإيروتيكية تأتي ضمن علاقات وشخصيات ترتبط أو تنفصم في متاهة من مشاعر وأحاسيس ملتبسة أو معلنة أو مخفية أو نفسية .. تتكرر ثيمة الرغبة في تشابكات حياتية لاتخلو من فجاجة واقع يضعنا أمام لغز لا حل له، حيث لم تتكامل "الرغبة/ الجسد" مع الحب/ النفس في ظرف مريح لحالة رومانسية متكاملة وبلا منغصات، بل جاءت كل الحالات التي طرحها الكاتب كمساحة إضافية للخيبة في العلاقة بين الرجل والمرأة بعمومها سواء كانت ضمن مؤسسة الزواج أو خارجه، لتقودنا القصص إلى مأزق إنساني بلا حلول.






سخرية لاذعة لنقد ضمني:


يختار شريف صالح لقصصه في أغلبها ماعدا ( خطيئة الكعب- شاب هندي وفتاة صينية- سنونوة)، صيغة السارد العليم الذي يهيمن على الحكاية من ألفها إلى يائها، متحكماً بآلية التواصل بينه وبين القارئ، ليؤدي وظيفته في التفسير والتعليق والتحكم بميكانيزما السرد ضمن لغة فنية عالية لا تخلو من السخرية التي لازمت جميع نصوص المجموعة، ووظفت لنقد أمراض اجتماعية شائعة بما فيها حالات الازدواجية ، والرغبات المكبوتة، وشهامة الرجال المقنعة ، والطرق التعويضية لإيهامات الحب، التزمت الديني، وغيرها من الأفكار...


ص 22 " هي لاتشتكي ابداً لقناعتها في النظرية القائلة " الخائب في بلاده خائب في بلاد الناس" ص 24" الزوج إذن أرنب في نظر الزوجة وخرتيت في نظر العشيقة، هذا التكوين الحيواني يجعله يرهف السمع ..."


هذا كما أن مهنة الكاتب كصحفي فني حاصرته، وظهرت في استعارات وصور اتكأت كثيراً على أسماء فنانين وعناوين أفلام ومشاهد من المسرح والموسيقى والسينما، بل أن قصة " سعاد حسني" كانت بكاملها من وحي حياة سندريلا الشاشة وجسدها الذي استسلم لانتحاره.


ص 25: " عواصف متلاحقة، قطعت عليه حبل التفكير في سمرة بيونسي وتيرا وامتلائهما الشهواني الذي يتحدى فحولة أشد الرجال"


ص 111: " صوتها رائع مثل صوت هند رستم لكن رائحتها ليست كذلك"


صنعة التجريب:


لم يتوان الكاتب عن استخدام التجريب لبناء مملكته السردية، فلجأ إلى قطع الإيهام عبر تدخل الكاتب في السرد، الأمر الذي ساعد في تصعيد وتأكيد حالة "السخرية" والتي حولت الوصف والحوار إلى ديناميكية غير مملة .


ص 21 " لاأعلم – باعتباري المؤلف- إن كان الزوج سيحاسب يوم القيامة على أخيلته الفاسقة أم لا! ماأعرفه يقينا أنه يلصق هاتف " سوني اريكسون" على خده الأيسر طول النهار..."


ص 125" هبط المغني العاطفي ( هذا مجرد لقب مبدئي إلى أن نعرف اسمه الرباعي كاملا) درجتين رخاميتين"


ص 78: "من غير المعقول أن فني كمبيوتر يقرض الشعر أصلاً أو يعرف رقص الفلامنكو! كما أنها علاقة عابرة فكيف يكتب فيها الشعر وهو لايحبها! ولو حذفنا القصيدة فلن تتأثر القصة..."


مشهدية المكان :


توزعت قصص بحسب فضائها الجغرافي بين الكويت والقاهرة، لكن الكتاب بدا شديد الحرص على العناية بالمكان وتحديده ضمن تفاصيله الأكثر دقة، ليفتتح كل قصة بمشهدية تصويرية، بحيث لم يعد المكان مجرد عنصر جمالي، بل صار يحيلنا من خلال طبيعته سواء كان بيتاً أو غرفة نوم، أو سيارة، أو مقهى، أو عبوراً بين الشوارع، إلى طبيعة العلاقة بين الشخصيات، ليكّون المكان مع جدلية الزمن بنى معرفية تفرض سياقات السرد، وتوضح منطق الشخصيات، فتنفتح على الجزئيات مشهداً متكاملاً ، فعلى سبيل المثال يختار المؤلف للزوجين في قصة ( جر الخيط ) جدران البيت ليكون سجنهما النفسي ضمن هواجس غير معلنة من الشك والترصد. فيما يكون مأزق الزوج العالق داخل سيارته أثناء العاصفة في قصة ( شعرها الغجري تتطاير منه الحجارة) نقيضاً مكانياً للزوجة التي تتسوق، وتنقلب الحالة السلوكية فهو لم يعد قادراً على المزيد من مغامراته، لتبدأ هي ترتيب بديلاً له في علاقة جديدة. أما ( مينادا) فتاة المقهى التي تحمل القصة اسمها، فتنحدر إلى علاقات سهلة تفترضها مناخات المقاهي السريعة والصلات التي تنقطع وتتصل بين روادها. أيضاً يخدم الفندق كمكان الفكرة في قصة ( سنونوة) حيث يتناسب الفضاء مع ليلة واحدة لتعارف إنساني جسدي بسيط غير خاضع لمبررات ولا لنتائج.


دقة إطلاق السهم:


عن مهارة الكتابة القصصية تقول الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي :" إن كتابة القصة القصيرة مثل إطلاق سهم، حيث لابد من توفر غريزة وممارسة ودقة، رامي القوس الجيد، والقوة اللازمة للإطلاق، والعين القادرة على قياس المسافة، والسرعة في الرمي، والحظ الطيب لإصابة الهدف, الرواية تصنع بالعمل، والقصة القصيرة بالإلهام، إنها بالنسبة لي جنس صعب مثل الشعر"


وأجزم بأن صالح شريف على الرغم من أنه لم يمنحنا علاقة رومانسية ناجحة ومتكاملة في قصصه كما سبق وأشرت، سوى أنه سدد سهامه بدقة أصابت الهدف.. فكان حظه طيباً ككاتب وبالتالي كان حظنا طيباً كقراء، وهذا هو المهم.


نذكر أخيراً أن مجموعة [مثلث العشق] لشريف صالح صادرة في القاهرة ضمن منشورات دار العين وتحتوي على إحدى عشرة قصة توزعت على 134 صفحة من القطع المتوسط ، وهي المجموعة الثانية للكاتب بعد مجموعة سابقة له بعنوان [اصبع يمشى وحده.]..

20 سبتمبر 2010

أنثى الخسارات ( آخين ولات)

خطأً؛ وقعت الجنة في مصيدتي:

أصواتٌ متداخلة و"شوبرت" يعزف لي "الليدر"...

كان قد أفرط في الشراب، وبدل أن يأويني إليه، دخل البنفسج ولم يعد.

سوّاحٌ كثر، تسكّعوا هنا؛

قريباً من الحدود الفاصلة بيني وبيني

يحملون الحب تذكاراً ثميناً، من كلّ صوبٍ وصوابٍ، وثواب.

مَيْتةٌ أنا، أم قرينة نفسي الضاجّة؟

خطوة، إثنتان، ثلاثة...

تقدّم أكثر، فأنا أحيا موتي بحبّ أكمل وأوسع.

أنا البقاء العنيد؛ أنشدني وأنشدك كذبةً أقرب إلى الصدق.

معجزةٌ ليست مستبعدة أن تكون ليَ في الأشهر الكئيبة،

وأكون لك.

أحصي أصدقائي في قاع النسيان،

أهبط كثيراً لأعلو أكثر...

هكذا هو العبثُ في قاع الفنجان

والبعثُ في فأل الجارة:

1

وقتٌ خارجٌ عن طوعي.

2

لا تستعجلي إطفاء النار قبل الاشتعال.

لا تحصي أخطاء الزجاج.

سأهديك إلى الصراط المستقيم

وأنا الله

فما تطلبين؟

"والضحى والليل إذا سجا"

3

بركاني المخدّر باسترخاء الزمن؛

والزمن أخافه

إذ يتمرّد...

4

يصلكِ موجي راقياً،

أنيقاً

لا تشوبه شائبة .

5

كيف لي ائتماني عليكَ،

وأنا أنثى الخسارات؟؟

6

لو يحكي الزّبدُ فوق كتفيّ،

والحطب؟

لا تتوقفي عن الحركة،

وإلا التهمتكِ قناديل البحر الدّبقة.

7

سأرتديكَ غربة الجحيم

في استناده عليك،

واستنادك عليّ.

أطمئنك بالسمّ...

وكعقربٍ يضيء عتمتي

يربكك عطري،

ورائحة الخبز،

وظلك الذي هو الرغيف.

8

تتوارين من الشهد

يسيل من شفتيّ

إلى شفتيك.

9

هزيها إليك ـ الشجرة ـ

تساقط عليكِ

يداً لم تلمسيها،

ولم تلمسك بعد..

10

فلتكن عيناكِ في عينيّ

والحلم يحيلنا إلى خراب؛ٍ

حتى مطلع الفجر.

حتى مطلع الفجر.

***

أنصاف رجالٍ ونساءٍ يصعدون الميترو في كل ثانية، كل دقيقة، كل ساعة، كل يوم، كل شهر

وكل سنة.

أمّا أنا، فأشهد باكتمالي حين أهزّ الشجرةَ

وتلمسني يداك.

كما لو أنه عين الضرورةِ، أن أصعد إلى السطح...

هكذا أنا:

أتأرجح دوماً ولا أنهار.

***

أودّ لو أعيد الاعتبار لطفلٍ عاقبته المعلمة، بضربٍ مبرحٍ بالعصي على باطن قدميه.

هكذا لن يتجرّأ الطفل على النوم وحده في السرير، بينما الثور يرفض النهوض.

وهكذا لن يتجرّأ على البكاء.

تذكّروا أنني سأتصل بأمي في العيد القادم.

هل هناك حقاً أبوابٌ وضجيجٌ، وعربات قطارٍ توقف للتوّ، وأناسٌ ينزلون ولا يصعدون؟

تلك الكنائس العتيقة وجثثٌ بكامل أناقتها، متروكةٌ للوحدة.

سجّادةٌ ذاتُ نقوشٍ فاخرة، ومساجدٌ تعلو منها المنابر.

***

كنت على وشك الهوامش:

هامش الولادة. هامش الطفولة. هامش الشباب. هامش الحلم، هامش الحب وهامش الموت.

والآن؟ أنا في هامشك الآن: امرأةٌ عتيقة، ولي في الأرض أكثر من جذر وفرع، وعرق.

أين تمضي ساعتك؟

أنا العقرب فيها، وأنا الزمن.

نفحةٌ مني كفيلة بإيصالك صخبي، ضجري، حبي، وكل الهوامش.

أنا في هامش البحر الرمادي، جلّ موجه كآبة؛

فلتكن أسوداً يا بحر أو أبيضا.

***

أغطّي عيني بكلتا يدي، لأسمع أكثر وأوضح.

تقويمي المليء بالزمن: زمنٌ ميتٌ. زمنٌ خائرٌ. زمنٌ فتيّ، وزمنٌ نطفة.

كنت عزمت الهروب إلى الشعر في نيسان، وإلى الحب في أيلولَ،

ليستمر بنا البقاء...

كان العسكري الفتي يخيط بزّته؛

يلمس قبلة أمه فوق الجبين، وقبلة الحبيبة فوق الشفتين؛

يا له من موتٍ

موتُ القبلة حين تخطئ الشفتين.

***

ألعب الشطرنج.

أحرّك الأحصنة وأكمم بعضها

حتى ألمّ بالصهيل.

كنت أعرف أني سأتقنها أكثر في الأربعين.

ـ ماما لقد حوّلت الساحرة الشريرة أذني الأرنب الصغير إلى جزرتين. يقول ميتان.

ـ وفمه؟

ـ أيضاً جزرة...

أسمع الرنين، والشمس تغمرني.

يغمرني المطر والشجر والطير والطلّ والأرجوان.

أين القمر؟

لا بد أنه يلاطف بنت الجيران كعادته.

***

قطار الضواحي...

الميترو الكهربائي ودراجات " الطرق الهوائية"

أضمّك ملحاً إلى جرحي وأمضي...

هذا كل ما تيسّر لي منك.

يوم متكرر في حياة امرأة تحب النوم والقهوة وتكره الحر ( فاطمة الشيدي)

منذ زمن وأنا شغوفة بالسيّر واليوميات، فقد أسرتني منذ زمن طويل "منازل الخطوة الأولى" لـ سيف الرحبي، وتابعت بروح متلصصة جدا، ومندهشة روح السيرة الذاتية في "ليلميات" عبدالله حبيب، و"تشظياتــ"ــه وفي معظم كتابات سماء عيسى السردية، كما شكّل كتاب "عين وجناح" لمحمد الحارثي لدي مفترق وعي في الكتابة الذاتية، من حيث اللغة ودقة التسجيل والملاحظة، ولازلت أشرق برواية "بين الماء والصحراء" لـ محمد عيد العريمي والتي وقعت بين يدي مؤخرا، والتي تحمل روح السيرة الذاتية، وكنت قد قرأت له سابقا بتمعن "مذاق الصبر"، كما أبهرتني العديد من السير العربية القديمة والجديدة التي قرأتها ككتب أو مقالات، وأهمها "لست ضيفا على أحد" لقاسم حداد، وزاد هذا الولع لدي مؤخرا متابعة برنامج يعده ويقدمه "صالح العامري" للإذاعة عن السير الذاتية واليوميات، ويسرد فيه سير ذاتية ويوميات رائعة لبعض الكتاب العرب والغرب.
وحين شاركت في تحقيق أعدته "بدرية الوهيبي" عن السيرة الذاتية في "الزمن" لمّحت للروح السيرية المتناثرة في الأدب العماني الحديث، وبالطبع وجودها الراسخ في التدوينات القديمة، وقرأت ما كتبه الكتاب عن قلّة وجود السيرة الذاتية في الأدب العماني، وتبريراتهم. وكنت أنوى أن أكتب شيئا عن السيرة الذاتية في الأدب .
وحين بدأت فكرة كتابة اليوميات في شرفات، شعرت بالفرح وكانت المادة الأولى التي أخصها بالقراءة يوميا، وحين قرأت يوميات بشرى خلفان "امرأة صالحة للحياة تشد شعرها" والمنشورة في شرفات يوم الاثنين, 14 يونيو 2010 سعدت لأنه تم فتح الباب لآخرين خارج أسرة تحرير شرفات (عاصم / أحمد/ هدى) لكتابة يومياتهم، مما سيتيح لنا كقراء فكرة التلصص والاستمتاع بيوميات جديدة بشكل أكبر.
وعلّقت عليها في صفحة "سليمان المعري" على "الفيس بوك"، "أحب اليوميات لأنها حالة تلصص على الكاتب" وكان "أحمد شافعي" يتلصص على تعليقي، ليبعث لي برسالة ويطلب مني أن أكتب يومياتي، كنت مترددة، فــ"بشرى" كتبت عن ذكرياتها مع الإعصار، فماذا يمكنني أن أقول عن ذكرياتي معه؟ وأنا التي في الإعصارين كنت في "صحم" حيث الأمان النفسي في حضن الوالدين ورائحة البيت، وحيث لا إلا المطر الجميل، والقليل من الرياح الطيبة لولا فكرة الخوف، وكنت مستمتعة بالأمطار حد أنني رفعت صوت فيروز صادحا "شتى يا دنيا تا يزيد موسمنا ويحلى، وتدفق مي وزرع جديد بحقلتنا يعلا"، و " ثلج ثلج عم بتشتي الدنيا ثلج"، وكان "حسام" ، "ودارين" مستمتعين معي تحت المطر، لولا صوت أمي الذي قطع المشهد بالخوف " الشيمة بنديه عن الله يخسف بنا" وفعلا أغلقت الموسيقى، واستسلمت لرهبة الموقف، وخشوع الأدعية ليرفع الله الكرب عن البلد الطيب أهله.
وامتد التساؤل؛ ماذا يمكنني أن أدفع لهذا القارئ المتابع لملحق رصين كـ"شرفات" من يوميات متراتبة، وأيام لا فرق بينها لفرط تشابها كحياة كل الموظفين في الدنيا؟! ولأنني أحب اليوميات؛ قررت أن أكتب صفحة متكررة من الحياة، ولكن من خارجي تماما. وكأن "هي ليست أنا"..
1.
امرأة تستيقظ متأخرة لأنها تنام متأخرة، ولأنها كذلك فهي غالبا تستيقظ نكدة، فتضطر أن تتعامل مع نفسها ومع الحالة ببطء تام وشديد "كأنك في فيلم بالحركة البطيئة" كي تبدد ذلك النكد في الفترة ما بينها وبين العمل، أو حتى بينها وبين كوب القهوة الكبير جدا، الذي تعد نفسها به؛ لكي تقاوم إغراء النوم، الذي لا تستعذب شيء في الدنيا في ذلك الوقت مثله؛ حتى لتتمنى أن يحترق العالم كله وتنام.
2
ما أن تتحرك من الفردوس الوثير باتجاه الماء بعد أن يتم إغلاق المحرك الأساس للعملية الإغرائية للنوم وهو المكيف، حتى تتلألأ صورة كوب القهوة برائحتها التي تتشربها الروح والحواس حتى آخر مسامها، طبعا بعد أكواب الماء الزلال الثلاثة غالبا، والتي لا تقل أهمية لبدء اليوم من القهوة.
عملية تحضير كوب قهوة سريعة ليست مرهقة، بل هي في غاية الترف، فما عليك إلا أن تضع (ملعقتين كبيرتين من القهوة، وملعقة من السكر، وثلاث ملعقات من الحليب أو الكوفي ميت) ثم تحرك المزيح، وتبدأ برشف قطرات القهوة ببطء واستشعار للذّتها، (كأنك في دعاية لمنتج ما). وقد يكون الأمر مشوقا أكثر مع وجود موسيقى راقية كمعزوفة بحيرة البجع لـ "تشايكوفسكي" مثلا، أو موسيقى الماء لـ "هاندل" أو حتى "تعا ولاتجي" لـ فيروز، ولكن هذا لا يحدث غالبا، لأنها تحديدا أول ما تفعله مع تحضير كوب القهوة، هو أن تفتح الإذاعة لتسمع آخر الأخبار التي ليست سارة دائما، ولكنه طقسها اليومي الذي يستمر أحيانا للسيارة وأحيانا تقطعه بإذاعة صوت الخليج.
للقهوة ذكرياتها الكثيرة والممتدة في حياتها (التي تظنها الآن طويلة)، حيث أغرتها فناجين القهوة باكرا جدا، بين يدي الجد والجدة والأب (المدمن لها بالتعبير الحديث) والذي يشرب القهوة حتى قبل أن ينام.
عشقت شرب القهوة منذ الطفولة، تماما كما عشقت القطط، فكانت تشرب فناجين كثيرة، كما لا تستطيع النوم إلا والقطة تنام معها تحت الغطاء، وهي تستمتع بكريرها ودفئها الخاص، في المراهقة استبدلت الفناجين بالأكواب، وكي تقنع الأم الحريصة على صحتها (تقول لها بعيارة تامة، أشربها عشان أركز في المذاكرة) ولأن الأم كانت حريصة على الدراسة أكثر من حرصها على الصحة، كانت تذعن للأمر بتسليم مطلق، بل وتعد لها بنفسها دلة قهوة كاملة، ولكنها لم تستطع للأسف أن تقنعها بمحبة القطط أبدا، ربما لأن القطط لا علاقة لها بالنفعية التي يتحرك وفقها الآباء.
ومنذ الجامعة وحتى ما شاء الله يرافقها إبريق القهوة ومعداتها في كل حقيبة سفر أو تنقل، في "فرانكفورت" كانت تحمل معدات القهوة في حقيبة الملابس، لذا كانت "زوينة" تضحك عليها حين تعد قهوتها الصباحية في الغرفة، وكذلك في "الجزائر والبحرين"، ربما لأن صباحاتها تبدأ متأخرة غالبا، فهي ضرورات الوضع، ولكنها في الحقيقة تعشق شرب القهوة في المقاهي المفتوحة على الأرصفة، ويا حبذا لو كان الجو ممطرا وثمة موسيقى منبعثة بدفء من المقهى، كما حدث كثيرا في ماليزيا والأردن، وقليلا في ستار بكس الشاطئ.
الصديقة البحرينية التي استغربت طلبها (قهوة اسبريسو).
قالت لها فيه حرمة تشرب اسبريسو؟
قالت" لها ليش لا؟
قالت لها بكل غنج: مُرّة!
وبعد غياب ليس مصطنعا، وحزن طفا كما تطفو رغوة الكابتشينو (شرابها المفضل من القهوة) قالت لها بغصة ممزوجة بطعم القهوة: الحياة أمر يا عزيزتي.
في "الأردن" كان المقهى القريب من السكن والجامعة معا، والمنفتح على الشارع قد حفظ خطواتها إليه، وطلبها المتكرر "قهوة مع دونت" صباحا، و "قهوة مع فواكه مشكلة بالآيسكريم" مساء. وكذلك البائع الجوال القريب من شارع جامعة اليرموك والذي يفصحن الكلمة "قهوة" ، وكذلك "آلاء" التي شاركتها صداقة الحياة هناك، كما شاركتها حب القهوة.
في عمان، في مسقط عرفت مع "عائشة"، و"عهود"، و"أزهار" و"أميرة " و"سميرة" كيف يغمسن الكلام بالقهوة بدل البسكويت وخبز الرقاق مع الشاي، وفي صحار؛ تعودت مع آمنة ومريم وعهود ونادية طعم القهوة الجاهزة من مكائن المقاهي البسيطة، كما لم ينس بعد عامل المقهى القريب من البيتزا، امرأتين يحملان نفس الاسم ونفس الروح ونفس الحزن، كانتا كثيرا ما تمران بشكل متقارب جدا كل فترة في سيارة من اثنتين "زرقاء" أو "بيضاء" ليطلبن كوبين من النسكافيه التي يحضرها بشكل مميز، وهو لا يعرف أنهن في طريقهن للبحر غالبا.
3.
وإذ تنتهي حكاية القهوة تبدأ حكاية السيارة، فالسيارة هي الصديقة الأقرب لها، ولن يصدق أحد أنها كل صباح تركب السيارة فيه، تصبّح عليها، وتمسح المقود، وتصافحها بحرارة "صباحو" كيفك حبي اليوم؟ وحشتيني!، وليس بعيدا عن هذا أنها قد تتأخر في الدوام، لأنها كثيرا ما يعتصرها قلبها حين تشعر بسياط الحرارة تلسع صديقتها الأقرب، وحين غيّرت سيارتها "الخضراء" القديمة ذات شتاء، اشتعل في صدرها الحزن، فكتمت بكاءها حتى وصلت للبيت، وتمكنت من إغلاق الباب، والتوحد مع ذكرياتها معها، لتبكيها كما تستحق، بكت بانهمار خاص بها فقط، كما تبكي كل شيء يغادرها بلا مبررات كافية، "ومنذ متى تعطينا الحياة مبررات للفقد؟"
السيارة حاضنة الروح والذكريات والفرح والحزن، ألا تحتضن أحلامها وأفكارها وهذيانها الطويل والممتد بطول المسافة بين السيب وصحم، وبين السيب وروي؟
يالا شجن المسافات والدروب! خاصة لامرأة تكتب في رأسها أكثر مما تكتب في الأوراق، أو على جهاز الحاسوب، امرأة كل حياتها مسودات غير قابلة للتنقيح والتبييض.
كما أن للموسيقى في السيارة طعم الشجن، فأغنية ومسافة وطريق قادرة على كسرك تماما، خاصة لفيروز أو خالد الشيخ، أو إذاعة صوت الخليج باختياراتها الفنية المميزة (غالبا وليس دائما طبعا) طلال مداح، ومحمد عبده، وفضل شاكر، وبرنامج طربيات الذي كثيرا مالا يتوافق مع وقتها في السيارة.
تشهد السيارة اكتئاباتها المتواترة، وأفراحها القصيرة، وأفكارها النيئة والناتئة كرؤوس الشياطين، تشهد ترتيب أحلامها وأمنياتها، كما تشهد كثيرا دموعها الطيبة وغير الطيبة.
تشهد المسافة بين النادي الثقافي والحيل مثلا جيئة وذهابا تبني أو تبديل قرار مصيري بمنتهى السهولة، وكأنه حدث بعد نقاش وحوار طويل مع صديقة واعية، وهل أقرب للذات منها؟ خاصة لكائن أتقن العزلة، ويقترب منها كلما تقدم العمر، بتهيّب الآخر .
في الشتاء يكون الطريق رحلة مميزة من الهذيان والموسيقى، ولكنه في الحر الذي تكاد تصرخ منه، تحاول أن ترفع درجة المكيف كل فترة لتتأكد من صلاحيته، في حالة من عدم القدرة على التصالح مع هذا الحر الذي اختاره القدرة لها، واختارها له من أول مضغة حتى آخر شهقة للرحيل، الحر الذي نتمناه حين نبعد قليلا في برد الآخر الموجع من قسوته.
هي القليلة الخروج للتعالق المباشر مع الحر، ولكنها فقط في المسافة بين السيارة والبيت، أو بين السيارة والعمل، ما تفتأ تشعر أنها ستنصهر وتتحول لسائل بشري فتصرخ متذمرة "أف إيش هالحر؟ كأننا عايشين في فرن" مرددة مقولة أمها بإيمان مطلق " الله يرحم الي صنع لنا هالمكيفات والثلاجات، والله عظمه ما بيطيح النار "
4.
تدلف للعمل الجميل بالخصوصية التي أتاحها لها منذ كانت معلمة، تقبع في المكتبة خارج حصص الدرس، ثم في مكتب مع صديقة واحدة في منتهى الروحانية والرقي، ثم في مكتب خاص في الدور الثالث في الركن البعيد الهادئ في عمارة لن تقدم لك أي إغراء لدخولها، لولا أنك مضطر لذلك، لا يقطع خلوتها سوى رنين الابتسامات الصباحية العذبة التي تقدمها بضع قلوب طيبة أثناء عبورها الممرات، أو تواصل مقتضب للعمل- لأنها لا تفضل أن تعمل بشكل جماعي-، ثم تقضي المتبقي من يومها بصمت وخصوصية، منسربة لداخلها تماما، ولداخل المكان.
5.
العالم الرقمي أصبح جزءا من عالمنا، ولكن علاقتها به أيضا تذهب نحو التلاشي التدريجي، خاصة فيما يتعلق بماهرات الاتصال، حيث أصبحت لا تستسيغ التواصلات الجاهزة إلا من تواصل عملي، أو مسج من صديقة حنونة، أو أخت أغراها الشوق بها.
والأمر ذاته مع الشبكة العنكبوتية المهمة لنا لنبقى على قيد الحياة والاتصال والتواصل، والتي لا تزال بجدية تجاهر الجميع وذاتها بأهميتها كلما عُرض الحديث عنها، إلا أنها لا تتجاوز فتح الإيميل والرد على العاجل منها، وإعادة توجيه الرسائل المدهشة التي قلّت كثيرا أيضا، لأن كل شيء أصبح أقل من فكرة الدهشة، ولكن هذه الدهشة يحدث أن تحدث بعض الوقت، أو تصطنع، لتحريك عجلة الوقت والروح، فتعيد توجيه إيملات بسيطة عن الأزياء أو الشامبوهات المضرة والأطعمة الجاهزة مثلا..
كما يحدث أن تشتاق أن تقرأ جديدا فتدلف لـ" كيكا" فتقرأ فيها قليلا، أو تتصفح جهة الشعر، فتشعر أنها دخلت مقهى ثقافيا، أو ناديا فاستمعت للكثيرين، وحين تجد نصا جميلا يغريها الفضول فتبحث عن صاحبه في "جوجل" وتقرأ قليلا له، وأحيانا قد يدفعها الحنين أن تجلس في حضرة بعض من تحب كتاباتهم كـ "قاسم حداد" أو " فوزية السندي" أو "سعدية مفرح" أو سوزان عليوان" أو "سوزان خواتمي" مباشرة، فتدخل بيوتهم وأعشاشهم الضوئية على رؤوس أصابعها، كقطة بأظافر قطنية لا تحدث صوتا، وتجلس في بهو البيت، وتفتح الكتب الضوئية النظيفة من غبار المسافات، وتقرأ لهم بنهم حتى تشبع فتخرج من البيت، وقد تجد الصديق الضوئي فيحكي لها ماذا قرأ، وأين سافر، وماذا كتب من جديد النصوص، أو يشرح لها مبررات كتابة ذلك النص، بل قد يقول لها قرأته في حضرة فلان، أو قرأه فلان فكتب عنه، وحتى الراحلين منهم، والغائبين، والمكتفين بلذة العزلة وروعة الكتابة قد يفعلون ذلك، فتعرف الكثير من أخبارهم، وهذا ما يوفره لنا قليلا "الفيس بوك" الذي هو أشبه بامرأة ثرثارة تجوب الحارة (من الطرة للطرة) لتنقل للجميع كل ما حدث في كل بيت بالتفصيل الممل والمزعج أحيانا كثيرة، لتحقق البيت الشعري الشهير "وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت .. أتاح لها لسان حسود"، هذه الدهشة التي تتصيد روحها في بيوت الضوء وعوالمه الرقمية تجعلها تشعر بالغيظ على البعض من الكتاب العمانيين الذين يعيشون خارجه اليوم! مع إن إنشاء مدونة (مثلا) يعرفك الآخرين من خلالها، ويطلعون على أعمالك ويستمتعون بما تكتب (وهل إلا هذا غرض الكاتب والكتابة؟!) لا تتطلب أكثر من بريد الكتروني .
6.
.يمر النهار بين عمل وتصفح رقمي، لتأتي القيلولة العظيمة التي ينتهي العالم كله أمامها بـ "نقطة" فتختصر النهار لليل مباشرة، الليل الذي قد يمر شطره الأول في كسل مدعوم بكوب من الشاي والبسكويت مع موسيقى فيروزية كحالة ترف مصطنعة للروح الكثيرة الشكوى والوهن، أو بكتابة/تعديل نص، أو قد يجهز مشوار للنادي الثقافي، أو محاضرة في الجامعة على حد الملل القائم فيه كنصل قاطع، فكل منهما يجعل الروح تستعيد بعض دهشتها، ويجعل العقل يرتبك أمام فكرة جديدة أو سؤال معرفي، وقد تكون الرواية المستلقية بدلال عند السرير، والتي هي شرك مناسب لاصطياد النوم، الذي ستغازله بكل المغريات، ولكنه لن يأتي إلا متأخرا كالعادة؛ ليبدأ يوم آخر نكد وغير مكتفٍ من النوم

26 يوليو 2010

منع منع النقاب.. وفلسفة الخيبة

كلنا جرب الخيبة، أي حين يكون الأمل مقبلاً، فنفتح له ذراعينا، لكن لسبب أو لآخر أو بلا سبب على الاطلاق يغير اتجاهه ويفر مدبراً والخيبة مقصلة نفسية لا تفرق بين صغير وكبير، وبين رجل وامرأة ومع ذلك يبدو أن للنساء الحظ الأوفر من الخيبة، ربما لأنهن تستفتين قلوبهن أكثر من اللازم! آخر تلك الخيبات، ما نشهده ونقرأه ونسمعه من آراء حول قانون منع النقاب الذي أصدره وزير التعليم السوري غياث بركات، ولم يعمم بعد، في مبادرة( ربما شخصية منه ) لحماية الهوية العلمانية. المضحك المبكي في الأمر أن هذا القانون، وضع ضمن دائرة الطباشير، فهو يتعرض لشد وجذب كل الأطراف حتى قبل أن نرى على أرض الواقع أية خطوة في اتجاه تطبيقه.. ويجابه من حيث المبدأ أو من حيث التطبيق بعدم رضا عام وشامل وعميق فنحن لم نسمع تهليلاً عاماً، تحظى به عادة القرارات الرئاسية! في الوقت الذي تكاد تصم آذاننا أصوات فئة الرافضين للقرار الذين يندرجون تحت مجموعتين، الأولى هم المتشددون والمتشددات ممن يجدون أن النقاب شعار ديني من غير الجائز المساس به، والاقتراب من مسلماته، على الرغم من الأدلة الكثيرة التفسيرية والدينية التي تفتي بغير ذلك وأترك نقاشها للمختصين من أصحاب الشأن.. لكنني على الأقل أعرف كما يعرف غيري أن (النقاب) مشهد طارئ على الشارع السوري الذي كان في سنوات سابقة أكثر غنى وأقل حدة بما يحتويه من تعددية لهويات مذهبية وطائفية ودينية وسياسية تتعايش من غير حساسية ونزعات مضمرة لأحد ضد الآخر.. المجموعة الثانية ممن لم يوافقهم القانون، ينافسون المتشددين على الموقف نفسه، ويظهرون ( ملكيين أكثر من الملك) وأقصد جماعة التحرر من اليساريين والليبراليين الذين اعتبروه قانوناً قمعياً وقاصراً يقتل الممارسة الديمقراطية ( متناسين فقداننا لأي ملمح ديمقراطي على أي صعيد ..!) والمفروض بحسب رأيهم ترك المجال مفتوحاً للاختيارات، والحرية الشخصية.. والحقيقة أني لست ميالة كثيراً لوجهة النظر التي تتسامى على (النتيجة) لتفتح ( للوسيلة) محضراً أمنياً ، ليس من باب القصور في الأوليات ، ولكن لأننا في المحصلة لا ننطوي على أية استراتيجية لا آنية ولا مستقبلية تنهض بالوعي، وتهيئ العامة أو الخاصة لممارسة ديمقراطية مسؤولة.. هنا لابد من القول وإعادته مثنى وثلاث..النقاب لا الحجاب ليس حرية شخصية، لأنه تجاوز معلن على العرف الاجتماعي الأخلاقي السائد في البيئة السورية .. إن قانون المنع، أن كان من منع، اقتصر على وزارة التربية، والحرم الجامعي، حيث المعلمة، وكلنا يعلم، هي رمز وقدوة للتلاميذ.. وحيث الحرم الجامعي مكان لإنتاج الوعي / المفروض طبعاً.. ! القانون إياه لن يقلل من فرص تعليم المرأة، فقوانين السلامة والمرور، إن كان من قانون، لن يوقف المنقبة عن قيادة السيارة، بل ستكشف وجهها لأنها مضطرة، وكذلك الأمر بالنسبة للمنقبة في لجنة الامتحانات، هي ملزمة بالتعريف عن هويتها ..كما أن المنقبات لم يمتنعن عن استخراج جوازات سفر بسبب الصورة التي تكشف الوجه .. و .. و .. والأمثلة كثيرة في مجتمعاتنا المعطوبة نحتاج إلى قوانين من هذا النوع وإلى تطبيقها، على الأقل كي نعيد التجانس لشوارعنا التي يكاد يختلط لون إسفلتها بلون أزياء عابراتها ..
الخيبة ليست في شبه الإجماع المخزي الذي تواجهه فكرة منع النقاب والاعتراض على آلية قرار ، ولا حتى أن بعضنا فتح ذراعيه لأمل يبعدنا شبراً لا أكثر عن تمترس ذهنية ضيقة تمد سيطرتها علينا دون احم أو دستور .. الخيبة هي أن وزارة التعليم العالي صرحت بتمنيها لو أن وسائل الإعلام تريثت في التعامل مع الخبر، ما يعني أنه ليس هناك ما يؤكد بعد وجود قرار بشأن المنقبات..! وحين يبتلع الصمت القرار، فإنه بحق خيبتنا ( التقيلة).. ولتنام بعدها الحرية الشخصية قريرة العين هانئة الخاطر..

13 يونيو 2010

نسيان


أدير وجهي عن البكاء
عن الرحيل يحزم حقائبه
عن شهب كانت قطعاً من ماس يلمع
عن رجل يتوه دائماً
كن نبيلاً أيها الألم ولو للمرة الأخيرة

سوزان خواتمي

08 أبريل 2010

الشرف بين فخذي رئيفة

لا أدري إن كانت محض صدفة أن تصلني عن طريق الفيس بوك ( المحجوب في سوريا) قصة طازجة عن الفتاة رئيفة في حلب، التي يتوعدها أهلها عند باب المشفى بالقتل حيث تعالج بعد اكتشافهم بأنها حامل دون زواج .. ! المؤذي أن تحدث هكذا قضية ونحن على أعتاب مدري أي ألفية ..!
تحدث، والناس مجرد متفرجين على مصير الشرف الذي قصر وضاق وتقلص حتى اقتصر على مابين فخذي رئيفة..! من سمح لهذه الحالة أن تستمر حتى الآن..؟ بالطبع هشاشة تطبيق القانون الرادعة لقضايا الشرف، حتى بعد تعديل القانون 548 والذي يحول العقوبة من العذر المحل ، إلى العذر المخفف لتصبح عقوبة هذه الجرائم سنتين على الأقل.. ياسلام..!
كل المجتمعات حتى أكثرها شراسة ترتدع بالقوانين الصارمة، تلك التي تسري على الجميع، والتي تمنع التمييز وتقر بالمساواة الكاملة، وتطبق بصرامة وبدون استثناءات ومحسوبيات..! لكن يبدو أن مشرعي القانون وحماته مازال اهتمامهم ينحصر على استمرار قوانين الطوارئ والأحكام العرفية السارية المفعول على سوريا منذ أكثر من أربعين عاما، عوضاً عن النظر ملياً بالدستور عامة، والأحكام التشريعية خاصة والتي تنتقص في الكثير من بنودها، من مكانة المرأة، بما فيها أحكام الشرف، والعنف المبرر، وغبن الاحكام الشرعية ، وأقول الغبن دون أن أقصد أمراً مخففاً، القانون لايضع لحد لحظتنا الراهنة هذه ما يناسب لردع إمكانية قتل الشقيق لشقيقته، والأب لابنته، أو لنقل للمحافظة على روح بشرية لها الحق في الحياة، لكن وكالعادة يبدو أن هذا آخر هم أصحاب الشأن.. بل، ويتجاسر البعض في التباهي بأن سوريا تسجل تعداداً أقل في قضايا الشرف..! وكأننا نتباهى بأننا أفضل الأسوء.
لن تتقدم الدول والمجتمعات إن لم تفسح للمرأة مكانة تصون كرامتها وتحفظ حياتها وتجعلها نداً لايقل ولاينقص عن الرجل.. وهذا لايحتاج إلى كثير جهد كما يتبادر إلى الذهن، فقد أثبت الواقع أن العادات والتقاليد تتغير بموجب القانون ، وإلا ماالذي يجعل مجتمعا كاملا كتونس يرضخ لمنع تعدد الزوجات إلا بموجب حكم قضائي له قيوده الكثيرة، و تونس من المجتمعات الشرقية بإيجابيتها وسلبياتها..! ماالذي جعل سوريا في الثمانينات من القرن الماضي تسكت عن منطق نزع الحجاب بالإكراه.. بغض النظر عن تقييمي لموضوع الحريات وتأييدي له بكل وجوهه حتى تلك التي لاتتوافق مع توجهاتي.. من المهم أن نؤمن بحق الإنسان بالحياة حتى لو كان مجرد امرأة، قد تعشق وقد تحب وقد تهب جسدها لمن تحب...!
برأيي المتواضع أن المرأة مازالت كائناً هشاً، ودعكم من بعض الظواهر التي تتخمنا بها أخبار النخبة الاجتماعية.. المرأة باعتبارها تهز بيمينها السرير وبيسارها العالم كما زعم نابليون، وأصغى إلى قوله هناك في الغرب، أما في شرقنا المديد والمتمدد في هراء تقاليده وعلاقاته الناقصة ، فمازالت المرأة عموماً في يوم عيدها العالمي نصف عاقل، ونصف فرد ، ونصف مواطنة، ونصف مسؤولة، وراجعوا قانون الأحوال الشخصية السوري ..
لايخلوا الوضع أيضاً من ثقافة جمعية تحتاج إلى التدقيق بمعطياتها، القليل من التدقيق للمقولات المأثورة، والحكم الشعبية يراد بها حق وهي باطل، وربما سبق لي أن أشرت لذلك ، فالبنت "الكدعة" يقال عنها " أخت رجال" .. ولا أدري لماذا لا ينطبق هذا المديح المجاني على الجهة الأخرى، فلا يعتبر الرجل الحنون، المعطاء " أخو نسوان" ..! هذا الإرث الشفوي الذي نطلقه ضمن أحاديثنا دون تفكير يحتاج إلى وقفة مطولة، والتزام بعدم تمريره وتناقله، لأنه يعزز نظرية قيمة بين الجنسين.
أبضاً تتحمل المرأة نفسها جزءاً وافراً من ذكورية مجتمعاتنا ، تماماً كما يتحمل الدستور مسؤوليته عن عدم منح المرأة حقوقها كاملة غير منقوصة، فبيننا نساء يحتجن إلى إعادة تأهيل، وترشيد معرفي وثقافي كي يتوقفن عن مهمتهن غير النبيلة في تبني الأفكار الذكورية، وإرسائها، وإنصاف بنات جنسهن، خاصة فيما يخص التفريق في التربية، وأيضاً ما يخص إطلاق الأحكام الأخلاقية على الإناث فقط دون الذكور..
أشياء كثيرة يمكن التطرق لها بهذا المقال، وذلك قبل أن نهنئ المرأة السورية بعيدها العالمي، وقبل أن نقول لها كل عام وأنت أنثى، وواهبة للحياة، تعتزين بما أنت عليه، ولا تخافين، ولا يمكن لأحد إرهابك..!

مع احترامي للحب افضل الوقوع بالشوكولا

يمكن تقبل عادة لعق الأصابع المحرجة فقط حين تكون الأصابع ملطخة بالشوكولا، فما يباح للشوكولا لايباح لغيرها.. ولافرق ان كانت الأصابع لكبير بطول النخلة او صغير بقامة سخلة، خاصة حين تتخيل وأنت تراقب اللاعق تلذذه حتى اللحظة الأخيرة، فيتلمظ ويمص شفتيه ويبتلع ريقه ومعه كل ماحصل عليه من حلاوة ( ممكن الرجوع إلى اعلانات الشوكولا في حالة نضوب الخيال) ..
وقد عززت الدراسات الطبية الحديثة من مكانة الشوكولا بعد أن كشفت دور مادة الكاكاو في تحسين عمل الأوعية الدموية.. فشطبت بممحاة التسامح كل السمعة السيئة التي كانت في الماضي تتناول شرور هذه المادة، باعتبارها السبب الرئيس لأمراض الشرايين والقلب وربما تورم الساقين.
ومع ذلك، مازال بعض المتوجسين يعتبرونها الداء والدواء، فالقليل منها ينظم اضطرابات الضغط، والكثير منها يزيد الوزن، ويشوه وجوه المراهقين..!
ويعود تاريخ الشوكولا ( بحسب غوغل) إلى فترة استخرجتها قبائل المايا من شجرة الكاكاو قبل أكثر من ثلاثة آلاف و700 عام و صنعوا منها مشروباتهم بمزجها مع المنكهات والفلفل والعسل، وحتى شكلها الحالي بعد تعديل مرارتها بخلطات وإضافات، لتصير على ما هي عليه اليوم، حيث تعتبر الشوكولا السويسرية رمزا لا ينافس: ضرورية للاحتفالات، ومناسبة للتهادي، ووسيلة للتلذذ..

منافس خطير للرجل ويباع في الأسواق:

تدور الشبهات حول السر الذي يجعل الشوكولا حلوى لاتقاوم، فعلى رغم التحذيرات منها والتأكيد على تعدد مضارها، وإخفائها بعيدا عن متناول الأطفال، والمدمنين، إلا أن أعداد مغرميها وعشاقها يتزايد باستمرار.
فلاشيء يشبه متعة ذوبان الشوكولا البطيء في الحلق ، إضافة إلى تأثيرها المباشر على المكتئبين وفاقدي النشاط والحيوية، باعتبارها طريقة مضمونة لإدخال السعادة إلى النفس، ورفع نسبة البهجة، فتأثيرها كما يشاع يعادل التفكير بالحبيب أو الإنصات إلى الموسيقا أو مشاهدة فيلم عاطفي بخاتمة سعيدة ..!
هذا التأثير ومايرافقه من متعة لم يعد سراً يُتكتم عليه، بل أن بعض النساء يعترفن علانية بتفضيلهن إلتهام قطعة الشوكولا على تحمل عناء صحبة الرجل( ليس اي رجل طبعا) ..!
وفق ذلك الربط بين الشوكولا و ترمومتر الحب، صار هناك منافساً خطيراً للرجل ومتاحا بالأسواق، حيث يستطيع أحدهما تعويض غياب الآخر، الامر الذي يجعل من علبة الشوكولا بديلا لرجل يغيب او لم يحضر اصلاً، وبالإمكان تقديم علبة شوكولا على انها علاج فوري للمحرومين من الحب، والمصابين بأوجاعه، والمتألمين من الإعراض والغدر و الهجر والفقد وقلة الأمل، إذ يكفي أن تقضم قطعتان أو ثلاث من الشوكولا حتى تهدأ الأوجاع المزمنة، ومع الانتظام بالجرعات ربما تتلاشى .. وهي طريقة، إن شئتم الحق، أسهل من إقناع رجل بارد على تبادل العواطف الساخنة، أو تحريض عاشق لامبال على إرسال مسج حب لحبيبة يكاد الانتظار يفقدها الوعي..
وبالطبع هذا الكلام ليس من باب المبالغة أو الهلوسة، إذ أثبتت الدراسات العلمية أن الشوكولا بجميع أصنافها تحتوي على السكريات التي ترفع معدل هرمون السعادة في الذهن .. في الوقت الذي لايملك جميع الرجال القدرة على تحريض الهرمون نفسه كي يعمل..!
ولعل تنافسية الشوكولا مع السادة الرجال ولدت حساسية ما، فجعلتهم أقل إقبالا عليها، ونادرا مايعترف رجل بإدمانه على الشوكولا، أما العلاقة بينهما فتقتصر على مجرد تقديمها مزينة بشريط أحمر في يوم الفلانتاين، أو شرائها على عجل من أقرب بقالة عساها تخفف من توتر زوجة غاضبة، أو الاعتماد عليها لايصال رسالة اعجاب ضمنية توقظ الحاسة النائمة في امرأة أثارت اهتمامه.

لا داعي لترك مسافة بينك وبين الشوكولا:

رغم ارتباط سمعة الشوكولا بالعاطفة الجياشة ، فقد تجاهلها الشعراء ، وهي لم ترد في ابياتهم الشعرية لثقل نطقها وللعجمة التي في لكنتها، واقتصر استخدامها على الغزل الشفهي تتعرض له السمروات خصيصاً.. وعلى الأغنيات الخفيفة، وعلى ذكريات الطفولة السعيدة، والأحلام التي تراودنا بعد سماع قصة ماقبل النوم، إحداها إن تتذكروها تحكي عن ساحرة تسجن طفلين في بيتها المصنوع بكامله من الشوكولا والسكاكر وكافة أصناف المعجنات اللذيذة، واعتادت يوما بعد يوم أن تقدم لهم الكثير من الطعام والحلوى، ولأنها ضعيفة الابصار، فقد كانت تتلمس من بين قضبان السجن زنودهم لتتأكد من كمية اللحم والشحم فوق عظامهم ، لتقدمهم في الوقت المناسب وجبة شهية لصديقها الغول ..
ويبدو أن صور الطفولة تبقى في الذاكرة إذ مازلت أصاب بالصداع كلما تخيلت عالما مصنوعاً بأكمله من الشوكولا..!
وعلى شاشة السينما حقق فيلم ( شوكولا ) نجاحاً كبيراً وهو مأخوذ عن رواية للبريطانية جوان هاريس، تدور أحداثها في قرية فرنسية خيالية تحكمها عادات و تقاليد صعبة ، و تحاول أم و ابنتها اللتان إنتقلتا للعيش في هذه القرية أن يندمجا مع سكان القرية وأن يحولا ،عبر محل الشوكولا الذي امتلكاه ،حياة السكان الصارمة إلى حياة تفور بالعاطفة( مرة اخرى ترتبط الشوكولا بالعاطفة) ونادرا ماتكذب السينما .
باعتباري مدمنة شوكولا، فقد تركتها تكون ملهمتي في قصة قصيرة تحمل عنوانا فاتحا للشهية هو " أريد العالم وأكتفي بالشوكولا" وهي عن معاناة المرأة مع وزنها، وحيرتها بين الرقم الذي يقف عنده الميزان وحاجتها إلى الشوكولا .. يقول المثل " القوة هي القدرة على أن تكسر لوح من الشوكولاته الى أربعة قطع ثم تكتفي بأكل قطعة واحدة فقط منها .." إلا أن كلام المنطق شيء ، والالتزام به شيئاً آخر ، أليس كذلك؟