09 نوفمبر 2010

أصابع بطاطا تحترق( من مجموعة قبلة خرساء)

درجاتُ الحرارة أعلى مما تنبأت الأرصادُ الجوية في نشرﺗﻬا هذا الصباح، ورائحة غريبة تفوح في المكان، مزيجٌ من حنة قديمة وزيت محروق. تلمع فوق أنفها الدقيق، وحول فمها، حباتُ عرق، تفضح شعيراتٍ خفيفة مصبوغة بالأكسجين، ترتجف شفتها بوضوح.



يسألها الضابط المحقق بجفاء:


"الاعتراف يضمن لك أحكامًا تخفيفية.. من الأفضل أن تسهلي الأمور علينا وعليكِ.. أنت تضيعين وقتنا بصمتك هذا."


أثاث مقلوبٌ، أغراضٌ محطمٌة، فوضى مريعة تجتاح المكان؛ ربما كان عليها أن ترتب قلي ً لا قبل دخولهم، لكن الوقت الضيق داهمها كما داهمها كل أولئك الغرباء بأحذيتهم المغبرة المتسخة.


البقع فوق الجدران تش ّ كل لوحًة سوريالية، تشبه لطخًا لونيًة رأﺗﻬا مرة ولم تعجبها. الفنان الذي رسمها كان يستعرض أمامها جم ً لا غير مفهومة تمامًا،تكلم عن شيء يدعوه ما ورائيات اللون، وعن الحركة المنسجمة التي تحدثها لوحته.. أدهشتها قدرته على شرح ما لا تراه حقيقة، لكنها لم تعترض، بل ظلت ﺗﻬز رأسها علامة الموافقة والاستيعاب..


قال لها: "سأهديك اللوحة أيتها الجميلة.. فقط كي تراكِ كل صباح".


تعودتْ أن تنصت بانتباه شديد، لكن أحدًا لم ينصت لها. هكذا كبرت، أذنين كبيرتين و دون صوت، نادرًا ما اعترضت، ولم تبد رأيها بالتأكيد، حتى حين كان زوجُ أمها يدفعها خارج الغرفة ويغلق الباب لينفردا دوﻧﻬا.


صحيح أن قسوته فيما بعد تحولت إلى لمسات مسروقة لا تفهمها، تجعلها تنظر بدهشة مكتومة فلا تجرؤ على إزاحة يده، أو على الاعتراض.


يخيفها الوجه الطبشوري الذي يتطلع نحوها بنظرة شاخصة وقد اختلطت قسماته؛ تنحني لتغمض عينيه..


يزجرها المحقق بزئيره: "لا تلمسي شيًئا يا خانم..."


كان صوته يعلو حين يقسم بالأيمان الغليظة بأنه سيشرب من دمها كما يشرب عصير الرمان الذي تعده بيديها، يتجرع ك َ ل ما في الكأس، ثم يصدر صوتًا مزعجًا.. آآآآآآآآآآح.


الليل.. وأباليسه.. الشخير..تكتكة الساعة .. تجشؤه.. رائحة الثوم..غطيطه العميق وهو نائم.. كل شيء ينتهك نعاسها، ترعبها الحقيقُة، واختلاط الأوهام عجينٌة من كوابيسَ وأصواتٍ وروائحَ من غير حدود فاصلة.


تّلف حول عنقه الحبل، تسحب الكرسي، يتأرجح مطلًقا قهقهة، يّفح أنفاسه في وجهها.. ولا يموت.


تنتفض من فراشها مذعورة وعرق بارد يغسلها، لا شيءَ حولها غيرَ الصمتِ والعتمةِ الحالكة وخيالاتٍ شبحية ترقص فوق الجدران، ترافقها من غفوة لأخرى، فلا تعتقها إلا مع الفجر، عندها يستغرقها النوم. وحين تستيقظ متأخرة لا تتذكر هل كان وجهه أم وجه زوج أمها؟.


يدفعها من بين كتفيها، ترتطم بالأشياء الثمينة التي تتحول إلى شظايا. "سأشتري لك غيرها".. يقول لها بأسف يتكرر، فيما تستمر تحف البيت بالتناقص.


منذ تزوجها وهو يبحث عن الحقيقة، كأن الحقيقة ملكها، أو كأﻧﻬا تخفيها تحت ثياﺑﻬا. ماالذي يتوقعه منها، وهي مجرد ضلع أعوج لا يستقيم؟.


يضرﺑﻬا، يلوي عظامها، يترك على جسدها كدماتٍ زرقاءَ؛ فإذا ما أﻧﻬكه التعب والقسوة، انكفأ فوق الرضوض والجروح يلعقها بلسانه؛ يبكي بضعف يقززها؛ يقبِّل قدميها طالبًا غفران جسدها المقدس؛ جسدها الذي يكرهه ويحبه في آن؛ وهي في الحالين تحتمل.


يرتمي في حضنها طفلا تعسًا؛ يتوسل إليها أن تعترف؛ يصغي لقصص تلفقها؛ طوفان زنِّخٌ يغمرها؛ تفقد الفاصل بين الحقيقي والمختلق؛ تحكي وتحكي، تصوغ ألف حكاية؛ فيما يهز رأسه بسذاجة؛ يدمدم دون معنى؛ تنتظم أنفاسه؛ فتعرف أن (عطيلا) نام تاركا روحه معلقة بين ﻧﻬديها. تفوح الغيرة، يميزها الجيران عن باقي الروائح؛ يتحدثون عن الدخان والنار؛ فالجدران الورقية لا تمنع التسرب؛ يتناقلون أخبارَ ليلها اﻟﻤﺠنون؛ فيما تكتفي هي بمنديل (ديدمونة) المهترئ لتمسح دموعها.


لاشيء يبقى على حاله؛ تستكين هامدة وفي حضنها جثة. منذ وعت وهي تعض لساﻧﻬا، عيناها خوخ أحمر، مع ذلك لا تنسى رغبتها في شراء ثوب مثير وضيق..


تضع نظارة قاتمة، وتنزل إلى السوق، تبحث داخل الواجهات البراقة. الزجاج، ونظرات العابرين الشبقة تعكس صورﺗﻬا، بعضهم يتوقف ليتأملها مليًا، تعرف جيدًا وقع جسدها بتكوراته المتناسقة، واكتنازه المثير، تتحسسه في خلوﺗﻬا، متمرد وشيطاني، التفصيلة الضيقة تشده بقسوة وتعلنه بغرور، البائع الشاب مستدير الوجه يقيس خصرها بشبر كفه المفتوح، يؤكد أن الغالي يرخص لعينيها الكحيلتين:


"خذيه.. هدية يا مدام.. مقدم دون ثمنه.."


تأخذه، وتنفلت قبل أن يعرف اسمها، تتركه وحيدًا وسط دهشته.تأخرتْ.


سائق السيارة المعممُ يبسمل ويحوقل، فيما تتشبث عيناه بالمرآة العاكسة، تضحك بانتشاء مغرٍ، تسأله: "ما خبرُ شيخُنا ؟."


يؤكد بانفعالٍ وصوته يكاد يلهث، أن جمالها كنز إلهي، وأنه مستعد لحفظه وستره لو وافقت.


ﺗﻬز رأسها.. تحرك حاجبيها.. لا تقبل ولا ترفض.

أبو عادل.. حسن أفندي.. شكري البقال.. سميح الجواهري، وآخرون غيرهم يؤكدون بحماسة ما تسمعه دائمًا، يراعوﻧﻬا، يخصمون ثمن بضاعتهم كاملا، يقدمون الهدايا بسخاء: نظارﺗﻬا بفصوص الألماس اللامعة ، عطرها من السوق الحرة أصلي وثمين، وبلا مقابل.. ساعة يدها موديل السنة.. عقد الفضة بحجر (إيميتست).. يسألها عنهم.. يلاحق أنفاسها.. يقبض على آخرَها.. يبدأ التفتيش.. يمد يديه اﻟﻤﺠنونتين بين أغراضها.. تسمع صفق الأدراج.. تعرف أن الأقفال التي تضعها لا تصمد أمام ثورته.. سيكسر كل شيء مقفلٍ دون أن يلاحظ المفتاحَ عليه.


الغضب حارقٌ.. حارقٌ، وهي منهمكٌة بتقشير البطاطس، فيما الزيت يطقطق، والرائحة تنتشر، تطغى.


يصرخ:


"أين كنتِ؟.. اتصلتُ ولم أجدك.. لا تقولي كنت عند أمك، فقد اتصلت ﺑﻬا أيضًا."


يشم سريرها، فستان نومها، ينبش سلة الغسيل، يُخرج ملابسها المتسخة، يشم القطعة الأصغر منها، يبحث عن رائحة ليست له.. لطالما اختلطت عليه الروائح.. تعم الفوضى.. تتعبه الحيرة.. يشّوح بذراعين يائستين.


تلمح ثوﺑﻬا الجديد بين أصابعه.. يدعكه بقبضتيه.. يعجنه.. يمزقه.. يخترق وعيدُه أذنيها.. يسمع الجيران ما لم يتمكنوا من إثباته أو إنكاره.


أما هي فلاهيٌة بتغطيس أصابعَ البطاطس في السائل المحمى.. طششششش


رؤى غامضٌة لرجولة تالفة تراودها؛ لا نصيب لها من ديك يفني دجاجته بريشه الملون غير الصياح؛ تزوجته أيام كانت تحبه؛ كانت؛ الأفعال الناقصة من حظها غالبًا، وهي جائعة جدًا، أما هو فيقف بين الصالة والمطبخ، يّلوح بمزق ثوﺑﻬا، يقول لها أﻧﻬا دليله القاطع، يسألها عن اسم عشيقها الجديد.


الصمت سيد الأدلة.. لا شيء سوى طشششششششششش


لو يستطيع إثبات شكوكه، لو أنه يرحمها، لكن جسَدها لا ينطق، ومسامَه لا تُُقر.


محاصرٌة بالجحيم.. الحرُ الشديدُ أكثرُ مما أعلنت عنه الأرصاد الجوية ليلة البارحة.


يجرها من شعرها.. يدفعها بقسوة.. يحط فوقها.. تطبق عينيها.. تستعد للألم.. يلقي رأسه فوق صدرها يجهش بالبكاء.. يرجوها أن ترتدي له الفستان الممزق.. تحترق أصابعُ البطاطا.. تذبل السلطُة الخضراء.. تفقد شهيتها أمام جثةٍ هامدة بدأت تفوح .


جدار ونافذة ( من مجموعة فسيفساء امرأة)

لا أحد يعرف.. لكن يبدو أن له نظراً مقلوباً كالحشرات، وإلا فلماذا يرتطم بالزوايا الحادة، متعامياً عن السطح الذي يستدير ببساطة برتقالة؟.



السيد فؤاد يصر على أنه موهوب بالوراثة، كان أبوه أحد أولئك القلة المشهورين في المدينة الصغيرة.


صورة الطفل والعجوز التي تتصدر قاعة مجلس البلدية، كانت آخر أعماله قبل أن يموت. بتلك الثقة المتوارثة أباً عن جد، حمل لوحته الخاصة، وقال بصوت جهوري مشيراً إليها باعتزاز:


" لقطة مميزة لجدار إسمنتي، عينك الخبيرة ستقدر قيمتها "


صاحب المعرض قلب شفته، وهتف ممتعضاً:


" مسيو فؤاد.. من غيرك يضيف إلى جدرانه الأربعة آخر خامساً؟ "


تضاءلت قامته، وانخفض صوته:


" اعرضها في صالتك ، وستغير رأيك. "


" كما ترى بنفسك .. المكان ضيق .. آسف."


لكنه رجل عنيد بضراوة مقاتل، لوحته النادرة بإطارها الخشبي الداكن تصدرت صالة بيته، منحها إنارة مناسبة: ضوء نهاري غامر، وانعكاس كهربائي خافت أثناء الليل.


هرت زوجته بضحكة مكتومة، و أقسمت أنها لا ترى أمامها إلا مسماراً صدئاً، كما وضحت له رغبتها باقتناء نافذة تطير منها، و قبل أن يفلح في تصويب وجهة نظرها، كانت قد انفلتت هاربة مع صديقه تاجر التحف الأبله لتتركه وحيداً مع هرائه.


هكذا وجد السيد فؤاد نفسه مهزوماً دون منطق، رغم أنه يرى بوضوح مذهل عبر عدسة التصوير، لكن موهبته وحدها لم تكفه للنجاح، كأن لعنة ما تلاحقه، كان يعاندها، فيحتد ويقسو.. وتعانده، فتتعنت وتفيض..


لم ينل من حياته ما أراده منها.


غفا بعضاً مريرة من السنين، صار في الخمسين، مجرد عضو مغمور في جمعية المصورين، يعمل في مجلة غير معروفة تجعله يدور بين المجاذيب.. والفقراء.. وقتلى الحوادث ليلتقط ظلالهم، خبراً أسود مطبوعاً فوق الصفحات.


***


صباح شتائي بارد، لكنه مرغم على الخروج في مهمة كُلف بها للبحث عن لقطات خاصة تناسب أفراح العيد.


نهض فؤاد من فراشه على رنين منبه أرقه طوال الليل بصوته الرتيب. كان مثقلاً بنعاسه. نزع رأسه عن الوسادة وتركه تحت رذاذ الماء البارد دون أن يشعر بالتحسن، رئتاه اللتان قرقرتا داخل صدره، أطلقتا بلغماً رغوياً، عالجهما بكأس بابونج ساخن ارتشفه على دفعات، وهو ينفخ أبخرته المتصاعدة .


أكمل استعداداته للخروج بسرعة فوضوي، صافقاً الباب خلفه، تاركاً المومس التي ضمته إلى قائمة زبائنها، واجمة ونصف عارية داخل فراشه البارد.


لم تكن تلك المرأة الأربعينية بضحكتها المقززة، وثناياها المترهلة يقين قلبه المتطلب، إلا أنه لجأ إليها كحبة مسكّنة، فكانت المسكينة التي لم يُرِها الحب إلا وجهه الأسود، تحتمل حدة مزاجه، حين يُفرغ شحنات غضبه شاتماً أباها وجدها، وكل من كان له فضل وجودها أمامه.


بدا فؤاد عابساً كعادته.. مقطباً كما تفرض عليه ملامح وجهه، كأنه مصاب بمغص كلوي مزمن. راح يخب في الشارع شبه الخالي، وقد عقد كفيه خلف ظهره المحني بعض الشيء يحدق بوجوه المارة العابرين به، مما جعلهم يديرون له ظهورهم متأففين من هذيانه الصباحي.


وأي فرق!.. لم تعد الصور تعني له إلا خيبات متصلة يحتمل عناءها.. فمازال ابن عمه الذي يملك حقلاً صغيراً يسخر من محاولاته اليائسة في التقاط صورة لبراعم تتفتح، كاد يفقد صوابه.. لم يهتد إلى اللحظة المثالية، كانت تلك الأزهار الصغيرة تراوغه، فتنغلق على نفسها معلنة موتها السريع، اللقطات الأخرى الأوفر حظاً لم تحتمل الرعب داخل عتمة آلة التصوير، كل ما حصل عليه مجرد صور صفراء وذابلة لحقل أجرد.


تجمدت أطرافه دون فائدة، مازال يبحث عن مصادفات لطيفة لا تأتي، بلغم كريه فوق جوزة الحلق يكتم البهجة، بصقه لاعناً الظروف التي تضطره إلى التسكع في الشوارع ككلب ضال، لكن صبية مندفعة من باب جانبي اصطدمت به وألجمت لسانه.


Pardon" " رطنت بالأجنبية، ومنحته شفتين عريضتين بابتسامة عجلة لها فتنة وميض.


قبل أن ينتزع عينيه عن تفاصيلها، كانت قد اختفت داخل سيارة أجرة أقلعت بها سريعاً.


" مهرة مستوردة.. لو أنها منحته وقتاً ": قال لنفسه متذكراً زوجته.


فؤاد الذي التقى زوجته السابقة وجهاً لعدسة أثناء حفل كبير لاختيار ملكة الجمال، ذُهل بالخال المتعجرف فوق شفتها العليا، صار هدفاً لمجموعة صوره اللاحقة عنها، أما هي فقد فتنتها إضاءة الفلاش، فقررت أن تخون نفسها وتكتفي به.


بعد انقضاء الأيام الأولى السعيدة من زواجهما القصير، واظب على إسماعها سر عبقريته:


" الصور التي ألتقطها لك أجمل منكِ، إنها تخفي شحوب وجهك، وثنايا عنقك "..


كان مخدوعاً بضلالاته، لا فضل لموهبته عليها، فهي جميلة بقدر إلهي، جعل من قوامها الممشوق منافساً خطيراً لعينيها الزمرديتين، ومرادفاً لائقاً لشفتيها الدسمتين..


عثر على شهقات حبها مكتومة في مكان ما من تلافيف ذاكرته، تلمظ بها.


لماذا خنقها بقسوته وأنانيته رغم أنه.. كان يحبها!؟.


من يدري.. ربما بقيت معه لو كان أقل تميزاً وأكثر كذباًً! فالنساء كائنات غريبة بأهواء معوجة!.


ارتطمت الكاميرا بجنبه الأيسر، فأوجعته، تحسر على الفرص الضائعة ، وتنهد بيأس .


أخيراً قرر فؤاد أن يحول مساره، انحرف إلى الشوارع الفرعية، لينحدر منها إلى الساحة العامة؛ حيث مركز المدينة الصاخب.


أعداد غفيرة من الناس، اكتظت بهم الأرصفة في ممارسة جماعية لعيد لم ينس أحداً . كانوا جميعاً يتبخترون بخيلاء يليق بالمواسم السعيدة، فيما طوت الريح إبرها الواخزة، لتسمح بانفلات نسائم عليلة أنعشته.. إنها طقوس العيد. يشق طريقه في الزحام، وينخرط في الخليط البشري، وجوه كثيرة تتحداه.


عدسته الانتهازية لاتوفر أحداً، تلتقط صوراً عديدة لبسطاء ومغرورين.. لعجائز مطمئنين، وشبان حالمين.. ولأطفال استنفدت صبرهم بالوقوف أمامها جامدين.


نفدت خامة أفلامه، فاستدار على عقبيه عائداً من حيث أتى، يتحسس جيبه المليء بالمفاجآت، هواء منعش يتمدد داخل رئتيه، تغشاه تلك الرؤيا، فلا يمانعها: ابتسامة خاطفة لوجه غائب وعينين تبحثان عن نافذة.


مقتطفات شعرية من ( جيران العالم) للشاعر اليوناني ريتسوس ترجمة خالد رؤوف

قال أليكوس:

[ فكر في أن الحياة تسير، وأنت غائب،
أن يأتي الربيع تلو الربيع بنوافذ مفتوحة، وأنت غائب
أن تأتي البنات وتجلس على مقادع الحديقة بفساتين ملونة وأنت غائب،
الشباب يسبح في الظهيرة، وأنت غائب،
شجرة مزهرة تنحني في الماء،
أعلام كثيرة ترفرف في الشرفات،
أن يصعد موكب عرض عسكري شارع ستاذيو
آلاف الناس يحملون أعلاماً حمراء في أيديهم،
يحملون أحلامهم أخيراً في أيديهم،
أن يقولوا كلمة رفيق بصوت عال، وأنت غائب،
ثم مفتاح يدور، والحجرة مظلمة،
فمّان يتبادلان القبل في الظل، وأنت تغيب
فكر في أن تشّد يدان على بعضهما، وأنت بلا أيادي
جسدان يتحدان، وأنت نائم تحت التراب،
وأزرار سترتك تحتمل أكثر منك
والرصاصة في قلبك لاتذوب،
بينما قلبك الذي أحب هذا العالم كثيراً، يكون قد ذاب]

30 أكتوبر 2010

اليوم العالمي للبنطال سيدتي، أنت تخالفين القانون( مها حسن)

بهذه الجملة توجهت إحدى الصحافيات وهي تعمل ريبورتاجاً عن بنطال المرأة، حيث كانت توقف أية سيدة ترتدي بنطالاً، لتفاجئها بتلك الجملة، أو لتطرح العبارة على شكل سؤال: " هل تعرفين بأنك تخالفين القانون؟ ". الدهشة كانت الإنفعال الأول، إلى أن تُلحق الصحافية جملتها بالقول " حسب القانون، يعتبر ارتداء البنطال مخالفةً " ... ترد أغلب النساء بالضحك، نعم، أسمع بهذا القانون. وثمة الكثيرات أيضاً ممن يجهلن وجود هذا القانون، حيث مرّ عليه أكثر من قرن، دون أن يتمّ حذفه أو إلغاؤه، فالقانون الصادر في عام 1799 والذي يمنع النساء من ارتداء " زي الرجال"، لا يزال فعّالاً في فرنسا، وإن لم يكن مطبقا واقعياً.

القانون المذكور ينصّ على " كل امرأة ترغب باللباس كرجل، أن تتقدم بطلب إلى البوليس للحصول على الإذن".
ثمّة تصريحاتٍ حصلت عليها النساء لارتداء البنطال، وهذا بين الأعوام 1892 و1909، وذلك للنساء اللواتي يستخدمن الدراجة الهوائية " البسكليت" أو للواتي يركبن الحصان.
الرسّامة روزا بونور وهي أول امرأة تحصل على وسام الشرف عام 1865، كانت بحاجة إلى تصريح قانوني لارتداء البنطال، وهذا " لأسباب صحية". حصلت روزا على إذن ارتداء البنطال، في 12 أيار سنة 1852، ولمدة ستة أشهر فقط، للظهور بالبنطال أمام الجمهور وفي أماكن العرض.
كولين أفران، البالغة حالياً 63 سنة، ظهرت على شاشة القناة الثانية الفرنسية، كمدافعة عن البنطال، وروت أنها عام 1967، حين كانت طالبة، و كان الطقس بارداً في ذلك اليوم، فقررت ارتداء بنطال من الجينز الأزرق، إلا إدارة المدرسة أعادتها إلى البيت، وقالوا لها يومها " آنستي، عودي إلى البيت وارتدي ملابسك بشكل صحيح". كوليت التي أجبرت على ارتداء التنورة حتى العشرين من عمرها تقريباً، لم تعد ترتدي منذ ذلك اليوم، سوى البنطال، ولم تعد تحوي خزانة ملابسها، سوى البنطالات.
مصمم الأزياء إيف سان لوران والذي أدخل البنطال ضمن مجموعات تصميماته، قال أنه ليس مع فكرة ارتداء المرأة للبنطال على سبيل الاستفزاز والتحدي، بل يرى في ارتداء المرأة للبنطال، شكلاً من تطوير أنوثتها.
أما سونيا بوكر، والعاملة أيضاً في حقل الأزياء، فقد اعتبرت أن البنطال أجمل هدية حصلت عليها المرأة. إذ تقول سونيا: "بالنسبة لي، إن أكبر قوة للبنطال هي المساواة، ليست المساواة مع الرجال، ولكن مع أولئك اللواتي لهن سيقان جميلة".
جدير بالذكر أيضاً بأن مضيفات الطيران الفرنسيات، حصلن منذ سنوات قريبة فقط على حق ارتداء البنطال بدلا من التنورة.
ثمّة مثل فرنسي، أو مقولة " من يرتدي الكيلوت؟"، ومن مرادفات "الكيلوت" باللغة الفرنسية، السروال، أو البنطال، ولا تقتصر اللفظة على الملابس الداخلية فقط، وهي تعبر عمن يملك القوة، خاصة في الحياة الزوجية، فالسروال، أو "الكيلوت"، هو تعبير عن القوة والسلطة، لذلك ترى الكاتبة كريستين بارد، صاحبة كتاب " التاريخ السياسي للبنطال" أن الخوف من ارتداء المرأة للبنطال، هو خوف من امتلاك المرأة للسلطة، لأن البنطال هو رمز السلطة.
في فيلم " اليوم العالمي للتنورة " لإيزابيل أدجاني، والذي أثار ردود أفعال مختلفة بين صفوف الفرنسيين، وخاصة فيما يتعلق بالتعليم، حيث الآنسة التي ترتدي التنورة، وتتعرض لتحرّشات التلاميذ اللفظية، وحيث انتقدها زملاءها في المدرسة، بأنها هي التي تتسبب وتحرض التلاميذ على تحرشاتهم، بسبب ارتداءها " للتنورة ". ثمة صرخة في الفيلم ، طالبت فيها أدجاني بحق ارتداء التنورة، وقالت بأن التنورة كانت هي القانونية، وكان البنطال هو الممنوع، فهل علينا أن ندافع اليوم عن حق ارتداء التنورة.
ا يزال يعتبر كثير من الرجال، وربما النساء، أن التنورة رمز أنثوي أكثر من البنطال.
كان أبي، رحمه الله، يشجعني على ارتداء البنطال، رغم أنه كان محافظاً، ولكنه كان يعتقد بأن البنطال أكثر حشمة للمرأة.
بين الحشمة والأنوثة، بين القانون والعرف والتطبيق اليومي، هل تتخيل إحدانا، أن ارتداءها للبنطال هو مخالفة تستحق عليها الجلد، كما حصل مع الصحافية السودانية لبنى، أو أنها مخالفة في فرنسا، حتى ولو أكل عليها الدهر وشرب، حتى ولو أن الفرنسيات، برلمانيات، وزيرات، طبيبات، قاضيات، سيدات في الجيش والبوليس.... يرتدين البنطال.
ترانا يجب أن نشن حملة لارتداء البنطال، أو أن نصنع له يوما عالميا، على غرار عنوان فيلم إيزابيل أدجاني، فننادي بـ " اليوم العالمي للبنطال"، لنحرر المرأة من نظرة الآخر إليها، الآخر سواء أكان من جنسها أو من جنس الرجال، حتى لا نحصر أنوثة المرأة بالتنورة أو بالفستان، وربما، كي لا نربط بين مفهوم الأنوثة، وطريقة اللباس ،من الأساس. إذ لا يمكن أن تتوقف أنوثة المرأة على شكلها، ملابسها، اكسسوارتها، ماكياجها...






ملاحظة: تمت الاستعانة في كتابة المادة، بتقرير أوردته القناة الفرنسية الثانية بمناسبة احتفال "حركة تحرير المرأة "، بمرور أربعين سنة على تأسيسها، وسوف يكون لنا وقفة مع هذه الجمعية أو المنظمة التي تأسست في سنة 1968.








10 أكتوبر 2010

غطيط الزاناكس( سامي سعد)

1-


وحدي أرتب أيام الأسبوع

أنظف أكواب الشاي


أتجول بين الأشجار


أستوي على الأرض


أراجع الحسابات في الدفتر المحترق

أتردد بين السطح / القبو


أضبطني نائيا في بحار جافة


أصنع بيوتاً لكائنات منقرضة


يظللني الورق المتعب من السفر


و غيمات مأسورة بالحنين

فيما يتبادل الرجال زوجاتهم

و تنسى النساء عشاقهن القدامى



في المدينة الجديدة


وحدي، بلا عمل و لا لغة


أواظب على كل مالا جدوى منه


-2-


في البلدة النائية المؤمنة


في العاشرة


يغلق الكهف أبوابه


على أولئك الذين يمتهنون التنفس و النوم


فيما يفكر العاطلون

في حانات على طرف البحر

و نساء مترعات بالشبق

في مساء كهذا المساء الوحيد

أحمل صمتي، و أطرق الباب


معك سأسهر يا الله


-3-

أعرفه، و يعرفني


نجلس متجاورين أو متقابلين


يحدث بعضنا الأخر


و أحياناً لا نفعل


نستحم معا

و نرقد بالليل في فراش واحد


و بإمكان كل منا أن يكون ذاته أيضاً


نحب و نحزن كباقي البشر






لكن لا أسرار بيننا , فقط هو الصمت






أحيانا أفكر في هجرة , و يبادلني الرغبة






أستغرق في النوم






و أتركه على حافة السرير






يجوس خلال أحلامي






نتبادل المودة , الملابس و البكاء






مرات بلا حصر نلتقي صدفة عند امرأة






مرة فكرت في الانتحار






فوجدته يعلق رأسه في حبل السقف






تراجعنا قليلاً و لم نتعاتب






في ليلة كهذه ، بلا نوم و لا صديق






يناولني حبة الجوافة , و كوب ماء






يرهقني هذا التوحد






فاجأته مرة بسؤال: ماذا ستفعل حين أموت؟






قال: سأبكي مرة ثم أغادر






فلا أحد سوايّ يعرف






أنك رغم كل شيء جدير بدمعة






في ليلة كهذه






عمياء من الرحمة، و الحنان






واسعة بلا معنى






أراه يجلس قبالتي






يكتب ما يدور برأسي






















-4-










يلزم ملح كثير






و أدوات حادة






عيون ثاقبة






و قلب بارد






يلزم يقين الأعمى






بأن الضوء شيء ثانوي






و أن كل الخسارات جائزة






أعصاب ثلجية






و رأس ثقيل






يلزم ربما






تلاميذ مخلصون






من العهد القديم






يلزم فضاء محايد






و سماوات قريبة






جبال بها بعض الكهوف






قليل من الينابيع






يلزم خيل جيدة






ساحات للكر و الفر






شاعر أو شاعران






بلا انتماء






يلزم ليل أطول من هذا






بنات معجونات بطين الحنان






وقت يتسع لنسج






الحكاية أخر الليل






و احتمال السقوط بعتة






في عتمة الفجر






















-5-










لأنني لا أقدر أن أفعله






عاشق التفاهات الصغيرة






الحيوان الحر / الرائع






أفعل كل الألعاب البذيئة






أردد ما لا يعرفه






سوى السوقة و المارقين






و أكون سعيداً للحد الأقصى






مثلكم جميعاً






أنتم يا أحبابي المنبوذين






بشرط صغير / بسيط






هناك خلف هذا الحائط الأبكم






المدجج بالعيون الجاهز دوماً






لإصدار الأحكام ضدي / ضدنا






نحن الذين لا نعرف الحياة






سوى هناك






حيث بإمكاننا أن نكون






كما يشتهي الجميع أن يكون






وحده في عماء الآخرين






















-6-










يتحدث عن مكان ما






يمكن الوقوف عليه






ليحب بعضنا الآخر






دون أن تتشقق الأرض






فجأة من تحتنا






أو تخبطنا صاعقة






على حين غرة






تحت أسماء لا معنى لها






















-7-










ينهض عن يمين القلب






بنياً وشامخاً و وحيداً






فيما الفضة تنسال على اللازورد






كانت الكلمات جريمة






والصمت لا يغتفر






أنا الأبدية العانس






و اللحظة سلسلة من الموج






أيه/ يا أيها الطويل المقدس






ماذا عساي أن أفعل غير البكاء؟






















-8-










الموسومون بشبق الحافة






أنى لهم الأرض يمشون عليها






أو سماوات يتكئون على إفريزها






لا أعرف المكان المناسب






و لا اللغة اللائقة






لا أملك دعماً كفاية






و لا شجاعة حمقاء






كي أقف بالطريقة






التي أشاء / أينما أشاء






و أتحدث بدون عقل






عن أشياء غير مرتبه






و أحداث لا أعرف كيف جرت






















-9-














ربما القر الشديد






لسع الرياح / وضوح المطر






ربما صبية قادمون من أقاليم بعيدة






دافئون، و قريبون من العين






يعتصرون الآن عشيقاتنا القدامى






نحن الذين نتضور جوعاً






لكلمة دافئة، و ابتسامة صغيرة






نهبط الدرجات كالميتين






نحفظ العهد ، ووصايا القانون






الذي لم يجلب لنا الدفء






و لو لمرة واحدة


























-10-










لم أسافر فجراً






لم أحمل أكياس البطيخ على ظهري






لم أمشي وراء الناقة عشرون كيلو متر






لم تذهب طاقتي في جلسة القضاء العرفي






لم أحرث أرضاً ، أو أنقل حطباً ، أو تغمرني شمس الريع






لم أتحمم في البئر الذي لا قرار له






و رغم هذا أصحو في السابعة مساءاُ ، يا للخجل






فلتعلم يا أبي






الليل و النهار الذي تعرف، قد ذهبا






مثلما أنت ذهبت ، مثلما أنا ذاهب






في غطيط الزاناكس






أبدل أيامي الحديثة






كما أبدل ملابسي الداخلية






بصمت ، على عجلة






و يقينا في قرف






















-11-


























القديسة التي تشرب الخمر






وتدخن الحكمة






وفي الليل الرطب الثقيل






تشعل الذكريات






أخبرني زوجها الوفيّ






أنـه بالكــــاد يقـــدر






علي شراء الشراشف والخبز






وترتيب المواعيد السريعة






وفيما يبقي من وقت






فإنه يشاركها الصلاة






علي أرواح عُشاق قدامي














-12-


















ريف






من سنواتَ بعيدة






كنــا هنــا






نقطع الشارع الفرعي






أمـام البريد






أتذكر حتى ملمس كفك






هــا أنا أعبر ذات المكان






وحـــدي أتأبط خصرك الوادع






لا شيء يتغير






لا المكان القديم






ولا خطوتنا الواحدة





















-13-














كانت تنمـــو






في عنفوان الزوال






و كانت اللغة الكسيحه






تلهث اثـر خطوها






دون جدوى






أجلس الآن لأروي






فوائد الصمت






















-14-














أعرف أنني






تقدمت كثيراً






أو تأخرت كثيراً






غير أنني






ما كنت قط






في اللحظة الملائمه






















-15-














في كل مكان






كانت لنا حياة






مثلما الآن تماماً






في كل مكان






صار لنا ذكريات






08 أكتوبر 2010

النوم .... عاشق مغدور( كندة السوادي)

النوم هو الرجل الوحيد الذي يعلم أني سأصمت للأبد إذا ما سمعني إلى النهاية ..  رجلي الوحيد يصدق أن السيارات هي التي تخشى مني وليس العكس .. رجلاً لا يصنع من قطرات دمي شبكة وعناكب يغلق الباب وراءه بهدوء ويغزل رمشاً على رمش كما اغنية سعيدة .. أقول للنوم اني لم أكذب على احداً وأني أمد ذراعي دائماً للحب فيأخذ رأسي إلى رقبته .. ، رجلي الوحيد يسمح لي بالعبور من جسده كمسيح مبهم على الله ، النوم هو الرجل الوحيد الذي صدق أني رأيت قرداً بنياً في شجرة التوت ..  وإني طيبة لكن لا أحسن التصرف فقط ، لكنه يطلب مني ان افعل كما فعل القرد ...، يعلم النوم أني لا اتنفس جيداً في النهار فيطلق لي رئة حرة للطيران ..، ويصدق أيضاً أني لا أثمل بل اصطنع ذلك وأني  رأيت أصابعه تنقض على فخذ صديقتي واني لم افتعل دعابة حين هددت بإلتهام عينيه الجميلتين من قبره ، رجلي الوحيد يشهد أني أكلت عينيه حقاً وهو حي ويلهث ..، النوم  رجلاً أعشقه ويستحق ذلك  يتمنى أن لا أذهب إلى القبور لوحدي فجراً ، وهو متأكد مثلي أنهم يعيشون  لكنه يتلعثم حين أسأله عن الموتى الحقيقيون ...، النوم رجلاً شديد البأس يعرف أن الألم في قلبي له صدى رتيب وممل ..، لذلك لا يمل من أوامر جسدي  حتى لو قفز فوقه دون أن ينظف اسنانه وبثياب السهرة الخائبة ، ولأن جسدي وقح للغاية سيبصق في وجه النوم لأنه لم ينظف أسنانه هو ثم  سيرفض المعاشرة الزوجية  ... النوم رجلي الوحيد ...يعلم أني أحتاج إلى الإرتماء بين ذراعيه كل الوقت ..، ومع ذلك أتركه جثة باردة في السرير وألحقك أنت بين السيارات السريعة ...