16 فبراير 2011

نص يحيى بطاط. اللوحة لـrenata Brzozowska

واقف على حافة اليقين الذي أخذني مرة إلى بئر الله، تلك البئر المكتظة بشتائم الموتى.



من هناك أرفع سبابتي وأشيرُ إليكِ،..


معلـّقة كل الكلمات بحبل الخذلان. ماذا عساني أن أفعل تحت ظلـّي الطويل، سوى أن أرقـّع غيابك بشجرة تشبهك..


واقف، منذ أن بذرني العدم في رحم يتّسع لموتي القادم، لا أفقه من اتجاهاتي سوى تلك السبـّابة التي حملتني إليكِ.. ولا أعرف من الحكمةِ سوى وقاحة القول.


ومع كل عثرة أتذكركِ، مع كل امرأة تعوي على صدري يستبد بي جوعٌ إليكِ.


أنا خالق الندم،


ومبدّد النوم،


وقرين الخطايا.


أنا الولد العاق، نافخ القصب،..


أنا الهذيان الذي استيقظ في سوادِك،


والمسرة التي سرقتكِ من أبويكِ.


واقفٌ هناك، مثل نهرٍ مبتلّ بالمرايا... مثل سرابٍ يتوهم نفسه، مثل جثةٍ تتحسر على أيامها... مثلي أنا،


واقف أعضّ على سنواتي، وأغني تحت دخانك يا حبيبتي،...


أغنـّي، وأرسمكِ في كل امرأة لأخونها بكِ،


ثم أصطفيكِ أميرة على الندم.

ماذا أفعل بهذه الجثة التي ألهمتني سرَّ التفسخ؟ ماذا أفعل هنا وحدي؟ سوى أن أبدّد ملامحي في شخير الليل، أنفخ البالونات الملونة، وأطلقُها في سماء تستبدل كل ليلة قمرها بذئب...


ماذا أفعل بقصيدة، لا تستنزل أمطارك..؟


ماذا أفعل بنساء يكفرن بي أمام كل ذكر..؟


ماذا أفعل ببحر مالح من فرط ما يتكرر؟


ماذا أفعل بنسيان لا يتذكرك؟


هكذا يمكن لرجل عاق مثلي، أن يعلـّق ريشة على صدر أيامِهِ، ويقول انظروا إلى طيراني..


ليس لديه بين قربه وبعدكِ سوى حفنة من الأخطاء المدهشة

حتى وأنا أحفر قبراً يليق بحياتي القصيرة،


أدفن فيه مسراتي،


ينكسر فأسي ويشرخني الندم.


موحش هذا العراء الذي يستأثر بي، ويتملقني مثل مكيدة.


لا وقت يكفي لغضبٍ آخر، ولا لشجيرةٍ تنحي على ظلـّي، وليس لدي متـّسع من الوقت للـّغو مع الملائكة..


هنا أرسّخ راية ترفرف مثل كف غريق،


وهناك..


هناك.. وليس في أي مكان آخر،


على حافة اليقين الذي أخذني إلى بئر الله الموحشة،


تلك البئر المكتظة بشتائم الموتى،


أستطيع أن أدعي أنني كنت مبهجاً، وقادراً على إطلاق الضحكات التي تزين حياتك








15 فبراير 2011

الانترنت وثورة الفيس بوك

لم يكن العالم قد تفاجأ بعد بتأثير وسائل الاتصال الحديثة في نجاح ثورة كل من تونس ومصر، ومع ذلك استغربت رأي أحدهم بالمواقع الالكترونية ومستوى جديتها، بل وقيمة ما ينشر على صفحاتها، قائلاً بأنها "لا تعدوا على أن تكون تضييع وقت وبديلاً لمن لم يتسن لهم النشر الورقي، ومكاناً رحباً لتبادل حفنة مجاملات" مستهتراً – بقلة دراية - بكل ما أتاحته فضاءات الانترنت؛ كالمجموعات البريدية والمدونات والصحافة الالكترونية والمواقع الاجتماعية من حراك تحول مؤخراً إلى منابر تصدّر الأفكار وتؤثر في الشارع العام.



ذلك الشخص الذي لا ريب يتابع الآن القنوات الفضائية و تطورات أحداث انتفاضة مصر، ومن قبلها ثورة تونس، صار يعرف بأنه في الحالتين كانت فعالية شباب الانترنت وراء إعادة المعنى المنسي لإرادة الشعوب، فالمتعاطون مع الشبكة العنكبوتية في كلا البلدين حولوا أفكارهم من شعارات ونداءات افتراضية إلى أرض الواقع، وتحولوا إلى مراسلين من موقع الحدث، ومنسقين، وفاعلين ومتفاعلين، وبفضل ما يتيحه الانترنت من إمكانيات سحرية، تم بسرعة فائقة إنشاء شبكات على الفيس بوك وتويتر ترصد الأحداث لحظة بلحظة، فيما أعلنت مجموعة غوغل تعاونها مع موقع تويتر الاجتماعي لإطلاق نظام يتيح للمصريين الاتصال بواسطة الهاتف العادي، كي تفتح قنواتٍ كسرت الحظر والتفت على الحجب الذي مارسته السلطة المصرية حين قطعت الاتصال عن مستخدمي الشبكة العنكبوتية مع الخارج، للحد من تنظيمهم. لكن التعتيم الذي مورس على تجارب شبيهة سابقة - لم ننسها بعد - لم يعد مناسباً أمام طرق الاتصال الحديثة؛ المحمول والانترنت وفضائيات البث المباشر.


على شاشة إحدى القنوات ظهرت سيدة مصرية عجوز تقول [كنت بقول شباب مصر بتوع الانترنت بايظ، دلوقتي أنا جاية أبوس رجليهم]
إن الجيل الجديد الخارج من قمقم الوصاية، بنقرات من أصابعه على (الكي بورد) استطاع أن يُحسِّن سمعته، بما أظهره من وعي وجرأة، فهم لا يقدمون دمائهم -بحسب الشعارات الايديولوجية البائدة- لكنهم يدافعون بسلم وهدوء عن صوتهم وقضيتهم ومطالبهم في الحياة بلا خوف.
فالشبان الذين حملوا على عاتقهم رهانات المستقبل استطاعوا لملمة صفوفهم، والقيام بأكبر احتجاج سلمي في التاريخ الحديث للمنطقة، رافعين شعار إسقاط النظام دون أن يوجههم حزب أو شعائر عقائدية أو دينية، الأمر الذي أيقظ أحلاماً غافية وربما ميتة ما كان لها أن تصحوا بسهولة، كما جعل الأنظمة الاستبدادية (تتحسس على رأسها) بعد أن كان الظن كل الظن أن الشعوب العربية تدجنت إلى الأبد.

في عودة لصديقنا الذي جزم بعدم جدوى (الانترنت) التواصلية، وسواء كان يراجع نفسه الآن، أم يتسمر عند رأيه، باعتباره مواطناً سورياً من جيناته العناد الفكري، فأنا أعذره كونه، لم يتعامل البتة، أو تعامل بشكل عابر مع الشبكة العنكبوتية، وهو أمر شائع ومبرر في ظل خدمات الاتصال الالكترونية المتاحة في سورية، والتي تعاني من الضعف والبطء والغلاء والحجب !
إن عدد المتعاملين السوريين مع خدمات (الانترنت) أقل من 4 مليون شخص، أي 20% من عدد السكان، وهو مستوى أدنى من باقي الدول المحيطة، ما جعل المواطن عموماً يكتفي بحكم الضرورة بهيمنة الصحافة الورقية وتوجهاتها المحدودة وضوابطها الكثيرة في تصدير الخبر، أما الشبان والشابات ممن يتعاملون مع الانترنت، فهم يكسرون الحجب المفروض، حيث يبلغ عدد المواقع المحجوبة حوالي 244 موقعاً، لكن باستخدام وتناقل (البروكسيات) يصبح المنع مسألة تحصيل حاصل، لا تحتاج إلا للصبر، والتحايل الالكتروني للوصول إلى كل المواقع المطلوبة، سواء كانت مدونات يتابعونها، أو مصادر إخبارية، أو مواقع اجتماعية لا تعجب الرقيب، أو تحديداً لأنها لا تعجب الرقيب، فيشاركون بحماسة منقطعة النظير، متابعين المقالات والمدونات، ومتضامنين مع ثورات الجيران، منادين إلى اعتصامات سلمية، وإلى مسيرات غضب، وفي الوقت نفسه تطلق مجموعات أخرى صوتها المخالف، فتنادي إلى مواجهة صوت الطائفية، وترفض كل ما يفتت (وحدة الصف).
يبدو كل ذلك مؤشرات دالة على أن التقاط كل شاردة وواردة أولاً بأول أمر ممكن سواء رضي بذلك الرقيب أم لم يرض، وعلى أن الثورة (الحداثية) ما عادت افتراضية ولا مستبعدة بوجود ما صار يسمى (ثوار الفيس بوك)
سوزان خواتمي

12 فبراير 2011

الصورة الفائزة بجائزة الصحافة العالمية لعام 2010

التقطها جودي بيبر، عن افغانية تعرضت للعنف الجسدي من قبل زوجها. الصورة نشرت على غلاف مجلة تايم في عدد اغسطس

طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد : نبيل صالح

كان القط يركض بحماسة والفئران تفرّ مذعورة منه.. الجميع كان يجري، وكلما اقتربت الفئران من رأس المثلث ضاقت الجدران عن جانبيها. قال الفأر عباس لرفيقه حكيم وهو يلهث: قل لي ياحكيم، إلى متى سوف نركض أمام الخوف؟ قال حكيم: سوف نبقى خائفين وهاربين مادمنا نعتقد بأننا مجرد فئران!


قال الفأر عباس: وهل نحن إلا كذلك؟ قال الحكيم: ولكن تقدير معنى كلمة فأر يختلف بيننا وبين القط، فنحن بالنسبة له مجرد طعام واستثمار، بينما في نظر أنفسنا فإن الفأر أكثر ذكاء من الفهد والنمر، وأكثر إنسانية من الذئب والدب. ومع نطق كلمة دب تعثّر الفأر حكيم وأصدرت دحرجته واصطدامه بالجدار صوت دب دب دب دج آي يا أمي. غير أن يد الفأر عباس تلقفته من عثرته فأنهضته وأخذ يجرّه خلفه لاهثاً. قال حكيم: اتركني ياعباس، اتركني لعلّي أكون فداء لكم. قال عباس: لن تكون سوى وجبة تؤخر وجبة قادمة؛ لقد صلبوا المخلّص يوماً، ولكنهم لم يتوقفوا عن الصلب والقتل إلى الآن. هيا اجرِ بسرعة يا صاحبي.. وكان القط يتقدم والمسافة تقصر إلى درجة أن ظلاله أدركت الرتل الأخير من الفئران المنداحة أمامه والجدران الشاهقة تضيق عن جانبيها دون أن تترك لها منفذاً تتسرّب من خلاله، وكان الفأر حكيم يقصّر في جريه، الأمر الذي دفع صاحبه عباس لأن يردفه على ظهره ويتابع الجري به. قال عباس مخاطباً حكيم: لطالما سخرتَ من أهمية العضلات يا صاحبي مفضلاً الحكمة عليها. قال حكيم وذيله بين ساقيه: الحكمة لا تنفع أصحابها، وهي ليست شيئاً إذا لم يتلقفها الشعب، الحكمة بحاجة إلى جمهور والجمهور يحتاجها ولطالما أكلت الحكمة أصحابها. ‏






نظرة من الأعلى إلى أسفل: كانت الحياة تجري، والفئران تجري، والقط يجري، كل منها لهدف مختلف، لم يكن القط ليبذل كثير جهد في جريه لعلمه أن رأس المثلث مغلق بينما الفئران تجهد نفسها بأمل أن تجد منفذاً في النهاية. ‏


قال حكيم لصاحبه: أنزلني يا عباس فقد صار باستطاعتي أن أجري. قال عباس: نعم فالسرعة أهم من الحكمة في وضعنا الحالي، ثم راحا يجريان مع الجموع المتدفقة نحو المجهول بينما قهقهات القط المرعبة تلطم شغاف الفئران وتضاعف من سرعتها. ‏ أخيراً عندما انحشرت الفئران في الزاوية ووصلت القصة إلى ختامها ورفع القط كفّه وأبرز مخالبه وامتدّت ظلالها فوق أرواح الفئران العزيزة عليها، نظرت الفئران عن يمينها ويسارها وخلفها فلم تجد سوى الجدران وجموعها المحاصرة. لحظتذاك صرخ الفأر حكيم: أيتها الفئران ياإخوتي، انظروا إلى أعدادكم الهائلة مقابل قط وحيد! وفجأة أدركت الفئران قوتها فهجمت على القط ومزقته وأكلته حتى لم تترك منه سوى ذيله الملتوي لكي تتذكر سائر القطط أن تترك منفذاً عندما تحاصر الفئران..




نقلا عن موقع ( الجمل بما حمل)
http://www.aljaml.com/node/67521

06 فبراير 2011

القول خطفاً


* إنه القطار فاركبه.. وإلا مافائدة أن تحزم حقائبك كلما سمعت الصفير؟
                                                       سوزان

01 فبراير 2011

مرثية لحفار القبور... احمد محجوب



اليه قريبا جدا


وبعدك من ذا يصافحنا في الجنازة


ويشرب ماء القتيل؟

ومن ذا يحدد أحلامنا بالحرام


إذا ما ارتكبت البعاد قليلا


فمن ذا سنكتب في الدفتر المدرسي سواك

وأنت المصاب الجميل؟

ماذا سيفعل أطفالنا كل عيد


وماذا سيكتبه الضابط الآن بعد اختفاء التهم؟


وكيف نربي الضفيرة والخوف والانحناء؟

وأنت البعيد / البعيد؟
*
سنخبر أعدائنا اليوم أن البلاد استحمت


وأنك لم ترفع القيد عن وجهنا المحترق

سنخبرهم في الإذاعة أن الزعيم سيخرج للطور عما قليل


يعلمه الرب كل الكلام المملح


ولن نعبد العجل قط


سنصرخ

" خبز المعونة أشهى "


وأن يداك التقتنا كثيرا


وأنك لن تترك العشب يحتل صدر الوطن

سننفخ وجه الشهيد لمنطاد ظلك

ونجتر سيدنا في المباحث

ونخبرك اليوم أن البلاد استقرت على مقلتيها

فلا غضبة في المساء المقدس


ولا رعشة الخوف تفلق وجه الوثن
*
سنذهب عما قليلٍ إلى خطونا المرتعش

ونركض في عمرنا مرتين ولسنا نخالف ظلك أبدا


سنكتبك اليوم في ساحة الجامعة


" نحبك كي لا يعود المغني يغني


و كى لا تهدهدنا كل يوم ٍ جفون السماء


نحبك قبل الولادة

بعد المنام

نحبك كي لا نمل من الانتظار"

*
سيسألنا الرب يوما

كيف احتملت سخافتنا كل هذا الزمان


ونحن التردد والموت جوعا لكسرة خبز بصدر الوطن


وكيف أقمت الرحيل جهارا ووجهك في الليل يغسلنا بالمسد

كيف تركت البلاد لتنمو ضفيرتها المهملة




وكيف تركت العدو ليبكي عليك


تتركه دون وعدٍ أخير؟


سيسألنا الرب يوما


كيف وقفنا نرتب أحقادنا بأنتظار المجيء

وكيف تناسى الصغار طعام المعونة


وكيف انتظرنا الرحيل بلا نهنهاتٍ جديرة


بلا أغنيات جديرة

بلا علم ٍ يحفر الأرض بحثا عن الماء والطمي في أعين الحافيات؟


*
من ذا سيعرف بعدك أسماء أولادنا

ومن ذا سيخرج من ساعة الوقت يزرع فينا العساكر


لمن يقرع العسكري الجرس؟


لمن ترتدى الأمهات الجديد؟


لمن يسجد العاشق الجامعى؟


ومن نكره الان بعد المصيبة ؟

كيف تكون النكات على من يليك ؟


وكيف نحدق فى ظهرنا كى نفكر فى راحتيك ؟


كيف نبيع الحياة ولست هناك لتخبرنا بالثمن ؟؟؟؟؟


*


نقسم بالمدح والسيف والسوسنات القتيلة

بأنا نحبك

نحبك تفرحنا كل عام بوجه العدو


نحبك تنهرنا فى المساجد


تنهرنا فى البيادر


تتنهرنا فى الضحك

لا تخش شيئا

لم يعد الموت يدهش أطفالنا الان أكثر

وجهك صار التفاتا إلينا بلا معجزات

وهذا الجدار توتر بعد اختفاء الوثن


- تمنى ولو مرة كي يعود الزمان المجيد ويحفره الصبية العابثون بحد الرغيف -

وتصرخ هذي البلاد الثقيلة


"يا ربنا المتكلس الصخري

عد


يا ربنا المعقوف ذو الكتف العريضة لا تلمنا


سنقاتل الأعداء بعدك لا تلمنا

سنزيل أغشية العساكر لا تلمنا

مرة في العمر نكره أن نلام على الضحك


مرة فى الليل نذهب للنساء بلا عسس


مرة يحبو الصغير بلا مغبة


سنذهب للتل نعبدك الآن جهرا


فلا تنتظرنا بعيدا


فأنت البعيد / البعيد "


الخبز الكافر

سوزان خواتمي: فجأة، بدأ الاهتمام بالجوع والجائعين بعد أن تبين بأنه السبب الوحيد الذي هزم الخوف، وأشعل الثورة، فانتبه المعنيون الذين يقتصر نظامهم الغذائي على الكاتو إلى رغيف الخبز؛ مسعى الجياع، والفقراء، وحلم البطون الخاوية.



مؤخراً بثت قناة اورينت التلفزيونية تحقيقاً تناولت فيه تدني الدخل في سوريا وارتفاع الأسعار، ونتائج ذلك على المواطنين، جاء فيه نقلاً عن جريدة الوطن بأن مهندساً اضطرته الظروف للعمل سائقاً لسيارة تاكسي، ما جعل نقابته تطالب بفصله ! والحقيقة لم أفهم لماذا لم يعدّل ذلك البائس خياراته، وينضم لجماعة (تدبير الراس) الشائعة ؟ هل بسبب معايير الشرف الرادعة، ونظافة اليد، أم لأن مواقع (البلع) مشغولة بالكامل، على حد تعبير أحد الخبثاء !


إن انتباه ملتهمي الكاتو للغلاء المعيشي بما لا يتناسب مع دخل الفرد، جعل وزارة الصحة تتراجع عن خطتها في رفع أسعار الدواء، كما تم تخفيض أسعار بعض المواد التموينية من غير أن يلتزم التجار بذلك فعلياً.


بحسب مجلة جلوبال فاينانس صنفت سوريا باعتبارها من البلاد الأقل دخلاً، محرزة المرتبة 11 عربيا و111 عالمياً، وفي المقابل لم يقع تحت يدي دراسة رسمية تحدد نسبة دخل الأغنياء ومصادر رزقهم، لا عالمياً ولا عربياً، كي نتعاطى مع مقارنات منهجية. ومع ذلك تزداد الفروق وضوحاً بين ذوي الدخل المحدود الذين لا يستطيعون التكفل بتأمين حاجياتهم الضرورية من مأكل ومسكن وتدفئة، وبين طبقة الأثرياء وأصحاب المال وميزات الترف التي يعيشونها، بحيث صار التفاوت الطبقي سمة واضحة في النسيج الاجتماعي السوري، خاصة بعد أن ذابت الطبقة الوسطى وتلاشت.


إن حالات الفقر والعوز يتسعان في بلادنا بحيث يصبح الكلام عنهما ليس مجرد حديث رمزي عن تدني الدخل، في مقابل زيادة ثراء البعض، ولو استمر الحال بالإيقاع نفسه فسيكون مصيرنا كمصير دول أفريقيا الأشد فقراً.


ربما لن يصدق أحد أن امرأة مسكينة توفاها الله منذ أيام، كان ابنها يضربها (هي مبالغة صحفية، إذ أنه كان يكتفي بنحرها في رأسها فقط) كلما طلبت رغيفاً إضافياً عن حصتها اليومية ! وهنا يمكن تفسير القصة بعدة وجوه، إذ يمكن للابن العاق (وما أكثرهم) قد وصل أخلاقياً إلى الدرك الأسفل، أو ربما هو جشع الأم، وجوعها المبالغ به، وكان عليها أن تتفهم بأن ثمن ربطة الخبز بلغ 15 ليرة ! فإذا رجعنا إلى نموذج المهندس السائق الغلبان بشقائه، يتضح بأن الفقراء مازالوا يصرون على الحياة، ليس بالصبر على الأوضاع المعيشية، والتحايل عليها فقط، بل وبالاضطرار أحياناً إلى ضرب الأمهات، لتقنين الأرغفة !


وفي ظل استمرار هكذا ظروف تصبح المطالبة برفع المستوى المعيشي، والحفاظ على الكرامة الإنسانية ليس مجرد ترف، بل حاجة، لأن هناك من يريد أن يكفيه عمله قوت يومه؛ وهناك من لا يقبل بضرب أمه.