15 يونيو 2016

الانسانية الزائفة.. انسانيتنا أقصد

منذ نشأة الأرض، والإنسان يتعثر في محاولات إعمارها، ينجح مرة ويفشل مرات، ويتعلم وفق التجربة - باهظة الثمن - تقدير ما هو الصواب وما هو الخطأ. المسيرة الشاقة في هذا الكوكب المتعِب اضطرت الإنسان لأن يرتب "إنسانيته" التي تقوم على مبدأ المشاركة، ويتخلص شيئاً، فشيئاً، من الوحشية التي استهلَّ بها رحلته الطويلة نحو الحضارة.

بسبب ذلك، طرأت على البشر تطورات لم تتوقف عند حجم الجمجمة، والبنيان العظمي، وانتصاب القامة، وتناقص المعدل الوسطي لحدود العمر، بل رافقتها سلسلة من الاكتشافات والاختراعات التي جعلت الحياة أسهل، والمفروض أنها أمتع. رافق التطور الفيزيولوجي والتكنولوجي "باقة" أخلاقية فرضتها الأديان والأعراف والقوانين، وكان الهدف منها تنظيم المجتمعات بشكل لائق؛ وفق مفاهيم عامة يتم التوافق حولها... لكن، هل نجح الإنسان - حقاً - في الامتحانات التي يتعرض لها في الأوقات العصيبة حين الزلازل والكوارث والحروب؟!

قسَّم المؤرخون تلك الأحداث إلى محطات وحقب وفقاً للتحولات المهمة، ما قبل الميلاد وما بعده، واكتشاف النار، واختراع الكتابة، ومرحلة الزراعة، وعصر الآلة، واندلاع الحروب العالمية... ولعلهم يضيفون الآن حقبة (انتكاس الإنسانية)!

ضمناً؛ نحن نعترف بأننا - حيث نعيش - في نصف الكرة الأرضية، نستهلك ما توصلت إليه حضارة النصف الآخر، فنستخدمها ونبقي، بعزم الحريص، على الجهالة. لكن من الصادم أن نتعرض لاختبارات نوعية في هذا القرن ونخسر على هذا النحو. فالإنسان الذي نقش حروفه على الحجر، وتخلى عن القتل، وروَّض الحيوانات، واستخدم عقله في اختراعات مدهشة، واستطاع ابتكار أنواع وأصناف من الأطعمة والمشروبات فتلذذ بما طاب واشتهى، واستخدم المواصلات الحديثة ليعبر القارات، ورغم ذلك يعود في لحظة - غير محسوبة - إلى البدائية الأولى، فتستيقظ عنده غريزة القتل ورفض الآخر والثأر والتعذيب والتشويه.

ما نشهده في ألفيتنا اللاإنسانية من فظاعات، يشبه ما رأيناه في الأفلام التي تتحدث عن العصور الوسطى وما قبلها، الذبح من الوريد إلى الوريد، وقطع الرؤوس، والسحل والمجازر، والإبادة والتفجير. صحيح أن أنظمتنا لم تبخل علينا بأنواع التعذيب المبتكرة داخل أقبية الأمن، لكن المزري حقاً هو تحول سلوكياتنا الشخصية نحو كل أطياف العدوانية والعنف اللفظي والفعلي والاقصاء، فالانحياز في تقييم أي حادث يقع في العراق أو ليبيا أو سوريا أو مصر أو البحرين لا بد أن يتبع انتماءك "الضيق" وليس فداحة الفعل نفسه!

إن خسارة الإنسان لإنسانيته أمر قابل للعلاج، فقط إذا أدركنا أننا نخسر. الإشكال أننا نستهلك القيم التي حفظناها عن ظهر غيب؛ نصم الآخر بكل النقائص، كوننا نظن به ما لا يمكن أن نظنه بأنفسنا، وتلك بحد ذاتها مصيبة المصائب!

ابتذال الشارع وحشمة المرأة

في مجتمعات، بالكاد، تتلمس طريقها نحو الكرامة والحرية في دروب موحشة، دون شعلة أو شمعة أو دليل، ودون خبرة سابقة أو حتى دعوات حقيقية بالنجاح، في مجتمعات اعتادت أن تضل الطريق؛ فلا تعرف إن كانت تخطو نحو خلاصها أم أنها تمضي إلى حتفها، في مجتمعات تلزمك كُرهاً وتقيدك جبراً، وتخيرك بين شرين لا ثالث لهما... نحتاج إلى الكثير من ضبط النفس واللسان كي نتابع حادثة "تحرش جماعي داخل حرم جامعة القاهرة" الذي تناقلت أصداءه التلفزة المصرية.

الخبر يجعلنا ندرك حجم الكذبة التي نباهي بها الآخرين، حين ندَّعي أننا أكثر الشعوب ديناً وورعاً وخلقاً وشرفاً. يأتي خبر التحرش ضمن غيره؛ لكنه الأشد وطأة. فالحادثة ليس تحرشاً عادياً في شارع مزدحم، أو محطة قطار، أو في مجاهل الصحراء، بل هو تحرش... وجماعي... وداخل حرم جامعي؛ قام به طلبة جامعيون، واستهدفوا بـ "رعونتهم" زميلة جامعية لهم... وقام بمتابعته وتصويره - بدم بارد - زملاء جامعيون آخرون يشهدون ولا يمنعون... يحدث ذلك ونحن في مسيرة ركب حضاري وصل بنا عام 2014 دون أن نبلغه!

وفيما نحن نبتلع ريقنا والخجل، ونحاول أن نفهم، تلطمنا التعليقات بالغة السوء والتي تستهدف ملابس الفتاة، وتصفها بغير المحتشمة! بعيداً عن مطاطية التعبير، وبعيداً عن أن صاحب الرأي من الأساتذة الجامعيين، فإن الزي هو قضية شخصية بحتة، وإلا سيكون على كل امرأة أن تستفتي الجيران والمارة فربما لسبب أو لآخر لن يعجبهم ما ترتديه فيحق عليها التحرُّش!

يتصاعد العنف ضد المرأة متزامناً مع "ربيع" مجتمعاتنا، فالتحرش دون خوف المساءلة، والمد الأصولي، والعنصرية الذكورية، والتطويع الديني؛ كلها تتقصد هذا الكائن الهش الذي لم يكد يهنأ بانتصار حتى ينتكس من جديد. وتؤكد ذلك أخبار الشارع السوري، ففي المناطق التي يسيطر عليها "الجهاديون" تُجبر المرأة في حلب، مثلاً، على الحجاب، وتنتشر ملصقات صورة العباءة الأمثل وأوصافها في مدينة الرقة، لتتسرب مع الربيع "المفترض" رائحة الاختناق، حيث تُفرض الأخلاق عنوةً، ويُفرض الدين عنوةً ومعهما كلُّ ما يلحق بهما من قيود... عنوةً أيضًا.

فلماذا الآن، ولماذا مع "الربيع"، وهل كنا قبل أن ينكشف الغطاء ونرى سوءاتنا، مجرد أدعياء نتكسب من خُدع تآخي الأديان والأخلاق والنبل والسلام وإجلال المرأة وتقديس أمومتها وشراكتها، وهل من أكاذيب أعظم أثرًا ما زلنا لم نكتشفها بعد؟!

سوزان خواتمي

مقال نشر في موقع آراء الالكتروني 

عين الرضا.. عين السخط!

كالوسواس الخناس، تراودني فكرة القيام بعملية تجميل. وأعرف أن "كل" النساء مثلي، بعضهن يندفعن وينفذن رغباتهن. وبعضهن يترددن في اتخاذ القرار؛ لسبب أو لآخر. وبعضهن، مثلي، يكتفين بالإصغاء - مستمتعاتٍ - لهكذا مروادات.

من باب الترويج للأمر، فلا تتعلق المسألة فقط بضرورة العناية بقطع الأنتيك الثمينة للحفاظ عليها، بل أيضاً، بمجاراة التقدم الطبي الهائل، واستغلاله، والاستفادة من الإمكانيات الاستثنائية التي أتاحت لنا - نحن النساء - فرصاً جديرةً بأن تُجرب، للاستقواء على الهرم أو القبح أو كليهما. إذ ليس من البصيرة، ولا من التبصر، أن نلعن العَتمة دون أن نوقد شمعة، تلك الشمعة التي تضمن لي/ لنا أن نمر بنهر الزمن مرتين، والبعض يقول "أكثر من ذلك" !

قبل أن تعرف الألوان طريقها إلى اللوحات الفنية؛ استخدمتها امرأة ما، وطلتْ بها وجهها. إذن، مسألة التجميل والجمال ليست وليدة الساعة، وللاقتناع بالخضوع لمشارط الجراحة وإبر الحقن، هناك حقيبة إرث كاملة تحملها النساء منذ الطفولة، يضاف إليها كل ما نتلقَّاه، لاحقاً، سواء كان ما تبثه وسائل الإعلام والبرامج النسائية والإعلانات الدعائية، من صور لشهيرات جميلات، أو ما تغذيه ثقافة مجتمعات تحجم المرأة ضمن دائرة الجاذبية المنشودة والمتغيرة... فملكة جمال السبعينات على سبيل المثال باهتة تماماً وبالكاد تستحق لقبها.

هكذا تتحول مقولة (الجمال جمال الأخلاق) إلى مجرد شعار يستخدم في المواضيع الإنشائية وفي المحاضرات التربوية، ولا يصمد أمام واقع يجتاح الكرة الأرضية بخطوط طولها وعرضها، ويطالب المرأة ذات الحظ المتواضع من الجمال، أن تستعين على قضاء الله وقدره، بكل وسائل الغش والخداع الممكنة، حتى وإن لم تكن مقنعة!
 

بالطبع، ثمة قائمة طويلة من وسائل التلاعب يتم تطويرها، بدءاً من الكعب العالي والمشدات الخانقة وأدوات التجميل المعروفة وخصلات الشعر الصناعية والكريمات المنحفة والمبيضة والملونة... وأخيراً الجراحة التجميلية.

إنَّما المشكلة الأساسية تكمن في أن المرآة لا ترينا إلا ما نود نحن رؤيته، فلا شيء يستطيع أن يغير إصرار العين على أن ترى ما تريد أن تراه، جمالاً أو قبحاً، شباباً أو هرماً، حباً أو كراهية...
 
كما في ثنائية الشاعر:
وعينُ الرضا عن كل عيب كليلةٌ
ولكنَّ عينَ السخطِ تبدي المساويا

وهذه المشكلة على بساطتها؛ لا حل لها!

سوزان خواتمي
مقال نشر في موقع آراء الالكتروني

العيد.. أو وضع الهموم على رفٍّ مجاور!

منذ كانت الحياة فوق هذا الكوكب، والإنسان يجتهد في محاولة ابتكار حلول للمشاكل والمصاعب التي تعترض سبيله، ببعض الحماسة وشيءٍ من الخيال أوجد النار ليتخلص من العتمة، واخترع الآلة ليرتاح من مشاق العمل، واعتمد الكتابة ليستعين بها على النسيان، واخترع الأعياد ليهزم الأحزان. 

الحزن التراكمي، الحزن اليومي، الحزن الذي بلا جدوى ينفض سامره بالطقوس الاحتفالية للأعياد، إذ يهتم الناس بشراء الملابس الجديدة، ويحلق الرجال ذقونهم، وتتجمل النساء، وتُغلى القهوة فوق مواقد المحبة، وتقدم أصناف الأطعمة والحلوى والسكاكر، ويتم تبادل عبارات التهاني والتبريكات، بل ويحكى أن المتخاصمين كانوا يجعلون من العيد مناسبة لفض خصوماتهم، دعكم من ذلك، اليوم لم يعد أحد يأبه بمن خاصمه بعد أن انقرضت صفة التسامح.

ولأن الغاية الأساسية من العيد، أي عيد، دحر جحافل الحزن والملل والنكد، فإن الأعياد تشترط قبل قدومها رمي الهموم جانباً ووضعها على رفٍّ مجاور، بحيث تكون في متناول اليد، والحمد لله، لم يشتك أحد - حتى اللحظة - بأنه أضاع هماً، أو أنه مد يده ولم يجد همه على حالته التي تركه عليها!

الأعياد، من حولنا كثيرة، وأكثر من أن تحصى، لأن تحويل مناسبة ما إلى عيد، ليست بالعملية الصعبة، فما عدا الاحتفالات الدينية والوطنية، ثمَّة يوم للشجرة، وآخر لسرطان الثدي، ويوم للتخضير، بل ويوم للنباتيين!
 

لكن التعددية لا تلغي الخصوصية، فعيد الأضحى لتقديم الأضاحي، وعيد الفطر لإنهاء شهر الصوم، وعيد النيروز لإشعال النار، وعيد الفصح لتقديم البيض الملون.. أما عيد رأس السنة الذي يضع حداً لـ 12 شهرًا مضوا من العمر، فإنه مناسبة رائعة للـ "الجَرد"؛ بما يشبه ما تفعله الشركات لمعرفة حصيلتها المالية، وأرباحها وخسائرها، ومن ثمَّ وضع خطة لـ 12 شهرًا قادمًا.
 

عيد رأس السنة مناسب لمعرفة ما حصدناه وما سُلبَ منا. ومناسب لترتيب مشاعرنا وتوزيع أمنياتنا بين الضروري والعاجل والعاجل جداً. ومناسب لتقييم من نعرفهم ضمن قوائم جديدة تفصل بين المقربين والمتقلبين والمقصيين. إذْ ما من قوائم ثابتة لهكذا موضوع، وإلاَّ لكنا أقمنا عيداً لأولئك الذين.. لا يتغيرون!
سوزان خواتمي

مقال نشر في موقع اراء الالكتروني

العالم إذ يبالغ في ادعاءاته


بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، سأستعمل حقي كاملاً في الحرية فأرتدي سترةً من الصوف، صفراء، فاقع لونها، ولن آبه لمن تقول "الأسود يليق بك".


سأتساوى مع الأطفال وأسرق منهم ضحكة صباح - اضطرارية - أستعين بها على قضاء يومي. سأرفض تدخل قهوتي التعسفي في حياتي وأستبدل بها - وبمطلق إرادتي - كوبَ شاي دون سكر.

وسأستولي على الحد المسموح به للاستهلاك الشخصي من ألواح الشوكولا؛ تباً للمحظورات! ولتأمين سلامتي الشخصية وسلامة أعصابي سأغير وجهتي والطرقات المعتادة كي لا أعلق في زحام الشوارع.

سأطالب بالوفير من الراحة، وأتقاعس - دون أدنى شعور بالذنب - عن القيام بواجباتي اليومية (كيّ الملابس على وجه الخصوص). ولن أسمح للمسلسل التركي أن يعذبني في موعده اليومي كما يفعل منذ أكثر من عام (آمل أن المعلومة صحيحة، هل مر عام حقاً!).

وإمعاناً في حقي بالمعرفة؛ سأقوم بإحصاء عدد المناسبات التي يحتفل بها العالم دون أن يزيد ذلك أو ينقص من معاناة المعذَبين، فعيد العمال - مثلاً -لا يفيد العمال سوى بيوم العطلة.

سأرضخ أمام قوانين الطبيعة وإرادة المنخفض الجوي، وأشعر بالبرد كما يشعر الآخرون. وسأرفض - ليوم واحد على الأقل - استعباد برامج الريجيم والحمية الصحية والكعب العالي ومستحضرات التجميل وسيطرتها على أنوثة حياتي.

أما حرية رأيي وتعبيري المكفولان بالمادة 19 من ميثاق حقوق الإنسان، فسأمارسهما وأمتنع عن الكتابة في شأن سوريا، خاصة وأن الكلمات لا تقدم حلولاً.

قررتُ أن أمارس حريتي كاملة، وتلك كانت حدودها وسقفها الأعلى. حريتي التي تجعلني أنحني بل وأكاد أجثو؛ فقط كي أمر من تحتها دون أن تفتك بي، ولست الوحيدة التي تشعر بالعجز أمام سعة الطموح وضيق الواقع، إذ أشارت منظمة العفو الدولية في تقرير لها اليوم إلى أن "مشكلة اللاجئين تصدرت انتهاكات حقوق الإنسان هذا العام، حيث بلغ عدد اللاجئين في العالم 15 مليون شخص، وفي مقدمتهم اللاجئون السوريون، أما الفقراء فقد تجاوز عددهم 45 مليون شخص".

نعم؛ تُنتهك حقوق البشر كل يوم... بل كل لحظة، أمام مرأى عالم يبالغ في ادعاء الدهشة والبراءة، مما يجعلني عاجزةً عن معرفة مصير الحقوق وارتباطها الفعلي بالإنسان. ويجعلني عاجزةً عن معرفة السلطة الحقيقية التي تقود هذا العالم المتهالك والسائر إلى حتفه بثبات
!

تفاءلوا .. ولن تجدوه!



بمناسبة الاحتفال بيوم الطفل العالمي قبل أيام، والذي صادف في الـ 20 من الشهر الجاري بحسب توصية الأمم المتحدة، قررت أن أتفاءل بما يتناسب مع هكذا مناسبة سعيدة تتعلق بالبراءة. حدث أن الصباح كان باهراً والعصافير تزقزق، فاسترجعت طفولتي الرائعة وذكريات الهناءة المفرطة مع أبنائي حين كانوا صغاراً. وإمعاناً مني في التفاؤل؛ قررتُ الابتعاد عن منابع القلق ومصادر التوتر العالي بأنواعها، خاصة تلك التي تأتي من جهة النشرات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الحوارية والتحليل السياسي.. إلخ. فالفكرة منطقية، ولا غبار عليها. إذ ما الفائدة من إيلام القلب وكسر عنق الأمل، وركل جدوى الحياة بعيداً؟ فالعلم بالشيء كالجهل به، ما دمنا لسنا سوى شهود على عالم يتدحرج بكليته نحو الهاوية.

لكني بدوتُ كمن قفز عالياً، في الهواء، دون أن يثق بأن ثمة ضفة أخرى، ضفة آمنة ستستقبله. ورغم أن القرار الشخصي غير كاف، صرتُ "أكش" النكد بعيداً، وتجاهلت خبر الماعز الذي وزعته الحكومة السورية لأسر "الشهداء". تغاضيت عن الريح التي تصفر في الجناح السوري بمعرض الكويت الـ 38 للكتاب، وتجنبت إحصائية ضحايا الزلزال الأخير في الفيلبين. حتى أنني أشحت بوجهي عن "داعش" التي تأمر بقطع رؤوس من يؤيد الائتلاف والأسد!

ولأنه كان يوماً للطفولة، أردت أن أعرف كيف يهدهد هذا العالم أطفاله الطيبين، فوجدت أن (الشبكة السورية لحقوق الإنسان) وثقت أكثرمن 12 ألف طفل قتيل، بينهم 92 طفلاً ماتوا تحت التعذيب، و10 أطفال ماتوا جوعا، وقُرابة الـ 300 ألف طفل سوري جريح، و1.6 طفل لاجئ، و9 آلاف طفل معتقل. أما تقارير (اليونيسيف) فتقول أنه رغم التقدم الذي طرأ في مجال الرعاية الصحية، فما يزال حوالي 600 طفل دون سِن الخامسة يلقون حتفهم المبكر سنوياً في "العالم العربي". فيما يبدي بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، القِلق دائماً، قَلقه... فيشير إلى وجود انتهاكات كبيرة ضد الأطفال في دول عدة بينها سوريا، لبنان، العراق وليبيا، إضافة إلى تجنيد الأطفال في النزاعات العسكرية الدامية هناك. ناهيكم عن الأرقام المفزعة لإحصائيات تناولت أطفال الشوارع، والتسرب من المدارس، وزواج القاصرات، وفقر الرعاية الصحية، وعدم توفر اللقاحات، وظهور حالات جديدة لشلل الأطفال في سوريا.

تلاشت حماستي لمشروع التفاؤل، لأن قرار التفاؤل شيء؛ والحصول عليه "طموح" آخر تماماً.

جلد الذات ولا جلد داعش



تكسبنا التجربة والظروف وجهات نظر جديدة، وتحولّنا من موقع تمترسنا فيه  طويلاً، إلى موقع آخر تماماً لم خطر على بالنا يومًا.
في الأعوام الثلاثة الأخيرة، بأحداثها الكارثية، انقلبت مفاهيمنا رأساً على عقب، فالتغيرات التي لا تكف عن مفاجأتنا، اضطرتنا إلى التعامل معها، خاضعين لاختبارات التأقلم. تخلينا عن المسلمات السابقة، وغيرنا خططنا نحو المستقبل، وعكسنا قائمة اهتماماتنا، واستغنينا عن الحقيقة الحتمية؛ بعد أن انفجرت الحقائق في وجوهنا دفعة واحدة!
لا بأس في ذلك طبعاً، فالحقيقة حمَّالة أوجه، وذلك تبعاً لوجهة نظرنا عنها، وزاوية رؤيتنا لها... لكن المفاجأة غير المنطقية حين تنفجر في وجوهنا صورة كلٍّ منا، صورة اعتقدناها عن أنفسنا، فنكتشف أن حقيقتنا الذاتية كذبة كبرى وأننا مزيفون!
ألم نكن نتبجح بأننا شعوب لا تعرف العنف، وأن الطائفية ليست منا ولسنا منها، وأن سوريا مهد حضارة وحاضنة أديان؟ ألم نكن نؤكد بأننا لسنا مأوى للفكر "الوهابي"، وأن التطرف لن يجد حليفاً له عندنا، وأننا أخلاقيون، منفتحون، محبون ومسالمون إلى آخر سلسلة الذات المتضخمة و"المتشاوفة" والتي رسبت "بتفوق" في أول امتحان حقيقي لها؟
ها نحن على ما نحن عليه، بعد أن كشفت التجربة والظروف القاهرة والفوضى تصوراتنا الواهمة عن أنفسنا. مرآة السنوات الثلاث أظهرت – رغم ادعاءاتنا وتفسيراتنا - حجمنا الطبيعي (كشعوب). متطرفون وطائفيون نحشو في فم الموت شبابنا ونطلق عليهم ألقاباً معطوبة. نتفرج أو نشارك بعقوبة "الحد الشرعي!" في الساحات العامة، ونسترجع التاريخ بأسماء كتائب وعقيدة متطرفين، حتى نظن لوهلة أننا لم نعد نعيش في ألفية الحضارة!
كيف ومتى ولماذا حدث كل ذلك؟ لا أملك جواباً، لكني متأكدة من أننا شعوب توغل في جهلها، وأن قدْراً من "جلد" الذات أكثر نفعاً وأقل ضرراً من المشاركة بساحات "الجلد" العامة.
ملاحظة:

ما يقال هنا عن السوريين ينطبق على باقي شعوب المنطقة المأزومة بأمراضها... بطريقة أو بأخرى!
#سوريا
#داعش
سوزان خواتمي
مقال نشر في موقع آراء الالكتروني (توقف مؤخراً)