22 فبراير 2017

الكتابة وثقافة الانترنت : اجرى الحوار كريم الهزاع

-       هل يوجد هناك ما يسمى بـ ( ثقافة الإنترنت ) ؟ وماهو شكلها ؟ وهل استطاعت ثقافة الإنترنت صناعة مشهد ثقافي ؟

رغم عمر النت البسيط نسبياً، إلا أن اجتياحه لكل مناحي الحياة يبدو هائلاًً، هذا ماأراه عبر الاتساع المضطرد لحجم المادة المكتوبة باللغة العربية، ولكم الأسماء التي تنضم كل يوم بما لديها إلى هذا العالم الافتراضي.. فبعد موجة المنتديات بتعددية اهتماماتها، نرى الآن المدونات الشخصية والتي تدهشني بصداها وتأثيرها، خاصة بين شباب وشابات مصر، بحيث تبدو بعض تلك المدونات ذات تأثير فعال ونشط ومؤثر على الحراك السياسي والإعلامي، ومازالت راسخة في ذهني التضليل الإعلامي الذي رافق حوادث التحرش بالبنات في أحد شوارع مصر، وكيف استطاعت تلك المدونات أن تكون ذات نفوذ بحيث عممت صوراً وحوارات موثقة عن الحالة..ولست أدعي أن ثقافة النت كافية للاعتناق، إذ للقراءة الورقية واقتناء الكتب الصادرة حديثاً سواء كانت مرجعية أو إبداعية لها فائدتها ومتعتها الخاصة..
يبقى أن الخلط بين الغث والثمين في النت هو أسوء العلل، لكنه أمر موجود في كل مكان،وعلى أحسن المستويات دون استثناء..

-       المبدع أو المثقف ، كيف يرى الإنترنت الآن ؟ وما الذي استفاده منه بالضبط ؟

- تختلف ردود الأفعال بالنسبة للمثقف حول النت، فمنهم من يجد أنه مكان سخيف لايليق بحظوة كتاباته، ولهذا الموقف سببان إما التخوف من استخدام وسائل الاتصال الحديثة، خاصة للجيل الأكبر سناًً، أو لأنه ضيف مدلل على الصحافة الورقية وربيب الإعلام بتوجهاته.
 أما من كان أكثر انعتاقاً وحرية وحباً للخوض في الجديد، فسيجد أن النت صار وسيلة داعمة ومفيدة وسريعة للتواصل كي لايراوح في مكانه،  ومن خلاله يستطيع أن يكون مرسلاً ومتلقياً، فيكتب رأيه ومادته الابداعية، ويقرأ رأياً ومادة ابداعية لآخرين دون تشويه ولاتدخل..


-ماذا عن الشعور والأحاسيس ؟ هل هناك اختلاف مابين التعامل مع الورقة والقلم والتعامل مع الكيبورد والشاشة ؟ ما هو انطباع كلاً منهما ؟


- رغم شاعرية قلم الرصاص الذي كنت أفضله، والورق الأبيض، وكل ماأرميه من أوراق (مكرمشة) في سلة المهملات، إلا أن استخدام الحاسوب الشخصي في الوقت الحالي بسرعة الطباعة، وإمكانية ترتيب الفقرات بسهولة، وامتيازات التنسيق، وكل ملحقات الإرسال السريع والفوري لأي بقعة على هذه الأرض بضمان الوصول، أمر أنساني زمن الرومانسية القديم، ومع الوقت والخبرة صرت أضيع تماماً دون الكيبورد وخط الانترنت.. أليس جميلاً ومذهلاً هذا العالم الكبيرالذي يصير داخل شاشتك بكبسة زر..لقد تحولت " شبيك لبيك" من قصة خرافية إلى حقيقة واقعة.. بالنسبة لي أشعر بالكثير من الامتنان لبيل غيتس.

نشرالحوار في صحيفة الوسط الكويتية 

النشر الالكتروني يذكرني بسكين المطبخ / نضال قحطان

القاصة السورية سوزان خواتمي:
النشر الالكتروني يذكرني بسكين المطبخ


حاورها: نضال قحطان
تعد القاصة السورية سوزان خواتمي من ابرز الاقلام العربية الجديدة مقارنة بجيلها فهي تشق طريقها نحو تحقيق الذات وقدمت تجارب برزت للمتابع من خلال النشر الالكتروني بداية ثم النشر الورقي مع صدور مجموعتها الاخيرة (فسيفساء امراة) حيث نرى خلف هذا الابداع قلما صاعدا لا يسعى للتواجد فقط بقدر سعيه الى اثبات الذات من خلال انتاج يقف عنده القارئ متأملاً ومتواصلاً معه وفيما يلي نص الحوار:

* تحاولين في مجموعتك الأخيرة ''فسيفساء امرأة'' تقديم صورة المرأة في قالب اجتماعي يعتمد على تحسس واقع المرأة بكل سلبياته قبل إيجابياته.. هل هذا التسليط محاولة لوضع الإصبع على الجرح..

**
ما دمنا جزءاً من الكل فإن مهمة الكاتب- لو كانت له مهمة حقاً -أن يحرض القارئ على التريث لطرح الأسئلة أو التنبه إلى واقع أحاول التطرق إلى ظروفه النفسية دون أن أفرض قانون الوصاية أو اكتب خلاصة أخلاقية ... أفضل دائما ترك انطباع ما لما بعد القراءة , حين أحقق هذا أشعر بالفرح الغامر..فأنا أبحث عن حلم ما داخل المفردات .

*كيف تجدين المسافة والتجربة بين '' ذاكرة من ورق '' مجموعتك الأولى إلى ''فسيفساء امرأة'' .. هل ثمة فروقات ملموسة..

**
أظن أنني منحت نفسي بين كل مجموعة وأخرى فرصة وافية لالتقاط الأنفاس, لست غزيرة الانتاج, أتريث وأستفيد من المسافة الزمنية لخلق أبعاد جديدة , وإضافة رؤى جديدة .. في محاولة خاصة مني لعدم الوقوع في التكرار .. إضافة إلى هاجسي الكبير في تنويع أدواتي الكتابية وتطويرها ما أمكنني , وهذا يحتاج إلى جهد ووقت . أما الفروقات فقد يتحسسها القراء أكثر مما أفعل حين أتحدث عنها..

* يلاحظ المتابع لطرحك القصصي شغفك بالواقعية والابتعاد عن الإغراق اللغوي داخل بنيان النص.. هل تعتقدين أنها النموذج المفضل للقارئ.

**
ربما لكن دون أي تعمد تكتبني الفكرة ولا أكتبها حين تستحوذ على بالي من خلال التقاطة ما .. تشغلني إلى حين ثم تتشكل قصة. أما اللغة فأحاول جاهدة التخلص من وطأتها, كي لا أورط أحدا في الاستغراق الممل , رغم شغفي الهائل باللغة وماتمنحه لي من عوالم تخيلية لتركيب جملة مختلفة عن المطروق .

لذلك وكي أفش غلي اللغوي صرت أكتب نصوصاً - هي بين الشعر والنثر- تمنحني سعة لغوية وتنقذ السرد القصصي من الإغراق اللغوي كما أشرت..

*اهتمام اتحاد الكتاب العرب بطباعة مجموعة '' فسيفساء امرأة '' هي خطوة تمثل الاعتراف بعد تجارب مع دور نشر أخرى خاصة.

**''
دار سعاد الصباح '' كان لها الفضل في نشر انتاجي الأول والثاني, وهي دار مهمة لها اسمها , وانتاجها المميز والمقروء. هذا لا يمنع أن تجربة النشر في اتحاد الكتاب العرب شكلت لي خطوة ليس من جهة الاعتراف بل لكون المجموعة نشرت في سورية وهذا أمر مهم بالنسبة لي , وتتعلق أهميته بظرف الغربة حيث أني أقيم في الكويت وأنشر فيها مما يجعلني اسما مجهولاً في بلدي .

* الإنترنت هل هو بوابة إيجابية لمزيد من انتشار المبدع العربي .. أم يدخل في إطار إهدار الوقت كما يصفه بعض المبدعين..

**
السكين أيضاً تصير اداة قتل حين نستخدمها بطريقة مختلفة , وهذا الأمر ينطبق على النشر الالكتروني بحيث يمكن أن يصبح أداة لهدر وقت لا طائل من ورائه لكنه بالنسبة لي ليس كذلك لأني أعتبر النت قد رفع سقف الحرية في النشر كما اجتاز معضلة الوقت الذي تمر به مقالات ومواد أدبية تركن في الأدراج لحين أن تجد دورها وفرصتها - تبعاً للواسطة والعلاقات والموضوع - في النشر, سأعترف بأن الغث يجاور الثمين في النت , لكني شخصياً مستعدة للبحث والمغامرة مادمت حرة لاتمتلكني الوصاية الاعلامية المكرسة لأسماء معينة ووجهات نظر محسومة سلفاً وأعترف بأني سعدت بالاطلاع على تجارب مجموعة من المبدعين أهم بكثير ممن يعتبرون أنفسهم مالكي زمام النشر الورقي وجهاته الأربعة.



عكاظ - الخميس
18/8/2005
م

العـدد : 1523


21 فبراير 2017

حرية

الحرية تملأ كيس الرغبات

بالأغاني والقبلات

تضعها حول أعناقنا

تلقينا في الجب

الحرية تأكل أطفالها الطيبين

تجهض عشاقها

تأسف لموتهم

و تبكيهم.

حب

إدمان القهوة هفوة.. تماماً كإدمان صباحاتك
 وماكان يجيء عند الخيط الأول من بياضنا
أرتوي من ظلال الدوالي
ثنائيات تراقص الضوء
أسقط مغشياً علي
زمن في زمن يتوالى 
مازال يفقد رشده كلما ظننا أن لحبنا أفق أوسع من صبرنا
نقول على سبيل المثال كالندى
ونفترض أن قلبنا يلمع بسذاجة عاشق .
ترهقنا تثاؤبات مؤجلة ، و تعيقنا ابتسامة ما حلمناه
كان أمساً وما ظنناه حياة .

حزن

الحزن خبز يومي.. قهوتي.. قصيدة تغفو على كتفي
الحزن نداء العابر، أنين المواسم، ومايصحو آخر الليل
يترك على الخد بقايا تلف
يركن الى غفلة مديدة
هو الحزن، هفواتنا التي نرتكبها 
كندبة فوق وجه.

السلنبوحة

تكركر نفسها في الصباح؛ على الريق[ أيضاً] مديعة أنه لم يهناك مايبهج، ولاحتى مايثير الريبة والشكوك. الرجال ناموا تحت صلعاتهم المكشوفة؛ والذين يروون النكات ذهبوا إلى العراق بأحزمة مفخخة.
الرجل العتيق الذي أحبته أكلته الذكورة المستشرية في الزمن؛ ونهارها صاده صقارون عابرون. على عتبة منقوشٌ عليها صورة حمورابي تجلس، تفلّي أيامها من القمل. تسلي نفسها بمتابعة إصبعها وهو يمشي على النقش. لاتأبه لصياح الديكة معلنة الصباح[ فكما ذكرنا نهارها صادوه] ولاتأبه كذلك للغزل في مرتجع الجرائد التي لاتباع؛ ولاتأبه حتى لدبيب السلنبوحة وهي تصعد على الحائط الذي تتكئ عليه.
أيامها حفر متجاورة
موتها يتأجل كلما جاء موعده
بلادها بقرت أحشاؤها
وحبيبها أيضاً بتروا صوته!

خلف علي الخلف

09 فبراير 2017

هل ارتحت الآن؟ (قصة قصيرة)

*هل ارتحتِ الآن؟
سوزان خواتمي

جدتي البيضاءُ كالثلج أعدت عِدةَ موتِها باطمئنان ورضا يقلقاني. كانت تثق بقلبها وبحصتها من سنوات عمر مهما طال سينتهي. لم ترتعش رعباً ولم تخف من مجاهل رحلة ذهاب؛ تلك التي لم يعد منها أحدٌ ليخبرنا عنها.
ذات مساء كنا نتابع معاً فيلماً شيقاً؛ لشخص وصل حافة الموت يصف هالة الضوء التي شاهدها، والنفق الطويل الذي كان عليه أن يعبره.  لم تقنعها الفكرة، قالت لي مقاطعة البطل في نفقه: "الروحُ من عِلم ربي، ما هذا (العلاك) ؟"
 أذكر أنها قالت علاك. لم أكن أنا التي كتبت قصة الفيلم، ولكني كنت من دفعها إلى مشاهدته.
لا أعرف إن كانت جدتي ما عادت تحب الحياة، أم أنها كانت امرأة قنِعت بنصيبها منها واكتفت، أم أنها تتأفف من طول بقائها وترغب في ترك مكانها لنا.!
أراها متحمسة للرحيل كما لو كانت ذاهبةً في نزهة ربيعية، أو كأنها على موعد مع صديق مقرّب. روحها الشابة المثقلة بجسد هرم تحفظ لها تلك الابتسامة، حين تنتهز بقليل من المكر فرصة التفافنا حولها لتخوض في موضوعها المفضل؛ التكهن بموعد موتها الوشيك.
تحاول تحديد يوم تقريبي، فتقول وهي تسوي جلستها وتشد طرحتها حول رأسها وتبدأ بقائمة رغباتها:
 "ليته يكون قبل أن يلتهب آب، لا أطيق الحر..!" وتستطرد: "الحد الأقصى مع  مطلع رمضان، شهر خير وبركة..!" ثم لا تلبث أن تكون أكثِر دقة: "لا بأس من عطلة أعياد رأس السنة حينها يستطيع عمكم الحضور من ألمانيا دون أن أربكه..!" لكنها في نهاية المطاف تستقر عند تاريخ مفضل: " في صبيحة العيد حين تدقون بابي لمعايدتي، وتكونون جميعاً حولي."
لم يكن حديثها يروق لي، حتى وإن أضحكتني.. أجيبها:  
-        يا جدتي لماذا تريدين تنغيص فرح العيد علينا وتحوليه إلى مناسبة حزينة.!
تبادلني الضحكة بالضحكة، ينكشف طقم أسنانها المستعار، تتحسس لثتها الكابية التي تؤلمها كثيراً، تتنهد بتعب: "شهدت الفصول كُلها، حضرت جميع المناسبات، ودعت من رافقوا صباي وطفولتي، رأيت أولادي يتزوجون ويخلفون، بل وحضرت خلفة أحفادي... من يعش كل هذا العمر، يجب أن لا يحزنكم موته.!
كانت تتحول إلى النزق والتأفف عاماً بعد عام، تضيق بالاستمرار، وتلعن الأبدية.
أفتقدها.
في تشرين الأول أطلقت السراح لروحها، ورغم كل السيناريوهات الساخرة التي اقترحتها لموتها المرتقب، إلا أنه لم يكن يوم عيد ولا نهاية العام. غادرتنا بهدوء من سأم عمره المديد، مخلفة ورائها رائحة حنانها وحفيدة تكسرها لحظات الغياب.
أوصت أن نضع تحت رأسها وسادة محشوة بخصلات شعرها، وتوزعت الحفيدات أساورها الذهبية، أما أنا فكانت حصتي منها هي الأثمن، فقد سمحت لي بعد إلحاح مني أن أشاركها قبرها الذي اختارته بنفسها لنفسها؛ واسعاً مريحاً تتناوب عليه الشمس والظلال.
قالت ضاحكة:
-         موافقة سوزان. لكن .. لا تستعجلي .!
بعد أن حددت وقتها المناسب، لم أعد اسمع أحداً مثلها يسخر من الموت، بدا لي أنه استرد هيبته أخيراً.  
تعودتُ أن أزورها في المقبرة، أنقل لها أحداثاً وقعت في غيابها، وأحكي لها عن حال وأحوال عائلتها الكبيرة: "ابن عمي يا جدتي طلق زوجته الثانية. وابنتي تحب زميلها في الجامعة. وأبي مازال يعاني من لثته. ربما سيقرر في النهاية وضع طقم أسنان مستعار."
ودائماً كنت أخبرها كم أحبها وكم اشتقت إليها. وكنت اسألها: "هل ارتحتِ الآن..!" بل اني تجرأت مرة واقترحت عليها تحسينات على المساحة حول قبرها.
 - ما رأيك بحديقة صغيرة وبركة سباحة وخط واي فاي سريع؟
وأضفت، وأنا أتخيلها تضحك لاقتراحي:  
-         أنا أيضاً أريد أن أرتاح يا جدتي.  
اليوم بيني وبينها أكثرَ من خمس سنوات ومسافة شاسعة وحدود وبلاد. ممنوعةٌ من العودة إلى بيتي وقبري، ومحرومةٌ من زياراتي المعتادة لها لأخبرها أن (حلب) تحوّلت إلى ساحة حرب، وأن بيتها المشرف على القلعة قُصّف، ولم تعد شرفتها تستدعي مني رفع رأسي للتلويح لخيالها يتحرك هناك. وأن الرصاص يلعلعُ فيقلق الموتى في مقابرهم. وأن القنابل تنفجر وتفوح في الحارات والبيوت رائحة الكراهية والخراب، أما الموت فما عاد يفاجئ أحداً، صار حاضراً قريباً في كل مكان وفي كل حين حتى فاضت المقابر بجثثها.
-يا جدتي البيضاء كالثلج.. متى سأعود إليك .؟ ومتى أوفي نذري بجوارك، وبيننا كل هذا الهم!
ملاحظة:

إن أي احداث تشابه الواقع ليست إلا محض صدفة مقصودة. 
القصة منشورة في كتاب (امنحني 9 كلمات ) صادر عن دار فراشة
#قصة_قصيرة
#حلب