28 أكتوبر 2019

twice born


فيلم جميل وآخاذ لسببين الأول أنه مأخوذ عن رواية وأنا أحب الأعمال ذات الخلفية الادبية، والثاني أنه يتعرض لثنائية الحب والحرب...
حرضتني ابنتي على رؤيته رغم سنة انتاجه التي تعود إلى 2012 لكن الكرة الأرضية التي تشتعل حولنا وتكريس العنصرية وتزايد المنضمين تحت لوائها يعدينا مع هذا الفيلم إلى تذكر جرائم حرب البوسنة والهرسك، ونتائجها المدمرة، وإن لم نر تلك الفظائع سوى في لقطات معدودة ودامية . يبدأ الفيلم مع قصة حب عاصفة وخاطفة وبلا مبررات في سراييفو بين جيما البطلة والتي تقوم بدورها بينلوبي كروز وشاب يصغرها يعمل مصوراً هو دييغو قام بدوره إيميل هيرش يلتقيان في سراييفو. يتزوجان ويقيمان في ايطالية بلد جيما، لكن علاقتهما تتزعزع بعد اجهاضين ليكتشفا عقم جيما، التي تجد في انجابها لطفل من حبيبها رابطاً أبدياً بينهما، أيضاً لا يستطيعان التبني، فيفكران أثناء عطلة يقضيانها في سراييفو باستئجار رحم فتاة تحتاج إلى المال لتحقق حلمها، يكون زوجها هو الأب الفعلي.
يبدو لنا وللبطلة أن الزوج يقع في حب الفتاة ويؤثر البقاء معها وترك زوجته بعد أن يضع بين يديها المولود الذي أرادته. معكم حق قد تبدو هذه التوليفة حتى هذه اللحظة وتقريباً نصف الفيلم مملة خاصة بالنسبة لغير الرومانسيين لكن المفاجآت التي تتالى والأحداث التي تشتعل لنعرف أن الطفل الذي صار يبلغ السادسة عشر هو نتيجة اغتصاب وحرق تعرضت له الصبية على مرأى من الزوج الاميركي الذي كان شاهداً على ما يحدث دون أن يستطيع النطق فأي حركة منه سيكون مثواه القتل، تلك الفترة الطاحنة من حرب البوسنة والهرسك.. المشهد الذي رآه جعله لا يستطيع التخلي عن مساعدة الفتاة حين التقاها مجدداً، فادعي أن الطفل طفله وأخذ على عاتقه الاهتمام بها حتى تعافت، ليترك كل شيء وينتحر.
الحياة تمضي بشراستها وجمالها وعلينا التعايش معها سواء رضينا أو رفضنا.

20 أبريل 2019

وجبة زيت وزعتر

لماذا قرأت رواية هاروكي موراكامي (نعاس) للمرة الثانية..؟ ربما لأني نسيت أحداثها تماماً، وهذا بحد ذاته ليس سبباً طالما أن النسيان عادتي الطبيعية. إذن السبب الحقيقي أنها لا تتجاوز المئة صفحة، وهذا شيء مشجع ورائع.. تستحق الكتب التي لا ترهقنا التقدير.. الكتب التي تستعجل الخاتمة قبل أن نصاب بالملل.. رواية النعاس أحدها.  
الرواية بسيطة بساطة صندويشة زيت وزعتر، وهي عن امرأة تمارس طقوس يومها الاعتيادية بشكل روتيني، وبلا تذمر. تعتني بابنها الوحيد، وزوجها اللطيف، وتعد وجبات الطعام، وتذهب للسباحة والتسوق، وتنتظر عودتهما.. حياة الأسرة السعيدة في ظاهرها تستمر إلى أن تصاب بالأرق، وما عادت تنام.. سبعة عشر يوماً متوالية لم تغمض عينيها. صارت تقضي ليلها في القراءة، بدأت رواية  آنا كارنينا التي تحتفظ بها بين كتبها، ونسيت احداثها (مثلي تماماً) . وحين انتهت منها في تلك الليالي الطويلة عادت لتقرأها من جديد.. قرأتها ثلاث مرات متتالية، وفي كل مرة تكتشف عبقرية تولستوي في أجزاء وفصول لم تنبه لها. تجربة اليقظة الدائمة فكرة لا تخطر على البال، فالنوم موت صغير، أو [دفعة على الحساب من رصيد الموت، لكن ... ماذا لو كان الموت مختلفاً تماماً عن النوم، ظلمات يقظة تمتد إلى مالانهاية .. لم لا يكون بقاء أزلياً في حالة يقظة معتمة...!]  
تحولت حالة الاستيقاظ حين يكون زوجها وولدها نائمين فرصة للتفكير في ذاتها وحاجاتها وحياتها...
وتماماً كما أن الزيت والزعتر وجبة لذيذة، كذلك رواية موراكامي الذي تتصدر أعماله قوائم الأفضل مبيعاً، ومن كتبه الممتازة كافكا على الشاطئ.

04 أبريل 2019

رواية”صعاليك هيرابوليس” .. شهادة حيّة عن حياة غير عادلة

بين عناصر الشرطة الثورية وسجون الأسد عاش صعاليك هيرابوليس.
ربما.. وحتى أمد بعيد سيصعب على السوريين أيا كان موقعهم الجغرافي، أو توجههم السياسي والانتمائي، كتابة نصوص خارج موضوع المقتلة السورية بكافة أبعادها، والتي جاءت نتيجة ثورة على الطغيان والاستبداد لتتخذ بعد ذلك مسارات شتى. لهذا علينا أن نتوقع الكثير من الإصدارات حولها. ضمن هذا الاطار كتب محمد سعيد روايته الأولى” صعاليك هيرابوليس” الصادرة عن منشورات دار نوفل.  يأخذنا تسلسل الأحداث إلى توثيق جانب من معاناة مجتمع كل جريرته أنه أراد تحويل أحلامه بالحرية والديمقراطية والكرامة إلى واقع، ولكن.. تأتي الانتكاسات بما لا تشتهي السفن. “ففي هذا المكان الضيق حتى الصراخ سيجردونك منه، أنت هنا لا شيء. مجرد جسد صالح للتعذيب بكل الوسائل التي أنتجتها مخيلة الجلادين عبر العصور”
 ولست هنا بصدد حرق متعة قراءة الرواية التي تجعل من الحب الحسي رديفاً موازياً للموت. الكثير من الجنس ربما أكثر مما تحتاج لقراءته بالفعل، إلا أن القوتين المتجاذبتين تضادان وتتعاكسان لتشكلا العمود الفقري الذي تستند إليه الأحداث، فأمام قسوة القتل والتعذيب والعنف والطغاة الصغار والكبار منهم هناك ماريا التي تظهر كحورية أجمل من أن تكون حقيقة.
” اشتقت إلى رائحتك وابتسامتك التي كانت تسند هذا العالم البائس… هذا العالم يصبح بيتاً موحشاً ومهجوراً عندما تكفين عن الابتسام، لذا أرجوك ألا تكفي.”
الشخصيات والأماكن والأحداث كما يخبرنا الكاتب في الصفحة الأولى واقعية جداً وأي تشابه  هو بمحض الصدفة. يا للصدفة في واقع مدينة منبج (هيرابوليس) الصغيرة الدافئة، والتي تلوذ بمزار الشيخ عقيل المنبجي من جهة، وتتكئ من جهة أخرى على خيم القرباط. أبطال الرواية كما هو الواقع السوري متعددي الملل. أطياف فسيفسائية من معتقدات وانتماءات وسويات ثقافية يتلمسون بأصابع مرتجفة ربيع الثورة، ولكل منهم دوافعه حتى جمعة الحماماتي الذي قرر حمل البندقية، وسعى بأعين مفتوحة إلى موته، كذلك عروة الشاب الذي كان شاهداً على النهاية المفجعة لأبيه المعتقل في سجن صيدنايا وأخته المنتحرة، فحمل إرث الغضب، والراوي العليم الذي يكتب الشعر ويقرأ الكتب ويشاهد الأفلام. ” إن كل لحظة تمر من حياتنا يمكنها أن تكون الأخيرة، لهذا نحن نعيشها بكامل الشغف والجنون”  ولكن الثورة تحولت إلى كفاح مسلح، وانبثقت الكتائب المقاتلة التي تسيطر حيناً وتفر أحياناً، وخلال فترة أقل من حلم دفعوا الثمن غالياً، حملوا أقدراهم على أكتافهم، وتغيرت  مسارات حياتهم العقيمة إما بالهجرة أو بالسجن والتعذيب أو بالموت، أليس الوضع على هذا النحو للسورين جميعاً أيا كانت مدنهم وشتاتهم وحيواتهم ..!
ضمن 57 فصلاً ، و220 صفحة تبدل زمن السرد الرشيق في تعاقبات تقود القارئ حتى نهاية شتاء 2018 ليجتاز عتبات الأمل باتجاه انتكاسات الثورة وأمراء الدين المسلحين الذين يهدمون مزار الشيخ عقيل ويعدمون الدرويش دالي، فالطغيان يستمر وإن اختلف اسمه.

01 أبريل 2019

يازينب

كان حضوركِ كافياً 
تحرسين أيامي، وتحمين من حسن الظن رأسي
كان حضورك كافياً 
تحصِّنين بصوتك المطعم بالكستناء قلبي
تركتني لمزاعم الغد .. بين قتل وقاتلين 
أرعى أقمار الخوف، وما جال في الذهن
أغمضتِ على نومك الطويل، ثم ابتسمت فقد امتلأ بالحليب ثدياك، وتبرعم في جسدك الربيع 
طيبةٌ أنت، لا تحتملين البرد، وأولياء العتمة شهود الزور
كيف استرسلت في رقاد الرخام ..؟
كنت تحبين سترات الصوف، وأصابعي تفرك ارتعاش كفيك
هل افتح لك نافذة على كل هذا العويل ؟
فمازلنا 
ومازالت الزوجات تقرعن أزواجهن.. والأزواج يراوغون الصراخ بمتاريس الهيبة
ومازال الأطفال بين يدي الله سعاة بريد
كيف تركت مفاتيح بيتك للصوص ؟
الغرباء عند بابك ينتظرون
وأنا أنتظر
ومدفأتك المطفأة تنتظر 
يازينب.. لمن تركتِ صلاة الفجر، وسعال رئتيك، وحبوبك المسكنة ؟
هل كان عليك حقاً أن تتركيني لأمضي في اللغو، وتنهين الكلام ؟
هل كان عليك حقاً أن تخادعي الحياة وموتاها، لتنسجي من صوف وقتك سترة أبدية..!

12 مارس 2019

عن سارقة الكتب وأشياء أخرى


سارقة الكتب للأسترالي ماركوس زوساك ادرجت  ضمن الكتب الأكثر مبيعاً حسب الويكبيديا المحجوبة في تركيا، ولا أعلم سبباً للتخوف من موقع معلوماتي.؟ ما علينا..  بطبيعة الحال يختلف مفهوم الأكثر قراءة بين عالمنا وعالم الغرب القارئ، وبالتالي أهمية تلك النسبة، وإن كان هذا الاختلاف يحتاج إلى دراسة تحليلية لست بصددها.
نعود الى الكتاب بنسخته المترجمة، والذي يتحدث عن حقبة الحرب في ألمانية النازية، المفارقة تكمن في أن الرواية لا تتطرق للمظلومية اليهودية وإن كانت واردة بشكل أساسي، فهي تتحدث أيضاً عن معاناة الألمان انفسهم في تلك الفترة. الحرب والجوع والخوف من الديكتاتور وتحول الناس إلى عبيد منصاعين لأفكار هتلر إضافة إلى حوامل الرواية بتعددية الشخصيات التي تتألق بخيرها وشرها وأقدارها التي تساق إليها. صوت الراوي هو الموت الذي كان يتدخل بالتقديم والتأخير والتوضيح لمجريات الأحداث ملقياً في الوقت ذاته أسئلة وجودية لقدره الشخصي في أن يحصد آلاف الأرواح. كان الموت يحزن ويتعب ويعتذر، ولكنه مجبر على متابعة القيام بمهمته. أما الشخصية الأساسية فهي لطفلة في التاسعة من عمرها هي ليسل التي فقدت عائلتها وتعيش مع اسرة بالتبني، كانت تعاني من صعوبة في تعلم الحروف، لكنها مع الوقت تقرأ وتتعلق بالكتب بل وتسرقها من مكتبة زوجة رئيس البلدية...
للأسف أو لحسن الحظ فإن رواية سارقة الكتب، لا تحكى ولا تلخص لأن متعتها الأساسية تكمن في التفاصيل، في قراءتها سطراً سطراً للاستمتاع بمداخل الفصول، وتطور الشخصيات، والصور المشهدية. لذلك فالكتاب أجمل من الفيلم المأخوذ عنه. لذلك لنعد إلى الكاتب الشاب الذي يقول بأنه متخوف من إصداره القادم ( جسر من طين) رغم أن عشر سنوات استغرقها في كتابته. وهذا ما يجعلني أقف مدهوشة من أمام الاسهال الكتابي الذي ينتاب كتابنا العرب في اصدارات متلاحقة ضمن مراثونات الجوائز والطباعة. ولست هنا في وارد اللوم لأن الكتابة في الجهة الأخرى من العالم تطعم خبزاً وكاتو، فقد بيع من سارقة الكتب خلال الخمس سنوات الأولى مليونان ونصف المليون نسخة، وإن كان إبداء الرأي متاحاً دون مسبباته، فإن استهلاك الورق والحبر يجعل من معظم الروايات العربية مجرد كتابات هواة ينقصها التجريب والعمق والتأثير في مجملها.
سوزان خواتمي

15 ديسمبر 2018

سوزان خواتمي في مجموعتها الثالثة "فسيفساء امرأة" قصص العيش في الراهن

الناقد: راسم المدهون 
جريدة الحياة
مجموعة الكاتبة السورية سوزان خواتمي القصصية الجديدة"فسيفساء امرأة"، تعود بنا من جديد إلى نعمة القص، إذ هي تقوم في مرتكزها الأهم على الحكاية وتحرص على السرد، وما فيه من تسلسل حدثي يسند بعضه بعضاً، ويسند القصة ليجعل منها في تعريف بسيط، حكاية صوغها في أسلوب فني، وخضعت أحداثها لانتقائية تعيد تشكيلها وتقديمها الى القارئ في كثير من لغة التشويق ومن الحرص على المزاوجة بين الشكل الفني وما يتأسس عليه من جمالية، والمضامين القصصية بما فيها من أحداث حياة ووقائع أيام.
سوزان خواتمي، سبق أن أصـدرت مجمـوعتين قصصيتين"ذاكرة من ورق"دار سعاد الصباح ـ الكويت عام 1999, و"كل شيء عن الحب"دار سعاد الصباح ـ الكويت 2001. وهي سبق أن فازت بجائزة سعاد الصباح الأدبية عن موضوع بعنوان"رسالة إلى شهيد"عام 1993.
"فسيفساء امرأة"منشورات اتحاد الكتّاب العرب - دمشق، تنتمي قصصها الى عنوانها بأمانة، من حيث هي التفات إلى جزيئات وتفاصيل في حياة امرأة معاصرة، تفاصيل تحمل الكثير من المشاعر المحبطة والأحلام المكسورة مثلما تحمل رؤى وارهاصات لأحلام أخرى تصطدم بوقائع العيش وما فيها من قسوة. سوزان خواتمي تقدم صورة المرأة في محيطها الاجتماعي بكل ما يكتنف هذه الصورة من خطوط سود، هي الفارق الكبير بين الأحلام الأولى، البيض والمحلّقة بأجنحة الخيال، والواقع الصلد الذي تؤسسه الحياة الحقيقية كما تعيشها المرأة بتفاصيل برود العشق، بل تحوله يوماً بعد يوم نوعاً من العادة التي تتكرر ولكنها تفقد كل مرّة شيئاً من ذاتها، لتنتهي بعد ذلك إلى قسوة من نوع جديد.
في"قصة أريد العالم وأكتفي بالشوكولا"، تقدم خواتمي حكاية امرأة مع الريجيم، حيث عليها أن تستعيد بقسوة الجوع قوامها الرشيق السابق بعد سنوات من الزواج، فيما لا ينطبق الأمر ذاته على زوجها الذي يتمتع بحرية السمنة والترهل كما يشاء:"زيادة الوزن بالنسبة إليه وقار رجولي مطلوب، بينما يحتم عليّ ملاحظة ضرسي الطيب الذي يتمتع باللقمة اللذيذة". في هذه القصة انتباه إلى تقليدية الوعي، أو إذا شئنا الدقة إلى ذكورية هذا الوعي والتي تجعل الرشاقة والجمال من الصفات الضرورية للمرأة، وفي الوقت نفسه فائضة عن الحاجة بالنسبة إلى الرجل. هنا تقدم سوزان خواتمي ملامح من معاناة المرأة مع الزواج كعلاقة مع الرجل تصبح محكومة بتفاصيل العيش اليومي وما فيه أسباب إحباط من خلال إخراج المرأة من صورة العاشقة، إلى صورة شديدة الواقعية، هي صورة الزوجة، ربة البيت، والأم، وعاملة التنظيف النشطة التي لا تكل ولا تتوقف عن العمل، والتي تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على صورة العاشقة القديمة، تلك التي لا تعود موجودة إلا في ألبومات الصور القديمة ومنها صورة حفلة الزواج وما فيها من نضارة وشباب.
صورة الحياة
يبدو موضوع هذه القصة تقليدياً إلى حدّ بعيد، لكنّ معالجة الكاتبة تمنحه جدة وحرارة من خلال استقراء المشاعر الذاتية وإضاءة ما فيها من خلجات جزئية صغيرة، هي في مجموعها تفاصيل صورة الحياة الجديدة وملامحها.
أما في"الملفوف الساخن"، فتقدم سوزان خواتمي حكاية شديدة الواقعية لعاشق فقير يقدم على السرقة من أجل توفير حياة أفضل لحبيبته. في هذه القصة تذهب الكاتبة إلى الجانب الآخر من نفس الإنسان، الجانب الذي يحتفظ بنوازع الخير بما فيها الحب. قصة فيها الكثير من إشارات غير صريحة إلى عصف المصاعب الاجتماعية بأرواح الناس البسطاء وإلى المفهوم الحقيقي للانحراف، الذي تجسده في القصة واقعة السرقة من أجل غاية نبيلة في إسعاد الحبيب والحرص في الوقت ذاته، على إبقائه طاهراً من خلال إبعاده عن أجواء السرقة.
قصص سوزان خواتمي في"فسيفساء امرأة"، تفارق في أجوائها وحكاياتها ما نقرأه في هذه الأيام من قصص الكاتبات السوريات، خصوصاً أن سوزان خواتمي توظف حسها الأنثوي في معالجة شؤون حياتيه لبطلاتها وأبطالها بعيداً من الأساليب المعهودة، التقليدية والمتكررة، للغة القص الأنثوية، فلا تعمد الى الاتكاء على تأنيث الحكايات أو تأنيث الحلول إذا جازت العبارات، فنراها تتوغل بالتفاصيل الاجتماعية بكثير من الوعي المشحون بعاطفة صادقة نراها تقع في مكانها المناسب، من دون افتعال أو ادعاء، حيث القصة ملمح ذكي الرؤية لواقعة حياتية، فيها ما فيها من تفاصيل. لغة هذه القصص يومية، بسيطة ومباشرة وإن تكن الكاتبة نجحت في جعلها تتكيف مع وقائعها السردية ومع ما تريد التعبير عنه من مشاهد تحرص الكاتبة على أن تكون أساس قصصها. ففي القصص كلها انتباه إلى أهمية أن ترسم الكاتبة صور ما يجري من وقائع لا أن تقوم بسردها وحسب، وهذه في تقديري واحدة من أهم جماليات قصصها .

14 مايو 2018

لعبة التشويق الممتعة .. عن رواية " امرأة في النافذة"


كثيرة هي الأسباب التي تجعلنا نقرأ، وأقل القليل ما يجعلنا نواصل القراءة... 
رواية "امرأة في النافذة" للكاتب أ.ج. فين، وهي (لست واثقة إن كان ذلك يعني شيئاً) الأكثر مبيعاً على قوائم نيويورك تايمز. تملك الرواية كل الألاعيب السحرية لامتلاك قارئها، ولا يعمد الروائي إلى التشويق وحده، والذي أتقنه تماماً كما أتقن الحبكة شارلوك هلمزية، فزرع مفاجآته كالألغام التي تنفجر في وجهك حيث لا تتوقع، وجاءت وفق رأيي الشخصي أكثر مما تحتمله قصة امرأة وحيدة تعيش عزلتها وتتفرغ لمراقبة الأشياء والجيران من نوافذ بيتها الواسع، مستخدمة عدسة كاميرتها.
إن فكرة " المراقبة " ليست جديدة على الأدب المكتوب والمرئي، فهناك أكثر من عمل اعتمد تلك الثيمة، إلا أن الـ 433 صفحة كتبت بأسلوب ومفردات وتوصيفات ذكية وممتعة ومختلفة تجعلنا نستغرق في تتبع الاحداث، حيث قام السرد على التحليل النفسي، وبشكل مواز على قائمة من الأفلام القديمة المشهورة، فالبطلة آنا أو الطبيبة فوكس تشغل وقتها في مشاهدتها، وهي مدمنة كحول، ماهرة في لعبة الشطرنج، مرت بمأساة موجعة قادتها للإصابة بدورها بمرض نفسي يمنعها من أن تخطو خطوة واحدة خارج بيتها، فكانت تقضي على الفراغ باللجوء إلى مواقع الانترنت لتمارس مهنتها كمحللة نفسية تساعد أشخاصاً بأسماء وهمية، وتقف عاجزة أمام مرضها الخاص، كما تقف عاجزة عن إثبات الجريمة التي رأتها، فلا أحد يصدق امرأة تقف على حافة الجنون، والموت أيضاً.
الحياة أيضاً تفرض حلولها، فمهما كان الانسان ضعيفاً إلا أنه يتشبث وبقوة لينجو، وهذا ما تنوه إليه خاتمة الرواية.
نجحت الرواية ضمن ترتيبها الزمني وتطورها البنائي في خلق الأجواء والمشاعر المناسبة للشخصيات المرسومة بأبعاد معقدة. لعل المأخذ الوحيد هو فيض المفاجآت في الصفحات الأخيرة من الرواية. ما عدا ذلك فهي رواية بارعة حقاً.