14 فبراير 2006

السيدة البيضاء التي لا تخطفها الزرقة ( خلف علي الخلف)


السيدة البيضاء التي لا تخطفها الزرقة 


تتكئ على الزرقة

تضحكُ فتخطفُ البياضَ مِن الكون

لاتتجسد ...

قلتُ: حواسٌ، رائحةٌ تعلق بكل ما تمر به، ملمسٌ لا يفارق حتى في النوم، عذوبةٌ تسيل.. يزداد عطشك كلما شربت منها...

قلتُ: تذهبين، تظل رائحتك تصلّي المكان..

قلتُ: أغفو ، المس رائحتكِ التي بطعم الكستناء

قلتُ: كيف للحياة أن تعطي كل ما حلمتَ به على شكل رائحة!!..


تمتد يدُ الرائحة، تلامس وجهكَ، لا تشعر بشيء.. تتبخر، تتبدد في الهواء المحيط الذي يغدو تلك الرائحة.

لا تمشي على أرضٍ ولا تطير في سماء، لا تبني بيتا.. ولا تغادر..

أغمض بصري لأراها!!

ألجأ للشعر أقول:إنها ماء : لونها حياة، طعمها أزرق، رائحتها الكون في بدء ولادته

قلتُ: كل هذا السحر سيدفنني في قامتي !!

لاتبادلها الكلام..

الكلام: فائض..

تعطيل للحواس أو عجزها.


تدهشني عذوبتها- ولم تكن طعم فقط- تنسرب إليّ، أفتح فمي مثل أبله.. تسيل بسلاسة، لتجدها أدخلت الحياة إلى رئتيك أو....أدخلتكَ الحياة.

قلتُ : سأجمع كل فيوضات العشاق من كل العصور وأخبزه رغيفاً واحدًا، وأقول: هذا إحساسي بك !!

اختلطت الزرقة التي تتكئ عليها بالبياض الذي تضحكه، ولم تحتج للكلام لتقول: حقي!!

قلتُ: سأعجن ما خطه المحبون في دفاترهم المخبأة وأصنع منه كلمة واحدة. ردت مثل غيمة: حلو.

قلتُ: تشرقين كل لحظة وأنا أعجز عن متابعة كل هذا الشروق المتتالي.. أشرقت.. ولم تتكلم.

قلت في سري : الآن أدرك لم َلا تتكلم الشمس؟

قالت: أحفن من دمي كي تنهض.

قالت : ها أنا حياة منثورة فيك.. تخلص مني.

ولم تغادرني..

كانت تحول كل الدروب لنداءٍ يشدني صوبها كلما خيل لي أني ابتعدتُ.

قلتُ: أريد أجنحتي.. عمدتني بكل قدرة الطير على التحليق، وكتبتْ بحاسة اللمس على هواء داخلي:

ستعود

وقالت: سأكون دماً أو نفساً.

أيتها البيضاء التي لا تخطفها الزرقة:

قليلكِ كثيرٌ، قليلك يجعل الأموات يقومون من عطشهم، قليلك قيامة الروح والجسد.. فكيف بكلك ؟؟!!


تعالي نعبئ رائحتك ونبيعها على الأرصفة..

تعالي نخبئ ضحكتك ونبيعها للمكتئبين، والحزانى، فارقتهم حبيباتهم، من خذلهن عشاقهن، ومن فقدوا أوطانهم وأمهاتهم ....

حين تغيب أشعر أن الشوارع والأرصفة والدروب والمقاهي والــ... خالية.

حين تغيب لا أرى في المقهى من الوجوه غير مقعدها الخالي

الهواجس تنتابها: كأن تغيب مثلاً... كأن تشعر أن جودها ارتباك ..

كأن تفكر في الطريق.. كأن تظن غيابها جرعة الدواء الأخيرة.. كأن تفكر: سلت أكثر مما

يجب.. كأن تحاسب رعونتها حين نكون معا...

لكنها تعود راكضة حافية حين أقول لها:

أحبك حتى تنفجر الشمس.

التي تسكن بيني

وتشرق في الحياة

لمَ لا يصبح اسمها بديلاً عن الماء؟


الحياة قبلها مجرد وقت يمضي..احتلت كل ما بنته تلكَ السنين تحت عنوان الأمل.

انتظرت طويلاً على شواطئ الأنهار.. انتظرت طويلاً في شوارع كانت لا تخص أحداً..

انتظرت طويلا في مقاهٍ تخص الآخرين..

انتظرتُ ..


قلت لها: يوماً ما سينقطع بيننا حبل الليل وتحبينني.

قلتُ: يا امرأة كانت كل هذا الزمان تختبئ داخلي.. ولم أتعثّر بها..

أعري روحي..

اتركها تجف في الشمس من ماء الآخرين.. لتسكنها شمسكِ

لن نسقط في حفرة الليل التي ينسجها وهو يعبر نحو عزلة شديدة الملوحة.


إذ اذكر أن الحب كائن يتفيأ الصمت..

إذ أعود لاهثاً نحو جدران النوم، أتلمس ما تساقط منكِ في غرفة العزلة..

إذ اغني بمفردي " ... بياع من يشتري حزني ومواويلي ..."

أقول أنتِ..

أعد خطاي..

كأن الكون جدار دون باب أو نوافذ..

تنأى المسافة بي، تفرخني طفلاً على عتباتك يحبو ولا يصل..

كيف لي حينها أن العب بخذلان المسافة وأصفق لمهارات الدروب..!


ألتفت فلا أرى..

لا أعرف أحداً ياسيدة الأرض..

أشهق إذ أرى الهواء يعري جسدي مني..

أشهق إذ أصلب الرجاء على جدار المسافة..

أشهق كمجنون يروي الحكاية لمن لا يعرفك..

لدي من الحكايا ما لم أروه لكِِ.. لدي من الوقت ما يكفي كي تستريحي..

لدي...

سيأتي الخريف هبوباً كريح، أو ورقاً يسّاقط كدمع المغادرين من على أشجار حنين غامض.


يازمني الذي يمتد كطفلٍ ينمو ..

وحيناً أراكِ النوافذ..

وحيناً أراك الباب الذي تركتَه مفتوحاً كي لا تتعبُ يدكِ..

وحيناً أقول لجدراني: كانت هنا تتأمل صورتها

وحيناً أفلي الأغاني المجروحة عن أثرٍ لك ِ

وحيناً أهمس للخريف: أنتَِ... والغياب!!

وحيناً أحرس ليلي وحيدا كي أقصّر المسافة التي ستنمو بيننا.


الهي...

لما خلقتَ المسافة .. لتصبح خنجراً يطعنني به الوقت ..؟

أما تستطيع أن تمحو الخارطة وتجعل المسافة مهما نأت نقطةً؟

حين أغادرها يغادرني كل ما فيَّ.. فكيف تقطعني أشلاءً وتبعثرها؟

إلهي لما خلقت الدروب؟!


كيف أقول للمساء تمهل ستحضر بكامل نزهتها بعد قليل؟

كيف أقنع الهواء أنه دونك بلا رائحة؟

كيف ... أغادرك إلى الصحرااااء .. ليُشلع قلبي ويُرمى به لجِراء المسافة



يديَّ تمتد لتفتح مشهداً لم يكتمل:

سلامٌ يصعدُ سلم البيت، ليخلق جنوناً من الرهافة في حيزٍ صغير، أسميه عزلتي..

تصل محملة بنزهات يقوم بها الهواء إلى حدائق بكراً ولم يَعِد بها الإله أحداً..

تهبط من سحرٍ يخاصر جسداً وديعاً، يرتجف بقبلاتٍ لم تذق حتى الهواء..

كأن الأرض خلوً من وعود الجنة/ كأن الشهقات الموسومة بحضورها تجثو على قدميها لتلونها

تارة تمشط شعري من الليل

تارة تفتح قلبي على مصراعيه ليذوق الهواء

تارة تلامس وجهي بشبق الناسك وهو يقبل كتاباً مقدساً

تارة تتشبث بي لأن الوقت يتسع ويركض مثل هاوية

وتارة أناديها ياكلَّ ما بقي على الأرض من قصص العشق

دعيني أتعرى في نظرتك العارية

دعيني ألمس الشفاعة المتدفقة من بياضك الذي يتسع لكل ألواني

دعيني أشم الرائحة التي تتدفق منك

دعيني أشهق: كلَّ هذا البياض لي؟


غفرانك ِ.. لستُ جاحدا، لكن السنين علمتني ألا ألمس البياض كي لا تغويه المسافة ويرحل..

ووئيداً أتصاعدُ فيها نفساً ضيّع كل طريق

ووئيدا أحصي المسافة دونها، وأضلل الدروب، بأن حلب قبل الأندلس، وأن العبور إليها يبدأ من نقطة في القلب إلى نقطة في القلب


وكنتُ..

في الوجد الذي يخطف الحنين ويُعريه، أبعثر الحروف لأنسج هواء يمر بكِ، أعري الزمنَ من الوقت ِلأجعله أبداً ساكناً، أدعو الله أن يتسع.. يتسع كي يحتويني وأنا أحملك داخلي..لم يكن الله ضيقاً.. لم يكن الله دون مُسمى غير انكِ أخذت المسميات منه وأعطيته الاتساع لتصبح الضلالة والهدى صلاة واحدة...إذ تسجد على صورتكِ الحروف فانه ليس سحر.. نعمى به .. دون أن نشربُ من لعابكِِ، دون أن نحمل أثرك..

أنت هواء يتجسد حيلة للعاشق

والعاشق ليس صوتا وليس صدى

والعاشق تراب الأبدية حين تدوسه أقدامك الحافية

والعاشق مطر حافي إن كنتَ سماء، أو أرض تتعرى لوقع صورتكَ

والعاشق اختلاط الريح بغبار القوافل وهي تسعى إلى الحج، وتتيه عن الله حين ترى الماء

والعاشق ليل يحرسكَ من فجيعة المنتهى..

وما العاشق غير درب انتبه إليك.. وما الدرب غير سجدة لوجه التآخي بين البصيرة والمصير

وما كنتْ أنتْْ غير مسعى

وما كان الأفق غير انبهار يتوسدكْْْْْ

وقال ربّي:

من حج بصورتها فقد أتاني

ومن شرب ريقها جعلته حارسا جنتي

ومن لامس وجهها جعلته رسولي وحمّلته الوحي إليها

ومن رضع حلمتيها أسميته ابني


وأنت ِالرسالةُ والرسول.. مُرسلُ الوجدِ ومهبطُ الشوق

وأنت الرسائلُ لا تصل/ العراة أمام بابي يسندون الخليقة ببهاء أجسادهم / صدى الغواية إذ تتلبس ثوب أنثى/ أنتِ الحياة إذ تتعرى بغتة

والعاشق يعرج بين سمائكِ ونهديك

وقوافل الوجد تنام على سفح بطنك الذي يشبه العرش

كم نموت هناك ونحيا وكم نختلط بثغاء الذين عذبهم شوقهم لصورتكِ


وما كنتْ مرعى

غير أن العاشق حلَّ بكْ

وماتْ ...

لم يمتْ ..ماتْ ..لم يمتْ .. ماتْ ..لم يمتْ


أنا العاشقُ

العاشقُ

كيف أصف هواء تشكل أنثى

كيف أصف فراغا يسبح بي

كأنما الرؤيا تخاتل المبصر ليَنْعَم باشتعال البصيرة

أركضُ حافناً رغبتي في شفاهي، أدخل الجهات / التي تطوف حول وجهك

وما كانت الشفاه سرمداً أو فجيعه أو مِنَّةً من بقايا ربٍّ ضيعه حراسه

وما كانت الشفاه جسراً للعابرين إلى جنةٍ تقدُّ قميصها بالأصابع

وما كان الليل وجهي، غير أنه يتكور .. يغدو أصابع.. ملمساً على هيئة ملائكة الرحمن وهم يسجدون لإبليس

وأنتِ انتظار قوافل العائدين

وقلتُ لهم:

من لم يحلَّ به صوتها ليس من عبادي

ومن لم يصلِّ على سجادة دمعها فقد ضلَّ ناري

ومن لم يحضنها كأجراس صوتي كان تراباً

وأنتِ جنة عامرة بالمشتهى .. لهفة الصائمين بحسرة الماء

وقلتُ..


كان طغاة ومرّوا

وكانتِ الآلهة قبلكِ وذهبتْ تحرس أوهامها

وأنتِ تختلطين بفاتحه المصلي

ولا يعرف الله أنتِ .. أم منكِ ولدَ

وبصورتك يتجسد للعباد

وأنا اختلاط بينكم ...


بين قوسين نعيش الحياة

تنسجين الدنيا بأصابعك سجادةً كي أصلي، أستعجل الطريق نحوك..

ياله من صحو لا يستريح

بكاء لا يهدأ إلا ببَركة يديك.

مثلك جاء الوقت مسيجاً، كان يغوي المتعة كي تشاكس الشوارع والمطر، وكلما كان الليل غزير الأحلام قلتُ : سأجيد الفؤاد كي لا أسقط



كنتُ أولدُ بين يديكِ كقافلة وميض، أثقلتني ظلمة الكواكب، وكنت أريد أن أولد إلى النور

آن لي أن أبيت عارياً يكسوني مطرك

أن تسعفني رحمة البياض، يانجمة تغردُ فوق رأسي:

مذعوراً كرجلٍ يركض أمام الموت ..

حدقي بي، تري تفاصيلكِ تسبح في دمي وهو يئن بالقتلى

أجتزئ من شفتيك قبلة تتسع لتغفر للكون كل هذي الخطايا وأنت تدونين حاشية البهجة على طارف أيامك ..


كاهلي صغير لا يحتمل سوى صرة ضحكك، لا أريد لجثتي أن تلازمني الطريق ..

مدي يدَ الماء ِلتقطف رأس الملوحة.. وقلتُ: المكابدات أخذت أيامي إلى المقبرة.. وقلتُ لكِ لا تدعي الحياة تصبح ذكرى.

ما بالك تجففين الضحك بشمس الوهم!، تخلعين نكهة الماء عنك!..

سأنحني مثل شبقٍٍ، اقبّل جنون خطوتك وهي تمضي..

لن أصغ لشهقة الغروب تتلو دم العابر، كمثل طاغية صغير..

لن أصغ سوى لأصابعك تزرع شجر الرائحة على وجهي. ولن أحفل سوى بدمك وهو يقتل وحشة الغريب.

أشبهك برأفةٍ صارت جلدي، أشبهك بسماءٍ صارت بيتي، أشبهك بكل بعيدٍ يقود البصر إلى منازل الضوء


يا لهذه الأنثى: أقولُ

كلَّ يومٍ تغسل الضوء بماء رحابتها

كلَّ يومٍ يمضي قلبي إلى مدرستها لابساً مريولاً من الزرقة

كلَّ يوم تنبت في طريق المدرسة أغاني

كلَّ يومٍ ترافقني العصافير إليها

وكلَّ يومٍ أستلفها من الذاكرة فتثري الصباح

وكلَّ يومٍ أقول لها: صباحكِ غيمةٌ ذاهبة إلى لمدرسة


تشبه فيما تشبه قبلة شوق

وأحياناً يخطر لي أنها النهار وقد جعلناه مخدةً نتوسدها كي ننام

وأحياناً أشرد.. أتخيل نفسي عصفوراً يتسلل عبر نافذتها ويحط على ضحكتها

وأحياناً لا أنام كي أظل حاضناً صورتها

وأحياناً أنام كي أطبق جفني على صورتها

وأحياناً أنام وقبل أن أنام أقول:


                   وك تعال بحلم واحسبها إلك جَيَّةْ واكَولن جيت


المسافة هلام يقاس بالغياب، و الدنيا لا تدور...

كيف لي أن أسبح في الكون بعيدا عن زرقتها...

سأسجل: إنت البلادُ

دونكِ لا وطن لي ولا سماء

دونك بلا أرض

دونك انكمش إلى نقطة تائهة

دونك الفصول تتعاقب على جثتي الهامدة

دونك السماء ليست زرقاء والغيوم ليست بيضاء

دونك أرى قلبي حافياً يهرول خائفاً والدنيا كلها حصى مدبب

دونك الوجوه تضيع ملامحها

دونك تسبل الحكايا أجفانها وتخلد إلى قبرها

دونك أتحول إلى خرقة بالية تمسح غبار أي شيء

دونك تنهار الجهاتُ

دونك

جسدي يذبل وهتافي لا يصل...

أغيب، سارقاً من العابرين حفنة من خطى

قلت لها : هاقلبي جرحٌ فاغر دهشته، بصري أدمن زرقتك حتى قال عنها : ضوء

وقلت لها: لو كان الصوت يصل لقلتُ:


أنت التي

تبني لي من الريح بيتاً

تبني لي في ظلها بيتاً

تبني لي من دمها بيتاً

تبني لي في ضحكتها بيتاً

تبني لي من الجهات بيتاً

وتبني لبصري في سمائها بيتاً

تبني من الغيم بيتاً لخطوتي

وتبني من الله بيتاً لنا

تعالي..

أمضي في واسع صوتك، أنحني أمام الفصول وأطلب منها التوقف حين تمرَين

تصحو الليالي حين تنام ..

أطل عليها وأخفي التوابيت خلفي

أسجد خلف رائحتها فتسجد معي الارض والكائنات ..

أصلي: خذيني إلى بياض رحمك فلم أجد سلماً لأصعد نحو السماء

خذيني..

لا تلديني إلى الارض والناس ...


صباحك الغيم

ضحكتك الشام

يداك المشيئة

وأنا حارس الحلم


أقف على بابك متسولاً أخرساً ..

أقول للهواء قف لا تمر ..إنها نائمة

كمن يمشي على الرؤيا أسير أليها

وكمن يتشبث بالدنيا: أحبها

وهو قليل قليل..

__________________


17 مايو 2005

هذيان لايعني أحدا( خلف علي الخلف)

1


اليمامة كما كانت تبدو لي من فوق الاكروبوليس

مالذي في اليمامة لابكيها كلَّ هذا البكاء المكتوم كمن يفارق موطنه الاول للمرة الاولى؟! ما الذي في اليمامة لأذكرها كمعشوقة فارقتها وهي في ثياب العرس؟ !

مالذي يجعل منفوحة الاعشى تكفنني بكل هذا الحنين ... ويجعل تلك البلاد تحتل روحي للابد



اليمامة ياعاشقين

من هنا تبدو كأنها الكون كله .. كلما وقفت فوق الاكروبوليس ونظرت... اراها فيتوهج جمرها على حواف القلب فيحرقني النشيد والنشيج

ليست اليمامة اجمل المدن

وليست احنَّ المدن

وليست عاشقة لا تنام مثل حلب

لكنها تأخذني من ليلي وتستبي وجدي فأطوف بذاكرتي حولها مثل عاشق يتسلل الى مخدع حبيبته ليلا



ها انا اكتبك باكيا ، انا الذي كنت دائما اردد : لا بد من الرحيل عن هذي البلاد .. انها تأخذ عمري وتنثره للسراب .....

لم تأخذني اليمامة بأحضانها كعاشقة .. كي اذكر دفء فراشها غير اني احس اني تركت روحي معلقة على جدران" ديرتها "



من يبلل ايامي الضامئة من مائها ؟

ويحمل لي خصلة من شمسها وحفنة من تراب " الديرة "، او نفسا من هوائها واعطيه هذه الايام التي تمضي هنا كلها مزينة بوهج مدينة افلاطون المثقلة بالتاريخ والاحلام وسكانها



حينما هجرتك وتركتُ اشيائي الصغيرة ... وحقيبتي وملابسي قلت ُ : لتذهب هذه للجحيم أيذكر تلك الاشياء من ييمم شطر أثينا

غير اني الان احس بفداحة الفقد ... من يقل لي عد لأترك كل شيء في مكانه هنا واحمل روحي التي تتوق لشمسها واعود اليها



يايمامة

ما كنت حضنا لعاشق

لكنك كنت ملفى الغريب



لو استطيع جعلت هذي البلاد قرطا يتوارى خلف حجابك



ايتها الوحدة والعزلة التي سكنت خطاي....

حين اتوسد اضلعي كي انام تحضريني اتهجى الاماكن من" منفوحة الاعشى " وحتى تخوم" الحديثة"



اتهجى ذاكرتي

من سينسى مطعما صغيراً في شارع الطيف في منفوحة الاعشى ... وينسى سمير القادم من " اللواء السليب "

من سينسى " الكبسة" ياسمير اليمامة؟؟

من سيصنع لي قهوة كنت اشربها في مقهى صغير ودافئ في " ابراج الخالدية "

اذكر هذا هنا فأحس ان النادل البنغلاديشي في المقهى الصغير كان من سلالتي او اهلي الطيبين



من لي بقراءة " الحياة " باكرا في صباح اليمامة



من سينسى خبزك وتمرك وقهوتك الجنوبية



من ينسى هذا لا يستطيع ان يذكر شيء



ها انا احلم من فوق الاكروبوليس ان اقف على ابواب " ديرتك" واسمع صوت مآذنك واسمع من ينادي " الصلاة ... الصلاة يا عباد الله " وما كنت مصلي



مالذي في اليمامة لتجعل قلبي يشفُّ ويرقُّ حينما اذكرها ...... وقد اخذت من العمر ما يكفي ولم تعطني غير روح مبللة بصحراء

اودعتك ماتبقى من الخلان وها انت تعيدي ولادتي سلالة من اسى وذريتي شجرا من نحيب



اثينا 2002









2



ها انا اصرخ قدام وجهك يايمامة

اغفري لي كل هذا الغياب بكل هذا الحنين

اغمس لهفتي بصمت صحرائك / ارى نفسي في مرآة الساحرات / اشتل الخلان في وجدي وانظر للبعيد.....

ردائي لا يستر احزاني وقلبي ينفطر من من فرط النشيد



كيف توسدت قلبي وتركتني وحدي وحدي اهجس بالهوى واكتوي بالصبابة وتذكّر الخلان



كأني عاشق يا يمامة



وحيدا إلا من الحنين/ ارتل الخطى مزاميراً ولا اجد من أتلو عليه النشيد



تحفر سيول الايام أخاديدها على تربة العمر فأحرق أشجاري واستطيب طعم الرماد



كأني عاشق .....

وأثينا تحمي ريحها من نفس الغريب / تنام متكأة على خصرها .. تعبرها السنين ولا تبللها

ووحدي اواجه سيف الاحزان



ياسيدي ليس هذا دمي وليست هذه إبلي وليس في جعبتي غير هذا الحنين



وسادتي الريح

وحلمي التراب

وظلي البوح



ماذا جنيت من العمر والخلّان فارقوا موقدي



لم يتركوا حتى رائحتهم او نظراتهم تطوف المكان



من يأخذ قافلة المسافر أو يخطف سفينته لتهدأ روحه



ما كنت مغرماً بالسنين وهي تمضي.. لكن روحي تطوف حول قبورها .. وما بقي من العمر إلا أن نعد أصابع الرحيل



اثينا 2002







3







ايها العابر حيث تمضي ...ماذا تبقى من هواك



تهجو الاماكن ... تهجرها صوب اماكن اخرى غير انك لا تهدأ



كم حزناً كتبت ... كم ارضاً عشقت ؟ وظل يطردك المكان او انت تهجرهَ وكنتَ كمن يشتم الصحراء او يبصق البحر



من يواسيك ؟ يحمل عنك ظل الدمع كي تنام .. او من يذرف عليك دمعاً حين ينام ؟

ليس غيرك ايتها العاشقة

وليس لكِ غير صلاة الغائب



ها انت تكتحلين بذكرى المفارق وتزرعين ايامك ورداً وعلى وسادة عمرك ينام الارق

تتوسدك الايام وتتهجين السنين مثل طفل يتعلم الابجدية .. مالذي اعطاك اياه الحبيب غير هجرته ايتها الحالمة بغصنه



تنتظرين الحبيب على جمر المودة وحين يجيء مبللا بخطاه تصفعين ايامه على وجهها بالعبوس

وقلت لك : اني لا انام الا على جمر الحروف

وقلت لك : " هي هجرة اخرى "

وقلت لك : "في سعينا نحو الحياة التي نحب نعيش الحياة"

وقلت لك " قد تمضي الحياة بنا هكذا هكذا حتى اخرها ونحن نرى ايامنا ماءا يسيل في ارض بوار



وقلت لك : أقدم اعتذاري لعمرك وشبابك ايتها العاشقة .. ان كان ذلك يكفي ؟



ايتها العاشقة مالذي يدفئ أيامك غير ظل الوحشة

لكننا نحيا الحياة فوق الحياة مع قليل أو كثير من الدمع والملح





اثينا 2002









4



البلاد

البلاد التي نشيدها في النشيد ... تذوب على حواف الكتابة



أيها النسيان : لاتطوني مثل كتاب نسي على حافة نهر

بعد كل هذا الرحيل أريد لقبري شاهدةً كي يقرأ المارة اسمي ويتلفظوا به

لست غازياً ... ولست مدافعاً عن الاوطان غير اني اريد ايامي ...

اذرف السنين مثل بكاء عاشقٍ على حبيبة فارقته وتزوجت غيره / اندبها وانــــــــــــــــــــوح عليها

واقول عودي ... والميتُ لايعود

وها أنا انتظر المسيح كي يعيدها من قبورها

مامعنى ان تعود ؟! وهل ستكون هي حينئذ ! وهل الايام غير ظلٍ حياته معلقة بما هو خارج عنه...

حين يجبلني النشيد أتمتم " مثل عجوز حقود " متى ؟ كيف ؟ أين ؟



لكنها السنين تمضي ... تمضي ... ونحن نبحث عن الظل ونبحث في قعر كأس الحياة عن حثال انفسنا



انه الظل ولا شيء سواه / الظل الذي يحيا ويموت دون ان يدري ...دون ان يكون له في مصيره ميتاً ام حياً

هل نحن ظل الظل ... أم ظل الخرافة .. أم أناشيد نبتت في الظل ... و



مالذي في اثينا كي ننام على جمرها / مالذي يجعل الحياة قرب الاكروبول تشبه قصيدة كافافي بانتظار البرابرة

حين لانفهم المتن نخطف ابصارنا للهامش وقد نظل طويلا في الهماش وربما تمضي الحياة هناك دون ان نستطيع فهم المتن



مالذي في اثينا ... و antigoni تقطف أزهارها من ايدي العابرين وتزرعها على حواف الايام / ولا تحفل بالعابر وهو ينسج الاناشيد على سدو دنلوب ...

جرس الظل هي ... صوت ارتطام الموج بالقلب الكسير .. إنها الشجو إذ ينوء بمودة المنطفئ

أو رأفة الاشجار بالتائهين... تحمل العرش بخنصرها وتطوف حولها الأرواح كلّها مسبحةً:

تبارك الضوء إذ يسيل من حلمتكِ

أغصانك العارية مباركة

الريح التي تهب من أنفاسك على برِّ المحرومين

صوتها أنثى وخطاها رجفة الواصل سدرة المنتهى ...

إذ تمشي .. تمشي وراءها البساتين .. الرعاة يتركون اغنامهم .. العصاة يتوبون الى ربهم ويمشون وراءها

النهار يخفت ضوءه ويمشي وراءها .. البرابرة الذين انتظرهم كافافي يأتون مسرعين تلبس وجوههم البراءة ويمشون وراءها .... كافافي يقوم من قبره ممزقا قصاءده ليمشي وراءها..... إنها الطالعة من تاريخ هيرودوت



الأيام تذوي ... تذوي ولم نشم رائحتها بعد ... تسأل ُ : ماذا جنيتُ أنا الذي لم يراني الاعمى .. ماذا تبغي من الايام ؟

أشعر أني وجدت حروفاً وركبتُ كلاماً غير أني اضعت المعنى ..

هل المعنى هو ما تبغيه من شجر الأيام ...؟





أثينا 2002









5





فلتتوسدي أضلعكِ او أضلعي - أيتها العاشقة - وتعدي نجوم السماء وكلما اخطأت في العد يبتعد الحبيب

هل كنا حبيبين فعلاً ؟ أم ان النسيان طوى رسائلنا

ليس وهماً ان اقول :

فقدتُ اصابعي

فقدت ُ لساني

فقدتُ بصري

كيف سيكون حبي ؟! ... كيف المسه.... اتذوقه ... احكي له ... عنه .. أراه ....

وما بقي لي سوى حاستين ضعيفتين .... لابد له من رائحة تشبه رائحة الموت كي أشمه ... لابد لصراخه ان يكون عالياُ كي اسمعه

هل هذا هو الحب ايتها العاشقة ؟ لا ادري .... غير اني بعت عمري بزنبيل حنطة وبعد سنيـــــــــن وجدته مرمي على الطريق

[ لمن لم يصله المعنى : لم ينتفع به من اشتراه فرماه ...]



مثلك كانت العاشقات في عصور المحبة / غير أنك تنامين قبل وصول الضوء الى اطرافك

أفتت الضوء / أعيد طلائه بالبصر / ألمه من اقاصي ذنوبه الى اطراف أصابعي كي اكتب الوجد وأمحوه مثل شعارٍ ماتت ثورته



الأنفاس الداكنة تطوف المدينة

ليلُها يهرب من ظلام الشوارع

الزمن ينزلق من أعالي اوهامه / تكسر ساقه ويتبعثر الصمت



الصمتُ ظل الصوت

صوتٌ ناء في العمر

صوت ُمالامسته يد الصحو فظل على سرير اللسان غرير العين



الصمتُ



قشعريرة المدى

رغوة اللحظات

نهارٌ معلق على اسطح نسيتها العيون فبهتت الوانه

مرآة الانفاس وهي تقطف العشب من فناء الريح

من يعرفه ينسى الايام الضريرة وينام يابساً بجانب الأحيان....



تنسى فكرة الضوء وتسّاءلُ مالضوء خارج العتمة ؟!

العتمة من يعرفها ... عندما تخرج من فراشها مجردة من ثيابها... لتكتشف فجأة أن :

اللحظاتُ تنام باكراً

وأنت تسحبُ من تحت رأسها وسادة الوقت كي تحصيه ... ماذا تحصي؟!



الأيام تمضي.........

لماذا تقول الأيام تمضي ؟ ولاتقول الايام تزول ... ربما لانها تدخل الذاكرة وتظل تستحظرها ... ربما ... ربما

أنه أمر آخر ايها المحموم

تسأل عن ريحٍ ما لتطعن قلبها بقلبك ... وترى أن هذه الصورة اكثر واقعية من الألم الأعمى



الأعمى

كلُّ يومٍ يمرُّ من النفق

يتحسس النهارَ بعصاه

ولا يرى الضوء يسيل من بهائها إذ تمرّ

بجانبه كل يومٍ

معلقةً جمجمة العاشق على جيدها الاخرس



هو ليس اعمى لكن



من يأبه لأشجاره وهي تذوي

من يأبه لنهاره الذابل مفرداً كحجرٍ في صحراء

من يأبه لروحه وهي تصطك من برد العزلة

من يأبه لقلبه وهو ينام مرتجفا دون غطاء

من يأبه لأيامه وهي تمضي مثل ظعون مستطرقة

من يأبه لناره المطفأة

من يأبه لخطاه التي ضللتها الدروب

من يأبه لحنينه الذي يورق في الوحدة كمأوى وحيد في هذه الارض التي تتسع

من يأبه لقلقه من الموت وحيداً ميتة الشبح

من يأبه لغربته التي تحش روحه كل مساء وتطعمها للخواء



من يأبه له

وهو الأعزل





اثينا 2002





25 نوفمبر 2004

حلب الآن: نعي مدينة خاوية (خلف علي الخلف)




ينتشر شعور عام في الاوساط الحلبية، عامة و(نخب)، ان حلب مستهدفة من السلطة بشكل اساسي ومن بقية السوريين بشكل عام ممن تشكل لهم حلب تحدي ما!!. ويقصد هنا ببقية السوريين على الأغلب" الشوام " أو التجار والصناعيين الشوام تحديداً. وانهم، (أي بقية السوريين والسلطة) ينامون وهم يفكرون كيف يقضون على حلب نهائيا، وكيف يخنقونها. ويتحالف في النوم واليقظة على هذا، السلطة مع بقية السوريين الذين يحاولون أن يهمشوا حلب وينهوا دورها ((التاريخي)) المتمثل بكونها عاصمة الحضارة والاقتصاد والفن وكذلك مدينة التسامح الديني والوحدة الوطنية.. كما تنتشر اللافتات على الطريقة البعثية للاحتفال بحلب عاصمة للثقافة الاسلامية هذه الايام.


والشعور أن حلب مستهدفة يتحول الى مسلمة لدى اهلها!!، ويجد مبرراته في أن حلب غدت مكروهة من السلطة الحالية بعد اشتباك السلطة مع الاخوان( المسلمين)، في أوئل الثمانينات، فقد كانت حلب احد معاقل الاخوان الرئيسية إضافة لحماة و المسرح الثاني لاشتباك السلطة مع الاخوان وهكذا من الطبيعي أن تقرر السلطة الحالية قطف رأس حلب بشكل نهائي.. ويزداد هذا المبرر شرعية عند من يعتقد ان هذه السلطة هي سلطة طائفية وهكذا يغدو طبيعيا أن يطلب رأس حلب في هذه الحالة. ولا يقبل الحلبيون مسائلة هذه المسلمة دون اعتبار المُسائل أما يخدم السلطة أو متحالف معها لاسباب اخرى تخص وحدة المعركة ضد حلب أو أنه يهرف بما لا يعرف، ويدرجون في هذه الخانة كل الكتابات التي عن حلب ولا ترضي أهلها.

هذا الذهنية التي تقوم على تصوير النفس مستهدفة وعلى ان القصور و/أو الخواء ذو سبب خارجي هي الاكثر قدرة على إراحة النفس في حلب اليوم. فهذه المدينة لولا أنها محاربة ومحاصرة من الجميع لبقيت على الداوم عاصمة للحضارة والفن والصناعة والتجارة ومنارة للتسامح الديني..

لن نتكلم عن التاريخ وليس الغاية في هذه العجالة سوى: تعالوا نتدبر الأمر ملياً.. إذن لست معنيا بالبحث وتقصي مسيرة حلب عبر التاريخ ودورها ومنجزها لكني اذكر حلب الان وتالياً قد يجوز سحب المقايسة هذه عبر منظومة القياس الى الخلف إذا شاء أحد ما أو شاءت الصدف..

فحلب أم التجارة يمكن إيجازها بـ: أن العقلية التجارية لدى الحلبية تقوم على سيادة الفكر الدكنجي وهو مصطلح مطروح ولا ادري الحدود التي اطلق لها هذا المصطلح. والفكر الدكنجي اقتصاديا يقوم على مبدأ الصفقة الواحدة. ويروي تجار حلب (مشافهة) حكاية عن مطعم في اسطنبول يقدم محشي. ميزته الاساسية (أي المحشي الذي يقدمه هذا المطعم) أنه لا يؤكل، الا ان المطعم دائم الازدحام وينتظر الزبون فترات طويلة كي يحصل على طاولة.. وروى لي أحدهم انه قال لصاحب المطعم: يا أخي لم لا تحسنون طعامكم كي لا تفقدون زبائنكم. فكان رد صاحب المطعم انه ورث هذا المطعم من ابيه وابيه ورثه من جده ولم يشاهد احدا اكل في مطعمهم وعاد مرة أخرى ومع ذلك كما ترى فقد انتظرت طويلا لتأكل هذا المحشي الذي لا يؤكل. ويبدو لي أنه مصدر المثل الحلبي " البيدوقا (الذي يتذوقها) ما بعيدها.. وياربي ما اكتر خلقك" وتبدو هذه المقولة الهادي لتجار حلب. وهكذا يغدو طبيعيا أن تقوم ((شطارة ))التاجر الحلبي على أن يبيع من يأتي اليه طالباً بنطلون جينز مقاس36 بنطلون آخر قماش وغير لون ومقاس أربعين ، أو يقنع نفس التاجر أو أبن عمه أو شقيقه، من أراد أن يشتري كاسات للشاي ليست في محله في تلك اللحظة ( التاريخية ) فناجين للقهوة إذ يقنعه أن لا احد يستخدم الان كاسات لشرب الشاي في هذه المدينة وأن الكاسات منذ سنوات طويلة لم يعد أحد يصنعها" ولا تتعب حالك " وهكذا عليك أن تشتري منه فناجين .. أو ربما طنجرة ضغط لا فرق.

أما التاريخ الصناعي لحلب الان وقبل قليل، ولا ادري عم قبل هذا لاني اعتقد أن السمعة التاريخية غالبا تصنع تزويرا ولا يقتصر هذا على حلب فقط، أقول أن الصناعة الحلبية يلخصها تاريخ صناعة الاحذية في حلب التي تمشي فيها كم متر وينقلع نعل الحذاء وتسير حافيا للدرجة التي عرضت كثير من تلفزيونات العالم تحذيرات من الصناعة السورية عامة لانهم لا يعرفون الخصوصية الحلبية وكذلك الصناعات الحلبية تخرج من بلادنا تحت اسم موحد: صناعة سورية ( بالتاء المربوطة وليس بالألف الممدودة). وللعلم: تشكل صناعة الاحذية جزءا كبير من الناتج الاجمالي الاسباني وكذلك الايطالي ويمكن ايجاد الرقم بدقة بقليل من الجهد لا أجد أن ايراده هنا يستحق هذا. ويمكن تلخيص مسيرة الصناعة الحلبية بأنها تلك الصناعة التي قامت باغلاق الاسواق التي فتحت امام المنتج السوري هبة من الله والظروف الدولية وتم هذا الاغلاق ببساطة شديدة نتيجة انتقال عقلية الدكنجي من التاجر الى الصناعي أو لانهم في حلب بالاصل شركاء فلم تؤسس حلب (المدينة العريقة) أية اخلاق صناعية

فتم تصدير أحذية وكأنها صنعت من أكياس النايلون ولمن يقول هذا الأمر حديث يمكن لنا أن نذكر له المثل الدارج في حلب :" حذاء حجي افندي .." وهو حذاء يبيعه حجي افندي للزبون ويرسل خلفه صانعه كي يلتقط" كعيب الحذاء " عندما تسقط بعد قليل ويعيدها كي يعاد انتاجها.

وفوق كل هذا وفيما يخص التقاليد الصناعية أو أخلاقها أو التزام قوانينها، وكي لا يكون كلامنا في الهواء نذكر أنه لا يوجد أي تأمينات مثلا لعمال الصناعة ولا يوجد منشأة في كل حلب عمالها مسجلين بالكامل في نظام التأمينات إلا اضطرار لبعض العمال يشكلون نسبة واحد بالمئة للتغطية على " كبسات التأمينات " التي يكون عادة الغاية منها أخد كم ورقة ...

أما عن الفن فعلى سبيل النكاية فقد قرأت ذات يوم مقالا عن أن القدود حمصية وليست حلبية وهذا ما يعترف به صباح فخري هذه القدود التي تعتاش عليها حلب طوال تاريخها الفني. وبكل الاحوال هي مدينة تعتاش منذ نصف قرن على صباح فخري ومقلديه وناسخيه ولم تنتج ظاهرة كأم كلثوم أو الرحابنة أو حتى نانسي

وإذا مضينا دون وجل الى قضية التسامح الديني التي تنتشر يافطاتها هذه الايام مترافقة مع " حلب عاصمة للثقافة الاسلامية " فيمكن أن نذكّر بهبة حلب ويمكن أن نذكّر بنصوص في الكتاب والسنة يرددها مسلمو حلب على منابرهم ليل نهار ويمكن أن نذكّر بمصطلح " المطورق " الذي كان يطلق على المسحيين واليهود في حلب والذي يعني أن عليه أن ينزل الى الطاروق (المجاري ) وينظفها... وإذا كان هذا ليس منشأً حلبيا بل يخص الاسلام أجمع لأن مصدره النص الاسلامي فإن موجب ايراده هنا هو التشدق بالتسامح في حلب ليس إلا. وكذلك يمكن ان نلاحظ أن مسيحيي حلب هم الاكثر انغلاقا من بين كل مسيحي سوريا ويسكنون في أحياء شبه مغلقة وللتذكير فإن بعض الاحياء المختلطة وهي التي تكون عادة مسيحية ويتسلل إليها المسلمون ينخفض فيها سعر المنزل بما لا يقل عن مئة الف في بناية مختلطة السكان عن منزل شبيه في بناية مجاورة غير مختلطة ولا يمكن لمسلم ان يشتري في بناية غير مختلطة ( وتعني هنا مسيحية كاملة ) وكذلك فإنا نواديهم ومطاعمهم ومقاهيهم شبه خاصة فلا يدخلها من يُشتبه أنه مسلم .. بمعنى من كان واضحا أنه مسلم من خلال أحد الرموز الاسلامية التي اشهرها الحجاب يتم تقليعه تحت حجج شتى

أما المطبخ الحلبي الذي اشتهرت به حلب حتى اصبح إسمها يجوب الافاق كــ " ام المحاشي والكبب " فهو مطبخا تركياً وبالكامل أيضاً.

ماذا بقي من حلب الان لم نقله؟ في حلب الان لا يوجد شعراء( حلبية) لديهم منجز وهذا قائم منذ زمن طويل فلم يكن هناك حلبي من المجددين في الشعر الكلاسيكي وأشهر اعلامها من الشعراء العموديين هو عمر أبو ريشة المنبجي وهي مدينة تتبع محافظة حلب حاليا، ولا يوجد شاعر حلبي واحد لديه منجز من جيل الحداثة.. وما بعدها. أما عن صنوف الابداع الاخرى فالارض شبه صفصف إذا استثنينا من هم غير حلبية وشبه صفصف لان هناك بعض الاسماء القليلة التي شكلت منجزا كمياً يمكن مسائلته سواء اختلفنا او اتفقنا على اهميته وليعفني (الجمع ممن ضم مجلسنا) من ذكر الاسماء كي لايتنطع لي حلبي ما ويقول من هذا النكرة الذي يقيم ابداع الحلبية؟!!! لكني يمكن أن اذكر بقليل من المغامرة أن واجهة حلب الثقافية الان هم الاستاذ محمد قجة والدكتور نضال الصالح..إضافة للاستاذ عبدو محمد رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب (بحكم المنصب) وكذلك مدير الثقافة الذي لا اذكر اسمه

وقد تبدو هذه الحالة استثنائية في تاريخ حلب إلا اني ودون عناء بحث أقول أن حلب عبر التاريخ كانت هكذا فلا البحتري حلبي ولا المتنبي ولا أبو فراس ولا سيف الدولة الحمداني التي تسمى المدينة باسمه ولا السهروردي ولا الفارابي ولا ... بل إنهم مروا بحلب وسكنوا فيها بعض الوقت.ولم تترك فيهم المدينة اثرا ولا تجد فيما تركوه أثرا لحلب التي سكنوها

كما ان هناك قول مأثور يردد لدى معارضي النظام على سبيل المثال ان حلب كانت تصدر فيها اكثر من خمسين صحيفة في فترة الاحتلال الفرنسي او بعده بقليل .. لكن لماذا لم يكرس اسم صحفي بارز او كاتب مهم من تلك الحقبة كـ كتاب الرواية الرومانسية المصريين؟.. الخ

وهكذا أخلص إلى أن ميزة حلب كما أراها هي أنها حاضرة تتوسط بادية تمتد حتى تتاخم الصحراء وهذا ما اعطاها ( أهميتها ) التاريخية

ويمكن بخش الكرسي وتقشيشه مرة أخرى حول مقولة قطف رأس حلب بالقول إن اكثر من استفاد من النظام الحالي وأليه الفساد التي نشأت داخل هذا النظام هم تجار وصناعي حلب ودمشق بحكم البنية الصناعية والتجارية لهاتين المدينتين لانه لا يمكن لمعلم مدرسة في الريف السوري ان يستفيد من الفساد مهما كان فاسدا ولا يمكن لفلاح أيضا أن يستفيد من بنية الفساد مهما سولت له نفسه!! وفي هذا المقام يمكن أن نذكرهم هنا بعقود تصدير سداد واردات الدولة من المجموعة الاشتراكية سالفة الذكر وخصوصا الاتحاد السوفيتي( الصديق) فلم يصدر أخوتنا الفِِِلح( الفلاحين ) قمحا أو قطنا عبر هذه العقود ونذكرهم بالتهرب الضريبي ونذكرهم بشبكات المشاريع التشاركية مع مسؤولي السلطة( الفاسدين) ونذكرهم بعقود التصدير الوهمية ونذكرهم بالافادة من نظام منع الاستيراد حتى أنهم كانوا يبيعون لنا ماءا ملوثا باصباغ وأشياء لزجة على أنه شامبو وكنا ندفع لقاء هذا السائل الملوث أكثر مما ندفعه الان ثمنا لأجود الماركات العالمية ونذكرهم ..ونذكرهم.. نعم لم تستفد المدينة كبنية تحتية مثلا مثلها في ذلك مثل كل المدن السورية، لكن التجار ( والصناعيين) الحلبية كانوا الاكثر إفادة من فساد النظام ومالحق بحلب كمدينة لا يزيد على ما لحق باللاذقية أو أي مدينة أخرى، بل إذا كان التقسيم مناطقيا وبهذه الطريقة يمكن القول ان مناطق الجزيرة هي الاكثر تهميشا عبر الفترات الزمنية التي تغنى بها النظام بأنه ثورة العامل والفلاح وإذا كانت الجزيرة السورية تغذي البلاد بالقمح والقطن والــ ... وكذلك النفط مؤخرا فإن قرى كثيرة فيها لازال يعتبر تأمين ماء الشرب معجزة إلهية، مع أنه يمر فيها أهم نهرين في المنطقة. ويبدو هذا مستغربا من الحلبية ان نقارن حرمان مناطق شاسعة من سوريا من أي تنمية حقيقية مع الحرمان الذي حل بحلب لأن أهل حلب لا يعتبرون أن المقارنة جائزة بينهم وبين بشر من الدرجة الثانية أساسا وفق نظرة الحلبية لأنفسهم بعراقتهم المديدة وجوارهم مُحدثي الوجود!!

ويسود اليوم لدى قسم من الحلبية الذين سميوا فيما بعد العائلات (العريقة) نظرة تقزز إلى العائلات الصاعدة من التجار والصناعيين الحلبية أيضاً عبر تحالفهم مع السلطة الحالية وفسادها ويتم الحديث عن إنتاج السلطة لهم عبر الية فسادها وإفسادها ليكونوا عونا أيضا على تدمير حلب لأن هؤلاء بعكس (العريقة) لا يهتمون سوى بمصالحهم الخاصة بينما (العريقة) ديدنها المدينة. وبقليل من التمحيص يمكن ذكر أن هذه العائلات التي أصبحت عريقة هي نتاج فساد السلطة العثمانية أيضا وإقطاعاتها التي منحت لموظفيها وللمتعاونين معها!! وقليل منها ظهر في فترة الاحتلال الفرنسي إذاً الفارق بين العريقة السابقة والطفيلية الحالية التي تتقزز منها تلك هو فارق زمني فقط وحدث عبر نفس الألية

وفي الصورة العامة للمدينة تُصدر حلب على صورة إسلامية أو كمدينة يتمسك أهلها بالاسلام وهذا ما يجعلها تتضاد مع السلطة الحالية التي هي في أخف تصنيف علمانية، وفي توصيف متطرف هي طائفية. وتطرح هذه الصورة كمسلمة إلا أن تاريخ الوقائع اليومية يقول أن هذه الصورة هي قشرة خارجية يمكن النفاد بسهولة إلى ما تحتها لنرى صورة أخرى مغايرة تتشكل من كون الاسلام في هذه المدينة هو شبكة علاقات مصلحية يتم عبره إيجاد مبرر شرعي لكل مخالفات القوانين والقيم والمستقر الأخلاقي ولكل مخالفة فتوى جاهزة فالتاجر الملتحي لا يتوان عن الغش ولايتوان عن أن يحلف كاذبا ويشهد زورا ولا يتوانى أن يصرخ كافرا بالله وبمحمد وشاتماً لهما. وكذلك ببساطة نرى أن العلاقات الاجتماعية ليس محددها إسلامي عبر منظومته الأخلاقية التي يطرحها بل المحدد إجتماعي يتم تغطيته اسلامياً إن دعت الضرورة

وفي الحيز الاجتماعي الديموغرافي حلب الآن وسابقا مدينة مصمتة ومدينة طاردة والمدن عادة تنجز هويتها ومنجزها عبر قدرتها على ادخال القادم الى نسيجها والنفاد الى نسيجه وما يمكن ملاحظته أن الدول الناهضة الان التي تشكل هوية حديثة لها هي دول مهاجرين وليست دول (عريقة ) .. وقامت أساسا على اعتبار الهوية التي انتجتها تخص الجميع ..





23 سبتمبر 2004

سدو الغياب ( خلف علي الخلف)

ها نحن ياعلي سفر يأس يشرب المفردة ويبتاع الخواتم



الاراضي تنأى ، الشموس تنوس كأبرة ضوء


ضيعنا اشباهنا واتكأنا على الخراب


الجنون يشرب معنا ماء الفراق والباهيات يعتصمن بأجراسنا






خطى معتمة


خطى تركل الأبدية


خطى تنهش المبصرين


خطى تحفر الذكريات بمسامير صدئة






نصيح


ايتها الخرافة يا امنا من يسفح الايام كمياه الجنابة على عتبات العمر ؟


يرمي سهامه صوب عيوننا لنبصر الماشية ترعى عشب ايامنا وتدلق أحشاءها في الصحون ؟










كنا هناك


دونّا الطفولة على تراب يضمر


لعبنا بعوراتنا على الملا


لم يكن يسوّرنا غير ضوء ينعي الله بمفرده






تزاحمنا على قدور السليقة لنوقد نارها ونطعمها سيقان القمح


وماادركنا ان اعمارنا ستكون حطبا للمنافي






كنا نغني للقدور


" فورْ يا قدريْ فورْ قبلْ كلَ القدور..."


وما كنا غير فقاعات تحصدها الريح وترمي بها للهباء


ما كنا غير ضوء ضل المكان


عتمة نُسيت في قبور ابائنا






اليابسة ترملت كامهاتنا ، العيون هرمت من الدمع


والعمر يبس وهو ينطر الخلاّن






وها نحن نشم اشباهنا لنضلل المنفى ونبصر السواد كأمهاتنا


نخبئ ما بقي من الروح في أَصرة ورثناها من الامهات كي لا يراها طُلاّب الثارات


ونمشي الى حتف ابيض.....ابيض مثل ظهيرة تموز في قرانا














المآتم تغزل النشيج بدوك رافدي


المآتم تنسج اعمارنا بسدو الغياب


المآتم تلبسنا ثوبا من الخيش لنتحسس الفجائع في الصحو والسهو وابتلال الخطى بالفراق


المآتم تأكل ما تبقى من لقمة الصراخ


وننشد كطفولة اكلت قمرها الحوت


"ياحوت خلي قمرنا يفوت


اسمعي دق النحاس


اسمعي صوت الرصاص"


والمآتم تسد اذنيها بحليب امهاتنا او بزبد شهوتهن وهن يمارسن العذاب مع السواد






ها نحن


وذاك صراخ اجسادهن في بهائه العاري " بلعبة السكّارات "


وهن يمارسن شهوة كبّلتها العشائر بعابر اعزل


الهواء يلفح اجسادهن العارية لتمسّه الرعشات


النهار يحضن الاجساد ليتدفئ






التراب فراشهن ،


والله يراهنّ فيتلو شهقاته السرية


لم يكن السراب حلما


غير انّا ركضنا وراه


وهانحن اعمار يابسة يحطبها المنفى


25 يناير 2004

شعر شعبي( خلف علي الخلف)




يل مشيك مطر


يل ضحكتك تفاح

اعيونك سوالف ليل

خل الصبح يرتاح

...

تذكر حفرنا الليل

تانبوق الشمس من حضن الصبح

غافي لقينا الصبح والشمس بردانة

اضحكنا ونسينا الشمس

ناداك عمري المضى

صب لي ضحكتك بالكأس

غافلتني وشربت

صحوي ونسينا الناس

اني اعد النجوم بعيونك

وانت تنقي الشيب من عمري

وباقتنا الشمس

يل مشيك مطر

يل ضحكتك تفاح

شوقك يهد الحيل

خل العمر يرتاح