28 يناير 2007

على رؤوس الأصابع

..لم يحتج جسدها الضئيل سوى إلى حافة الكنبة.. ويبقى الكثير من الفراغ
يوم كان اللحم فائضاً بكرم فوق العظام وماء الورد يضمخ خديها والعنق، كانت حاسة الشم تلتقط حتى أبسط الروائح، وكان هو إلى جانبها يتأبط ذراعها، ويأخذها بطوله الفارع وغمامة أحلام تظللهما في مشاوير طويلة يتسكعان دون هدف
لاهيين يمر بهما الوقت، يأكلان القضامة، يلقمها الحبة تلو الأخرى، يقترب منها حتى يلامس ذراعه الماكر صدرها النافر.
كانت تحمر خجلاً، وتضحك.. فتبان لثتها والنواجذ.
شاردة اللب تحيك تفاصيل الوقت الكثيف.. تستعيد بشق النفس كل متعة متوفرة.. فرش لها بكلماته بساط حنان، وقال لها:
" صدقيني "
عند بوابة الحارة القديمة نُصبت خيمة عرسهما.. ضمتهما غرفة مستأجرة كافية لرقيق حالهما وكل الحب.. لم يسمعا القطط التي ماءت حسرة كان صوتهما صادحاً يغردان.
البنت اللعوب أحبت صبي الفران..
" لولا عصا والدتها التي جعلت جلدها مزرقاً لما تقدم لخطبتها "..
قالوا وهم يلوكون القصة في زوايا النميمة المعتمة.

لكزتها مشرفة الجناح لتنظف غرفة المريض التي يفوح منها رائحة البول.. كانت الممرضة قد ربطته كما العادة بمعدن السرير لأنه يؤذي نفسه والآخرين.
وهل من يؤذي الآخرين مجنون ؟
في زاوية عينه اليسرى دمعة دائمة لم يمسحها أحد..
مصحة الأمراض النفسية والعقلية نادراً ما تستقبل الزوار، وهم في العادة ينسون حمل المناديل معهم..
قبل أن تكتشف العروس المنتشية برائحة الحب مرض زوجها، كانت تعتقده مجرد رجل نزق.. ما إن تتباطأ في تلبية طلباته حتى يحول الغرفة حطاماً، وحين لا يبقى في متناول يده ما يرميها به، يبدأ بضربها حتى تتورم.
ثم يقضي الليل بطوله وهو يقبل كل جزء من جسدها المهشم.
ستة أشهر ليست كافية لتكتمل فرحة العروس، لكنها جعلت نوبات الغضب تتزايد حدة، ليتدخل الجيران يمسكونه من ذراعيه ويجثم أحدهم فوق صدره، كأنه بقايا ثور هائج..
قالوا مريض.
استغرق الأطباء الوقت الكافي لتشخيص الحالة.
نضب كل ما كان في قعر الجيب...
سريعاً.. بعد شهرين من الجولات المكثفة بين هذه العيادة وتلك، وبعد العديد من الجلسات الكهربائية وتخطيط الرأس، اكتشف أحد الأطباء الجهابذة أن خثرة دم أصابت الدماغ هي المسؤولة.
وهكذا خرج الحب بريئاً من ذنب النضوب... وتنهدت هي بارتياح.
يحتاج عناية خاصة فالخثرة لا تقف في مكانها.
تزقه بالإبرة المسكنة تهمده نصف ميت شاخص العينين، يشخر والزبد يخرج من زاوية فمه.
كي تبقى قريباً من أنفاسه تسترجع خيالات ذراعه تلامس صدرها، ارتدت المريول الأزرق الكابي، وعُينت عاملة نظافة في نفس المشفى.
أصعب الليالي حين يسحبها ممرض الجناح السمين إلى مخزن التنظيف، تستسلم ليديه العابثتين، تحتمل أنفاسه الكريهة تختلط برائحة المعقمات الحادة، وتلوك يائسة اعتراضاتها .
" عليك أن تغادري الغرفة قبل أن يمر طبيب الصباح "
يقول لها قبل أن يطلقها من بين ذراعيه.
تدلف إلى الغرفة الأخيرة من الممر، وهي تحمل خطواتها الرشيقة فوق رؤوس أصابعها، فيما تسوي منديل رأسها، تمسح عنقها، وتدلك شفتيها ووجنتيها بماء الورد ترشه من قارورة صغيرة تدسها في جيب مريولها.تفرش بساط النوم العتيق عند أرجل سرير زوجها المعدنية، تتمدد بهدوء على جنبها الأيمن تتسلق عيناها كتفيه المتهدلين، تسحب كفه من تحت الأغطية، تمسد بها خصلات شعرها، وتشاركه همساً بعض الأحلام.

13 ديسمبر 2006

أنتَ

كم لي منك على محمل الحب، قبل أن أروض دمي في خلايا الوقت لأوافيك
أو قبل أن أرش بسطوعك حقل أيامي
أنت الذي دسست الحلم في جيب طفلة
خاطفاً من الروح طقس شتائها
يعري البرد كتفيه
يتمرغ في دفء ضحكة لها طعم شفتيك
كم لي منك على محمل الحب
لتبصر أصابعي خيوط الفجر
تلثم المواعيد المثقلة بنعاس العشاق
إذا شاغلتهم الحروف
وتعلقت بأقدامهم ظلال لاتتعب
تدنو لمثلك
ترسم المدى محطات وصول
قبل أن نختلط
اسماً واحداً
بصراً واحداً
جسداً واحداً
لاشيء يكفينا
من غيرنا يحفل بالقلق
إذا عاند اللهاث
وعاند النبض
وعاند اغتسال الضوء في وجوهنا
نقتسم العكر نصفين
والقلب يصفو
يدنو من الله
يصوغ الشفاعة في خشوع العاشقين
سأعرفك في لحظة البدء
أركض بك العمر، ولا أتعب
أستر دمعك إذا بكى
أساير البغتة حتى تنساكأ
قشر الأمنيات
أخترع شمساً تجفف الجرح
أصعد في خلود السيرة
فلا أمضي.. ولا أغيب.. ولاأذبل.. ولا أموت
مادمت حبيبة تنقر الحياة من كفيك

09 ديسمبر 2006

منذ زمن لم تضحكك طفلة

هكذا أنسجك في مسامي والجنون لغة أخرى تنتصر دائماً على ما حسبناه أكيداً
هل كان جنوننا .. أم أنها خطى استدارت لتعبرك إلينا
قال: جئتك فاشهدي
والصدفة تخدش بهاء الحضور.. لم تكن مصادفة بل عناوينها المؤجلة
تمطى الوقت والمباغتة صهللة تسرقنا من الاحتمالات
ضحكتُ مثل طفلة استرجعت دهشتها.. منذ زمن لم تضحكك طفلة
كان لك وجه النهار خرج أعزلا إلا من بهائه.. وليس لمثلنا النظرة الأولى وليس لمثلنا النظرة الأخيرة.. ليس إلا اليقين إذا أدهش الروح ، أو خمرة من كأس العطش
كان لابد من أفقد الأرض تحت قدمي وأرتطم بسقف السماء، من يلوم خطى تطير؟
هل من المهم حقاً تفاصيل اللقاء في طرق أضاءت أوصحراء ارتوت؟
لهذا او لبعضه أدمنتك ونقشتك لغة في فم المعنى وصار من الصعب أن أفقدك من جديد
لكن الحكايات الجميلة كالاشخاص الجميلون قصيرة أعمارها وشاحبة تحملنا إلى فجيعتها لتهزمنا دفعة واحدة بذنبها وذنبنا
بدأت ألوك الكلمات، وأرتب الغموض كي يحتشد أكثر في حيرتي، فكيف نخسر حكاية جميلة وكيف تهزمنا وكيف يتحول فرح الحب إلى حزن يكمش القلب ويغرس بقسوة أظافره؟
منذورون للفراق قال لي
قبل ان يطبع على خدي قبلته الاولى، والموت فراق ، وفراقك الموت ، وهاأنا أضيع في البكاء ثانية هدهدني ولم يكن للدمع إلا أن يرتجف ويبقى عالقاً بين الجفن والجفن

08 ديسمبر 2006

عابرة:عدنان الصائغ

أكونُ لكِ الجسرَ
هل كنتِ لي نزهةً في أقاصي القصيدة…؟
أكنتِ ترين الأصابعَ – إذ تتشابكُ –
سلمَكِ الحجريَّ…
إلى المجدِ
أحني دمي، كي تمرَّ أغانيكِ، من ثقبِ قلبي
إلى مصعدِ الشقةِ الفارهةْ
وأختارُ لي ركنَ بارٍ لأرقبَ في طفحِ الكأسِ ضحكتَكِ العسليةَ
في الحفلِ،… في آخرِ الذكرياتِ
تسيلُ على الطاولاتِ
فتشربها الأعينُ القاحلةْ
فأقنعُ نفسي:
بأن المسافاتِ كذبُ خطى
والصداقاتِ كذبٌ أنيقٌ
والنساءَ الجميلاتِ… تكرارُ آهْ
الشاعر : عدنان الصائغ

اسطورة: أحمد المنشاوي

أيتها البعيدة إلى آخر قطرة
القريبة كليلة شتاء
تتمسح في جدائل المطر
حين يصبح صوتك نهارا
وصورتك شمعة بيضاء
وشعرك حلم طفلة
حين تُبعثين كأسطورة فرعونية
تحرضين الورق
كي يستعيدك مريم
الشاعر : أحمد المنشاوي

05 ديسمبر 2006

من قصيدة: تواضعت أحلامي كثيراً ( سعدية مفرح)

1
أريد مجرد جناحين
أو تكفّ روحي عن توقها للطيران
2
أريد أن أصرح كل صرختي
دون أن أنتظر سؤالاً ما
3
أريد أن أتخلص من كل مايعيق دمعتي
عن هدفها المؤجل
أو نقطتها الأخيرة على السطر
4
أريد أن أغني
دون أن أضطر لتأليف كلام
أو أرتجل لحنا
أو أرفع صوتي
5
أريد كرة أرضية أخرى
أخبئها في صدري
كلما أدرت الخروج من البيت دون عباءة
6
أريد مظلة مزينة بقرنفلة
وكتاباً مفتوحاً على الفهرس
وأصابع تجيد نقر لوحة المفاتيح
7
أريد نهارا قصيراً جداً
يكفي لكتابة قصدة
أكتبها كما أشتهي
على مهل
دون رتوش
ولا مسودة
8
أريد ليلاً طويلاً
أعني طويلاً جداً
9
أريده فقط .. ماهو
من هو
لاأريد الاجابة على أية حال
الشاعرة: سعدية مفرّح
مقتطف قصيدة من ديوان يحمل العنوان نفسه

26 نوفمبر 2006

كراكيب الكلام


أعلم
أن يدي
ليست مطرقة
لكنني أحياناً أتخيلها
تنهال كغضب بلا نهاية
مهشمة رأس الفراغ
حيث الدمع الحبيس
والصرخة في المرآة
ليست مزهرية
ليري في نسيجها وريد وردة
وتنمو في ماء جوفها جذور
ليست مسدساً
كي تصوب على ثقب في العتمة
فتحرر بإشارة من إصبعها عصفوراً بلمعان الرصاص
أعلم أيضاً أنها ليست منديلاً
لكنني بين غيمة وأخرى أحاول
أن اكفكف بحنان رطب في لمستها
دموع مدينة مأساتها المطر
ليست غيمة زرقاء
ليست قطرات على الطريق
.....
الشاعرة اللبنانية : سوزان عليوان
من ديوان كراكيب الكلام