22 يونيو 2008

الألفة الفاتكة/ 3

الألفة الفاتكة، هي واقع الحال الذي تعيشه ( ام عبدو) بين جدران غرفة يتيمة عليها أن تحتويها هي وابنها وكنتها، وتضطرها لان تسمع الى تفاصيل الحياة الحميمية للزوجين الشابين..! وواقع الحال هذا يختلف كثيرا عن الشروط التي يجب أن تتوافر في السكن كي يمنحنا – كما تقول الكتب- السكينة والأمان، فيستر على خصوصيتنا وأسرارنا وعرينا، والمفروض أن تتوفر فيه أيضا الشرط الصحي، ولا اقصد الشمس والهواء وشروط النظافة فقط، على رغم أهميتها جملة وتفصيلاً ، بل أيضا أن نختار ( البيت ) الذي نعيش فيه، فلا نضطر إليه اضطراراً، لذلك مثلا ، لا أستطيع تخيل معنى " بيت الطاعة" لا بصيغته الشرعية ولا الإنسانية ، حيث تجر الزوجة من شعرها، لتمارس المطلوب منها برغبة الشرع والقانون والعرف الاجتماعي.. تماما كما لايمكن لي تخيل( السجن) على أنه مكان آمن، رغم ما تقدمه ضمانات الأسوار والقضبان والأقفال والحراس.. إذ يكمن الأمان في حرية الخروج والدخول من المكان، دون شروط وقيود إلا الرغبة الشخصية، ولهذا كانت الأبواب،وفي الاماكن المقبضة التي تضغط بوطأتها على الأنفاس حتى تخنقها، لاشي أكثر نفعا من القدرة على التخيل، لصنع عالم أرحب من حصار المكان، والاستعانة بأحلام اليقظة، لاستعادة لقطة باهتة تفسح للروح برهة، فنخلع أجسادنا، ونسترخي إلى لحظة نحب أن نعيشها، ننسحب إلى داخلنا، ونختار القوقعة المناسبة، لعزلة مريحة، في ركن عاطفي، نستعيده من الماضي، أو نبتكره بشريعة (الحاجة ام الاختراع):، همهمات نصغي إليها بانتباه...نجازف في السفر، وخفافاً تحملنا الريح..نستعيد ملمس وجه طفلة.. نسقط في حضن الليل.. نسمع قلبا نسيناه داخل صدورنا.. نساكن عصفورا في عشه أعلى الشجرة.. نتذوق قهوتنا في فنجان من فخار سومري.. نشم رائحة الموج الغاضب.. ونتذكر نقر الحصى على نافذة عاشق.. ورطة الضوء وذنب العتمة.. اسم كتبناه على غبش الزجاج.. ظل يتبعنا كلما هربنا منه.. استراحة الجمر في مدافئ الطفولة.. البرتقالة الأطيب تحت أضراسنا.. الأبيض المتواضع.. خزانة الأسرار.. سترة صوفية بقبة عالية.. ارتعاش يديه.. مناديل التلاويح.. والصمت الذي مازال قادرا على أن يقول الكثير

15 يونيو 2008

ركن بيتي حجر/2

مازلت مشغولة بموضوع البيت الذي ركنه حجر وسقفه حديد، كما تقول أبيات الشاعر ميخائيل نعيمة، والتي حفظتها في طفولتي، وقتها كانت كتب القراءة للمرحلة الابتدائية تزخر بالأناشيد بسيطة، وأغلبها للشاعر سليمان العيسى، فكنا نحفظ اسمه، حفظا ببغائياً، كأنه جزء تابع لكلمات دون أن نعي معنى مانردده، وقد كان، ومازال هذا هو المطلوب من التلميذ الشاطر، واسألوا جميع وزارات التربية في أوطاننا الحبيبة..ماعلينا..! المهم أني رجعت إلى المنجد بحثا عن الفروق بين البيت والمنزل والكوخ والدار، التي في النهاية هي مأوى، فجاء فيه : الكوخ هو بيت بلا كوة، وأن البيت هو المكان الذي تبيت فيه، وان المنزل هو موضع النزول، أما الدار فهو المسكن.. و(يالطيف الأدب العربي شو عويص)..! ان كل تلك الفروق الدقيقة تحدد المعنى على وجه الدقة، وبالمحصلة فالالفة هي أحد أهم شروط البيت، يرتفع مستواها كلما صغرت مساحة السكن وازداد شعورك بالازدحام ، مايجعل القصر- على حد تعبير غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان - أقل حميمية والفة من الكوخ أو من البيت العادي، وأنا بهذه المناسبة السعيدة أهنئ الفقراء، وأحسدهم بما يملكونه من الالفة في بيوتهم لتشع بدفء المشاعرعندهم تحديداً و تتبخر عند سواهم، ويذكرني هذا بقصة مضحكة روتها لي امرأة ألزمتها ظروفها ( الوحشة) ان تزوج ابنها في الغرفة الوحيدة التي تملكها وتقيم بها، ما يضطرها كل ليلة أن تلتصق بالحائط ، وتغلق عينيها وتسد أذنيها كي لاتسمع الحفيف والهدير والهمهمة التي يصدرها الزوجان الشابان من تحت لحافهما .. وهذا مااسميه : الألفة الفاتكة
ومازال للموضوع بقية

http://suzankhwatmi.elaphblog.com/posts.aspx?U=144&A=397

سقف بيتي حديد/1

اتصلت به بعد أن انتقل الى بيته الجديد، أسأله عن سعادته بالاستقرار..فاجأني بأنه لم يستطع النوم جيداً ، وأن حجم البيت الكبير جعله يشعر بالوحشة ..! والحقيقة أن ( البني آدم) عصي على الفهم، فيما فكرنا بمحدودية الاحتمالات التي ترد خاطرك ورغم ذلك يفاجئك الواقع بتفسير لم تفكر به، ففي الوقت الذي يقول به شاعر البيوت بأن (ركن بيته حجر)،يصر الفلاسفة أن معنى البيت نفسي بحت، وهو داخلي أكثر من يخص جدران أربعة، هذا يعني أن كل منا يحمل بيته داخله، ويشرع النافذة التي يريد على المشهد الذي يريد ، عندما يريد.. لعل هذا التفسير الذهني البحت يخفف العناء على الشباب، حين تطالبهم حبيباتهم بشراء بيت يتسع لأحلامهما معاً، مما يعني بشكل مبطن، أن لايقل عن أربعة غرف وصالة ومطبخ حديث بمعداته الكهربائية، وشرفة لها اطلالة ( تشرح النفس) ، وهي مواصفات من المتوقع منها وقاية الحب من مطبات (بكرا) ومشاكله.. وبالطبع البيت لا يشبه الكوخ الذي نراه في أحلام اليقظة ، والذي يشبه الى حد ما مشهدا سينمائيا من فيلم اجنبي، تحيط به الاشجار والى جانبه يمر النهر.. وايضا لايشبه خيام الفلسطينين التي نتابعها في نشرات الاخبار ولا خيام الكشافة التي يقيمونها في مكان ما ليعيشوا حياة الخلاء ويتمتعوا بالحياة بعيدا عن رخاء المدنية والمدن، والبيت بطبيعة الحال يختلف عن المنزل- بس وحياتكم لم اعد أذكر الفرق - والشقة في مصر أو في سوريا أو في دولة نفطية تختلف عن الشقة في بروكلين أو في إحدى ناطحات السحاب في نيويورك، والفروق أتركها لخيال القارئ، أما البيت الذي لايمكن نسيانه، ويتفق على ذلك الفلاسفة والمفكرين والشعراء والمواطنين فهو بيت الطفولة إذ مهما بهتت ملامحه ، الا أنه يضيء في أذهاننا فجأة كضوء خاطف، كلما هاجمنا الحنين.. وهذا ، بالطبع ، لن يقلل من أهمية قلب الحبيب ، باعتباره بيتا دافئا يضمنا مرة ،ويطردنا مرة ،ونحرد منه مرات ومرات ومرات

http://suzankhwatmi.elaphblog.com/posts.aspx?U=144&A=323

12 يونيو 2008

فوبيا اغضاب الحبيبة: ابراهيم المصري


الأشدُّ وحشةً من حانةٍ بلا زائرين أنْ تُغْضبَ حبيبتك ، سيكون قلبكَ حينها مرتعاً للندم ولن يشفيكَ حتَّى .. قضمُ أظافر قدميك .قد لا تكون مُخطئاً لكنك أغضبتها بأخذ وجهِها إلى الحزن وتلك جريمةٌ تشبه أنْ تتورط في قتل طفلة .. فهل تتوخى الحذر كي لا تُعاقبَ يوماً بنزع أهدابِك.
سوف أحكي لكَ عن نفسي
أنا أحبُّها ...
تلك القديرةُ بجناحين يمكنهما احتضانُ الأرض وإنْ كانت تشبه عصفورةً قادرةً على احتضان سنبلة .. ودائماً ما أعيشُ فوبيا إغضابِها حتى أنْ كفي مبسوطةٌ بانتظار أنْ تعاقبني مثل معلمةٍ تعاقبُ التلميذَ الأحبَّ إلى قلبها .إنها لا تُعاقب وإنما تتركني مُبدداً بابتسامتها مثل قبضة ماءٍ يخترقها سهمٌ أخضر ثم تعيد على قلبي رأفتها : أنا لا أزعل منك .
يجب الآن أنْ .. أزعل .. من نفسي وأنْ أفكر في شكلٍ لعقابها كأن أمتنع عن التدخين أو أمضي يومين على الأقل بدون الاستماع صباحاً لفيروز ومساءً لموسيقى موتسارت .. وهذا عقابٌ في الرفاهية التي تمنعني من تعليق رقبتي بحبل يتدلى من السقف .
يشبه إغضابُ الحبيبة سكبَ اللبن على الأرض استعده إذن أو اسكب دموعك إلى أنْ يصل الماءُ إلى خصرك أو حاول أنْ ترضيها بغير كلمات الاعتذار تلك التي لا يمكن إنفاقها مقابل نومك مطمئناً في حضن حبيبةٍ لا تطلب منك أكثر من أن تكون عاشقاً صالحاً .لا تجلب هدية ولا تنحني
فقط كن قادراً على امتصاص سحابةِ الحزن من وجهها بقبلاتك ، أم أنك لا تتقن القبلات التي تشفي من الغضب وتحدق في يديك ببلاهةِ من استخدمهما لقطع شجرةٍ ورافة .
هل تعلم ؟ ...
حتى أذني كانت غاضبةً مني ولا أعرف لماذا الأذن بالذات تغضب أكثر من بقية أعضاء الجسد ، ربما لأن القلب حينها يكون طريد ذاته وخائفاً من العودة إلى العمل حتى لا تضبطه الحبيبةُ مُتلبساً باحتشاءٍ يشبه نوبةَ الصرع .لكن الأذن هي من يسمع .. كلمةَ الرضا .. وحينها تتدلى في بهجةِ كلبٍ اطمأن أخيراً إلى نومه في البيت .
أنت لستَ كلباً بالتأكيد ولا أنا فماذا لو كنا كلاباً أم أن كرامتنا كعشاق لا تسمح لنا بالنباح حين تطلب الحبيبةُ ذلك ...فلتطلب وسوف أنبح سوف أعوي سوف أموء إرضاءً ليديها اللتين تحبان أخذي كحيوانٍ أليفٍ وأحياناً كقرصانٍ يتوجب عليه هزيمة الأبد والعودة للحبيبة بانتصار الحياةِ على الموت وبانتصار الرضا على غضبٍ قد يفتح أبوابَ جهنم .هي لا تفتح أبوابَ جهنم ولكن العتاب يشق جسدي طولياً ولا أعرف كيف أجمعه مرةً ثانية إلا بين ذراعيها ، فلنكن في فطنةِ من هذبت أرواحهم تَكيةُ صوفيين يخشى أحدهم النومَ على جنبه الأيمن بينما تريد الحبيبةُ أن ينام على جنبه الأيسر ، وإذا لم تطاوعك ملابسك حين ترتديها فالتمس يدها تساعدك على خروجك للحياةِ مكسواً بنبل عينيها.
الجنة تحت أقدام الحبيبات ...
لأنهن حبيباتٌ وأمهاتٌ أيضاً وصديقاتٌ وعاشقاتٌ يبذلن من أرواحهن حريراً لا تنسجه المغازل ولا أنوال النسيج الحديثة ، بل ينسجه الدم المتفصد من قلوبهن .. فانظر أيَّ قلبٍ قد تغضبه حتى ولو لم تكن مُخطئاً .
بعض الخطايا بلا مغفرة
مثل أنْ تطلب الحبيبةُ .. قبلة
فتسهو عنها بتأمل الكواكب في أذنيكَ وقرٌ أنتَ وفؤادك أصَمْ
وعيناك لا تلمَّانِ جيداً بتضاريس شفتيها الناهضتين ..
يا إلهي ..
وتدعي أنك عاشقٌ ، كيف هذا وأنتَ محملٌ بخطايا لن يغفرها الله حين تقف بين يديه ويسألك :ماذا قدمت لآخرتك ؟
ثم يشير إلى حبيبتك ...
هل ستقول إنَّ العمل والديون وزحام المواصلات والبحث عن الذات وأموراً تافهةً أخرى عبأتك بأوزارٍ قد تغفرها حبيبتُك حين يسألها الله :
هل تغفرين له ؟
كلُّ حبيبةٍ .. مغفرة فكن حذراً حتى لا يبلغ السيلُ الزبى
هل تعلم ماذا يعني السيلُ وماذا يعني الزبي ؟
حسناً ...
السيلُ : طوفانٌ من الماء
الزبى : كلمة عليك البحثُ عنها في القاموس أنا لا أمزح يلزمك الكدح قليلاً
ربما صادفت كلماتٍ تثري لسانك بالعبارات الحلوة التي نحتاجها لمغازلةِ الحبيبةِ بدلاً من إغضابها .
ومع ذلك سوف أخبرك بتفسيري الخاص لكلمة : الزبى إنها تعني التورطَ في جريمةٍ مثل أن تقتل طفلة أو تغضب حبيبتك ثم تشعر أنك وحيد في صحراء منبوذة ، تتساقط أطرافك كأنك مصابٌ بالجذام وتتقرح روحك من احتمال أنَّ الحبيبة غير راضيةٍ عنك ولن يفيدك الإفراط في التدخين ولا الرسائل القصيرة على الموبايل ولا حتى أن تهاتفها وتدعوها إلى مصالحةٍ على هدية .
عن نفسي ...
لا أتحمل كلَّ هذا وإنما أدندنُ بأعصابي على إيقاع قلبها وإذا تألَمَت أكون في التأوه ، فنحنُ في الحلول جسدياً .. وبالطبع ، الحرص الزائد عن الحد يؤدي إلى ارتكاب الخطايا ، غير أنني دائماً ما أرتل .. فرتل معي :أعوذ بمغفرتك يا حبيبتي من ذنوبي وأعوذ يا حبيبتي من غضبك بواسع رحمتك .
ابراهيم المصري شاعر ومخرج من مصر يعيش في الامارات

08 يونيو 2008

عصفور الغفلة: قصة من مجموعة فسيفساء امرأة



ليست كثيرةٌ تلك الأشياء التي يمكنها أن تقطع رتابة الأيام المتشابهة . لكن الذي حدث تفصيلاً ، أنها كانت طفلة تلعب مع ظلها في الحديقة القريبة ، حين داهمها ملل مفاجئ جعلها تتثاءب ، فكآبة غامرة حاصرت ظلها الأثير حتى اختفى .
تنهدت بعمق ثم توارت خلف شجرة صفصاف عملاقة ، لتخبئ في صدرها برتقالتين صغيرتين .
اعتقدت الصغيرة التي سكبت عيناها شقاوتهما ، وتقاطرت قسماتها بحلاوة الدلع أن أحداً لم يرها .
لكن الفتى الصياد الذي يقبع بين أغصان شجرة الصفصاف .. رآها ، وراح يختلس النظر إليها ، ويراقبها بعين واحدة فيما يراقب بالأخرى العصافير التي تحط فوق حبوب الذرة ، فتطبق عليها شبكته المخادعة ، بعضها : المحظوظ فقط كان يفلت من فخ الغفلة ، فيصفق بجناحيه ، ويرفرف بعيداً عن الوليمه الشهية .
لم يشأ ذاك الصياد إخفاء رغبته في اللعب ، ناداها وقد اختلطت بحة صوته بهديل التوسل ، معترفاً لها دون خجل ، بأنه كان يتمنى اللعب معها منذ أن تسلق الشجرة أول مرة .
رفعت رأسها إليه . باغتها صحو وجهه ، فقد غمرته أشعة الشمس بتلألئها الفريد .
بجسارة لم تخف تأثرها بجلسته الرشيقة المتوازنة كفارس يمتطي غصناً .
اقترحت عليه أن يهبط إليها ليلعبا الكرة . وافقها . صارا يضربان الكرة بالأرض لترتفع كالأحلام عالياً نحو السماء ساعةٌ من الوقت انقضت وهما في هناء غامر .
بدأ يغني .. لم يكن صوته رخيماً ، لكن أغنيته العاطفية أطربتها .
" لاشيء أمتع من الغناء بصوت عال " قال لها .
كادت تنطلق معه ، لولا تذكرت : أنها تخجل .
فجأة ثبت قدميه في الأرض و صالب ذراعيه فوق صدره ، معلناً بصوت أجش أن دوره في اختيار لعبة جديدة تسليهما قد حان . أومأت إليه موافقة وصدرها يخفق بسعادة لم تعرفها حتى في تلك الأيام التي كانت تلعب بها مع ظلها .
اقترح عليها أن يتسابقا ، مؤكداً أن كل ما عليها فعله محاولة الإمساك به ، وهو أمر في غاية المتعة مثل اختلاس قبلة تحت شجرة صفصاف ..أوالغناء بصوت عال .. أوصيد العصافير .
" إنها لعبتي المفضلة " صاح بها قبل أن يركض خارج سور الحديقة .
لحقت به ، كانت تريد أن تمسكه ، لكن سيقانه الطويلة كأعواد القصب أتاحت له خطوات أوسع .. سبقها كثيراً فلم تعد تميز منه إلا قميصاً أبيض ممتلئاً بالهواء ، يكاد يغيب عن عينيها .
لم تدرك أنها ابتعدت عما كان مسموح لها به إلا بعد أن ابتلعت المسافة نداءات أمها الهلعة .
أوغلت بعيداً خارج سور المدينة ، فنبهها الحارس العجوز محذراً ومشفقاً عليها من لهاث يكاد يقتل عصفور صدرها الخافق .. منحته أذناً صماء فيما تابعت جريها بتصميم قاطع .
كانت رغبتها في ملامسته تسيطر على حواسها كاملة .
تمنت وقد نال منها التعب لو ينتهي السباق ، ويعودا معاً ، إلى قذف الكرة والإمساك بها .
ابتعد هو أكثر فأكثر ، دون أن يلتفت ولو مرة واحدة إلى الوراء ، ثم لم يعد في متناول نظرها الحسير .
ذهلت بالطريق الموحش أمامها ، وحين تأكدت أنه اختفى تماماً ، وأنها فقدت بوصلة اتجاهها ، كادت تبكي ، تبدى لها أن احتمال الضياع ممكنٌ ، وأن الرجوعَ إلى الوراء كما التقدمَ إلى الأمام : مغامرةٌ غير مضمونة النتائج .
رغبةً بشيء قد لا يحدث ، أغمضت عينيها واتبعت حدس قلبها ، تابعت في جري عابث بقدمين متورمتين فقدتا الحافز .
لخوفها المتزايد توسلت إلى الله كي لا يأتي الليل أبداً ، وهكذا راوحت الشمس الطيبة في مكانها ، مما أفقد الأرض اتزانها وجعل الناس في الجهة الأخرى من العالم يستسلمون لسبات طال أكثر من المعتاد ، أما العشاق منهم فقد ساورتهم الشكوك .
حين وصلت إلى نهاية المنحدر، قفز من صدرها نزق عابث ، وبالكاد استطاعت ابتلاع شهقتها ، واستعادة هدوء أنفاسها ، فقد ظهر أمامها .
كان يمارس طقوس الصيد نفسها ، مسنداً ظهره إلى صخرة كبيرة ، وقد فرش على بعد مناسب شبكته ، فيما لمعت فوقها حبوب الذرة الصفراء .
كان مبتسماً ، وكانت متعبة . حاولت أن تفرد تقطيب حاجبيها ، وتكشف له لمعان أسنانها .. لكنها فشلت .
بدا لها غريباً وبعيداً كأنها تراه لأول مرة ، فهي لم تميز في ذاك المتبجح أمامها فارسها الرشيق .
لتتأكد من أهميته جست قلبها .. خذلها بنبض بطيء متكتم .
لما مد إليها يداً متلهفة ، شعرت بأنها فقدت رغبتها الطفولية في الإمساك به .
وحدها ألقت ساقيها إلى الريح متابعة ، وقد استولى عليها حمى السباق .

سوزان خواتمي 4/9/2001

07 يونيو 2008

اتصال وتواصل: ولاء سعيد


ليلة أمس كشفت آسيا عن أدبها ليعانق القلم الافريقي فنبضت من بين عروقها سوريا كي تزلف الي عبق الحضن المصريّ , أما الطفلتان (عروس البحر وحلب ) فتناثرت كلتاهما مرحاً بالشاطيء بغية في التواصل المثمر وبالفعل وللمرة الثانية خلال ترانيم هذا الشهر تشتعل ليالي اضواء الادب بالحي الاطلالي فبالأمس كان علم فتحي امبابي واليوم امتلكت الاديبة السورية سوزان الخواتمي زمام العقدة الادبية بالمسرح الاطلالي جاذبة اليها عقول وقلوب جميع الحضور هي اديبة قاصة صدر لها أبع مجموعات قصصية, الأولي بعنوان (ذاكرة من ورق )في عام 1999 والثانية هي (كل شيء عن الحب) لعام 2001 والثالثة هي (فسيفساء امرأة) لعام 2004 أما الأخيرة فهي (قبلة خرساء )لعام 2007, ولها أيضا الكثير من المقالات في صحف أردنية وكويتية وسورية حازت أديبتنا علي العديد من الجوائز كجائزة سعاد الصباح وجائزة البتاني عن - أحدنا كان يرتعش - لعام أما عنها فتراها انسانة بكل ما تحويه اللفظة من عوالم حسية متداخلة , تتضافر انسانيتها بالكلمة كي تسكبها بتأنٍٍ واعٍ عبر الحكايات , قصيرة كانت لكن يشمل أحداثها العمق , فكتاباتها أقرب الي الواقعية الكلاسيكية في نسق جذاب , تجدها في اغلب الأحيان تلعب بعنصر الزمن لعب محكم حيث تتناول الشخصية القصصية بالشكل الطولي لأحداث عمرها المتلاحقة حيث نتفاجيء مثلا في آخر أحداث فسيفساء امرأة أن المرأة التي كانت تحكي لنا واقعها هي امرأة ذات الستون عاما وانها قضت نصف عمرها الفائت كممرضة وقالت انه عمل لم تكن تحبه لكنها كانت تتقنه -كم أوقفتني كثيرا هذه الجملة - إن سوزان الخواتمي كاتبة صاحبة قلم متزن لا يستهويه الشغب التابوهي المفتعل من أجل إحداث ضجة ما أو بحثا عن شهرة هو أيضا قلم لا يستغرقه الرمز ولا تبهته المباشرة هي الآن يراودها القلم الروائي فتكشف عن آمالها صوبه وعلي استحياء تتقدم فأعانك الله في كل خير أما انت يا إطلالة فاستمري
http://etlalaalex.maktoobblog.com/1046010/%D8%A7%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%84_%D9%88%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84/

06 يونيو 2008

الخطاب الديني وصناعة الخوف: حامد بن عقيل( مقال منع من النشر)

'أبي، أنظر ما فعلت معلمة اللغة الإنجليزية في صوري التي على غلاف كتاب اللغة العربية'، وقدّمت لي سارة كتابها الذي تجاوزت معلمة اللغة الإنجليزية دورها حين مدّت يدها إلى كتاب ليست هي المعنية بتدريسه لطالبة الصف الثاني الابتدائي، وحتى لو كان الكتاب كتاب اللغة الإنجليزية فإن من المسلمات أن تترك المعلمة قناعاتها الدينية جانبا وهي تتعامل مع صور أرادت طفلة أن تزين بها غلاف كتابها فقامت المعلمة بوضع خط على رقاب هذه الصور. فصلت معلمة الإنجليزي الرأس عن الجسد!، دون شرح، ودون مبرر سوى الحرام الذي قد نتفق عليه وقد نختلف، لكننا لن نستطيع شرحه لطالبة في بداية سنتها التاسعة.مع سارة أيضا، وفي درس حول صفة الوضوء، أعلنت معلمة الدين أن التي لا تصلّي يخرج لها في قبرها ثعبان أقرع لتعذيبها على إهمالها وتقصيرها!. أجزم أن أحداً لم يطلب من هذه المعلمة تخويف ابنتي، وجميع طالبات الفصل، باسم الدين. وأجزم أن هذه الموعظة لم تكن سوى 'حسبة' يمارسها المعلمون في وطني بشكل يومي وعند كل سانحة بهدف وعظ الطلاب والحرص على أن يلتزموا الطريق القويم. لكن، أي طريق قويم هذا الذي يستهدف طلاب وطالبات المرحلة الابتدائية بوعظ لا يمكن وصفه بمفردة سوى مفردات الرعب والتخويف. وعظ يبدأ بفصل الرأس عن الجسد في صور 'زيَّنَتْ' بها طفلة كتابها، ولا ينتهي بالضرورة بالثعبان الأقرع الذي لن يرحم الصغار في قبورهم!.إن ما تقوم به وزارة التربية والتعليم في السعودية يشبه إلى حدّ كبير ما تقوم به وزارة الداخلية، فالأخيرة تفاخر بأنها قضت على الإرهاب، وأن لديها لجنة لمناصحة من ضلوا السبيل!، ولجنتها ما هي إلا مجموعة من المشائخ الذين كان لهم دور في إرسال أبنائنا إلى مجاهل أفغانستان، أو إلى أزقة الشيشان وبغداد وسراييفو. إن لم يكونوا قد مارسوا هذا الدور بأنفسهم فإنهم منتمين إلى ذات الخطاب المحرّض على الجهاد منذ أحداث الحرم في بداية هذا القرن الهجري وحتى أحداث تفجير العليا بعد غزو الكويت!. أما وزارة التربية والتعليم فإن جهدها المميز في تطوير مناهج التعليم في بلادنا يذهب أدراج الرياح لأنها تركز في تدريب معلمينا على المادة العلمية وطرق واستراتيجيات التدريس، متجاهلة أن من يقوم بتدريس هذه المقررات ما هم، في أغلبهم، إلا مجموعة محتسبة يمررون من أفكارهم ما يتناقض تماما مع التطوير الذي تحرص عليه الوزارة.المشكلة الأساسية في المملكة العربية السعودية تكمن في المنابر التي لازالت تجيِّش الناس ضد الآخر، وتدعوهم إلى شراء الآخرة بمحاربة كل من لا ينتمي إلى مذهب ديني محدد بضوابط لها بداية وليس لها نهاية، ولعل آخر مظهر من مظاهر هذه الحرب المستمرة ما صدر على هيئة بيان لاثنين وعشرين عالماً سعودياً بعنوان: ' احذروا الاغترار بحزب الله .. والرافضة مذهب بني على أصول كفرية'، دون نظر لوحدتنا الوطنية، أو حتى لمبدأ التسامح الذي جاء به محمد بن عبدالله. ثم إنني لم أعد أستغرب أن أجد خطيباً يقف على المنبر ليردد: 'كيف لا نخاف الشرك ونحن نرى كثيرا من (علماء) الأمصار الإسلامية لا يعرفون من التوحيد إلا ما يعرفه المشركون! دون معرفة بتوحيد الألوهية ومقتضياته!!'. نعم، فالتوحيد المفصّل إلى ربوبية وألوهية وأسماء وصفات هو الفيصل، بكافة اشتراطاته، وبكل ما يحمله من إقصاء ونبذ وتعسف في سبيل إثبات أننا البلد الوحيد الذي يسير على الجادة، ومن هذا الخطاب نتج سلوك الاحتساب الذي دخل مدارسنا في هيئة ثعبان أقرع ليفزع طالبات الصف الثاني الابتدائي عندما لا يصلين، أو جاء في هيئة حسبة تعطي نفسها الحق في فصل رأس الصورة عن جسدها على غلاف كتاب طفلة. والأمر لا يتوقف على 'محتسبة' التعليم العام، بل يتجاوزه إلى جامعاتنا، وبقية مؤسساتنا المدنية، إذ إن كل ما تقوم به الدولة من تطوير يصطدم 'وجوباً' بفكر متطرف لازال يتردد على منابرنا ليهدم كل بناء يريد لنا أن ننضم إلى ركب الحضارة الإنسانية المتسامحة والرحيمة.
حامد بن عقيل
ناقد وشاعر وكاتب سعودي