12 أغسطس 2008

الدخول في النسيان. لاتعتذر


"يا صاحبي !كم تبلّلتِ الأبجديّة بالحزنِ"
عدنان المقداد
مساءً، جاءَ صوتُها من المسافة: " مات.. "يسيرُ، الآن، خفيفاً..
كفيَّ وهواجس الرمل لاجدوى من التشبث
مرارا يأتي الموت ننقش على الرخام أسماءنا، ننزلق في النسيان؛ نسجل انتصارنا الأخير على الحياةكي نمضي متشابهين....
ياصديقتي : كان يمكن أن يصبح غيره، وكان يمكن أن يعتذر، لكنه مضى في بهائه.
……………

فلنتحدث عن مسالك الريح، عن خطواتٍ جسورةٍ، ورسائلَ لم يحمِها الحظّ من الضّياع، وعن الخوف من الضّياع..فلنتحدث عن سَرَف النوايا، عن أصابعه حين تحب- حين يحب- عن رائحة تفوح من النوافذ، عن نهر يشاكس الغصة، عن ورد السياج .. وعن سياج يحلم بالحرية.
فلنتحدث عن شرود الطرقات الجانبية، وجسرٍ يعود بنا إلى غفلة الصيف، حيث تنتظرنا الشمس والبراري والطائرات الورقية والريح الممتنة لهبوبنا ..!
لم يكن لغرفتنا جدران، ولم نعرف أين ندق مسمار عودتنا وكما قلت لكِ ياصديقتي، كان محضَ عذر لنُفرط في الغياب، ولنخلف وراءنا قصيدة حب جميلة لم تتسع لها حقائبنا، وأرغفة خبز ساخنة للجائعين بعدنا، ومرآة تعكس فوضى ماتركناه فوق سريرنا.كنت صلبة ، وكنت قد كبرت على الانتظار.

…………..

أسقط منك، وتسقط مني.. مثقلين بثمارنا، هرمت ياحبيبي. غدا بعيد جداً على الوعود، أتذكر قلباً نام على زندك؟ هكذا تنعس عيون الظباء، رويداً.. رويداً وعلى خجل، نتسرب منا الأماكن، نخلف ظلا يقضم اظافره، ورائحة حزن معطوبة، وصدى سقط للتو، وضحكة على هامش من غبار..لنمضي دون تنبؤ، ودون اسم، وبما بقي من هشاشتنا.ممتنة لقلبك في مواسمه، لنداء كانت له فتنة الغريب وقامة الهذيان، لأنفاس زفرتها خفيفاً كي لاأصحو، لطعمي في فمك، لعروقي في دمك، لقواف أيقظت ليل العاشقين .لست سيئة الظن لكننا نتبدد، ونورث الفقد لنسلنا من الجنون، نطعن أيامنا ونبكي، نطعن آثارنا ونبكي، نطعن الهواء والبياض والعناق ونبكي، نطعن سلالم صعدناها لاأكثر، ونطعن حماما هدل في آذاننا، ونطعن مطرا ماجف بعد، ونطعن مصادفات اخترعناها كي تصادفنا، ونبكي، كي نبكي ..تعال ننتصر على الحياة، نخمن نزف الأوردة وشهوة الدم، أو نجرب الاختناق شهقات وحشرجة، أو تعال كما البؤساء نطوح أقدامنا في الهواء، تخرخر الروح كما الشبق..
سبع دقائق اضافية ..وأخسر لاعبا كان جديرا بكل الوقت الذي مضى
كما جاء ذهب
لمثل هذا خلقت المفاتيح التي نعيدها لأصحابها ونقول وداعا.. اللافتات والأسهم التي تدلنا على جهة الخروج.
أفتح كفي وأشم الرمل..
كان من حقي أن أخطئ، فللفراشات عمر قصير، ومن حقها أن تطير من غير أن تعتذر..

09 يوليو 2008

المظلة الزرقاء: من مجموعة فسيفساء امرأة

لضجيج الأفراح غفرانها؛ صخب مختلط، ضحك عال، موسقى الأعياد الاحتفالية، أعلى.. أعلى.

أغني، والقلب ينتعل حذاء الرقص..

الإضاءة الغامرة عكست السعادة، فتألقت الوجوه.. وحفاوة المناسبة العامرة بلطفها حملت البالونات إلى الأعلى.

اشتهيتُ لو ارتفعت أكثر من غيمة طليقة، لكنها بقيت أسيرة سقف البيت..

بعدد سنوات العمر شموع مشتعلة، وأنا أنفخ بكل ما في رئتي من هواء.. يطير ذيل فستاني..

يومئذ كان عيد ميلادي.. تسعة عشرة عاماً والبقية تأتي.

" عقبال المئة "

سحب يده من وراء ظهره، وناولني مظلة زرقاء.

" لكن نيسان يتفتح.. ألا تشم زهر العسل يا أبي؟ "

كان أبي يشبه أبا الهول، نادراً ما يتكلم، أو يغضب، أو يجادل.. لكنه يمتلك صدر حنان يتسع برحابة لمساوئي الصغيرة وشقاوتي التي لا تضر..

خذلتني مظلته والمفاجأة، أيقنت بأن الآباء خلقوا خصيصاً كي يخيبوا رجاءات أولادهم، تمنيت لو أهداني مجموعة أحمر شفاه بكل درجات الأحمر والوردي والعنابي، لأبادلها القبلات.

نظرة حاسمة من عينيه غامقتي الزرقة أنهت نقاشاً لم يبدأ.. بسرعة الفرح الخاطف المسروق من لحظة هرعت إليه، أخفيت في حضنه ملامح خيبتي، سمعت دقات قلبه قريبة وعميقة، مرغت خدي بلحيته البيضاء، فتركت أثراً مما يفيض. الصبا عصي على الخذلان.. نسيت ما كنت أريده وقنعت بما تيسر..

عدت دون ضغينة إلى حفلتي أغني وأرقص بحماسة.

***

الحياة لا تَعد بالربيع الدائم، والمروج الخضراء تدوسها الأقدام العابرة من ضفة إلى أخرى، نسيت حفلات الميلاد الباذخة وتلك المظلة.

" يا أبي اشتقت إليك "

من بقعة قصية في ذاكرتي تلمع عيناه غامقتا الزرقة، ومظلته الزرقاء تعدني بالأمان.

تواصل الهطل مطراً بعد مطر.. جاء شتاء وراح ربيع، بردٌ ينخر العظم، جيوب المعطف لا تكفي الأطراف المتجمدة.

كان الوقت دامس العتمة يعدني بالضياع، خضت في برك الوحل، تسللت الرطوبة إلى حذائي.. جواربي.. صعوداً حتى الرئتين.. سعلت.

أصابني طقس الحياة الرديء.. وأقعدني المرض مهدودة بشراسة الوجع وأنينه.. أهلوس بالكلام وأناديه..

أقر الأطباء بأنها الحمى..

مرمية فوق الفراش بكامل ملابسي، منذ لم يعد النوم أماناً استغنيت عن منامتي المريحة وجواربي القطنية التي تدفئ قدمي، ولم يخطر ببالي يوماً أن ارتداء " البيجاما " ترف المطمئنين، فالمتعبون يسقطون في هوة النوم دون مقدمات، والمؤرقون يستجدون غفوتهم قطافاً بين لحظة هاربة وأخرى، وأنا وابني وبيننا منبه أخرق أتابع عقربيه، أذكره بمواعيد الدواء المزعجة، سيرن لو فعلناها ونمنا.

" التزمي الدقة في مواعيد الدواء ياسيدتي، ثم الأمر لله وحده. "

نهرا دمع يحفران ملحهما فوق الخدين.. امتلأت سلة القمامة بالمناديل المبللة والشهقات والانكسارات،

" ليس في اليد حيلة "..

حاصرتني واخترقت كل الموانع .. مادام الغرق يهددني، ما نفع القشة؟.

يرن المنبه.. لا أسمعه، صملاخ الأذنين كشمع الصمم، كموت مؤجل يتربص بفلذة كبدي، وينساني!..

يهزني قليلاً، يمسح دمعة متكلسة، تلمع عيناه غامقتا الزرقة، بنظرة كرحمة المسيح، يقول لي:

- " يا ابنتي .. أهدِه مظلتك الزرقاء. "

- " لهجتك تضحكني أيها العجوز.. كيف تفيده مظلتي الزرقاء؟.

يااااااااااه يا أبي.. كل الجهود هباء، والوقت بصالح الأسوأ.. انتفخ الملف الطبي بما لا يفيد: صور الأشعة بخيالات دخانية.. أرقام التحاليل المربكة بالأحمر والأسود.. وصفات دوائية بخط أطباء يخربشون تشخيصاتهم.. يحضرونني لكل الاحتمالات.. ولاشيء يجفف عرقه، أو يخفف شحوبه، أو يزيل بقع النمش المتزايدة فوق جلده..

يااا أبي.. تطلع إليه جيداً.. إنه يرقد مثل كيس عظام.. يخبأ صلع رأسه بقبعة مضحكة .. يقذف كل ما في معدته..

هل سمعت أنينه بين الوجع والوجع؟ .. وحش يأكله و لا يرحم، والمورفين يخمده دفعة واحدة في زاوية الفراش، ينام ما تبقى منه فوق شراشف السرير المبقعة..

مظلة زرقاء يا أبي! بماذا تفيده مظلة زرقاء؟.

ليس فصلاً شتوياً يا أبي.. إن ابني مريض بلوكيميا الدم.

أخذتني سماء عينيه، تلمعان بالإصرار، تماماً كما المرة السابقة، ولا مفر من طاعته.

تداركني صمته، وهيئة يقينه، خانني لساني، وتصمغ ببقية الكلام، تحشرجت الصرخة المكبوتة مع مخاض البكاء.

خرج الزمن من مواعيده المؤجلة، لاوياً عنقي عقربيه.

صغيري ابن العاشرة ينسى أعياد ميلاده المؤجلة، ينسى حضني، وينسى كرته، وبوابة مدرسته، يركض إلى حضن جده ليمسك يده.

أسرب له ابتسامتي، فيلتقطها بين أسنانه، أعطيه المظلة الزرقاء، أُطبق أصابعه الواهنة على مقبضها المفضض.. أضغط برقة.. فيتشبث بها.

يرتفع رويداً.. رويداً.. مخلفاً وراءه رائحة عرق، وعلب أدوية، وفتات قلب.

01 يوليو 2008

حب في الشوب: لقمان الديركي

شوب شوب يا يوب وبحبِّكْ.. هذا ما قاله الشاعر الحلبي لحبيبته ممعناً في حبها، فهو يحبُّها رغم الشوب، لكنك قد تستخفُّ بذلك يا عزيزي، وتقول في نفسك أنو شو هالحب الفظيع يعني، وإذا بيحبها بالشوب، أين الإنجاز؟!!
لكنني صدَّقتُ الشاعر الحلبي صاحب قصيدة (يا رايحة عالحديقة ليش الباجاية رقيقة)، والباجاية هي ذلك الخمارِ الأسود الذي فعل ما فعل بناسك متعبِّدِ، صدَّقته، فقد كنتُ على موعد مع الحب ذلك اليوم، ونزلتُ صباحاً لأشتري الصحف والجرائد كي أمارس هواية التصحف السريع مع فنجان القهوة البطيء، ذلك أنني ما إن خرجت من منزلي الذي ليس منزلي، وأنا مضطرٌّ لقول ذلك لكون صاحب المنزل الذي أنا فيه بصفة مستأجر كان قد وقَّعني على ورقة لا تجيز لي استخدام كلمة (منزلي) دون أن أنوِّه بأنه ليس منزلي وإنما منزله، المهم مالكم بالطويلة لفحني ذلك الهواء اللي مو عليل ولا ضعيف ولا مريض بل ساخن حارق مدمِّر، وزخَّ العرق بينما أهبط الدرج، وعلى الرصيف يا حبيبي الذي ليس رصيفاً في الحقيقة وهو إنما مرآب للسيارات، وسوبر بسطات في أوقات الفراغ، بدأ العرق يزخُّ من كل الجوانب، حتى إنه لم يبقَ موضع من جسمي ليس فيه مساماً يضخ العرق بلا ثمن، ووصلنا بعد فاصل زكزاكي معروف بين النزلة من على الرصيف لتعذر المرور بسبب بوز السيارة اللي سادد الطريق وهو يقول لي أن أسدَّ بوزي وأنزل مكملاً هوايتي في السير على القدمين على أرض الشارع، ونزلنا يا معلم وإذا بسيارة قادمة مثل سيخ النار مع أنو الدنيا نار، والأسعار نار، فتراجعنا إلى الخلف هلعين، ولكرامتنا مهدرين، وبصوتنا الرخيم هادرين.. أختك على أمك يا حيوان، لكن الحيوان فص ملح وداب، اختفى، بينما عدنا لأنكم بقيتم معنا، ونزلنا إلى الشارع، وركضنا صوب الأربع مفارق، ثم لمحنا طرف الرصيف، فصعدنا، لأنكم حملتم معنا، وعلى الرصيف تابعنا، وبسوبر بسطة اصطدمنا فنزلنا فابقوا معنا، ومن جديد صرنا على أرض الواقع، وبدأنا نسير في الشارع، لكن سيارة الغاز طحشت فهلعنا ورجعنا، ومن بين سيارتين واقفتين مررنا، وإلى الرصيف عدنا فوجدنا أنكم ما زلتم معنا، فتابعنا المسير، وبعد قليل اصطدمنا بثلاث حاويات زبالة فكوَّعنا على اليمين، ونزلنا من على الرصيف راضين ومسرعين، وأكملنا الدرب الصعب ورحلة العذاب على الطريق اللجينِ يا عاقد الحاجبينِ، ثم دخلنا حارة المكتبة، وصعدنا الرصيف، ولكننا اصطدمنا ببسكليتاتي صفَّ بسكليتاته على الرصيف رغماً عن أنف السيارات، فنزلنا وفي صدرنا شتمنا فاستروا ما شفتوا منا وابقوا معنا، ولأنكم بقيتم معنا فقد اشترينا الجرائد، وعدنا، وعدتم معنا إلى البيت، وعند الوصول وجدتُ نفسي غارقاً في بحر من العرق السادة، ودخلنا إلى الحمام، ولكن لوحدنا ، فبقيتم في الصالون على أنغام الكونديشن منتظرين، وبوردنا، وجلسنا نتفرَّج على التلفزيون، ونظرنا إلى الساعة وقلنا أنو يا ريت ما تتِّصلي فينا وتتذكَّري الموعد اللي بيناتنا حاكم ماني نازل من البيت يعني ماني نازل من البيت.. شوب، ولكنكِ لم تتَّصلي، فقلتُ في نفسي أنو يا عيني تمام رح أتناسى الموعد وأتنعم بالكونديشن، بس قلبي لم يطمئن فاتصلتُ بكِ، وقلتِ لي بصوتك العذب أنو حبيبي بلاها الموعد اليوم والله شوب، فقلتُ لكِ بكِ معجباً، ولكِ عاشقاً، والعرق رغماً عن الكونديشن يسبقني
( شوب شوب يا يوب .. وبحبِّكْ).

تحت الحزام: طاهرستان

بالأمس قرأت كما قرأتم -تصريح وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد، في تعليقه على فتح المجال لمنح الزيارات للمقيمين في الخليج: لن نسمح بدخول العاهرات، وسنبقى بإذن الله بلدا طاهرا.... هذا ما قرأته، إما فهمته، وليسمح لي سعادة الوزير قلة فهمي، ما يلي:
-1 انه سنضيف لقبا جديدا لاسم بلدنا، ويصبح اسم بلدنا الرسمي دولة الكويت الغالية الطاهرة، أو لعلها تتغير وتصبح طاهرستان!
-2 إننا بلد طاهر، بخلاف بعض دول مجلس التعاون النجسة!
-3 الطهارة والنجاسة مرتبطة فقط عند الوزير بجريمة الدعارة فقط لا غير!
-4 الكويت بلد لا توجد بها أي جرائم دعارة، وان ما تنشره الصحف يوميا حول القبض على شبكات الدعارة مع صور الضباط بنجومهم، هي مجرد إشاعات تسعى إلى تنجيس طهارة البلد!
-5 معدل الجريمة في الكويت، يصل إلى 60 جريمة يومية، بأنواعها وأشكالها وألوانها، والمعدل في ازدياد، ولكن معدلات الجريمة لا علاقة لها بالطهارة!
-6 السرقة، والاختلاس، والرشاوى، والنصب، والاحتيال، والاغتصاب، وجرائم الاتجار بالبشر... لا تنجس البلد، وتعتبر طاهرة، وبإمكاننا الوضوء بماء هذه الجرائم!
-7 المقيمون والمقيمات هم سبب نجاسة البلد كون النجاسة تأتي من الخارج، والبلد طاهر طهور لولا بعض المقيمين الأنجاس، والحمد لله فنحن لدينا جهاز رقابة كامل يمنع النجاسات من دخول البلاد!
-8 وزير الداخلية سيتحدث من الآن ولاحقا، عن الطهارة والنجاسة، وسيترك لوزير الأوقاف الحديث عن الأمن في البلد!
-9 الوزير هدفه المستقلبي «تطهير» البلد، وان كان «التطهير» من مهمات وزارة الصحة!
-10 إن الطائرات الممتلئة من مطار الكويت باتجاه المطارات الخليجية هي عبارة عن هروب كويتي، من الطهارة باتجاه النجاسة، ولهذا فعلينا منعهم!
-11 ونستنتج أخيرا ان الوزير لا يقصد كل ما سبق «يعني لازم ندقق على كل كلمة»!
***
سيقول البعض: أفهم من مقالك انك ترضى بجلب الدعارة الى البلد؟ وسأجيب يبدو انك لاتفهم ما تقرأ!
***
أخي وضاح (الشاعر والكاتب في جريدة الجريدة)، أخجلتنا بشعرك، وأخفض هامتي شكرا لك!

جعفر رجب
jjaaffar@hotmail.com

26 يونيو 2008

صور منسية/ من مجموعة قبلة خرساء

الأجواء المكفهرة تناسب مزاجي المتوجس. أكثر من ثلاث ساعات والسماء تمطر، أتحول إلى طفل انفعالي، أنا كائن الماء، سأﻧﻬي آخر رشفة من قهوتي، وأغادر..

لعنة الله عليه وعلى مواعيده، يلقي على أسماعنا محاضرات بالأصول واللياقة، ثم وبكل وقاحة، يتأخر!. أشتمه علانية. ذلك لم يجدِ طبعًا، فها أنا بانتظاره منذ نصف ساعة، وهذا يكفيني.

أزحت الكرسي إلى الوراء مستديرًا بعض الشيء، هممت بالنهوض، لكن نظرةً خاطفةً نحوها أعادتني مسترخيًا، تعودت أن أبرر المصادفات، وأن أصدقها..

قبل عشرِ سنوات كان يومًا مبللا آخر يشبه هذا، كنت في طريقي لقطع علاقتي ببثينة، وقعتُ، انكسرت ساقي، حين أطل وجهها في المشفى من خلال طاقة زهور تحملها، طلبتُ يدها، وصارت زوجتي..

التفاتتي الآن من النوع نفسه.. لمحتها، كانت توزع نظراﺗﻬا على من حولها، عيناها تتقنان الابتسام وحدهما دون أن تتدَّخل شفتاها، مشرقة كشمس ساطعة.

لا أعد نفسي رجلا ملتزمًا بالمعنى الأخلاقي للكلمة؛ فأنا أدخن بشراهة، أشربُ الكحول مرتين في الأسبوع، ونادرًا ما أضرب زوجتي، أما المعاكسة.. فلا.

ليس من عاداتي ملاحقة النساء ولا مغازلتهن.. نادرًا ما اكترثت بامرأة، نوعٌ من اللامبالاة لا علاقة له بالتعفف، فالنساء، بي أو من دوني، سحر القلب والنظر.. حدث ذلك بطريقة حاسمة وغير مخططة.

بعد همود فورة الشباب، ومعها كل توابعها من الحماقات، ما عادت النساء قضيتي الشاغلة.

بلادٌة.. أو تخمة الشبع.. أو ربما حظ السيدة حرَمِنا!.

مع ذلك، ها أنا أحدق بامرأة ليست ملفتة، لكنها فاتنة على نحو ما، بملامح تتطابق مع ملامح حواء الأولى، فالشبه واضحٌ، في خيالي على الأقل، لطف متماثل، الدهشُة والتعلق.

تتحرك تلك السيدة بحيوية واضحة، غير أن شحوبًا لم أخطئه يعتريها، أظنها مريضة، أنحل مما كانت، وقوية كما المعتاد، تبدو في حوالي الأربعين من عمرها. لست دقيًقا، ربما أصغر أو أكبر بعشر سنوات. اكتشافُ عمر المرأة أصعب من حساب نسبة الأرباح في مؤسسة حكومية، فالاحتمالات تخطئ غالبًا.

موقعها على المائدة يجعلها تُحكم السيطرة على من حولها، تنصتُ للصبي اليافع الذي يجلس إلى يمينها، تؤثره بالاهتمام أكثرَ مما تفعل مع البنات الثلاث الأصغر..

توزع طبق السلطة فيما بينهم، تملأ كؤوسهم بالمشروبات، فلا تترك فرصة لتدخل النادل.

لم تكن تحب خدمة الآخرين لها، حتى حين تمرض ..ابتسامتها تفيض من زاويتي فمها، تغمرني، تتلفت بحماسة، لا يفوﺗﻬا أن تناول الخبز للصغيرة بجانبها، تصب الحساء، وتحاول جذب ابنها من ملله وشروده.

سرت عدوى نشاطها إلي، شعرت بخفة طارئة، ارتياحٍ أزال توجسي وغضبي من صديقي المتأخر..

ربَّ تأخر نافع!.. فليتأخر حتى يومِ القيامة، وليتركني حيث أنا. مأخوذ ﺑﻬا حتى أني لم أعبأ بثوب مراهقة انحسر أمام عيني، كاشًفا عن ساقين أبلجين وبياض شاهق. سيخيب رجاء الصغيرة التي تمتحن غوايتها،

فذهني متورط بكامله في متابعة ما يحدث على الطاولة المقابلة، ثم أني على ثقة بأني لو حملقت بسيقاﻧﻬا لتأففت مدعية أني رجل عديم الذوق، وأن حماقتي لا تناسبها، النساء غامضات، لا ينطبق عليهن قانون ثابت، هن الشيء ونقيضه في آن، يقف الربُ نفسه عاجزًا عن فهمهن، أما أنا فقد تبت عن المحاولة و ما

عدت أكترث.

تعودتْ بثينة زوجتي قلة اكتراثي، وعلى هذا رتبت أمورها، استغرق الأمر منها بعض العناء، بلطف مرة وبالبكاء مرة أخرى. كانت محاولاﺗﻬا المهادنة تستفزني، أرى فيها مكرًا و مزايدًة على طاقة احتمالي.

أمي بدورها كانت لطيفة، دماثتها لم تشفع لها بما يكفي كي أترك أشغالي، وأمسك يدها الضعيفة، لا أثناء مرضها ولا يوم ماتت..

ورَّثتْ بناﺗﻬا الثلاث الأصغر مني قطعة أرض تملكها، ومترل العائلة القديم.. أما أنا، وحيدها الحبيب، فقد خصتني بخاتم جدﺗﻬا العتيق، إضافة إلى رسالة مكتوبة توصيني خيرًا بأخواتي.

آلمتني خديعتها، لطالما ظننتُ أني طفلها المدلل، فرغم ظروفنا المادية العادية، أرسلتني لأكمل تعليمي في فرنسا.

فاجأتني الوصية، لكني احتفظت برأيي لنفسي، مبديًا، ظاهرًا فقط، أن الأمر سيان بالنسبة لي، مادامت أموري المادية معقولة، أما ضمنيًا فلم أغفر لها استثنائي من أملاكها، متفضلة عليّ بحجر ملون.!

ربما كان تصرفها طبيعيًا، أو أني لا أفهم النساء!. في الحالين، لقد خدعتني.

الصبي كسر كأس الماء بحركة طائشة، وقبل أن يبكي بدأت تراضيه.. وشاحها القديم يغطي شعرها، ويلتف حول عنقها، ليس حجابًا بل احتشامًا يمنحها الهيبة. لم تكن تأبه للخصلات التي تنزلق، كل ما كانت تفعله أﻧﻬا تلملمه بحركة خاطفة من أصابعها الطويلة..

يبرق في وجهي عقيق خاتمها يزين بنصرها النحيل، يجفلني صوت النادل:

- هل تطلب شيًئا آخر يا أستاذ؟

شعرتُ بالحرج، فقد التقطني بالجرم المشهود. طلبت المزيد من القهوة، وأشحت بوجهي نحو النافذة، التصقت ﺑﻬا، حتى ارتطم أنفي بالزجاج، أنفاسي الساخنة حجبت المشهد الخارجي، البرد في الخارج شديد، والمطر طوفان نوح، وصديقي لم يصل بعد.

إﻧﻬا الأيام الأخيرة من العام.. تعاقبت السنون، ويمضي العمر فوق زلاجة بعجلات.

الإفلات من مغناطيس تلك المرأة صار مستحيلا، كهاجس مّلح عدت أراقبها.لعلها انتبهت!.

التقت نظراتنا.. لمحت دهشتها.. ذهول ألجمها..انطفأت ابتسامتها..عبست.. هاجمتني خيالاتٌ متداخلة لامرأة بعيدة الملامح، يرقد عالمي بين كفيها.

كانت لها رائحة أمي حين كانت تلمني في حضنها أيام البرد، فأدس أنفي بين ﻧﻬديها حتى تكف أسناني عن الاصطكاك..

وكانت لعمتي التي تتمادى في تدليلي، فأشتط، وأتشيطن؛ أنط فوق وسائدها البيضاء وشراشفها النظيفة.. فلا تعنفني، بل تتخم معدتي بحلويات تفوح منها رائحة " الفانيلا"..

كانت للصبية الفاتنة التي قرصت قلبي، وعدتني بأﻧﻬا لن تكون إلا لي. حين رأيتها بعد ذلك بكثير كانت تجر خلفها قطيعًا من الصغار.

كانت لأختي الكبرى التي لم أزرها منذ شهرين، ومازالت تتصل بإلحاح لتسأل عني، وتستحث همتي:

"بعرف أنك مشغول بس تقبرني طلْ"...

كانت لتلك السيدة التي جرتني إلى فراشها مباشرة، أتذكر تفاصيل جسدها اللدن وشهقاﺗﻬا، أما اسمها فقد بلعه النسيان...

كانت.. كانت الحبيبة الساحرة التي تخيلتها، ولم أعثر عليها سوى في فيلم سينمائي حضرته سبع مرات، لم تكن بطلة الفيلم بل مجرد ممثلة ثانوية تظهر في مشهد خاطف يستغرق عشر دقائق ثم تغيب بعدها..

وكانت لبثينة.. زوجتي تلك التي أتجاهل مكالمتها، وكلما اتصلت سجل هاتفي النقال رقمها على أﻧﻬا اتصال وارد لم يُرد عليه.

داهمتني وجوههن المنسية خارج القلب بسرعة خاطفة.

حين نظرت إليها ثانية، وجدﺗﻬا تحدق بي، كأﻧﻬا تعرفني.أطرقت خجلاً متظاهرًا باحتساء قهوتي الباردة..

عقيق خاتمها ميراثي الذي أضعته.

قررت أن أسألها عن خاتمها.. لكني ترددت.. بل خفت.. أين اختفى الشاب الجريء الذي كنته؟.

لم تكن الفكرة تكمل دورﺗﻬا عبر الحواس حتى تصبح قابلة للتنفيذ.. يقيدني اليوم ألف حساب وحساب..

من يعرف، ربما اﺗﻬمتني بالتحرش قبل أن تسمع سؤالي.

***

من الخلف جاءني صوته يقول إن عطلاً طارًئا في سيارته الجديدة أخره، إن انتظاري لساعة كاملة يدهشه.

لم أشتمه.. أشرت له أن يجلس،كانت ما تزال تتطلع إليّ، وقد تباطأت سرعة حركتها..

يبدو أﻧﻬا عرفتني: حوائي الأولى.

تطلع مستغربًا:

- إلام تبحلق؟.

- إليها..

- من؟.

- تلك السيدة التي هناك.

- أين؟.

أومأت برأسي:

- هناااااااك.

- أعوذ بالله منك ومن ﺗﻬيؤاتك .. ما في حدا!.