في رواية دونكيشوت، ظل البطل يحتضر طيلة ثلاثة أيام وهو محاط بالناس الذين يحبونه، لكن ذلك لم يمنع صديقه سانشو عن أن يكون منشرح المزاج (لأن واقعة وراثة شيء ما تمحو أو تخفف الحزن من أن الانسان ميت ولابد) لذلك سأبحث عن كل الجينات التي أفترض أن جدتي أورثتها لي، وسأنظر الى المرآة بدقة لأرى مستقبل تجاعيدي، هل سيكون لي وجهها.. ظل ابتسامتها.. اسنانها الاصطناعية اللامعة.. بل هل سأستطيع حمل شيء من قلبها الذي لايفنى؟ هناك من سيقول لي: وأي غرابة في أن تكون الجدة حنونا؟ وأقول: ليس كزينب، ليس كجدتي، فالحب لم يمر بين كفيها الا كي يقيم، ومن صوتها تَنبت الحكايات.. كانت تلك العجوز التركية تمددني على ساقيها حتى أنام، وتؤمن بأن حشر كل ما عندها داخل فمي جزء حتمي من الحب. في سنواتها الأخيرة التي طالت حتى أضجرتها، كانت قد أكملت استعداداتها لتذهب دون تكهنات الى راحتها، موقنة بايمانها وتقاها، بل لطالما فصلت لنفسها أفضل (سيناريو) ممكن لموت وشيك، أن يكون الجو معتدلاً مثلاً، كي لا يتجشم الآخرون عناء سوء الطقس، أو في صبيحة أول أيام العيد، اذ ستطرق العائلة جميعها بحكم العادة بابها..! بل كانت تشتهي لنفسها طريقة موت بعينها، سهلة، مريحة ( اكابرلية) ولا تربك أحداً.. ولكن الموت لم يكن قريبا كما أرادت، عاما بعد عام، تضمني الى صدرها وتتوقع أنها المرة الأخيرة، ولم تكن..!ماتت جدتي، ولم يكن موعدا قريبا، ولم يكن يوم عيد، ولا كانت على فراشها كما تمنت، بل على سرير المرض في مشفى كئيب، وبين أطباء تعودوا رؤية الألم حتى ماعادوا يبالون به..الأحزان تغسل النفوس، تنشرها تحت الشمس، وحين تمتلكك حقاً، تعفيك من وجودها، وتتركك أسير سطوة الحنين، وفي تساؤلاتك اللانهائية عن أسرار الكون، عن اليقين، عن مغزى الرحيل، وعن جهاته، فأين نذهب، ولماذا نذهب؟..جدتي بزوادة قناعاتها لم تخف من الموت، أما أنا فهدني الغياب، وكلما حل ليلٌ ولمست صلابة الأرض، أشفقت عليها من العتمة والوحدة والبرد..
"شبــــــــــــــــابيــــــــك الغـــــــــــربـــــــة" إنها مدونة تشبه وطناً، وليست هو !
27 نوفمبر 2008
23 نوفمبر 2008
رثاء محمد خالد القطمة
خالد القطمة .. فقط
حسن احمد عبد الله
أغمض على التاريخ روحه، وترك القصيدة شاردة في برية السؤال ، هكذا طوى ابو نضال ثلاثة أرباع القرن من الحيوية والنشاط والبشاشة والكفاح ، وكعادته دائما مجلجلا بالفرح ، صامتا بالألم مضى.
كان الزمن عن خالد القطمة قصيدة تكتب مفرداتها الايام ، فمرة مشرقة بالذكريات، ومرات بالمواقف، وهو من الجيل الذي كانت حياته مواقف ، اذ كانت الحياة وقفة عز فقط عنده ، منذ أن تلتقيه وحتى تودعه تبقى متشوقا للمزيد من الأحاديث والذكريات، هذا الرجل الذي أمضى 53 عاما في الصحافة ، كتب فصلا مهما من تاريخ الصحافة العربية ، هذه الصحافة التي كانت تكتب بأهداب العين وتقرأ بخفقات القلوب ، كانت المرآة التي ترى فهيا اشراقات الأرواح ، هذه الأرواح التي كان أبو نضال أحد الذين صنعوا خبزها، عجنوا تعبهم بالأرق والعرق، وبالدم أحياناً.
طوال عقد من الزمن كان عزيزنا الحكيم الذي يلقي حكمته في برية السؤال ، ليس لفارق العمر عنده أي معنى لأنه مؤمن بالعقول ، بالتلاقح بين الأفكار، هذا الرجل الذي غادرنا أول من امس يترك فينا الكثير.. الكثير من المحطات التي نقف عندها.
تاريخ خالد القطمة ليس مجهولا لنعيد التذكير به ، فهو في حد ذاته بعض تاريخ المنطقة، فلقد كان جريئا إلى درجة أن يكشف الى العالم اجمع فصلا من مخطط جهنمي لتقسيم بعض بلاد الشام حين نشر كتابه الشهير "الدولة الدرزية " وكان شفافا كالماء الرقراق في قصائده
أبو نضال " صدى لبنان" ، " البناء" ، " الايام" ، " الرأي العام "، " اليقظة " ، " الحدث" ، " الوطن" ، " الانباء" .
أبو نضال " الاسبوع سبعة أيام " " أبو اللطف" وسبحة طويلة من اللحظات التي تجعلك تعيد تهجئة الاسم مرة أخرى، لتعيد اكتشاف الرجل ، أبو نضال " دار سعاد الصباح" النموذج المشرق في عالم الابداع العربي
عصيةالعبارة أمام هول الصدمة ، لكن هذا هو القدر،أبو نضال الراحل ، سيرة أولى في زمن صعب، زمن المرارات العربية، زمن الانكسارات العربية، زمن الحض على التوقد كالجمر، هكذا كان الرجل الكبير في كل شيء يحضك على البدء دائما من جديد، على عدم الاستسلام للمرارات ، على عدم قبول الهزيمة، لقد كان قصيدة تعيد ترديدها دائماً..
أبو نضال .. وداعا
أمام رحيل هذا الكبير لايمكننا ان نقول الكثير .. لأننا في حضرة هذا الغياب المحزن..نتذكر فقط خالد القطمة.. فقط
حسن احمد عبد الله
أغمض على التاريخ روحه، وترك القصيدة شاردة في برية السؤال ، هكذا طوى ابو نضال ثلاثة أرباع القرن من الحيوية والنشاط والبشاشة والكفاح ، وكعادته دائما مجلجلا بالفرح ، صامتا بالألم مضى.
كان الزمن عن خالد القطمة قصيدة تكتب مفرداتها الايام ، فمرة مشرقة بالذكريات، ومرات بالمواقف، وهو من الجيل الذي كانت حياته مواقف ، اذ كانت الحياة وقفة عز فقط عنده ، منذ أن تلتقيه وحتى تودعه تبقى متشوقا للمزيد من الأحاديث والذكريات، هذا الرجل الذي أمضى 53 عاما في الصحافة ، كتب فصلا مهما من تاريخ الصحافة العربية ، هذه الصحافة التي كانت تكتب بأهداب العين وتقرأ بخفقات القلوب ، كانت المرآة التي ترى فهيا اشراقات الأرواح ، هذه الأرواح التي كان أبو نضال أحد الذين صنعوا خبزها، عجنوا تعبهم بالأرق والعرق، وبالدم أحياناً.
طوال عقد من الزمن كان عزيزنا الحكيم الذي يلقي حكمته في برية السؤال ، ليس لفارق العمر عنده أي معنى لأنه مؤمن بالعقول ، بالتلاقح بين الأفكار، هذا الرجل الذي غادرنا أول من امس يترك فينا الكثير.. الكثير من المحطات التي نقف عندها.
تاريخ خالد القطمة ليس مجهولا لنعيد التذكير به ، فهو في حد ذاته بعض تاريخ المنطقة، فلقد كان جريئا إلى درجة أن يكشف الى العالم اجمع فصلا من مخطط جهنمي لتقسيم بعض بلاد الشام حين نشر كتابه الشهير "الدولة الدرزية " وكان شفافا كالماء الرقراق في قصائده
أبو نضال " صدى لبنان" ، " البناء" ، " الايام" ، " الرأي العام "، " اليقظة " ، " الحدث" ، " الوطن" ، " الانباء" .
أبو نضال " الاسبوع سبعة أيام " " أبو اللطف" وسبحة طويلة من اللحظات التي تجعلك تعيد تهجئة الاسم مرة أخرى، لتعيد اكتشاف الرجل ، أبو نضال " دار سعاد الصباح" النموذج المشرق في عالم الابداع العربي
عصيةالعبارة أمام هول الصدمة ، لكن هذا هو القدر،أبو نضال الراحل ، سيرة أولى في زمن صعب، زمن المرارات العربية، زمن الانكسارات العربية، زمن الحض على التوقد كالجمر، هكذا كان الرجل الكبير في كل شيء يحضك على البدء دائما من جديد، على عدم الاستسلام للمرارات ، على عدم قبول الهزيمة، لقد كان قصيدة تعيد ترديدها دائماً..
أبو نضال .. وداعا
أمام رحيل هذا الكبير لايمكننا ان نقول الكثير .. لأننا في حضرة هذا الغياب المحزن..نتذكر فقط خالد القطمة.. فقط
21 نوفمبر 2008
رثاء محمد خالد القطمة
أبا نضال.. وداعا
كتب جابر محمد الهاجري :
تلقيت مكالمة من أحد ما يقول انه في طريقه إلى الشاليهات فوجد نفسه على مشارف الجهراء، فضحكنا «ضحك طفلين معاً»، واستغرقت في تلك المكالمة ونسيت أني بصحبة اثنين من كبار مؤسسي الصحافة العربية، كان ذلك قبل سنوات وكنا في بهو فندق الشيراتون.. فعدت إليهما معتذرا، فسألني خالد قطمة ضاحكا: «شو القصة ضحكاتك واصلة لآخر الدنيا.. فرحني شو؟».. رحمه الله، بابا خالد قطمة كان جميلاً رائعاً طفولياً في ضحكته وفي صفائه وصدقه، كنت أجد المتعة في لقائه مع سمير عطا الله أستاذي وصديقي العزيز كلما زار الكويت، حيث أرى لوحة جميلة من الوفاء والشوق والإخلاص بين صديقين حميمين في زمن ندر فيه الوفاء، كان لقاؤهما ممتعاً لي وفيه من الفائدة المعلوماتية والثقافية والصحافية الشيء الكثير، رحل الجميل خالد قطمة وكان أقل الواجب هو حضور اللقاء الأخير معه بحضور جنازته، طيب الله ثراه.رحل ذلك «الهارب من الأعراب»، وبرحيله طويت صفحة أخيرة في مسيرة أحد العمالقة في الصحافة العربية وخصوصا صحافة الكويت التي كان له الفضل في تأسيس العديد من الدور فيها، كان جميلا وكنت استمتع بنصائحه الصادقة والمعبرة عن حب. كان ينتقد مشيرا الى نقاط الخلل لأجل تقويمها كي تبقى صحافة الكويت في صدر الريادة كما يريدها.لن يكون هناك لقاء ثلاثي، وحتما لن ننسى الجميل خالد قطمة، وليس لنا سوى أن نتقدم بالعزاء لكل عشاق الكلمة الحرة الصادقة ولكل ابناء صاحبة الجلالة العربية والعزاء للأصدقاء والعزاء لسمير عطا الله الذي زاد من حزننا على راحلنا العزيز أبي نضال في تلك المكالمة التي يغالب فيها أبو نصري عبراته ودموعه.. حيث لن تكون هناك لقاءات أخرى مع خالد قطمة و«قفشاته» الجميلة.. لن يكون هناك سؤال من خالد قطمة عن أحوال صديقه سمير عطا الله كلما التقيت به.. ولن يكون هناك اشتياق لأخبار خالد قطمة وأحواله من سمير كلما التقينا في بيروت.. الرحيل سمة الحياة والوفاء من شيم الكبار.. رحل خالد قطمة كبيراً ورجلاً صاحب مواقف رجولية مع الكويت وأبناء الكويت.. لن ننسى عطاء خمسين عاماً في خدمة الكويت وصحافتها..أبا نضال سنفتقدك كثيرا يا صديقنا الكبير.. العزاء للسيدة نور ولمجد ولشقيقاته.. البقاء لله..
16 نوفمبر 2008
رثاء محمد خالد القطمة
خالد الذِكر أو الذكر الخالد
فاطمة حسين
لقد غيب الموت قبل ايام قليلة الصحافي القدير والكاتب الكبير محمد خالد قطمه.. واحد من فرسان الكلمة الصادقة - رغم قلتهم - وأحد الاعمدة التي نشأت على اكتافها صحافة الكويت. وصاحب الفضل الكبير في غرس بذور «الحرفية» في شارع الصحافة. الرجل الذي احبه تلامذته واصدقاؤه، واحترمه تلامذته ايضا واعداؤه.
قابلته في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي، قدمني له الاستاذ الكبير محمد مساعد الصالح رئيس تحرير مجلة «الهدف» آنذاك وكان المرحوم يشغل منصب ادارة تحريرها، قدمني كمساهمة جديدة لكتابة الصفحة الاخيرة وكانت بعنوان «وجهة نظر».
ما ظهر لي ساعتها من شخصيته سوى النشافة بدلا من الطراوة المتوقعة والجدية بعيدا عن الهزل، والاصرار على الدقة المتناهية دون تراخٍ ولا تنازلات، حتى برزت امامي علامة استفهام كبيرة كيف يمكنني ان اتعامل مع هذا الشخص؟؟؟ فغلب فكري اهمية البحث عن مساحة مشتركة حتى وجدنا نفسينا نلتقي في واحة وسط الصحراء العربية الممتدة من الخليج الى المحيط وتعاونا على الإنبات فيها، بعضا من إيمانه بالقومية السورية وزعيمها انطوان سعادة وبعضا من ايماني بالقومية العربية وعرابها ساطع الحصري.. لكننا اختلفنا على الأولويات والاختلاف صحة نسجت بساطا أحمديا لصداقتنا حتى يوم خطفته يد المنون.
عملت معه وتحت امرته كاتبة متدربة، لكنني لا أنسى غيمة الخوف التي كانت تحتل تجويف صدري كلما أمسكت بالقلم متصورة حركة قلمه الأحمر عند المراجعة، لكن يشهد الله عليّ وهو اليوم بين يدي ربه انني ما سمعت منه قط سوى كلمات الإطراء والتشجيع.
لقد أضاء لي ابونضال دروب قلمي بديلا عن القول عبر الأثير المسموع منه والمرئي - الذي استنزف طاقتي كما كان يتصور - لأن الكتابة - كما كان يردد على مسامعي هي توثيق للفكر ومرونة للغة تأخذ الإنسان باتجاه النمو - ثم يضحك - حتى يصل الى حدود الإدانة المؤكدة فلا مفر ولا مبررات للإنكار.
ليرحمه الله، عندما انضم الى كوكبة العاملين في الرأي العام أشبعنا من جوع كنا نبحث عن سده في صحافة لبنان وخاصة النهار والحياة حتى دخل عالم التأسيس على الأصول التي كان يتقنها فكانت «اليقظة» ثم «الهدف» ثم «الوطن» حتى وصل الى «الأنباء» واستقر بها مؤسساً ومديرا للتحرير ومستشارا من 1976- وحتى عام 1990 فكان هو المؤسس والصانع والاب الروحي -مهنياً- زمن قد شكل فيه هو وبعض من ربعه مثل سمير عطا الله وغيرهما فصاغوا موجة اعلامية جادة وجاذبة وعالية المهنيةونثروها في شارع الصحافة وأظن ان القيادات الصحفية اليوم هم خريجو تلك المدرسة ونتاج تلك الموجة.
واذكر هنا للكاتب صالح الشايجي برنامجاً تلفزيونياً جاداً استضاف فيه كل الاخوة العرب الذين احبوا الكويت كأبنائها واكثر، وعندما استضاف (المرحوم) رفض ان يسمى (الكويت) وطنه الثاني واطلق مقولته المشهورة (الوطن التوأم).
لخالد قطمه عوالم كثيرة وكبيرة لكن الصحافة كانت له عالم العوالم يحيا بها يتنفس عبرها ويغضب عندما يختصر القوم الصحافة بالورق والقلم فهي بالنسبة له حياة متكاملة نامية متحركة فالصحافة لديه علم وفن وحرفة وتحتاج للمهارة في كل باب من تلك الابواب وفي نمو مستمر فهي كالإنسان نموه يأتي بالتوالد والتجدد حتى يستمر شبابه.
يرحمك الله ايها العزيز لقد اسعدت الكويت في حياتك بعملك وفي مماتك باحتوائها لجسدك، واظن ان جسدك ايضاً يسعد اليوم باستقراره وسط تراب احبه طوال عمره، هذا هو الحب المتبادل فليتغمدك الله برحمته.
فاطمة حسين
لقد غيب الموت قبل ايام قليلة الصحافي القدير والكاتب الكبير محمد خالد قطمه.. واحد من فرسان الكلمة الصادقة - رغم قلتهم - وأحد الاعمدة التي نشأت على اكتافها صحافة الكويت. وصاحب الفضل الكبير في غرس بذور «الحرفية» في شارع الصحافة. الرجل الذي احبه تلامذته واصدقاؤه، واحترمه تلامذته ايضا واعداؤه.
قابلته في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي، قدمني له الاستاذ الكبير محمد مساعد الصالح رئيس تحرير مجلة «الهدف» آنذاك وكان المرحوم يشغل منصب ادارة تحريرها، قدمني كمساهمة جديدة لكتابة الصفحة الاخيرة وكانت بعنوان «وجهة نظر».
ما ظهر لي ساعتها من شخصيته سوى النشافة بدلا من الطراوة المتوقعة والجدية بعيدا عن الهزل، والاصرار على الدقة المتناهية دون تراخٍ ولا تنازلات، حتى برزت امامي علامة استفهام كبيرة كيف يمكنني ان اتعامل مع هذا الشخص؟؟؟ فغلب فكري اهمية البحث عن مساحة مشتركة حتى وجدنا نفسينا نلتقي في واحة وسط الصحراء العربية الممتدة من الخليج الى المحيط وتعاونا على الإنبات فيها، بعضا من إيمانه بالقومية السورية وزعيمها انطوان سعادة وبعضا من ايماني بالقومية العربية وعرابها ساطع الحصري.. لكننا اختلفنا على الأولويات والاختلاف صحة نسجت بساطا أحمديا لصداقتنا حتى يوم خطفته يد المنون.
عملت معه وتحت امرته كاتبة متدربة، لكنني لا أنسى غيمة الخوف التي كانت تحتل تجويف صدري كلما أمسكت بالقلم متصورة حركة قلمه الأحمر عند المراجعة، لكن يشهد الله عليّ وهو اليوم بين يدي ربه انني ما سمعت منه قط سوى كلمات الإطراء والتشجيع.
لقد أضاء لي ابونضال دروب قلمي بديلا عن القول عبر الأثير المسموع منه والمرئي - الذي استنزف طاقتي كما كان يتصور - لأن الكتابة - كما كان يردد على مسامعي هي توثيق للفكر ومرونة للغة تأخذ الإنسان باتجاه النمو - ثم يضحك - حتى يصل الى حدود الإدانة المؤكدة فلا مفر ولا مبررات للإنكار.
ليرحمه الله، عندما انضم الى كوكبة العاملين في الرأي العام أشبعنا من جوع كنا نبحث عن سده في صحافة لبنان وخاصة النهار والحياة حتى دخل عالم التأسيس على الأصول التي كان يتقنها فكانت «اليقظة» ثم «الهدف» ثم «الوطن» حتى وصل الى «الأنباء» واستقر بها مؤسساً ومديرا للتحرير ومستشارا من 1976- وحتى عام 1990 فكان هو المؤسس والصانع والاب الروحي -مهنياً- زمن قد شكل فيه هو وبعض من ربعه مثل سمير عطا الله وغيرهما فصاغوا موجة اعلامية جادة وجاذبة وعالية المهنيةونثروها في شارع الصحافة وأظن ان القيادات الصحفية اليوم هم خريجو تلك المدرسة ونتاج تلك الموجة.
واذكر هنا للكاتب صالح الشايجي برنامجاً تلفزيونياً جاداً استضاف فيه كل الاخوة العرب الذين احبوا الكويت كأبنائها واكثر، وعندما استضاف (المرحوم) رفض ان يسمى (الكويت) وطنه الثاني واطلق مقولته المشهورة (الوطن التوأم).
لخالد قطمه عوالم كثيرة وكبيرة لكن الصحافة كانت له عالم العوالم يحيا بها يتنفس عبرها ويغضب عندما يختصر القوم الصحافة بالورق والقلم فهي بالنسبة له حياة متكاملة نامية متحركة فالصحافة لديه علم وفن وحرفة وتحتاج للمهارة في كل باب من تلك الابواب وفي نمو مستمر فهي كالإنسان نموه يأتي بالتوالد والتجدد حتى يستمر شبابه.
يرحمك الله ايها العزيز لقد اسعدت الكويت في حياتك بعملك وفي مماتك باحتوائها لجسدك، واظن ان جسدك ايضاً يسعد اليوم باستقراره وسط تراب احبه طوال عمره، هذا هو الحب المتبادل فليتغمدك الله برحمته.
14 نوفمبر 2008
نحن محكومون بالموت ياخالد
نحن محكومون بالموت ياخالد
سوزان خواتمي
سوزان خواتمي
رحل عاشق الحياة، محتفظا بقلب طفل ومزاج شاعر.. خطفه الموت من ذكرياته التي ظلت تلاحقه فلاتتركه لحظة من ليل او من نهار..محمد خالد القطمة رجل امتلك ذاكرة حديدية وتاريخا مقسوما بين السياسة والصحافة، وبسبب وطأة المرض الاخيرة احتفظ بين سبابته والوسطى بسيجارة مطفأة، وبحلم انجاز كتاب يترك بين دفتيه خلاصة تلك الذاكرة. في مكتبه المكسو بالخشب والمحاط بالهدوء، ستجد لوحة على الباب: (انا اكتب اذن انا غير موجود)، وعلى الجدار الأيسر علق كما من الصور تربطه كحبل الوريد بشخصيات واحداث وذخيرة عمر.. ولن يطول بك الوقت حتى تدهشك رغبة كل من حوله بتنفيذ تعليماته، ثم ستكتشف بالتجربة، ان نبله وكرمه معا كفيلان بضمك الى أولئك الذين يسعون الى ارضائه، رغم ذلك ستبقى عاجزا عن رد جمائله الكثيرة كشخص يؤمن بالعطاء دون انتظار المقابل.. المرض اللحوح افقده الهمة، واحساسه العارم بالنكتة. يتابع نشرات الاخبار ويتحسر مثقل القلب بهاجس الأمة التي مازالت تتهاوى، وهو من جيل دفع ثمن مبادئه وافكاره وعروبته الكثير..كي تعقد صداقة ما مع خالد القطمة عليك ان تكون فطناً ولماحاً، فهو يكتب مقالاته باسلوب ساخر، مليء بالمرارة، في كتابه (هارب من الاعراب ) يسـأله صديقه سمير عطا الله عن ذلك، فيجيب : «لماذا لانحاول ان نضحك من بعضنا وعلى بعضنا بعد ان مضت علينا قرون ونحن نبكي على حالنا ويضحك علينا الاخرون»؟وماعرفت شخصا اكثر نباهة من استاذي خالد في رواية النوادر وربطها بواقع الحال، أو في ملاحظة خلل ما، وتحويله الى قفشة ساخرة، يقول «يتزايد عدد المرات التي تخرج فيها علينا مذيعة التلفزيون لتقول: نأسف لهذا الخلل الفني. من جانبنا نرتاح كثيرا لهذا الخلل لانه اثناء عملية اصلاحه نشاهد صورا رائعة للطبيعة وللعصافير ترافقها موسيقا هادئة تريح الاعصاب وهي افضل بكثير من بعض برامج التلفزيون.. لذلك نرجو ادارة التلفزيون بث الخلل الفني لمدة اربع ساعات يوميا وبث البرامج في ساعتين فقط»15 عاما عمر معرفتي به، ومازلت أتهيب ان ادعوه صديقي رغم انه كان كذلك، وهو ايضا استاذي، قصدته اول مرة بعد فوزي بجائزة مسابقة سعاد الصباح، وله وحده قبل غيره، يعود فضل توجهي نحو الكتابة، قال لي : انت كاتبة قصة.. افكر اليوم، في التفاصيل، فلا أذكر منه توجيها مباشرا، كان يشجع دون اظهار تفوقه كفارق طبيعي بين استاذ وطالب.. هو صاحب السريرة الصافية، واليد البيضاء، الذي يحتفظ بالاصدقاء على مقربة من القلب.مثل شجرة الاعياد كان يحب صنع الفرح وتوزيعه على من حوله، فيفاجئ «طاهر» ببطاقة طائرة ليكون الى جانب زوجته فور ولادتها، ويفاجئ «محمد» باجازة مفتوحة لعلاج آلام ظهره.. كنت أعرف مثلي مثل غيري ان (أبونضال) مريض، وأعرف ايضا معنى رئتين معطوبتين في صدر يقاوم التأوه والالم، لكنه لم يكن يسمح لي بأكثر من سؤال : كيفك؟، فيجيب: منيح.. مختزلا كل مساحة مرضه الخطير.. ومع ذلك فقد فاجاني قراءة اسمه داخل مربع النعي فيما انا على متن الطائرة السورية في طريق عودتي الى الكويت، ومع الاعتذار لتحريفي مقولة سعد الله ونوس فنحن «محكومون بالموت»، الذي ينجح وعلى قدر المساواة بان يخطف كبيرا بقامة قطمة، ومن ثم يترك لنا حيزا من ورقة لنكتب فوقها عزاءنا، الذي سيبقى باهتا وسطحيا واقل بكثير من خالد.
رثاء محمد خالد القطمة
خالد قطمة.. من الخطابة والتحريض إلى المشاريع الثقافية الرائدة
د. نزار العاني
د. نزار العاني
من حماة في سورية الى طرابلس وبعد ذلك الى بيروت.رحيل في الامكنة وفي ملفات القضايا الوطنية والعمل الطالبي الحزبي والدعوة المستمرة الى التغيير، تعب وكد في الدراسة والعمل والتطلع الدائب لتحقيق ذات لم تكن بعد تعرف ما تريد.سيرة خالد قطمة لا تروى في صفحة او صفحتين لانها كانت تستحق ان تكون موضوع كتاب يضيف الى المكتبة العربية شيئاً فريداً بمذاق مختلف، وعلى مدى سنوات طويلة كنت احاول اقناعه بضرورة تسجيل يومياته السياسية والثقافية لانها تشكل كنزاً لطلاب المعرفة، خصوصاً ان خالد كان على صلة بالحزب القومي السوري الاجتماعي الذي كان في قلب الواقع العربي الساخن في لبنان وفي سورية.وكنت كلما اقنعته بضرورة البدء بكتابة سيرة حياته، كان يتلكأ، فهو يستمرئ الحديث حول شجون وشؤون الامة اكثر بكثير مما يكتب عنها، وفي مرة من المرات طفح كرمه وقال لي سأبدأ في رواية سيرتي، وانت تتولى مهمات التحرير، وحمزة عليان يتولى التوثيق، وقبلنا، وكدنا نحدد الزمن للاقلاع في هذا العمل، لولا انه رجع الى المربع الاول، اي يدعوني مرتين في الاسبوع على العشاء، ليضع بين يدي ما يفيض عن حاجة ذاكرته.
مشاريع ذات نكهة
ثلاث سنوات لم افارقه لحظة واحدة، فقد عملت معه معاوناً للمدير العام في دار سعاد الصباح العامرة، نبدأ يومنا بفنجان القهوة والسيكارة والتخطيط للعمل، وأول مهمة كلفني بها مراجعة مواد الكتاب التذكاري للشاعر البحريني ابراهيم العريض، ثم توالت المهمات واحدة تلو الاخرى، فلم يكن خالد قطمة يركن الى الراحة، فسعادته الحقيقية في اطلاق المشاريع ذات النكهة غير المألوفة، ولعل العلامة الفارقة في عملي معه هي جوائز الشيخ عبدالله مبارك العلمية، وجوائز الدكتورة سعاد الصباح الادبية، اذ كان يفاجئني دائماً وانا المتخصص بالعلوم بعناوين الجوائز العلمية، فمرة عن التحنيط عن الفراعنة او مرة عن استخدام اشعة الليزر في الجراحات المعقدة، وثالثة عن دور العلماء العرب والمسلمين في بناء الحضارة الانسانية، اما الجوائز الادبية وعناوينها، فلم يكن ذهنه المتوقد ليخونه ابداً في الكشف الفريد والرائد لمواضيع لم تكن في الحسبان.
السياسة والأدب
من ساحات الجامعة الأميركية والخطابة التحريضية ضد المشاريع المعادية للوطن العربي، الى السجون ومخافر التحقيق التي تحاول التفتيش عما في رأسه من مشاريع سياسية خطيرة، الى التلفزيون السوري والعمل الاعلامي الذي لا يبدد كآبات المثقف الحقيقي، الى الكويت وساحتها الصحافية الحافلة بالسجال.خالد قطمة مثل رحالة لا يحب إلفة المكان ويدهشه التجوال في ثنايا العمل اليومي الحار، وبين هذا وذاك له وقفة مع القصيدة، إذ كتب أكثر من ديوان وبعض بديع شعره ينم عن موهبة لايرقي إليها الشك، لكنه لم يكن يؤمن بأن الشعر قضية حياته، لأنه كان في الدرجة الاولى رجلاً حزبياً يعمل بوحي من عقيدة ولذا لم يكن يجد نفسه إلا بكتابة الزاوية السياسية، وقد بدأها في جريدة الانباء، وجمع ما كتبه في كتاب عنوانه «الاسبوع ستة أيام» ولعل اكثر ما كتبه نبلاً وصدقاً في الزوايا خص بها جريدة «النهار» على مدى الأشهر الاولى لصدورها، السياسة عند خالد قطمة أولاً، والأدب ثانياً، وقبل السياسة والادب عشقه الراسخ للمواقف، وله فلسفة في الحياة استقاها من الزعيم أنطون سعادة، مفادها لا عزة في حياة الانسان إن لم يحمل الموقف في عقله وقلبه.
«الرسالة» والأيدي البيضاء
خالد قطمة له فضل لا ينسى على المكتبة العربية حين تبنى مشروع طبع كامل أعداد مجلة «الرسالة» لصاحبها الزيات.وفي يوم من الأيام كلفني باحصاء ما تبقى من اعداد مجلة الرسالة في المستودع الذي خصصته الدكتورة سعاد في الجزء الخلفي لبيتها (القصر الأبيض)، وذهبت وأحصيت العدد، والمجموعة الكاملة من الرسالة تحتاج الى عدّة صناديق، وقلت لخالد يومها سيمر الزمان ولن تنفد هذه الطبعة، كان رأيه هو الصائب، ونفدت طبعة مجلة «الرسالة» وأغبط كل من اشترى المجموعة.
الكتب التذكارية
عشر سنوات وأكثر كنت ألصق الناس به، وأصبح خالد قطمة في رأس قائمة أصدقائي، وصرت أعرفه أكثر مما أعرف نفسي.احد أهم المشاريع التي تبنتها دار سعار الصباح ووقفت الدكتورة وراءها، مشروع الكتاب التذكاري الذي بدأ بعبدالعزيز حسين، ثم ابراهيم العريض وآخرون، ولا أبالغ اذا قلت أن خالد قطمة اذا ما حظي بموافقة وتوجيه الدكتورة سعاد على الشخصية المختارة، كان ينفذ العمل بسرعة قياسية، فهو كقائد أوركسترا يوزع الادوار، ويقترح المواضيع، ويكلف من يصحح ومن يطبع ومن يصمم الغلاف، وكنت أتعلم منه هذه الأمور الاجرائية وأعجز عن فعلها، ولعلي الآن، وأنا أكتب على عجل هذه الوريقات استلهم منه هذه الروح العالية على عدم التباطؤ والرغبة العارمة في انجاز أي عمل بسرعة قياسية.
مزايا إنسانية وشخصية
يا خالد قطمة، بصدق، لقد بكيتك بحرقة، كأنني ولدك، كأنك أخي، بل أهم من الاثنين، فقد كنت صديقي الذي اختزلت به كل صداقاتي على مدى خمسين عاما، عملنا معا، سهرنا كثيرا، لنا مائدة من الثرثرات ممتدة من محمد الماغوط وأدونيس وهشام شرابي وغساني تويني وكل عتاولة الحزب القومي السوري القدامى، وعلى رغم اختلافي معك، اذ لم يحدث أنني انتسبت لحزب وانما رغبت في استقلال الرأي والموقف، لكنني لكثرة ما حدثتني عن رجالات عرفتهم أنت، فكرمى لعينيك أحببتهم ولأجلك، ولنا زاد من الذكريات التي لن تنفد أبدا. والى أن ألحق بك الى الدار الآخرة، عليك ان تمد مائدة كريمة ثرية ومتنوعة مثل التي جلسنا عليها في دنيانا هذه الزائلة، وسأشاركك كل صغيرة وكبيرة كما فعلت خلال السنوات الخمس عشرة المنصرمة، وأعرف أنك ستفسح لي مكانا في المائدة السماوية المنتظرة، فلدينا الكثير الكثير مما لم نقله بعد، الى اللقاء يا صديقي الوفي.
رثاء محمد خالد القطمة
خالد المحب للكويت
طالب الرفاعي
إن الكتابة عن المرحوم محمد خالد القطمة، تعني أموراً أخرى، الكتابة عن صديق عرفته من خلال الصحافة والهم الثقافي العروبي أولاً، وعرفته أكثر من خلال عمله وانشغاله في دار سعاد الصباح. كنت أهاتف «أبو نضال» بين فترة وأخرى، أقول له:«صباح الخير».فيرد بنبرة صوته المميز:«أهلين».وما نلبث أن نلتقي، في مكتبه. يستقبلني باشا ومرحباً، ولابساً الدشداشة. وكأن لسان حاله يقول: أنا ابن هذا البلد، وهو حبي، ويستحق مني أن أرتدي زيه، أحمله لصق قلبي.خالد القطمة، أحد الرجالات العربية الذين أحبوا الكويت بصدق، وعبروا عن صدق حبهم بألف شكل وشكل، ولا أنسى موقفه الأصيل والمحب للكويت أثناء محنة غزو النظام الصدامي للكويت عام 1990. وكان آخر عمل تولاه قبوله القيام بالمسؤولية الثقافية لدار سعاد الصباح، وإصراره على متابعة كل ما يخص شؤونها، وترحيبه بأي مبدع أو مثقف أو ضيف زائر يعبر سماء الكويت.كنت أزور خالد القطمة، أتبادل معه الرأي حول القضايا الاجتماعية والثقافية المطروحة، وكان دائم الحديث عن الكويت، ورجالات الكويت الذين كتبوا بمواقفهم الخالدة تاريخ الكويت الجميل والناصع. وكان يروي ما يقول، لا بوصفه شاهداً بعيداً عن الأحداث، بل بوصفه حاضراً لها، وقارئاً لما بين سطورها، وقادراً على تسجيل مواقفها، ومثمناً دور الرجال في صنع التاريخ، ومؤمناً بأن الكويت دار أمن وأمان، وأنها كانت على الدوام فاتحة صدرها الرحب لاستقبال أي عربي يلجأ إليها.خالد القطمة، لم يكن طارئاً على الكويت، ولم يكن بعيداً عن نبض شارعها الإنساني والسياسي والاجتماعي والثقافي، لهذا كنت أجلس معه في السنوات الأخيرة، لأقرأ تأثره عن مجرى الأحداث، وحسرته على بعض الأمور الدائرة، ولكنه كان مؤمناً بأن هذه الأرض ولادة، وأنها قادرة على أن تحفر لنفسها مكانة، ومكانة مهمة بين الأمم.عرفت في خالد القطمة بساطته وتواضعه وصدقه وعزوفه عن الظهور الإعلامي الكاذب، وعرفت فيه نبذه للمظاهر الزائفة، وقدرته على قراءة الواقع قراءة صحيحة، ومن ثم تخير الطريق الصحيح. خالد الذي تربى في حضن الشعارات العربية الكبيرة، عاش في عقده الأخير، خيبة هذه الشعارات وانكساراتها، وعانى كما جيله من وجع الخيبة وتبعثر الحلم العربي، وكان أكثر ما يؤلمه اقتتال العربي مع أخيه العربي.في إحدى الزيارات الأخيرة له، وجدته وسيجارته، كان غارقاً في هدوئه وأفكاره، وحين سألته عن نظرة الهم التي لاحت في عينيه، قال: «كان حلم جيلنا أن يتوحد العالم العربي من المحيط إلى الخليج، وها نحن نشهد اقتتاله».إن خيبة وألم خالد قطمة، هي خيبة جيل بأكمله، ووجعه ووجع أمة بأكملها.لخالد القطمة قلب أبيض أحب أهل الكويت، وأحب عطر الكويت، وأحب ثقافة الكويت، لذا قدم لها نضارة شبابه، وعصارة فكره، وارتبط بها مثلما ارتبط بوطنه، وكان قضاء الله أن تغفو روحه فوق ترابها.لروح خالد القطمة الطمأنينة في مثواه الأخير، وله منا الدعاء بالمغفرة، وعسى يا أبا نضال أن يتحقق في القادم من أيام الأمة العربية، ما ناضلت أنت ورفاق لك من أجله.إنا لله وإنا إليه راجعون.
طالب الرفاعي
إن الكتابة عن المرحوم محمد خالد القطمة، تعني أموراً أخرى، الكتابة عن صديق عرفته من خلال الصحافة والهم الثقافي العروبي أولاً، وعرفته أكثر من خلال عمله وانشغاله في دار سعاد الصباح. كنت أهاتف «أبو نضال» بين فترة وأخرى، أقول له:«صباح الخير».فيرد بنبرة صوته المميز:«أهلين».وما نلبث أن نلتقي، في مكتبه. يستقبلني باشا ومرحباً، ولابساً الدشداشة. وكأن لسان حاله يقول: أنا ابن هذا البلد، وهو حبي، ويستحق مني أن أرتدي زيه، أحمله لصق قلبي.خالد القطمة، أحد الرجالات العربية الذين أحبوا الكويت بصدق، وعبروا عن صدق حبهم بألف شكل وشكل، ولا أنسى موقفه الأصيل والمحب للكويت أثناء محنة غزو النظام الصدامي للكويت عام 1990. وكان آخر عمل تولاه قبوله القيام بالمسؤولية الثقافية لدار سعاد الصباح، وإصراره على متابعة كل ما يخص شؤونها، وترحيبه بأي مبدع أو مثقف أو ضيف زائر يعبر سماء الكويت.كنت أزور خالد القطمة، أتبادل معه الرأي حول القضايا الاجتماعية والثقافية المطروحة، وكان دائم الحديث عن الكويت، ورجالات الكويت الذين كتبوا بمواقفهم الخالدة تاريخ الكويت الجميل والناصع. وكان يروي ما يقول، لا بوصفه شاهداً بعيداً عن الأحداث، بل بوصفه حاضراً لها، وقارئاً لما بين سطورها، وقادراً على تسجيل مواقفها، ومثمناً دور الرجال في صنع التاريخ، ومؤمناً بأن الكويت دار أمن وأمان، وأنها كانت على الدوام فاتحة صدرها الرحب لاستقبال أي عربي يلجأ إليها.خالد القطمة، لم يكن طارئاً على الكويت، ولم يكن بعيداً عن نبض شارعها الإنساني والسياسي والاجتماعي والثقافي، لهذا كنت أجلس معه في السنوات الأخيرة، لأقرأ تأثره عن مجرى الأحداث، وحسرته على بعض الأمور الدائرة، ولكنه كان مؤمناً بأن هذه الأرض ولادة، وأنها قادرة على أن تحفر لنفسها مكانة، ومكانة مهمة بين الأمم.عرفت في خالد القطمة بساطته وتواضعه وصدقه وعزوفه عن الظهور الإعلامي الكاذب، وعرفت فيه نبذه للمظاهر الزائفة، وقدرته على قراءة الواقع قراءة صحيحة، ومن ثم تخير الطريق الصحيح. خالد الذي تربى في حضن الشعارات العربية الكبيرة، عاش في عقده الأخير، خيبة هذه الشعارات وانكساراتها، وعانى كما جيله من وجع الخيبة وتبعثر الحلم العربي، وكان أكثر ما يؤلمه اقتتال العربي مع أخيه العربي.في إحدى الزيارات الأخيرة له، وجدته وسيجارته، كان غارقاً في هدوئه وأفكاره، وحين سألته عن نظرة الهم التي لاحت في عينيه، قال: «كان حلم جيلنا أن يتوحد العالم العربي من المحيط إلى الخليج، وها نحن نشهد اقتتاله».إن خيبة وألم خالد قطمة، هي خيبة جيل بأكمله، ووجعه ووجع أمة بأكملها.لخالد القطمة قلب أبيض أحب أهل الكويت، وأحب عطر الكويت، وأحب ثقافة الكويت، لذا قدم لها نضارة شبابه، وعصارة فكره، وارتبط بها مثلما ارتبط بوطنه، وكان قضاء الله أن تغفو روحه فوق ترابها.لروح خالد القطمة الطمأنينة في مثواه الأخير، وله منا الدعاء بالمغفرة، وعسى يا أبا نضال أن يتحقق في القادم من أيام الأمة العربية، ما ناضلت أنت ورفاق لك من أجله.إنا لله وإنا إليه راجعون.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)