لا أدري لماذا كَثُر الحديث عن حوار الحضارات في منطقتنا، مادمنا كشعوب ودول معافين تماما من آفات التطرف الايديولوجي، والعنجهية الفكرية، والاستبداد بالرأي، ولا داعي لإيراد الأمثلة فهذا الأمر يظهر جلياً وواضحاً في كل الحالات المحتملة لاختلاف وجهات النظر، ابتداء من الحوار الحضاري الذي يُبسط على النطاق الأسري بين الأزواج ومع الأولاد، فلا يسمعه الجيران، ولا تستخدم فيه الأسلحة البيضاء من شباشب وصحون.. أو في العمل حيث لكل زميل الحق في إبداء الرأي والاعتراض بأريحية، ومن ثم القبول بالأريحية نفسها، أو في البرامج التلفزيونية الحوارية إذ تتقاذف الأطراف المتنازعة وجهات النظر على طريقة لعبة التنس (الأكابرلية)، فلا ضرورة لشد الشعر ولا لرفع الصوت، أو في الندوات الثقافية حيث يكون الحضور خليطاً من تعددية فكرية لافتة، فالسلفيون يهرعون الى سماع الفكر الليبرالي، والعكس صحيح..!الحقيقة استغرب الاشاعة التشهيرية التي تحيطنا بأننا أمة (خدوهم بالصوت لا يغلبوكم) فالحوار بيننا وبين الآخر، يتسم بالهدوء والرزانة والموضوعية والإصغاء المهذب، دون عداءات مسبقة، ولا إجابات تهكمية، ولا أحكام تكفيرية، ولا تشنيعية، ولا تعجيزية، فما اصطلح على تسميته العقل العربي يؤدي مهماته على الوجه الأكمل، من حيث تقليب الأفكار والتعمق بمسوغاتها، وشرعية التساؤل، والتشكيك، في مناخ ربيعي من الحرية، يسعى ويهدف إلى إنتاج معرفي ثقافي، وهذا ما يجعله (أي العقل ما غيره) عضواً لا يضمر من قلة الاستعمال، ولا يصاب بالعطب، فالعقل ملكة استدلال، وهو في حالة الانغلاق - وهذه حالة نادرة اسمع عنها، ولم أصدفها أبداً - يعتد بصوابه ويقينه، ولذلك مازلت في حيرة من جملة المفكر محمد أركون في محاضرته التي ألقاها أخيراً في احتفالية (التنوير ارث المستقبل) حول وضع مجتمعاتنا التي تعاني مما أسماه (طغيان الجهل المؤسس)، فمامعنى الطغيان؟ ومامعنى الجهل؟ ومامعنى مؤسس؟
"شبــــــــــــــــابيــــــــك الغـــــــــــربـــــــة" إنها مدونة تشبه وطناً، وليست هو !
29 ديسمبر 2008
03 ديسمبر 2008
جوز الست:غمز ولمز اجتماعي

لايتجاوز النمو العضلي عند المرأة ثلثي النمو العضلي عند الرجل، ولاعتبارات كثيرة عوضت المرأة ضعفها البدني ببدائل أخرى، لتختار نوع قوتها من بين أحد الحكم الرائجة، التي تفترض قوة المرأة في جمالها أو في دموعها أو في حنانها أو في صمتها..!
وبشكل عام هناك إجماع كامل حول إعلاء قيمة الأنوثة في شخصية المرأة، فالرجال شيبا وشبانا يفضلون الفتاة الرقيقة الناعمة، وفي الوقت الذي يسطر فيها الكتاب والشعراء كلمات ولّه تتغنى بكحل العيون وقوس الحاجب ونحول الخصر المياس، وكل ماتعكسه المرآة من فتنة، فإن أحدا لم يشر إلى تميز المرأة بفرادة شخصيتها وقوتها، بل على العكس، ويبدو أن المرأة أدركت مبكرا البضائع الرائجة في سوق الزواج، فاختارت أسهل الطرق بالأزياء والتزين والتطيب والشد والنفخ، إذ يتخوف الرجال من فكرة الارتباط بمن ينافسه ويتعامل معه ندا لند، معتبرا أن صاحبة الشخصية القوية امرأة تخلت عن أنوثتها، وهو يفضل فتاة ترضيه وترضى بسيطرته، إن لم يكن من باب نزعة التملك، بل أيضا كي لايتعرض لتعليقات الغمز واللمز حين يقال عنه( جوز الست)..!
الانوثة تكسب
الحقيقة أن إرثا كبيرا من الأفكار الجائرة حددت كينونة المرأة، وباتت من المسلمات حتى بالنسبة للمرأة نفسها، فحدود قناعتها بقدراتها لاتذهب أبعد من حضورها كأم حنون وزوجة مطيعة وحبيبة دافئة..
والمستغرب أن ميزان القيم الأخلاقية ليس واحداً بين الذكر والأنثى، فالخصال التي تتباهى بها المرأة، تعتبر من المساوئ بالنسبة للرجل، ولايرجع الأمر لعامل الفطرة والطبيعة بقدر مايعود إلى النظرة العامة في الثقافة العربية، فتمدح المرأة لحيائها حتى لو وصل حد التلعثم، فيما يذم الرجل الذي يستحي، فللذكورة واعتباراتها قيما مختلفة في سلم الرجولة: كالحرية والغيرة والقوة والجسارة والعلم والسيطرة والنبل .. وهي اختلافات حددها المجتمع منذ فترة طويلة ومازالت الأمور عند ثوابتها..!
إن ضعف المرأة ناتج عن تاريخ طويل من التحجيم والاستهانة، تحمله المرأة على كتفيها ، ليس من قبل العامة فحسب، فحتى الفلاسفة والشعراء كارسطو و بودلير لم يخفوا عداءهم لها معتبرين أنها كارثة كونية، وكان يمكن للأرض أن تدور بشكل أفضل من دونها، وقد استخف توفيق الحكيم بذلك الكائن، فكان يسخر منها في مقالاته وقصصه، كذلك فعل عباس محمود العقاد الذي لم يستطع تخيل المرأة في سوية معادلة للرجل واعتبر أن مطالبها بالتحرر ليست أكثر من ورطة لم تخلق له ولم يخلق لها، وهو القائل: " إن خير ما في النساء ساعة ضحك".
سجن الأدب المرأة مثل باقي تجليات الحياة داخل قوالب جاهزة وحتمية، وتعامل معها كأسطورة وجسدها في الخير المطلق او الشر المطلق، فهي إما أماً وأرضاً وعرضاًً أو شيطاناً ومكرا وخديعة.. وجعلها تدفع ثمن ثورتها أو رفضها أو خروجها عما حُدد لها من مهمات وصفات ومكانة، بل غالبا ماصور الروائيون المرأة القوية كأقرب ماتكون إلى شمشون الجبار، فهي تفتقر إلى الجمال، عانس، موتورة، تزعق وتفتعل المشاكل، و(تطفش) العفاريت، وقد انتقلت هذه الصورة الكاريكاتيرية من صفحات الروايات إلى شاشة السينما والتلفاز، حتى تكرست في الأذهان.
وعلى الرغم من صعوبات الحياة التي تحتاج إلى رفيقة درب تتحمل المسؤولية، فإن الشباب يتصرفون بازدواجية تجعلهم ينجذبون إلى المرأة ذات الشخصية القوية والمركز المهني والعلمي المتميز، ويتزوجون من أخرى لها( فم يأكل وليس لها فم يحكي)، مفضلين أسلوب ذبح القط من يوم العرس، متمسكين بمبدأ القوامة التي يتم تفسيرها على أنها امتلاك الحق في السيطرة والعناد والكلمة التي لا تصير اثنتين، مما جعل الفتيات يتقن سياسة المكر ، فيلبسن القناع المطلوب للإيقاع بالشاب المرغوب.. إذ تستطيع المرأة كسب جولاتها النهائية باستخدام سلاحي الغنج والأنوثة..
قضية استبداد
لم يكن مستغرباً ولع الكثير من الرجال ومتابعتهم لمسلسل – باب الحارة- الذي أعاد أمجاد سي السيد، الآمر الناهي، و رد الاعتبار لمكانة الشاربين حيث يحط الصقر، وصوّر – بخبث- روعة الحياة مع امرأة مطيعة ترتجف رعباً من زوجها، ولا تقوى على معارضته..
الحارة التي تعتز بجنس الرجال وتتباهى بهم، أثارت مشاعر الحنين إلى تلك الأيام الخوالي، ماجعل البعض يفكر بتأسيس جمعيات ( حقوق الرجل ) لاسترجاع ما فقده من حواء التي
– تفرعنت- بعد أن تمت مساواة الجنسين، وامتلكت حقوقها في التعليم والعمل، لكن الحرية أفقدتها توزانها، فلم يعد همها الأول صيانة بيتها ورعاية أولادها، ما أدى إلى زيادة حالات الطلاق، وتطاول ( الست) على زوجها بالضرب والتأديب، أو خلعه ورميه خارج البيت..!
وهي مزايا كانت تخص الرجل وحده، فيضرب ويطلق ويهجر ويتزوج مثنى وثلاث، ومع ذلك فالحياة وقتها كانت تمر برداً وسلاماً، باعتبار أن ضرب الحبيب( زي اكل الزبيب)، أما ضرب الحبيبة فليس له طعم الزبيب..!
27 نوفمبر 2008
جدتي زينب
في رواية دونكيشوت، ظل البطل يحتضر طيلة ثلاثة أيام وهو محاط بالناس الذين يحبونه، لكن ذلك لم يمنع صديقه سانشو عن أن يكون منشرح المزاج (لأن واقعة وراثة شيء ما تمحو أو تخفف الحزن من أن الانسان ميت ولابد) لذلك سأبحث عن كل الجينات التي أفترض أن جدتي أورثتها لي، وسأنظر الى المرآة بدقة لأرى مستقبل تجاعيدي، هل سيكون لي وجهها.. ظل ابتسامتها.. اسنانها الاصطناعية اللامعة.. بل هل سأستطيع حمل شيء من قلبها الذي لايفنى؟ هناك من سيقول لي: وأي غرابة في أن تكون الجدة حنونا؟ وأقول: ليس كزينب، ليس كجدتي، فالحب لم يمر بين كفيها الا كي يقيم، ومن صوتها تَنبت الحكايات.. كانت تلك العجوز التركية تمددني على ساقيها حتى أنام، وتؤمن بأن حشر كل ما عندها داخل فمي جزء حتمي من الحب. في سنواتها الأخيرة التي طالت حتى أضجرتها، كانت قد أكملت استعداداتها لتذهب دون تكهنات الى راحتها، موقنة بايمانها وتقاها، بل لطالما فصلت لنفسها أفضل (سيناريو) ممكن لموت وشيك، أن يكون الجو معتدلاً مثلاً، كي لا يتجشم الآخرون عناء سوء الطقس، أو في صبيحة أول أيام العيد، اذ ستطرق العائلة جميعها بحكم العادة بابها..! بل كانت تشتهي لنفسها طريقة موت بعينها، سهلة، مريحة ( اكابرلية) ولا تربك أحداً.. ولكن الموت لم يكن قريبا كما أرادت، عاما بعد عام، تضمني الى صدرها وتتوقع أنها المرة الأخيرة، ولم تكن..!ماتت جدتي، ولم يكن موعدا قريبا، ولم يكن يوم عيد، ولا كانت على فراشها كما تمنت، بل على سرير المرض في مشفى كئيب، وبين أطباء تعودوا رؤية الألم حتى ماعادوا يبالون به..الأحزان تغسل النفوس، تنشرها تحت الشمس، وحين تمتلكك حقاً، تعفيك من وجودها، وتتركك أسير سطوة الحنين، وفي تساؤلاتك اللانهائية عن أسرار الكون، عن اليقين، عن مغزى الرحيل، وعن جهاته، فأين نذهب، ولماذا نذهب؟..جدتي بزوادة قناعاتها لم تخف من الموت، أما أنا فهدني الغياب، وكلما حل ليلٌ ولمست صلابة الأرض، أشفقت عليها من العتمة والوحدة والبرد..
23 نوفمبر 2008
رثاء محمد خالد القطمة
خالد القطمة .. فقط
حسن احمد عبد الله
أغمض على التاريخ روحه، وترك القصيدة شاردة في برية السؤال ، هكذا طوى ابو نضال ثلاثة أرباع القرن من الحيوية والنشاط والبشاشة والكفاح ، وكعادته دائما مجلجلا بالفرح ، صامتا بالألم مضى.
كان الزمن عن خالد القطمة قصيدة تكتب مفرداتها الايام ، فمرة مشرقة بالذكريات، ومرات بالمواقف، وهو من الجيل الذي كانت حياته مواقف ، اذ كانت الحياة وقفة عز فقط عنده ، منذ أن تلتقيه وحتى تودعه تبقى متشوقا للمزيد من الأحاديث والذكريات، هذا الرجل الذي أمضى 53 عاما في الصحافة ، كتب فصلا مهما من تاريخ الصحافة العربية ، هذه الصحافة التي كانت تكتب بأهداب العين وتقرأ بخفقات القلوب ، كانت المرآة التي ترى فهيا اشراقات الأرواح ، هذه الأرواح التي كان أبو نضال أحد الذين صنعوا خبزها، عجنوا تعبهم بالأرق والعرق، وبالدم أحياناً.
طوال عقد من الزمن كان عزيزنا الحكيم الذي يلقي حكمته في برية السؤال ، ليس لفارق العمر عنده أي معنى لأنه مؤمن بالعقول ، بالتلاقح بين الأفكار، هذا الرجل الذي غادرنا أول من امس يترك فينا الكثير.. الكثير من المحطات التي نقف عندها.
تاريخ خالد القطمة ليس مجهولا لنعيد التذكير به ، فهو في حد ذاته بعض تاريخ المنطقة، فلقد كان جريئا إلى درجة أن يكشف الى العالم اجمع فصلا من مخطط جهنمي لتقسيم بعض بلاد الشام حين نشر كتابه الشهير "الدولة الدرزية " وكان شفافا كالماء الرقراق في قصائده
أبو نضال " صدى لبنان" ، " البناء" ، " الايام" ، " الرأي العام "، " اليقظة " ، " الحدث" ، " الوطن" ، " الانباء" .
أبو نضال " الاسبوع سبعة أيام " " أبو اللطف" وسبحة طويلة من اللحظات التي تجعلك تعيد تهجئة الاسم مرة أخرى، لتعيد اكتشاف الرجل ، أبو نضال " دار سعاد الصباح" النموذج المشرق في عالم الابداع العربي
عصيةالعبارة أمام هول الصدمة ، لكن هذا هو القدر،أبو نضال الراحل ، سيرة أولى في زمن صعب، زمن المرارات العربية، زمن الانكسارات العربية، زمن الحض على التوقد كالجمر، هكذا كان الرجل الكبير في كل شيء يحضك على البدء دائما من جديد، على عدم الاستسلام للمرارات ، على عدم قبول الهزيمة، لقد كان قصيدة تعيد ترديدها دائماً..
أبو نضال .. وداعا
أمام رحيل هذا الكبير لايمكننا ان نقول الكثير .. لأننا في حضرة هذا الغياب المحزن..نتذكر فقط خالد القطمة.. فقط
حسن احمد عبد الله
أغمض على التاريخ روحه، وترك القصيدة شاردة في برية السؤال ، هكذا طوى ابو نضال ثلاثة أرباع القرن من الحيوية والنشاط والبشاشة والكفاح ، وكعادته دائما مجلجلا بالفرح ، صامتا بالألم مضى.
كان الزمن عن خالد القطمة قصيدة تكتب مفرداتها الايام ، فمرة مشرقة بالذكريات، ومرات بالمواقف، وهو من الجيل الذي كانت حياته مواقف ، اذ كانت الحياة وقفة عز فقط عنده ، منذ أن تلتقيه وحتى تودعه تبقى متشوقا للمزيد من الأحاديث والذكريات، هذا الرجل الذي أمضى 53 عاما في الصحافة ، كتب فصلا مهما من تاريخ الصحافة العربية ، هذه الصحافة التي كانت تكتب بأهداب العين وتقرأ بخفقات القلوب ، كانت المرآة التي ترى فهيا اشراقات الأرواح ، هذه الأرواح التي كان أبو نضال أحد الذين صنعوا خبزها، عجنوا تعبهم بالأرق والعرق، وبالدم أحياناً.
طوال عقد من الزمن كان عزيزنا الحكيم الذي يلقي حكمته في برية السؤال ، ليس لفارق العمر عنده أي معنى لأنه مؤمن بالعقول ، بالتلاقح بين الأفكار، هذا الرجل الذي غادرنا أول من امس يترك فينا الكثير.. الكثير من المحطات التي نقف عندها.
تاريخ خالد القطمة ليس مجهولا لنعيد التذكير به ، فهو في حد ذاته بعض تاريخ المنطقة، فلقد كان جريئا إلى درجة أن يكشف الى العالم اجمع فصلا من مخطط جهنمي لتقسيم بعض بلاد الشام حين نشر كتابه الشهير "الدولة الدرزية " وكان شفافا كالماء الرقراق في قصائده
أبو نضال " صدى لبنان" ، " البناء" ، " الايام" ، " الرأي العام "، " اليقظة " ، " الحدث" ، " الوطن" ، " الانباء" .
أبو نضال " الاسبوع سبعة أيام " " أبو اللطف" وسبحة طويلة من اللحظات التي تجعلك تعيد تهجئة الاسم مرة أخرى، لتعيد اكتشاف الرجل ، أبو نضال " دار سعاد الصباح" النموذج المشرق في عالم الابداع العربي
عصيةالعبارة أمام هول الصدمة ، لكن هذا هو القدر،أبو نضال الراحل ، سيرة أولى في زمن صعب، زمن المرارات العربية، زمن الانكسارات العربية، زمن الحض على التوقد كالجمر، هكذا كان الرجل الكبير في كل شيء يحضك على البدء دائما من جديد، على عدم الاستسلام للمرارات ، على عدم قبول الهزيمة، لقد كان قصيدة تعيد ترديدها دائماً..
أبو نضال .. وداعا
أمام رحيل هذا الكبير لايمكننا ان نقول الكثير .. لأننا في حضرة هذا الغياب المحزن..نتذكر فقط خالد القطمة.. فقط
21 نوفمبر 2008
رثاء محمد خالد القطمة
أبا نضال.. وداعا
كتب جابر محمد الهاجري :
تلقيت مكالمة من أحد ما يقول انه في طريقه إلى الشاليهات فوجد نفسه على مشارف الجهراء، فضحكنا «ضحك طفلين معاً»، واستغرقت في تلك المكالمة ونسيت أني بصحبة اثنين من كبار مؤسسي الصحافة العربية، كان ذلك قبل سنوات وكنا في بهو فندق الشيراتون.. فعدت إليهما معتذرا، فسألني خالد قطمة ضاحكا: «شو القصة ضحكاتك واصلة لآخر الدنيا.. فرحني شو؟».. رحمه الله، بابا خالد قطمة كان جميلاً رائعاً طفولياً في ضحكته وفي صفائه وصدقه، كنت أجد المتعة في لقائه مع سمير عطا الله أستاذي وصديقي العزيز كلما زار الكويت، حيث أرى لوحة جميلة من الوفاء والشوق والإخلاص بين صديقين حميمين في زمن ندر فيه الوفاء، كان لقاؤهما ممتعاً لي وفيه من الفائدة المعلوماتية والثقافية والصحافية الشيء الكثير، رحل الجميل خالد قطمة وكان أقل الواجب هو حضور اللقاء الأخير معه بحضور جنازته، طيب الله ثراه.رحل ذلك «الهارب من الأعراب»، وبرحيله طويت صفحة أخيرة في مسيرة أحد العمالقة في الصحافة العربية وخصوصا صحافة الكويت التي كان له الفضل في تأسيس العديد من الدور فيها، كان جميلا وكنت استمتع بنصائحه الصادقة والمعبرة عن حب. كان ينتقد مشيرا الى نقاط الخلل لأجل تقويمها كي تبقى صحافة الكويت في صدر الريادة كما يريدها.لن يكون هناك لقاء ثلاثي، وحتما لن ننسى الجميل خالد قطمة، وليس لنا سوى أن نتقدم بالعزاء لكل عشاق الكلمة الحرة الصادقة ولكل ابناء صاحبة الجلالة العربية والعزاء للأصدقاء والعزاء لسمير عطا الله الذي زاد من حزننا على راحلنا العزيز أبي نضال في تلك المكالمة التي يغالب فيها أبو نصري عبراته ودموعه.. حيث لن تكون هناك لقاءات أخرى مع خالد قطمة و«قفشاته» الجميلة.. لن يكون هناك سؤال من خالد قطمة عن أحوال صديقه سمير عطا الله كلما التقيت به.. ولن يكون هناك اشتياق لأخبار خالد قطمة وأحواله من سمير كلما التقينا في بيروت.. الرحيل سمة الحياة والوفاء من شيم الكبار.. رحل خالد قطمة كبيراً ورجلاً صاحب مواقف رجولية مع الكويت وأبناء الكويت.. لن ننسى عطاء خمسين عاماً في خدمة الكويت وصحافتها..أبا نضال سنفتقدك كثيرا يا صديقنا الكبير.. العزاء للسيدة نور ولمجد ولشقيقاته.. البقاء لله..
16 نوفمبر 2008
رثاء محمد خالد القطمة
خالد الذِكر أو الذكر الخالد
فاطمة حسين
لقد غيب الموت قبل ايام قليلة الصحافي القدير والكاتب الكبير محمد خالد قطمه.. واحد من فرسان الكلمة الصادقة - رغم قلتهم - وأحد الاعمدة التي نشأت على اكتافها صحافة الكويت. وصاحب الفضل الكبير في غرس بذور «الحرفية» في شارع الصحافة. الرجل الذي احبه تلامذته واصدقاؤه، واحترمه تلامذته ايضا واعداؤه.
قابلته في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي، قدمني له الاستاذ الكبير محمد مساعد الصالح رئيس تحرير مجلة «الهدف» آنذاك وكان المرحوم يشغل منصب ادارة تحريرها، قدمني كمساهمة جديدة لكتابة الصفحة الاخيرة وكانت بعنوان «وجهة نظر».
ما ظهر لي ساعتها من شخصيته سوى النشافة بدلا من الطراوة المتوقعة والجدية بعيدا عن الهزل، والاصرار على الدقة المتناهية دون تراخٍ ولا تنازلات، حتى برزت امامي علامة استفهام كبيرة كيف يمكنني ان اتعامل مع هذا الشخص؟؟؟ فغلب فكري اهمية البحث عن مساحة مشتركة حتى وجدنا نفسينا نلتقي في واحة وسط الصحراء العربية الممتدة من الخليج الى المحيط وتعاونا على الإنبات فيها، بعضا من إيمانه بالقومية السورية وزعيمها انطوان سعادة وبعضا من ايماني بالقومية العربية وعرابها ساطع الحصري.. لكننا اختلفنا على الأولويات والاختلاف صحة نسجت بساطا أحمديا لصداقتنا حتى يوم خطفته يد المنون.
عملت معه وتحت امرته كاتبة متدربة، لكنني لا أنسى غيمة الخوف التي كانت تحتل تجويف صدري كلما أمسكت بالقلم متصورة حركة قلمه الأحمر عند المراجعة، لكن يشهد الله عليّ وهو اليوم بين يدي ربه انني ما سمعت منه قط سوى كلمات الإطراء والتشجيع.
لقد أضاء لي ابونضال دروب قلمي بديلا عن القول عبر الأثير المسموع منه والمرئي - الذي استنزف طاقتي كما كان يتصور - لأن الكتابة - كما كان يردد على مسامعي هي توثيق للفكر ومرونة للغة تأخذ الإنسان باتجاه النمو - ثم يضحك - حتى يصل الى حدود الإدانة المؤكدة فلا مفر ولا مبررات للإنكار.
ليرحمه الله، عندما انضم الى كوكبة العاملين في الرأي العام أشبعنا من جوع كنا نبحث عن سده في صحافة لبنان وخاصة النهار والحياة حتى دخل عالم التأسيس على الأصول التي كان يتقنها فكانت «اليقظة» ثم «الهدف» ثم «الوطن» حتى وصل الى «الأنباء» واستقر بها مؤسساً ومديرا للتحرير ومستشارا من 1976- وحتى عام 1990 فكان هو المؤسس والصانع والاب الروحي -مهنياً- زمن قد شكل فيه هو وبعض من ربعه مثل سمير عطا الله وغيرهما فصاغوا موجة اعلامية جادة وجاذبة وعالية المهنيةونثروها في شارع الصحافة وأظن ان القيادات الصحفية اليوم هم خريجو تلك المدرسة ونتاج تلك الموجة.
واذكر هنا للكاتب صالح الشايجي برنامجاً تلفزيونياً جاداً استضاف فيه كل الاخوة العرب الذين احبوا الكويت كأبنائها واكثر، وعندما استضاف (المرحوم) رفض ان يسمى (الكويت) وطنه الثاني واطلق مقولته المشهورة (الوطن التوأم).
لخالد قطمه عوالم كثيرة وكبيرة لكن الصحافة كانت له عالم العوالم يحيا بها يتنفس عبرها ويغضب عندما يختصر القوم الصحافة بالورق والقلم فهي بالنسبة له حياة متكاملة نامية متحركة فالصحافة لديه علم وفن وحرفة وتحتاج للمهارة في كل باب من تلك الابواب وفي نمو مستمر فهي كالإنسان نموه يأتي بالتوالد والتجدد حتى يستمر شبابه.
يرحمك الله ايها العزيز لقد اسعدت الكويت في حياتك بعملك وفي مماتك باحتوائها لجسدك، واظن ان جسدك ايضاً يسعد اليوم باستقراره وسط تراب احبه طوال عمره، هذا هو الحب المتبادل فليتغمدك الله برحمته.
فاطمة حسين
لقد غيب الموت قبل ايام قليلة الصحافي القدير والكاتب الكبير محمد خالد قطمه.. واحد من فرسان الكلمة الصادقة - رغم قلتهم - وأحد الاعمدة التي نشأت على اكتافها صحافة الكويت. وصاحب الفضل الكبير في غرس بذور «الحرفية» في شارع الصحافة. الرجل الذي احبه تلامذته واصدقاؤه، واحترمه تلامذته ايضا واعداؤه.
قابلته في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي، قدمني له الاستاذ الكبير محمد مساعد الصالح رئيس تحرير مجلة «الهدف» آنذاك وكان المرحوم يشغل منصب ادارة تحريرها، قدمني كمساهمة جديدة لكتابة الصفحة الاخيرة وكانت بعنوان «وجهة نظر».
ما ظهر لي ساعتها من شخصيته سوى النشافة بدلا من الطراوة المتوقعة والجدية بعيدا عن الهزل، والاصرار على الدقة المتناهية دون تراخٍ ولا تنازلات، حتى برزت امامي علامة استفهام كبيرة كيف يمكنني ان اتعامل مع هذا الشخص؟؟؟ فغلب فكري اهمية البحث عن مساحة مشتركة حتى وجدنا نفسينا نلتقي في واحة وسط الصحراء العربية الممتدة من الخليج الى المحيط وتعاونا على الإنبات فيها، بعضا من إيمانه بالقومية السورية وزعيمها انطوان سعادة وبعضا من ايماني بالقومية العربية وعرابها ساطع الحصري.. لكننا اختلفنا على الأولويات والاختلاف صحة نسجت بساطا أحمديا لصداقتنا حتى يوم خطفته يد المنون.
عملت معه وتحت امرته كاتبة متدربة، لكنني لا أنسى غيمة الخوف التي كانت تحتل تجويف صدري كلما أمسكت بالقلم متصورة حركة قلمه الأحمر عند المراجعة، لكن يشهد الله عليّ وهو اليوم بين يدي ربه انني ما سمعت منه قط سوى كلمات الإطراء والتشجيع.
لقد أضاء لي ابونضال دروب قلمي بديلا عن القول عبر الأثير المسموع منه والمرئي - الذي استنزف طاقتي كما كان يتصور - لأن الكتابة - كما كان يردد على مسامعي هي توثيق للفكر ومرونة للغة تأخذ الإنسان باتجاه النمو - ثم يضحك - حتى يصل الى حدود الإدانة المؤكدة فلا مفر ولا مبررات للإنكار.
ليرحمه الله، عندما انضم الى كوكبة العاملين في الرأي العام أشبعنا من جوع كنا نبحث عن سده في صحافة لبنان وخاصة النهار والحياة حتى دخل عالم التأسيس على الأصول التي كان يتقنها فكانت «اليقظة» ثم «الهدف» ثم «الوطن» حتى وصل الى «الأنباء» واستقر بها مؤسساً ومديرا للتحرير ومستشارا من 1976- وحتى عام 1990 فكان هو المؤسس والصانع والاب الروحي -مهنياً- زمن قد شكل فيه هو وبعض من ربعه مثل سمير عطا الله وغيرهما فصاغوا موجة اعلامية جادة وجاذبة وعالية المهنيةونثروها في شارع الصحافة وأظن ان القيادات الصحفية اليوم هم خريجو تلك المدرسة ونتاج تلك الموجة.
واذكر هنا للكاتب صالح الشايجي برنامجاً تلفزيونياً جاداً استضاف فيه كل الاخوة العرب الذين احبوا الكويت كأبنائها واكثر، وعندما استضاف (المرحوم) رفض ان يسمى (الكويت) وطنه الثاني واطلق مقولته المشهورة (الوطن التوأم).
لخالد قطمه عوالم كثيرة وكبيرة لكن الصحافة كانت له عالم العوالم يحيا بها يتنفس عبرها ويغضب عندما يختصر القوم الصحافة بالورق والقلم فهي بالنسبة له حياة متكاملة نامية متحركة فالصحافة لديه علم وفن وحرفة وتحتاج للمهارة في كل باب من تلك الابواب وفي نمو مستمر فهي كالإنسان نموه يأتي بالتوالد والتجدد حتى يستمر شبابه.
يرحمك الله ايها العزيز لقد اسعدت الكويت في حياتك بعملك وفي مماتك باحتوائها لجسدك، واظن ان جسدك ايضاً يسعد اليوم باستقراره وسط تراب احبه طوال عمره، هذا هو الحب المتبادل فليتغمدك الله برحمته.
14 نوفمبر 2008
نحن محكومون بالموت ياخالد
نحن محكومون بالموت ياخالد
سوزان خواتمي
سوزان خواتمي
رحل عاشق الحياة، محتفظا بقلب طفل ومزاج شاعر.. خطفه الموت من ذكرياته التي ظلت تلاحقه فلاتتركه لحظة من ليل او من نهار..محمد خالد القطمة رجل امتلك ذاكرة حديدية وتاريخا مقسوما بين السياسة والصحافة، وبسبب وطأة المرض الاخيرة احتفظ بين سبابته والوسطى بسيجارة مطفأة، وبحلم انجاز كتاب يترك بين دفتيه خلاصة تلك الذاكرة. في مكتبه المكسو بالخشب والمحاط بالهدوء، ستجد لوحة على الباب: (انا اكتب اذن انا غير موجود)، وعلى الجدار الأيسر علق كما من الصور تربطه كحبل الوريد بشخصيات واحداث وذخيرة عمر.. ولن يطول بك الوقت حتى تدهشك رغبة كل من حوله بتنفيذ تعليماته، ثم ستكتشف بالتجربة، ان نبله وكرمه معا كفيلان بضمك الى أولئك الذين يسعون الى ارضائه، رغم ذلك ستبقى عاجزا عن رد جمائله الكثيرة كشخص يؤمن بالعطاء دون انتظار المقابل.. المرض اللحوح افقده الهمة، واحساسه العارم بالنكتة. يتابع نشرات الاخبار ويتحسر مثقل القلب بهاجس الأمة التي مازالت تتهاوى، وهو من جيل دفع ثمن مبادئه وافكاره وعروبته الكثير..كي تعقد صداقة ما مع خالد القطمة عليك ان تكون فطناً ولماحاً، فهو يكتب مقالاته باسلوب ساخر، مليء بالمرارة، في كتابه (هارب من الاعراب ) يسـأله صديقه سمير عطا الله عن ذلك، فيجيب : «لماذا لانحاول ان نضحك من بعضنا وعلى بعضنا بعد ان مضت علينا قرون ونحن نبكي على حالنا ويضحك علينا الاخرون»؟وماعرفت شخصا اكثر نباهة من استاذي خالد في رواية النوادر وربطها بواقع الحال، أو في ملاحظة خلل ما، وتحويله الى قفشة ساخرة، يقول «يتزايد عدد المرات التي تخرج فيها علينا مذيعة التلفزيون لتقول: نأسف لهذا الخلل الفني. من جانبنا نرتاح كثيرا لهذا الخلل لانه اثناء عملية اصلاحه نشاهد صورا رائعة للطبيعة وللعصافير ترافقها موسيقا هادئة تريح الاعصاب وهي افضل بكثير من بعض برامج التلفزيون.. لذلك نرجو ادارة التلفزيون بث الخلل الفني لمدة اربع ساعات يوميا وبث البرامج في ساعتين فقط»15 عاما عمر معرفتي به، ومازلت أتهيب ان ادعوه صديقي رغم انه كان كذلك، وهو ايضا استاذي، قصدته اول مرة بعد فوزي بجائزة مسابقة سعاد الصباح، وله وحده قبل غيره، يعود فضل توجهي نحو الكتابة، قال لي : انت كاتبة قصة.. افكر اليوم، في التفاصيل، فلا أذكر منه توجيها مباشرا، كان يشجع دون اظهار تفوقه كفارق طبيعي بين استاذ وطالب.. هو صاحب السريرة الصافية، واليد البيضاء، الذي يحتفظ بالاصدقاء على مقربة من القلب.مثل شجرة الاعياد كان يحب صنع الفرح وتوزيعه على من حوله، فيفاجئ «طاهر» ببطاقة طائرة ليكون الى جانب زوجته فور ولادتها، ويفاجئ «محمد» باجازة مفتوحة لعلاج آلام ظهره.. كنت أعرف مثلي مثل غيري ان (أبونضال) مريض، وأعرف ايضا معنى رئتين معطوبتين في صدر يقاوم التأوه والالم، لكنه لم يكن يسمح لي بأكثر من سؤال : كيفك؟، فيجيب: منيح.. مختزلا كل مساحة مرضه الخطير.. ومع ذلك فقد فاجاني قراءة اسمه داخل مربع النعي فيما انا على متن الطائرة السورية في طريق عودتي الى الكويت، ومع الاعتذار لتحريفي مقولة سعد الله ونوس فنحن «محكومون بالموت»، الذي ينجح وعلى قدر المساواة بان يخطف كبيرا بقامة قطمة، ومن ثم يترك لنا حيزا من ورقة لنكتب فوقها عزاءنا، الذي سيبقى باهتا وسطحيا واقل بكثير من خالد.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)