26 مارس 2009

أغنية السجان - جاك بريفير

إلى أين تذهب أيها السجان الجميل
مع هذا المفتاح الملطخ بالدم ؟
أذهب لأحرر التي أحبها
إذا كان هناك من وقت
تلك التي سجنتها
بوحشية رقيقة
للغز في رغبتي في الأكثر
في تعذيبي
في أكاذيب المستقبل
في حماقات القسم
أريد أن أحررها
أريدها أن تصبح حرة
وأن تنساني
وأن تذهب
وأن تعود
وأن تحبني أيضا
أو أن تحب آخر
إذا كان يرضيها آخر
واذا بقيت وحيدا
وإذا ذهبت هي معه
فسوف أحفظ فقط
سوف أحفظ دائما
في تجويفة يدي
حتى آخر يوم من أيامي
نعومة نهديها المتكورين بالحب

20 مارس 2009

الملتقى في نقابة الصحفيين

المؤتمر في الاوبرا



في قاهرة المعز : الحكم في غرق العبارة ومؤتمرات الشعر
سوزان خواتمي
لابد للقادم الى القاهرة من أية جهة كان، بخاصة ممن لديه اهتماما بالشأن العام، أن يبدأ رحلته بالصحف المصرية المتكاثرة في الفترة الأخيرة. وفيماعدا الصحف القومية التي لها "قضاياها" ، فقد تناولت الصحف الأخرى المحاور والقضايا التي تراها تهم الشارع المصري، مما يعكس من وجهات نظر المختلفة والمتقاربة؛ والتي منها الحكم القضائي بسبع سنوات على المتهم بغرق العبارة، والسخرية عبر المقال والكاريكاتير على هكذا حكم لهارب ومقيم في لندن ..! أما في الثقافة فأفردت اغلب الصحف تغطية موسعة لتوقعات الرواية التي ستفوز بجائزة "بوكر" العربية، والتي ذهبت إلى (عزازيل) يوسف زيدان الروائي المصري مخالفة كل التكهنات ..
أمر آخر تناولته مقالات الرأي والتغطيات الثقافية هو مهرجاني الشعر المقامين بالتجاور. الأول ينظمه «المجلس الأعلى للثقافة» برئاسة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، والثاني يقيمه شعراء شباب تحت مسمى «الملتقى الأول لقصيدة النثر»
بالطبع ان حشر مؤتمرين في وقت واحد أمر مقصود، وقد جاء ملتقى النثر رداً على مؤتمر "التفعيلة" أو "مؤتمر حجازي" بعد هجومه الصريح على القصيدة الخرساء كما اسماها. قيل الكثير عن "ملتقى القاهرة الدولي الثاني للشعر العربي" وهو الاسم الرسمي لـ "مهرجان حجازي" الذي تموله وزارة الثقافة من خلال المجلس الأعلى "للثقافة أيضاً" وجهات كثيرة. وكعادة المؤتمرات الرسمية تم حشد أسماء مكرسة يتم تداولها بصورة سنوية ومكررة ، صحيح ان هناك اسماء انسحبت من المشاركة لاعتبارات الحرب الشعرية التي نشبت كعادة معاركنا بعد أن حسمها الجميع في جهات الأرض الاخرى. إلا أننا نبدأ لأننا نملك وجهة نظر أخرى، كانت تنقلها أجهزة البث المباشر والصحافة من مبنى الاوبرا الجميل والمسترخي. لن يختلف الامر كثيرا في الجهة الاخرى من المكان حيث استضافت نقابة الصحافيين مؤتمر النثر الاول حيث حشر أيضا حشدا من الاسماء في كل امسية، و بدا كأن هناك سباقا لتقديم العدد الاكبر، أو ربما كانت حيلة ذكية لحشد جمهور من الحضور حتى لو اكتفي بالمشاركين أنفسهم، وصديق واحد على الاقل، إلا أن هذا قد تعثر في بعض الاحيان فلم يحضر الكثير من الشعراء امسيات زملائهم، كما عانى ملتقى النثر من الامكانيات المحدودة، ليعتمد على جهود فردية سعت لأن تحقق استقلالها عن المباركة الرسمية من خلال بعض الشعراء الشباب المتحمس لفرض وجوده وكينونته ولو كره الكارهون، لكن يبدو أن الحلو مايكملش، فعدد الحضور كان عاديا، بل أن بعض الشعراء ممن دعوا الى المنصة لم يتابعوا قراءة زملائهم في الايام الاخرى او حتى في الندوة نفسها، وكان البطل، ان ثمة بطل هو الصالون المريح والمتاح للثرثرة والتعارف، لم يستطع الملتقى حسم خصامات مابين الكواليس او ما قبلها أو ما ورائها بين شعراء قصيدة النثر المصريين، أو حتى تاجيلها وبقي الشعر يرزح تحت أزمته التنافسية والشللية.

07 مارس 2009

ايلول كان يهب باردا

في شهر أيلول، قبل كذا وعشرين عاماً جئت الكويت، تركت خلفي مدينة وأهلا وأصدقاء.. كنت مبعثرة ومتعثرة، وعلى رغم الهواء الساخن الذي لفحني فور مغادرتي الطائرة، الا أني شعرت بالبرد، فقد صرت في المكان الآخر، شعرت بمعنى ان أكون( غريبة)، وقتها لم اكن قد سمعت بعد بكلمة (وافدة).. احتجت للعديد من السنوات، والكثير من الصبر، لتأقلم لم يأت بعد.. ونقاشات أيا كانت بدايتها الا ان نهايتها تدور حول تحديد موعد للعودة، مازال يتأجل أمام واقع متغير، وأسباب تصر على التزايد للبقاء.. كان على (مي) ان تتعايش مع فقداني للتوازن، كلما تأرجحت على حافة الحنين، وان تشد من عزيمتي كلما نازعتني «رائحة المنازل» تلك التي قال عنها أمجد ناصر» وعندما يأخذنا الحلم/ الى رائحة المنازل/ يحلو لنا ان نغامر/ وبكلمة واحدة.. وطن» . في بداية الرحيل عن المكان تزعم كمغترب (للتو) أنها مجرد فترة مؤقتة، سنة او بضع سنين لا تتجاوز نصف أصابع اليد لا أكثر..! هذا يبقيك حياً في فترة حياتك المؤقتة حتى وإن استهلك عمرك كاملاً.. وأتخيل ان من يغادر الحياة وهو غريب يتمتم مع آخر انفاسه: «لقد كانت فترة مؤقتة».. في الغربة يأخذ المكان طابعا فيزيائيا، انه مجرد حيز، ليبقى اندماجك على الأطراف ولا يصل الى المركز أبداً، اذ لا يجدر في الفترة (المؤقتة) ان نؤثث لها منزلاً في الذاكرة .هكذا يمكنك التنصل بسهولة من تهمة السذاجة، حين لا تتذكر (أو تتذكر) كيف ختمت جواز سفرك لأول مرة مغادراً، وختمته لأول مرة قادماً مهملا الارصفة القديمة والروائح العتيقة وحكايات المدرسة وصباحات الشبابيك التي تطل.. تهز كتفيك - بعد ربع قرن- من فترتك المؤقتة، كونك لست مسؤولا عن هذا الاهمال، لم يكن الأمر بيدك، لم تظن ذلك، لستَ.ولا تتوقع على الاطلاق ان سنوات التيه والبعد ستتركك على حالك، مطمئن الحنين. تمضي في عمرك مكتمل اليقين، فالصورة ستبهت ألوانك، والأبعاد ستعبث في قياساتك، البلاد كانت أطيب وأجمل، والأصدقاء لم يبقوا أصدقاء. وملامحي لم تعد سوى متاهة للأسئلة: فمن أنا.. وما قيمتي.. وماذا فقدت.. وما الذي اكتسبت.. وهل أنا غريبة وطن أو في وطن غريب، وهل حين تركت وطنا اكتسبت آخر..؟ هكذا لن يسعفك سوى كافافيس في «ايثاكا».لا تتوقع ان تقدم لك ايثاكا الثرواتلقد منحتك ايثاكا رحلة جميلة،فلولاها لما شرعت في رحلتك لم يعد لديها شيء آخر تمنحك اياه، وان وجدتها فقيرة، فايثاكا لم تخدعك،فبعد ان أضحيت حكيماً،وبعد ان تمتعت بهذه التجربة المديدة

26 فبراير 2009

لنحتفل بالحب


«كان يكفيه سماعها لمرة واحدة بشكل عابر، حتى يعجز الرب نفسه عن انتزاع خيط اللحن.. من رأسه لعدة ليال»هذا ماقاله فلورينتينو أريثا، عن فيرمينا داثا، في رواية غابرييل ماركيز «الحب في زمن الكوليرا» وبعدها بقيت اتهم العشاق جميعاً بأنهم قصّر عاطفة، ومدعو محبة، فالمدعو فلورينتينو، طيب الله ذكراه، انتظر 51 عاما وتسعة أشهر وأربعة أيام قبل أن يهرع، لاسترجاع حقه في قلب محبوبته، إذ لم تستطع المسافة، ولا الزمن، ولا علاقاته الـ 622 مع أخريات أردنه وأرادهن، أن تقتلع نبضه الأزلي المفتون بفيرمينا..! بالطبع ليست سوى خيالات روائي لايعيبه إلا أسماء أبطاله اللاتينية مستحيلة الحفظ، ولكننا شئنا أم أبينا واقعين في شرك أزمات حياتية تتصاعد بأعبائها الاضطرارية والعبثية دون أن يبدو لها آخر، ربما لذلك تحديداً نحتاج أكثر من غيرنا لهكذا روايات، وللكذبات البيضاء، وللأمل القادم لامحالة، فنسمو بمشاعرنا على الممل والاعتيادي والرصين والهادئ، ونحتفل مع المحتفلين بعيد الحب، ودعكم من حب الطبيعة، والمعكرونة، والعلاقة الوطيدة مع قهوة الصباح، والشمس في طلتها الأولى، والكلمة الطيبة، ومحبة الوطن، وعاطفة الأمومة، ونظيرها من الأبوة.. إلخ ولنتركها مؤونة سنواتنا العجاف.. أنا أقصد الاحتفال بالحب في جدليته الأولى بين أنثى وذكر، والمعنى الأقوى والأشد حماقة ولوعة وروعة، ذلك الذي يحول المرأة إلى سرب عصافير، ويمنح الرجل طاقة سيارة حديثة بدفع رباعي. نحتاج يوما نحتفل فيه بالحب كضرورة، تماما كما نحتاج باقي المواسم والأعياد، لنقيس درجة رومانسيتنا، أو ما بقي منها بميزان حرارة القلب، ولنصدق أن لا شيء يفني الحب، وأن الحب في زمن الكوليرا أمر وارد ومقبول بل يمكن حدوثه.. حري بنا هذا الصباح أن نعبر إلى الحب، كي نقنع أنفسنا على الأقل، أننا بما تبقى من إنسانيتنا المخترقة بالموت والحرب والخوف، لم نتحول نهائيا إلى بهائم في حقل برسيم.

15 فبراير 2009

الكاريزما .. النجومية أم المحبة؟


يطلق على الحضور المؤثر اسم «الكاريزما»، التي ان لم تأت بالفطرة فيمكن تعلمها من خلال دورات تدريبية، والكاريزما بشكلها الرباني هبة وميزة لدى بعض الاشخاص، وهي في حدها الاعلى اذا ترافقت مع القدرة على الخطابة، قد تقود المرء لأن يصبح زعيما سياسا شرط ان يكون في دول لديها امكانية ان يصبح المرء زعيماً دون الحاجة الى دبابة، أما في حدها الادنى، فهي الحصول على القبول لدى الاخرين والتأثير بهم.. ولعل المبيعات الدائمة لكتب «ديل كارينجي» حول التأثير بالناس، وكسب الاصدقاء، وفن الخطابة، خير دليل على حاجتنا الملحة الى قبولنا عند الآخرين، وهناك معاهد ومدربين لتعليم مهارات الاتصال تلك.. لكن هناك أشخاص يميلون إلى المبالغة حد ذوبان شخصياتهم، في سبيل نيل كلمات الاعجاب والمديح، ولو على حساب صدقهم مع ذواتهم، أوعلى حساب الظهور بأقنعة لا تناسبهم.على صعيد الفن، هناك مفهوم آخر لا يبعد كثيرا عن ذلك هو «النجومية» والتي تحولت الى صناعة بالكامل، اذ يترك الفنان نفسه لخبراء ومدربين ومستشارين ليحولونه الى صورة لافتة، وتساهم شركات الانتاج ووسائل الاعلام المقروء والمسموع والمشاهد في تأكيد هذا الحضور كـ «رمز» فني، وكجزء من الحلم الشعبي للشارع العام.. ولتعذرني (الكربوجة) نانسي عجرم، وزميلاتها من جميلات هذا العصر، الا أني مازلت مفتونة بفناني «الزمن الجميل»، وعند ضرب مثال عن النجومية، لا يخطر على بالي الا سندريلا الشاشة سعاد حسني، التي ومن دون تكلف تخطف القلب والعين.. لكن النجومية كائن مستبد، والزمن والمنافسة هاجسا الفنان أمام ذاكرة سيئة لجمهور ينسى سريعا.. وغالبا ما يدفع الفنان من حياته الشخصية ثمناً باهظاً للمحافظة على وجهه الجميل أمام آلاف الناس، وكلنا يذكر اكتئاب سعاد حسني بعد أن داهمها المرض والهرم، حتى ماتت بطريقة لا تناسب عالمها السحري الذي كانت عليه، سواء كان الأمر انتحاراً أو غير ذلك..!اذن. السعي الى القبول بين الآخرين أمر صحي في حالاته الطبيعية، ويصبح لعنة حين يتحول الى عصاب في التشبث والتهالك بغاية الارضاء.يبقى أن صناعة الحضور الشخصي أو الكاريزما الخاصة، أمر بسيط في حياتنا العادية، ومتاح لكل من يريد ذلك دون أن نكفل لأحد النجومية الفنية والاعلامية، ويمكن تلخيصه بــ: الصدق في محبة الآخرين.. فالمحبة عدوى.

26 يناير 2009

الضحك الاسود

أحياناً لايتطابق تفسير الألوان وتدرجاته وفق علم الفن التشكيلي مع معرفتنا، إذ أن الأبيض مثلا ليس لوناً، بل هو حياد وضعف وسكينة، وهو أيضا لون المستشفيات ورمز الموت، أما الأسود فهو لون السلطة والقوة والوقار، ويرتبط بالخوف والغضب والحزن والثورات، وفي الوقت الذي تلبس فيه العروس التقليدية عندنا ثوباً أبيض علامة الطهر، فان العروس الهندية تتزين بثوب أحمر، أما في جزيرة (جاوة) فإنها تصبغ أسنانها بالأسود..! وهي فروق كبيرة تماما كالفرق بين الكذب الأبيض والأسود، ومابينهما من درجات لونية تتجاوز أحياناً ألوان الطيف السبعة، ولكن التقسيم الاخلاقي لايعترف إلا بالأقصى من كل شيء ويغض النظر عن باقي الألوان، فالكذب الأبيض مجرد (طبطبة) يد حانية على الكتف، وله ضرورته الحتمية للتخلص في لحظة( الزنقة) من الإحراج، فيما يعتبر الكذب الأسود شرير بفك مفترس، وهو يؤدي مهمات غير نزيهة بالمرة، لتحقيق المصالح مهما كان الثمن. قياسا لهذا بذاك تتنوع أيضاً درجات الضحك تبعاً لأسبابه، فهناك الابتسامة الزرقاء الفاتنة، والصفراء المتشفية، والرمادية المجاملة، والبيضاء الصافية، والبلهاء التي لا أعرف لونها، لكني أعرف أن الطفل الرضيع يبتسم مغمض العينين دون سبب محدد، هذه القابلية الفريدة تتناقص مع مرور الزمن ومع تخشب عضلات الفك، فكلما تقدم بنا العمر قلت فرصنا مع الضحك بأشكاله، ابتداء من الابتسامة وحتى القهقهة، ويتضح هذا في عجز أقلامنا العربية على تقديم كتابة ساخرة تتناسب على الأقل مع ماتقدمه من وجبات النكد اليومية، ولعل برنارد شو هو أشهر من أطلق الفكاهات اللاذعة التي مازالت متداولة حتى الآن، ومن كتابنا العرب هناك الراحل محمد الماغوط الذي أزعج بمقالاته الساسة، ودفع ثمن روحه الساخرة تلك ملاحقات قانونية وأحكاما بالسجن، فتحت عنوان «طارت اسرائيل» قال الماغوط: «ان دولة عربية جديدة «اسمها (هموم فلسطين) تستيقظ من عز النوم، لتقول وهي تتثاءب، ان فلسطين دولة عربية، ولا يمكن أن تحل أزمة الشرق الأوسط، من دون الأخذ بهذا الرأي، ثم وضعت يدها تحت رأسها، وتابعت النوم».ان السخرية تحتاج إلى قدر عال من الإدراك، وهي فلسفة تحتال على الواقع بإبر مسكنة لمقاومة اليأس، وتفريج الكرب، وتخفيف الذبحات الصدرية، وتعديل نسبة المرارة، فتُضحك القارئ لاحزنا ولافرحاً، ولكن «مذبوحاً من الألم».

19 يناير 2009

عشر خيبات لمولود


أطرافكِ مقيدة وأضلاعكِ تؤلمك ، كنتِ محشورة بين الغضب والذل دون مساحة إضافية ولو بسيطة للتحرك .
هاأنتِ تصرخين ، وتكزين على أسنانك غيظاً وتعاودين الصراخ بعلو صوتك ، لكن لا حظ لحنجرتك الناشجة .. لن يغيثوك . تصلك ضحكة أمك المجلجلة فتتميزين قهراً ، لماذا لا تشعر بآلامك ؟.. ألا تملك قلب أم ؟ .
لو أنها ربتت على أوجاعك يوماً .. لو سمحت لك بضرب قدميك على الأرض احتجاجاً وصفق الأبواب غضباً ، لهربت من فخ التهذيب المزيف إلى فضاء المشاكسة المغري ، لكنها لم تتقن شيئاً إتقانها للوعظ وإسداء النصح الخرقاء .
لطالما سمعتها تقول : " في مجتمع أصم لا فائدة من لسان بليغ ، إياكِ أن تجعلي من نفسك النعجة السوداء " .
تفوح تلك الرائحة النتنة التي ترافق الموت عادة ، لتثير في رئتيكِ زوبعة لا تستطيعين لها منعاً ..
كنت قد شرعتِ في البكاء حقاً حين هزتك يدها لتوقظكِ . جاهدتِ كي تنفصلي عن ذاك العالم وتستجيبي لتربيتها اللطيف .
زال الاختناق .. إذن كنت تهذين ، لكن مازالت تلك الرائحة الخانقة تنبعث من مكان ما وتحاصرك . تفتحين عينيك ببطء شديد . الغرفة واسعة وبيضاء كغيمة صيفية تعبق بأنفاس الزهور . حولك باقات عديدة موزعة هنا وهناك في مواجهتك أكبرها على الإطلاق تحمل اسم سعد " زوجكِِ " .
في يوم زفافك ، قبل خمس سنوات وأربع أشهر وأسبوع من الآن ، كانت هذه الزهور أو أخرى تشبهها تملأ المكان ، حتى ثوبك كان موشى بزهر الأقحوان .. هاأنت تتذكرين التفاصيل الرقمية دون أدنى خطأ . تستعيدين صوته : " إنني أحب الورود وأنت أجملها "
ذاك ما قاله لك سعد يوم كان يغازلك لوجه الحب وحده .
إلى اليسار الممرضة النحيلة التي تطفلت على كابوسك فأيقظتك .. تتطلعين إليها باستغراب حقيقي .
أيقظتكِ المسكينة ، كما تحتمه عليها أصول المهنة : افتعال حنان لا تخفي برودته .
حين التقت نظراتكما ابتسمت هي ، فانكشفت أسنانها الصفراء المتماشية كثيراً مع بشرتها الشاحبة .
قالت ، وهي تجس بطنك المنتفخ :
" الحمد لله على السلامة ، كانت ليلة البارحة متعبة حقاً ، نزفت كثيراً ، فأنت لم تساعدينا لتخففي عن نفسك آلام المخاض " .
كنت تقولين لها إنك تتألمين حين لمحتِ خلفها سلة مبطنة بقماش لمّاع أزرق ، مزينة بأشرطة ملونة كثيرة تشبه سلال الهدايا التي تنسق فيها حبات الحلوى، وإن كانت أكبر منها قليلاً ..
ساعدتكِ كي تنهضي من استلقائكِ ، ثم حملت إليك لفة قماش كانت مختفية داخل السلة المزركشة ، ووضعتها في حجرك .
رفعت يدك المتكلسة كي تسندي رأساً صغيراً ظهر من فوهة اللفة فأصابتك من ملامسة الجمجمة الصلعاء برودة مفاجئة .
قالت الممرضة وهي تبتعد : " حاولي أن ترضعيه .. هو أيضاً متعب وربما جائع " .
انسلت منسحبة وأغلقت الباب خلفها .
ها أنتما معاً .. في غرفة بالكاد اتسعت لكما وحدكما ، إن له لون اللفت الذي تحتفظ به أمك خلف المدفأة قبل أن يتحول إلى مخلل . كان ضائعاً داخل ثوب طويل كفاه مطبقتان وعيناه كذلك .
لإطعامه ، توجب عليك أن تفكي أربعة أزرار من منامتكِ وتقربيه إلى صدرك ، لكنك لازلت تحدقين في تفاصيل وجهه الآسرة ..
ملامحه تذكرك بوسامة سعد الممضة . تسللت إليه برودتكِ التي ازدادت صقيعاً ، فتح عينيه وشرع في البكاء . أيقنت أنه يشبهه تماماً ، حتى مسام جلده بدأ ينز الرائحة نفسها : رائحة زهور .
تابعتِ حل كل الأزرار التي تبقي ثوب نومك عالقاً بك .. انزلق بسهولة عن كتفيك .. لمعت الفكرة في حمى رأسك ، دون أن تقاوميها .. تخلعين منامتك ، وترتدين ثياب الخروج الواسعة المعلقة فوق المشجب .
استجمعتِ كل ما يلزمك من جبن كي تصمي أذنيك عن صراخ الصغير الذي يزداد ارتفاعاً وحدة ،
يا لتلك الحنجرة ! لعله اكتشف خططك للرحيل . كان ذهنك مشتتاً وأفكارك فالتة ..
أنتِ أيضاً كنت تبكين و تستحين من ذرف دموعكِ أمامهم . لم تطيقي آلامك التي تتعرضين لها ، في كل مرة تتمددين فيها أمام مجموعة الأطباء على اختلاف أسمائهم ، تنكشفين أمامهم والخجل يقتلك ، ودون أي كبرياء تصرحين بأدق أمورك السرية ، يحاولون جهدهم لجعل رحمك اليابس يتقبل زرع البويضات المُخصبة ..
حُشرتِ بين المطرقة والسندان .. أفظع الأوقات حين يرن المنبه ليعلن عن مواعيد الحب .. طفل الأنبوب أشد عناداً من ثور ، ثم لابد من دفع الفواتير الكثيرة كيفما كانت النتيجة .
كانت أمك تهمس في أذنك مواسية :
" لا تكوني حمقاء يا ابنتي ، عليك أن تحاولي ولو مئة مرة ، فالأطفال بالنسبة إلى الرجل أكثر أهمية من الزوجة ، ألا تحبين سعداً ! إنها الطريقة الوحيدة للاحتفاظ به " .
انتظاركِ دون فائدة ، يسيل الزئبق رغماً عنك ، مادامت الصّدفة فارغة إذن لا قيمة لك ، سعد ينأى بوجهه ، تنطفئ عيناه ، ويؤكد لك الإحباط الذي تتصيدينه في ملامحه الواجمة إن ما تقوله أمك وأمه وجارتك هادية وحتى صديقتك رغد صحيح ، هم يمثلون مجتمعك فمن أنت حتى تشذين عن قوانينهم المقررة سلفاً . الرجال في العادة لا يشرحون وجهة نظرهم إنهم فقط يقطبون ، ذاك بالضبط ما واظب سعد عليه كل ليلة وكأنه يحملك ذنب القحط .
إنها الهزيمة التي لن يقبلها أحد .. بمن فيهم أنتِ أيضاً ، كنت تهزين رأسك مؤكدة أنك ستحاولين تكراراً .
يحاصرك الهدف : هدفهم ، لماذا يصير عليك أن تؤكدي رغباتهم دون احتجاج ولو مهذب بأنك تتوجعين ، وبأن الأمومة لا تعني لك أكثر من المعاناة ..
مرغمة تدورين في تلك الدائرة المغلقة ما بين المنزل وتلك العيادة أو أخرى .. لا فرق ، وما بين عناوين ومواعيد الإخصاب المسجلة في دفتر قرب رأسك .
تقطبين .. فما الذي استطعت عمله ؟ وهل كان ثمة حلول بديلة ؟
تجرين قدميك المتعبتين ، لم ينتبه إليكِ أحد ، حتى الممرضة التي كانت تنتزع الصغير الذي سيشبه أباه عن صدرك وتعيده إلى سلته ، كأنك تمشين فوق الهواء وتلبسين طاقية الإخفاء ، وفيما أنت تخلفين باب المستشفى وراءك ، وتشيرين إلى سيارة الأجرة كنت تحصين في ذهنك ما مر بك : المرات الست الأولى خجل .. كل مرة ألم .. و عشر خيبات .
كانت نظرات السائق المتعجل المتصبب نزقاً تتسلط فوق تفاصيلك النائية ، فقد استغرقتِ من الوقت ما لا يطيقه صبره النافد . حبيبك سعد لم يتسع صدره ، فما بالك بالغريب ؟
يسطع النسيان ، تسبحين في عرقك ، كنت تبحثين في ذاكرتك المحمومة عن عنوان لا يسعفك تذكره ، لكنه الطريق الذي لا يضل عنه أحد .
يعود صوت البكاء إلى أذنيك الخدرتين .. يد باردة تتلمس جبينك المشتعل .. ترينها من بين أهدابك المتقاطعة مقطبة وشاحبة .
تقولين لها بأنك لازلت تتألمين .
سوزان خواتمي
25 /5/2001
نشرت في جريدة الرأي العام ليوم الأربعاء10/10/2001
من مجموعة ( فسيفساء امرأة)