16 يونيو 2016

ترمي طعمها الأول للقارئ…سوزان خواتمي في قبلة خرساء / نذير جعفر


تكشف عن كاتبة ...لها صوتها الخاص وحساسيتها ورؤيتها لما يحيط بها

اتخذت سوزان خواتمي عنوان قصتها «قبلة خرساء» عنواناً عاماً لمجموعتها الرابعة, وهذا يشير إلى موقعها الخاص في نفسها من ناحية, وإلى رغبتها في لفت انتباه القراء إليها من ناحية ثانية, وإلى ما تشكله من ثيمة دلالية تتقاطع عندها مجمل مناخات المجموعة من ناحية ثالثة. فإلى أيّ حدّ تمثّل هذه القصّة المستوى الفنّي الذي بلغته تجربتها القصصية, وما القاسم المشرك بينها وباقي القصص؟
أوّل ما يطالعنا في «قبلة خرساء» هو عنوانها الذي يثير التساؤل والفضول عن المعنى والكيفية التي تكون فيها القبلة خرساء, وعما توحيه هذه الاستعارة بإسناد الخرس إلى القبلة؟ ثم يأتي الاستهلال الشائق بصيغة ضمير المتكلم الذي يوهم بتطابق صوت الراوية مع صوت الكاتبة: «الحق يقال لم يأخذني عنوة, سألني ما رأيك؟ ..فسكت». يأتي بحمولته السيكولوجية الكثيفة وانفتاحه على أفق التوقعات, ليحفّز القارئ على القراءة والتفاعل مع النّص. وبذلك تكون الكاتبة قد رمت طعمها الأول للقارئ عبر العنوان والاستهلال ليشاركها لعبة الخيال. وثاني ما يطالعنا هو الحبكة الحديثة التي تكسر نظام التتابع الخطّي للأحداث, فتبدأ قصّتها من النهاية لتعود ساردة ما حدث للبطلة من البداية, وما بين هاتين المسافتين: النهاية والبداية هناك استرجاعات زمنية تضيء ماضي الشخصيّة: «قبل سنوات كنت في أوج مراهقتي, انحصر همي في لفت الأنظار». هذه الاسترجاعات التي تقتحم السياق الزمني للقصّة في لحظته الراهنة لتعيده إلى الوراء بين مسافة وأخرى تحرّر السرد من الرتابة والترهّل والنمطية, وتجعله أكثر ديناميكية وحيوية, كما تستدعي يقظة القارئ وتفاعله عبر انتقال ذهنه ما بين برهتين زمنيتين (الحاضر والماضي) في آن معاً. وثالث ما يطالعنا في «قبلة خرساء» ذلك التحوّل المصيري في حياة البطلة الذي تحدّد بما قبل «القبلة», وما بعدها. إذ كان من الممكن لحياتها أن تنقضي على منوالها كما تقول لو لم يحتجزها صاحب محل العطر الذي تعمل عنده ذاك المساء ويقفل باب المحل عليهما داسّاً في كفها أجرة «التاكسي»! وهذا التحوّل السلبي يكشف لها الكذبة التي كانت تعيشها من خلال قول صديقتها لها بأن القبلة ممتعة. وهي لا تعدو أن تكون في السياق الذي تمّت فيه سوى قبلة خرساء لاتطاق بلا روح ولا طعم! إن جمالية القصّة القصيرة لا تتوقف عند عناصر الاقتصاد اللغوي, والإيحاء, والتشويق, التي حرصت عليها الكاتبة, إنما هي تتعدى ذلك إلى رصد لحظة تحوّل مصيري, أو لحظة صراع نفسي داخلي في حياة الشخصيّة, وهذا ما بدا واضحاً في تركيزها على حياة البطلة ما قبل القبلة وبعدها. ورابع ما يطالعنا هو الفضاء المكاني الحلبي العتيق الذي يبتلع حياتها حيث يبدأ يومها منه وينتهي فيه, ما بين حيّ «العقبة» و«والسبع بحرات» و«باب النصر» و«حارة الكيّالي», هذا الفضاء الذي يستدعي تعليق القراءة والتأمل واستعادة الذكريات, لما يمارسه من سطوة على الذاكرة الجمعية لأبناء حلب. وهو لم يصوّر تصويراً سياحيّاً, بل جاء وصفه بما يعمّق إحساس البطلة بوحدتها, وبسوء مزاجها, وبما يفسّر فقرها, ورغباتها الدفينة, وبما يوهم بواقعية الشخصيّة وواقعية الحدث أيضاً. إن قصّة «قبلة خرساء» تتقاطع مع مناخات المجموعة برمّتها من حيث الموضوعات التي تتمحور حول المعاناة الصامتة للمرأة, كما في قصة «مواء», و«رقصة الفالس الوردية», و«أصابع بطاطا تحترق», و«نعي فاضلة». هذه المعاناة المشدودة بين قوسي الحلم والواقع, وما يخلفانه من ندوب عميقة في الروح والجسد. إن الكاتبة تعزّز مغامرتها الفنيّة في القصص الأخرى, فتوظف أشكالاً متنوعة للراوي ما بين المتكلّم والغائب والمخاطب, كما تستثمر العنونة الفرعية للأحداث وتناميها, وكذلك تقنيات الحلم, والاستباق, والاعترافات. كما تقارب فضاءات مكانية متعيّنة مثل حلب وبغداد, وفضاءات غير متعينة تسهم في تعميم الحدث والفكرة أيضاً. وخلاصة القول إن مجموعة «قبلة خرساء» على ما في قصصها من تباين واختلاف في المستوى الفنّي, تكشف عن كاتبة لها صوتها الخاص, وحساسيتها ورؤيتها الخاصة لما يحيط بها, كما تكشف عن دراية ومران ورغبة في الخروج عن المألوف, من دون مغادرة فضاء الواقع وما يعتمل ويصطرع به من تناقضات. ولعل ما تعد به هذه المجموعة لهو أغنى بكثير مما تم إنجازه حتى الآن, والرهان على ما ستقدمه سوزان خواتمي في المستقبل القريب.‏
جريدة الجماهير 
حوار الصحفي الناقد نذير جعفر

سوزان خواتمي تشبه كتاباتها : احمد المنشاوي

جرأة الكاتب هي التي تحيله إلى " النعجة السوداء "

سوزان خواتمي : وسواس الكتابة لا يفارقني لحظة !








سوزان تشبه كتاباتها .. ولا أقصد بالشبه النسخة الكربونية التي تؤكد لملامح الوجه .. إنما ذلك الشبه الأعمق الذي يؤكد الوهج الإنساني بين أفكار على الورق وإنسان يتحرك 
دم ولحم .. قليلون هم الذين يقنعوننا بحجم القيم التي يراد لها أن تصل إلى عقولنا .. ربما قلوبنا .. إن لم نصدقهم هم أنفسهم أولا .. عند مساحة تشغلها هي بتلقائية .. وعفوية .. وطفولة تأتي واحدة من كتيبة أصوات القصة القصيرة .. سيدة تحب كتاباتها ربما كتاباتها هي التي تحبها .. ببساطة متناهية .. هي سوزان خواتمي .. التي تشغل " الخط " على الأوراق التالية 


*
بعد هذه التجربة الإبداعية مع كتابة القصة ، كيف ترين موقعها كصنف أدبي ومدى تجاوب القارئ معها اليوم ؟


القصة القصيرة بصورتها الراهنة نوع أدبي جديد نسبياً ، من خلالها يجد الكاتب متنفساً مناسباً لقول ما يريده بطريقة خاطفة وسريعة تناسب إيقاع هذا العصر ، وهي مازالت تستوعب محاولات التجديد في أساليب السرد وتنوعها بالكثير من رحابة الصدر الأمر الذي لا تتيحه باقي أنواع الكتابة الأدبية .. 
هذا من جهة ومن جهة أخرى فالقصة القصيرة تجذب إليها و بذكاء فئة من القراء 
لا وقت لديهم لتقليب الصفحات الكثيرة ، عندها تصبح المجموعات القصصية قصيرة الأنفاس .. متعددة الأفكار .. متنوعة اللغة بديلاً مثالياً .
وأظن أن القصة القصيرة باتت تزاحم الرواية في التواجد ، وإن لم تستقو بعد على الشعر الذي مازال يعتبر مستودع مشاعرنا وهيامنا الأول .


*
هناك اتهام قائم يقول أن الأجيال الجديدة في الكتابة لديها مسؤولية في مسألة انقطاع العلاقة بين القارئ والأدب اليوم .. ما وجهة نظرك ؟ 


من خلال فكرتي المخالفة للسائد في تبادل الاتهامات و إلحاق اللوم بالآخر والتنصل من تبعات الأمور التي تحيط بنا ، أصر على أن كل منا يحمل جزءاً ولو بسيطاً من مسؤوليته العامة في الحياة .. مادام فرداً ينتمي إلى مجموعة يحاسب بما له و ما عليه كونه متفاعلاً وفاعلاً .. 
لذلك أقول الأدب يطرح الأسئلة ولا يقدم حلاً مما جعله – عند البعض - متهماً بكونه رفاهية لا تناسب وضعنا الراهن و من ثم اعتباره متنفساً غير واقعي وغير مجد أيضاً .. هذا ما أسميه الحلقة المفقودة بين الفكر والواقع .. 
إضافة إلى الطرق التقليدية والجامدة التي نسَّوق بها إنتاجنا الأدبي والذي يحتاج 
– بنظري - إلى بعض التغيرات بما يتناسب مع العصر ، للفت النظر والاستئثار باهتمام جيل جديد لم يعد يستهويه كثيراً كتاب مغلف فوق رف مكتبة بأكله الغبار .. في الوقت الذي يُِحاصر الكتاب – البائس - بفيض من مغريات التكنولوجيا واختراعاتها الحديثة ووسائل الإعلان عنها .
كل ما سبق يوصلنا إلى مسألة انقطاع العلاقة بين القارئ والأدب التي أشرت إليها .


*
كيف تتلمسين تعامل الواقع الثقافي على مستوى المحيط العربي مع نتاج القصة القصيرة ؟ 

هناك اهتمام مميز بنتاج القصة القصيرة من خلال الإعلان عن مسابقات دورية تتيحها أكثر من جهة ثقافية من مؤسسات نشر خاصة مثل دار سعاد الصباح ومؤسسات عامة ومنتديات أدبية إضافة إلى بعض الصحف المهمة والتي تتيح الفرصة للأقلام الواعدة وتلك التي لم تنل نصيبها من المتابعة .. آخر ما قرأت عنه نتائج مسابقة القصة القصيرة في صحيفة السفير اللبنانية وكانت قصصاً جميلة بامتياز .. هذا إلى جانب المهرجانات والأمسيات التي تحتفي بالقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً .. 


*
كيف ترين حركة النقد في موازاة الإبداع المكتوب .. وهل هو يشكل أهمية بالنسبة إليك ؟


مما لاشك فيه أن النقد بمعناه الحقيقي – الحيادي والمثقف والمتفتح - يغني التجربة الكتابية مهما كان نوعها ، ويضيء جماليات النص ، لكنه في غالبيته مرتبط بمجموعة معروفة من الكتاب الكبار على حساب التجارب الجديدة . 
بالنسبة لي شخصياً حظيت بالمتابعة من قبل عدد من النقاد المميزين الذين أشادوا بتجربتي في دراساتهم مثل الدكتور الناقد نضال الصالح في كتابه " القص النسوي في التسعينات " 
وأيضاً قراءة نقدية من الأستاذ الناقد نذير جعفر لبعض نصوصي القصصية قدمها خلال أمسية مشتركة بيننا .
لكنه أي النقد لا يلغي بالطبع أهمية التلقي الحميم لقارئ عادي لامست قصتي روحه دون تحليل أو تفصيل .. 


*
هل ثمة شخصية خاصة للكاتبة تحلق بها فيما يمكن تسميته بالاغتراب الداخلي عن الواقع المعاش ؟


يقول أدلين ميللر " الكتابة هي أكثر المهن بؤساً باستثناء مصارعة التماسيح " 
هل تبدو تلك المقولة مضحكة ، في الواقع ليست كذلك ، ولكن إلى أي حد يمكن اعتبارها صحيحة ؟.. 
الكتابة وسواس لا يفارقني لحظة واحدة إنه ارتباط وثيق وملازم حيث لا مفر ، فالكاتب عادة ما يكون رهن أفكاره الخاصة و متابعاته ، فإذا أضفنا عامل المزاجية نجد أن الكاتب مقيد إلى جدوله النفسي والذهني الخاص على حساب انخراطه في الحياة الاجتماعية ، ولأن الكاتب أكثر جرأة في الإعلان عن مخالفته للسائد والتقليدي و المعاش فسرعان ما يتحول إلى النعجة السوداء . 

*
لك تجربة في الأمسيات القصصية كيف وجدت هذه الأمسيات وما يمكن أن تضيفه للكاتب ومدى الاستفادة منها .؟


بعد أن اجتزت تجربة الخوف من القراءة الجهرية أمام الجموع ، بدأت الأمسيات تأخذ طابعاً خاصاً ، إذ أجدها نافذة و إطلالة تفاعل آنية بين النص المقروء و مثقف مهتم حضر خصيصاً للاستماع ، وربما للمداخلة وإبداء الرأي .. 
وأعترف فقراءة نص قصصي في أمسية ليست أمراً سهلاً على الإطلاق ، لأنها تحتاج إلى قدرة خاصة للمحافظة على خيط الانتباه مشدوداً طوال فترة القراءة و إلا ضاعت الحبكة وترابط الأحداث .. الأمسيات الأدبية والثقافية تجربة غنية للمشاركة الجمعية لا ضرر من الاستزادة منها ، فهي إحدى الطرق التي تساهم في التواصل بيني وبين قارئ لم يكن يعرفني قبل الأمسية .


*
من أين تستقي أفكار قصصك .. وكيف هي العلاقة بينك وأبطال قصصك وكيف تجيء لحظة الكتابة ؟


هي نظرة خاصة ومتأملة للأمور ومجرياتها حولي تجعلني قادرة على التقاط لمحة صغيرة تتحول إلى بذرة لقصة ستستوفي شروط بنائها لاحقاً ..
فمن الواقع أغترف الفكرة الأولية بعدها يأتي دور الجهد لأن كتاباتي قابلة للتعديل إضافة و نقصاناً ، حيث أني لا أستطيع كتابة نص كامل في جلسة واحدة ، هناك تقطيع مستمر وزمن طويل حتى أرضى عن القصة أو ترضى هي عني .. 
بعدها تبدأ معاناتي في اختيار العنوان المناسب للقصة ، والحيرة والاحتمالات لتبقى القصة لقيطة دون مسمى ردحاً من الزمن .. 
وأنا ككاتبة أتعاطف مع أبطال قصصي ، وأتقبلهم بخيرهم وشرهم بل أبرر لهم فعلاتهم وسقطاتهم ، أتحمل وزرهم لأنهم بطريقة ما جزء مني ، يخصني ، بيني وبين تلك الشخوص علاقة حميمة ، هم يكاشفونني فلا أسرار بيننا ، لذلك أنا أتحيز لهم بكل الأحوال .
لحظة الكتابة لا تجيء بل أنا التي أذهب إليها وهي مدللة تحتاج مني الهدوء والترتيب إنها طقس يومي ليلي عادة ، بعدها أشعر بالرضا والامتلاء .. إنه الوقت الأمتع وهو أجمل ما نلته من هذه الحياة .


*
ما الأفكار التي تشغلك ككاتبة وأقصد نوع الموضوعات التي تستهويك في الكتابة عنها ؟


رغم أن الكتابة الإبداعية - بالنسبة لي على الأقل - ليست قصّدية ، ولا تتم وفق قرار معين لأكتب عن هذا الموضوع أو غيره ، لكني كفرد يتفاعل مع محيطه مازلت أجد في الإنسان بكينونته وآلامه وحيرته و تناقضاته وعلاقته القدرية مع الحياة ميداناً خصباً أستقي منه عوالم قصصي .. 
و رغم ولعي بالقصة القصيرة فلي رغبة بدخول عوالم الرواية فأنا أتوق لفضاءات أوسع أنقل فيها مفردات البيئة وذاكرة الأمكنة التي عشتها والتي تشكل هاجساً بالنسبة لي بحيث يكون استحضارها تأريخاً من أجل تواصل إنساني حميم ، خاصة وأني مازلت أتحسس قلبي كلما كتبت نصاً عن الغربة والوطن .

*
كيف تنظرين إلى تعامل الإعلام في مجمل عمومه مع الإبداع الأدبي اليوم وبشكل خاص القصة القصيرة ؟


مازال الإعلام مقصراً في دوره المهم والأساسي في تفعيله لقضيتي الإبداع و الثقافة ، إذ لا يوجد اهتمام حقيقي أو خطة متكاملة ضمن رؤية واضحة لتسليط الضوء على الأعمال الإبداعية ، وبالتالي الإعلان عنها بطريقة جاذبة ، تحث على التفاعل والمشاركة من أجل رفع نسبة الوعي وتوجيه العامة للاهتمام بالشعر والقصة والرواية ، كما هو حال دور الإعلام في تسويق البرامج الترفيهية والغنائية- سوبر ستار وستار أكاديمي - ورصد ميزانية كاملة بهدف النجاح .
أقصد أن الإعلام المرئي والمسموع والمقروء لو أراد أن ينهض بالثقافة فلابد أنه سينجح .. ولو أضفنا تقصير دور المدرسة في تنمية عادة المطالعة ، وغياب المكتبة في أغلب البيوت لوجدنا أننا محاصرون في أضيق المواقع ، ثم نتعمد التساؤل ببراءة لماذا تتراجع أهمية الكتاب ؟ 



*
بين الكتابة والواقع كيف تفسرين لنا هذه المسافة التي تقف عليها سوزان خواتمي ؟


إن كل ما تقوله الحياة شفاهة يمكننا كتابته فوق سطور ، ونحن لا نشفى من ذاكرتنا ،
كما أن المخيلة طريقة ناجحة لكتابة الواقع كون الأدب بمجمله صورة عن حيواتنا منها نستمد لغتنا وشخصياتنا وأفكارنا .
في القصة لا يمكن للذاكرة أن تكون عبئاً لأنها جعبة القاص ولبنة بنائه الأولى لكنها قد تكون مزعجة حين تحاصرنا فكرة طاغية حينها لا فائدة ترجى من إهمالها عندها عليّ أن أكتبها مراراً و تكراراً ، لأن السبيل الوحيد للخلاص منها هو المزيد من الارتماء بأحضانها .
هكذا يتقاطع الواقعي والمتخيل والذاكرة مثل جديلة حيث لا يمكن لأحدها أن يستغني عن الآخر . ومابين ذاك الثالوث أحاول – ربما بسذاجة – إلقاء حجر في بركة واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي الراكدة .


أجرى اللقاء الصحافي والشاعر أحمد المنشاوي

ملاحظة: كان أول لقاء صحفي يجرى معي واعتبره الاحب الى قلبي، فللبدايات طعم الأبدية 


حوار مع الأديب والناقد السوري نذير جعفر

نذير جعفر: روايتي ليست تصفية حساب مع السلطة بل محاولة لفهمها


نذير جعفر، ناقد وروائي سوري، عاش في الكويت، وشغل منصب أمين تحرير مجلة «البيان» الصادرة عن رابطة الأدباء على مدى عشر سنوات. كما عمل محرّرا ومشرفا على الصفحة الثقافية في جريدة «السياسة». صدر له ثلاثة كتب نقدية، ورواية جديدة بعنوان: « تحت سقف واطئ». وهو الآن يقيم في سورية، ويعمل أمين تحرير مجلة «صروح» التي تصدر في اللاذقية. وقد أثارت روايته الجديدة كثيرا من ردود الفعل المتباينة، لكنها تصب جميعها في مديح جرأتها واقترابها من المحظور ومحاولتها نبش الماضي. ومعه كان لجريدة «النهار» هذا الحوار الذي أجرته في مدينة حلب. عنوان روايتك: «تحت سقف واطئ» ينفتح على دلالات متعددة. ما الذي أردته من هذا العنوان بالتحديد؟ 

عنوان أي عمل إبداعي يشكّل العتبة الأولى للدخول في عالمه ومراميه، ولا تتوقف وظيفة العنوان على ذلك بل تتعداه إلى إغواء القارئ، وجذبه، وممارسة تأثير خفيّ على آليات تلقيه للعمل. ومن هنا جاء اختياري لعنوان روايتي متناغما مع محتواها في التعبير عن سقف الحريّات المتدني، وسقف حياتنا المهدّدة بالاعتقال والقمع، هذا السقف الضاغط على الروح والجسد، والذي يحجب الرؤية ويعمي البصر والبصيرة، ويحوّلنا في ظل الرقابة السلطوية والدينية المتطرفة، إلى كائنات ممسوخة،لا تقوى على الحلم أو على تغيير شروط حياتها نحو الأجمل والأفضل.

بين السيرة الذاتية و«رواية السيرة» خيط رفيع. ما مدى حضور سيرتك وتجربتك الشخصية في عملك الروائي، لاسيّما أن الراوي الأساسي يتحدّث فيها بضمير المتكلم ما يوحي بالتطابق بينه وبين المؤلف الحقيقي؟

لكل روائي عالمه وتجربته ومرجعياته الذاتية، والواقعية، والتاريخية، والأسطورية وسواها. ولا يكفي أن يكتب بجرأة وصدق حتى يقدّم رواية. لأن التخييل شرط الفن الأول في تقديري. لذلك تتواشج التجربة الفردية مع المخيّلة لتبني فضاء روائيا بعناصره المتعدّدة من شخصيات وأحداث وصراع ومكان وزمان ومصائر متباينة في نهاياتها. وبقدر ما تتناغم التجربة الواقعية مع سحر المخيّلة، وتعدّد النبرات والأصوات في السرد، تحقّق الرواية أحد شروط نجاحها الرئيسة. لذلك فقد حاولت توظيف أطياف وملامح من سيرتي وسيرة عدد من أبناء جيلي مثل الشاعر الراحل رياض الصالح الحسين، والشاعر بشير البكر، في بناء عالم روايتي، ولكن في حيّز من التخييل الفنّي الذي لا يطابق بين صوت الراوي وصوت المؤلف الضمني أو الشخصية الحقيقية التي ينطق باسمها بأي شكل من الأشكال. وعلى هذا النحو فكل شخصية من شخصيات الرواية لها وجودها الواقعي ووجودها الفنيّ في الوقت نفسه، والذي يجعل منها في المقام الأول شخصيّة روائية.

تقترب في روايتك من مناطق محظورة، فتستعيد مرحلة السبعينيات ومطلع الثمانينيات في حلب مركّزا على الصراع الدامي بين السلطة من جهة والاتجاهات المتطرفة من إسلامية وماركسية من جهة ثانية. ألم يحدّ الرقيب الداخلي على فكرك من تناول هذه المرحلة الخطرة والمغلقة حتى الآن. ثم كيف سمحت لك الرقابة بطبع روايتك وتداولها؟

لا شك في أن للرقيب الداخلي على فكري ومشاعري وسلوكي دورا في تحجيم رؤاي، وتحجيم اختياراتي في السرد لكثير من المواقف والمشاهد والاندياحات، لأننا أبناء تربية شمولية، قائمة على الاستبداد بدءا من الأب في البيت، ثم المعلم في المدرسة، فالأعراف والتقاليد، وصولا إلى سطوة الدولة بأجهزتها ورقابتها. فقد يدفع الكاتب ثمن جرأته غاليا إن حاول التحرّر الكلي من الرقيب المعشّش في داخله. ولكن مع ذلك فلا بدّ من الجرأة والمواجهة في الحدود التي يتيحها الفن عامة والرواية خاصة. إذ ليس من الضروري وتحت ذريعة الجرأة أن أهاجم السلطة أو أشتمها، كما ليس من الضروري أن أصور لقطات جنسية أو إباحية، أو حتى أن أصور العلاقات المثلية، أو أمسّ بالثوابت العقائدية لأي دين أو مذهب. ولكن يمكن سرد كل ذلك بشكل فنّي غير مباشر، وبلغة شفّافة غير مثيرة للغرائز أو الأحـقاد, وأكون بذلك قد أوصلت رسالتي بطريقتي، وبأدواتي الفنية الخاصة. أما كيف سمحت لي الرقابة بطبع روايتي وتداولها على الرغم من حساسية موضوعها وأجوائها فذلك يعود باعتقادي إلى أن روايتي ليست تصفية حساب مع السلطة وماضيها بل محاولة لفهم هذا الماضي وآثاره، كما يعود إلى التوجه الجديد للرقابة من ناحية،وإلى جرأة القارئ الذي أجاز الرواية من ناحية ثانية. وقد يكون الأمر بمحض المصادفة. إذ لو وقعت في يد قارئ متزمت ممن تحال إليهم الأعمال في اتحاد الكتاب العرب لرفضها كما حدث لبعض زملائي. وقد أسعدني قرار الموافقة على النشر والتداول بعد انتظار طويل، وإلا لكنت سأطبعها في الخارج ما سيحرم أبناء بلدي من تداولها.

تنقلت ما بين سورية والكويت، وعشت ثلاث عشرة سنة بعيدا عن بلدك. أي أثر للمكان في كتابتك، وكيف تتعامل معه في سردك الروائي؟

أرغمت على البقاء أربع سنوات متتالية في الكويت خوفا من العودة إلى سورية وعدم السماح لي بمغادرتها لأنني كنت موظفا ولم تقبل الجهة المعنية طلب استقالتي. وفي هذه الفترة أصبت بما يسمى بالنوستالوجية ( الحنين إلى مسقط الرأس) فاكتشفت سحر المكان وجاذبيته, وكنت في أوقات فراغي أجلس وأرسم مدينة حلب بقلم الرصاص على الورق، أرسمها بكل أحيائها وأزقتها إلى الحدّ الذي كنت أندهش فيه من ذاكرتي العجيبة التي لم تترك تفصيلا مهما كان صغيرا إلا واستحضرته ! فالإنسان ابن المكان، والكاتب ليس بوسعه الكتابة من دون فضاء مكاني تتفاعل فيه أحداثه ويتحرك في جنباته أبطاله حتى لو كان يكتب رواية خيال علمي عن الفضاء الخارجي أو عن عالم السحر والجان، أو حتى عن حلم رآه. والمكان عندي لا يقدم بأبعاده الواقعية وأسمائه الحقيقية فحسب، بل بما تضفيه عليه كل شخصية من الشخصيات من ألوان ومشاعر تصل إلى حد التناقض أحيانا. وأعكف الآن على كتابة رواية جديدة تدور أحداثها في الكويت، ويلعب فيها المكان ببحره وصحرائه، بحضره وبداوته، بمواطنيه ووافديه، دورا رئيسا في توجيه السرد ومساراته. 

ما الذي تركته فيك الكويت ثقافيا وإنسانيا، وما مدى علاقتك بمثقفيها وكتّابها؟

الكويت منحتني فضاء حرّا تفتّحت فيه إمكانياتي وتعمقت خبرتي الحياتية وتجربتي الأدبية والنقدية. لكن حجم التناقضات الحادة الذي يعصف ببنيتها الاجتماعية تركت في الروح أسى لا ينسى. أما عن علاقتي بمثقفيها وكتّابها فقد مدّتني بكل ما هو جميل ونبيل، باستثناء بعض المواقف العرضية المؤسفة التي تعرضت إليها من بعضهم والتي كانت السبب المباشر لمغادرتي لهذا البلد الذي تعلقّت به أسرتي، وأحبته. وما زلت أحفظ الود والعرفان بالجميل لكل من تعرّفت إليه ووقف إلى جانبي في الأيام الصعبة. 

شغلت مهمة أمين تحرير مجلة البيان الصادرة عن رابطة الأدباء في الكويت على مدى مئة عدد. كيف تنظر إلى هذه التجربة الآن؟

البيان مجلة عريقة ولها حضورها قبل أن أعمل فيها، ولذلك كانت مهمتي صعبة فيها، لأنني كنت معنيا بالمحافظة على مستواها الرفيع من ناحية، وبإغنائها وتطويرها وتوسيع شبكة قرائها في الوطن العربي من ناحية ثانية. وقد أتاح لي التعاون الإيجابي والخلاق مع رئيس تحريرها د. خالد عبداللطيف رمضان، ومستشاريها د. خليفة الوقيان، ود. سليمان الشّطي، أن أنجز تلك المهمة الصعبة، وأصبحت «البيان» على كل لسان، فاستقطبت أقلاما مهمة، وامتد تأثيرها النوعي من الخليج إلى المحيط، حتى أن بلدا مثل المغرب كانت تطلب فيه شركة التوزيع ألف عدد منها ! وهو ما لم يتح لأي مطبوعة عربية أخرى حتى تلك المطبوعات التي تقف وراءها مؤسسات ودول لا جمعية نفع عام محدودة الإيرادات والإمكانيات مثل رابطة الأدباء. وبتقديري إن «البيان» تملك كل مقومات الاستمرار والنجاح لما لها من رصيد في وجدان كل مثقّف عربي، وذلك يتوقّف على الإدارة المتفرّغة، والدعم المالي المناسب، وتوسيع دائرة التوزيع. 

تشهد الساحة الثقافية السورية طفرة في كتابة الرواية، وهناك جيل جديد بدأ يأخذ مكانه ويخطف الأضواء. كيف تنظر إلى المشهد الروائي الحالي في سورية؟ 

تحاول التجارب الجديدة في الرواية السورية أن تخرج عن وصاية المنجز السردي الذي شكّلته كوكبة من الأصوات الروائية والقصصية على مدى نصف قرن بتنويعاتها وخطاباتها الفنيّة والإيديولوجية المتباينة. كما تضرب هذه التجارب عرض الحائط الترسيمات النقدية التي حاولت تأطير القصة والرواية وتحديد التخوم التي تفصلها عن باقي الأجناس الأدبية. فالمتأمل فيما قدّمه كل من فواز حدّاد، وإبراهيم صموئيل، ومحمد أبومعتوق، وفيصل خرتش، وممدوح عزّام، وخليل صويلح، وخليل الرّز، وروزا ياسين حسن، وخالد خليفة، وعمر قدور، ومنهل السرّاج، وسمر يزبك، وابتسام تريسي، وعبدالرحمن حلاق، في السنوات الخمس المنصرمة سيجد على الرغم من التحفّظات التي أبداها بعض النقّاد أن حساسية جديدة وتيارا مختلفا في الكتابة الروائية والقصصية بدأ يفرض حضوره وسماته العامة على الرغم من الخصوصية التي تتمتع بها كل تجربة بمفردها.

ولعل أبرز ما يميز هذا التيار ابتعاده عن النمطية وانحيازه إلى التجربة الذاتية في محاولة ( لتذويت ) السرد، وانفتاحه على المسكوت عنه اجتماعيا وسياسيا، وجرأته في مقاربة تابوه الجنس والدين والسياسة، والدخول إلى الأماكن المغلقة والمهمّشة، والتحرّر من سطوة الرقابة بكل أنواعها.

ويلاحظ في المشهد الروائي السوري المعاصر تنوّع الحقول التي ارتادها كتاب الرواية ما بين التاريخ وترهينه، والسيرة المستعادة، وصور المدينة بأبعادها الاجتماعية والعمرانية والتراثيـة، وأشكال الصراع المختلفة. كما استمرت البنى الفنية الكلاسيكية إلى جانب أحدث موجات التجريب فنرى الواقعية تتجاور مع الرمزية والغرائبية والتسجيلية، بين كاتب وآخر أو عند الكاتب نفسه أحيانا. وبالقدر الذي يبشّر فيه هذا المشهد ببروز أصوات وتجارب جديدة، وترسيخ أسماء أصبح لها حضورها، فإنه لا يخلو من بعض السلبيات التي تتمثّل في التهاون في اللغة، والاجتراء على استخدام العامية في الحوار، والميل إلى الانثيالات الشعرية التي تضعف بنية السرد وتحيد به عن مقاصده، والغموض المصطنع أحيانا تحت ستار التجريب ومشروعيته الفنية. 

لك كتابان في النقد: «رواية القارئ» و «ملامح من المشهد القصصي والروائي في الكويت». والآن انتقلت من النقد إلى الإبداع، فما سرّ هذا الانتقال، وكيف تجد تقبّل المبدع للنقد الموجّه إلى تجربته؟

بدأت قاصا ومازلت أكتب القصة وإن لم أصدر مجموعة بعد، وقد استأثر السرد باهتمامي في المقام الأول لأنني ابن بيئة وثقافة شفوية مشبعة بحكايات الشطّار والجنّ والسحرة التي ألهبت مخيّلتي في الطفولة. لكن نتاجي النقدي جاء مواكبا لدراستي العليا للغة العربية وآدابها وبتأثير هذه الدراسة. وأنا أحاول أن أجمع بين مخيّلة وإحساس وذائقة المبدع وعقلانية الناقد في كل ما كتبته من قراءات ودراسات نقدية. ولأنني أنطلق من منظومة فكرية جمالية متكاملة فقد ساعدني ذلك على مقاربة بعض الأعمال الشعرية وبعض الأعمال التشكيلية أيضا، لكن الرواية تكاد تستحوذ الآن على مجمل نشاطي ونتاجي النقدي والإبداعي. أما عن تقبل المبدع لما يقوله الناقد في تجربته، فإنني أعتقد بأن كل مبدع أصيل لا يخشى النقد بل يتفاعل معه، ويتعلّم منه، أو يتجاهله على أقل تقدير. لكن المبدع الطارئ يحاول إثارة الزوابع والنيل ممن لا يمدحه، ويجعل من النقد والنقاد دريئة لسهامه، وهو ما نراه مستشريا في ساحتنا الثقافية. 

بعض الروايات الصادرة حديثا نالت شهرة واسعة مع أنها ساذجة شكلا ومحتوى. ما تفسيرك لهذه الظاهرة، وهل للقارئ من دور في ترويج وتسويق العمل الأدبي؟

رواج بعض الروايات الساذجة تعبير عن الفقر المعرفي، وتدني الذائقة الفنية، وهو ما نراه أيضا في رواج الأغاني الهابطة. فالقراء العاديون قد يروّجون لرواية لأنها تتحدّث عن مجتمع مغلق وتكشف أسراره وأسرار بناته، بغضّ النظر عن مستواها الفنيّ. لذلك لا يعدّ الرواج مؤشرا حقيقيا على قيمة العمل الروائي، إلا إذا اقترن هذا الرواج بدراسات نقدية تكشف عن بنية العمل ومحتواه وتقنياته، وتضعه في موقعه المناسب من المشهد الروائي السائد.

هل للثقافة جنسية محدّدة، كأن نقول الثقافة الكويتية أو السورية أو الفرنسية وهل ينظر إلى العمل الأدبي من خلال انتمائه لمكان محدّد أم بالقياس إلى الثقافة الإنسانية عامة؟. 

ليس للثقافة جنسية محدّدة، ولكن لها خصائص أو سمات محدّدة تطبعها بطابع البلد أو المجتمع الذي تنتمي إليه. فالثقافة الإنسانية واحدة، ونحن نقرأ ونتأثر بالمسرح اليوناني كما نتأثر بالرواية الروسية والشعر الفرنسي، لكن ثقافتنا ونتاجنا الإبداعي له خصوصيته التي تميزه عن سواه من الآداب العالمية. وفي تقديري إن العمل الأدبي ينظر إليه من منظارين: الأول من خلال انتمائه المكاني وما يشكله قياسا إلى التجارب المجايلة أو المماثلة له، والثاني من خلال موقعه من تطور الفنون الأدبية في الساحة العربية والعالمية أيضا.


نشرت في جريدة النهار الكويتيةجريدة النهار

اسماعيل فهد اسماعيل : الرجل الوفي للكتابة



الرجل الوفي للكتابة:

لا بدَّ من الاعترافِ بأن قصوراً شديداً في الاهتمامِ يمارسُ على الأدباءِ والمثقفين مقارنةً بما هو الحال عليهِ في الدولِ الأخرى، فمازال إيفائهم ما يستحقون من شكرٍ وما يحتاجونه من فرصِ تفرغ، ومأسسة كل ما يتعلق بالنشر والتوزيع والترويج، يمثلُ مجردَ اجتهادات محدودة، وغيرَ مؤثرة في الحركة الأدبية الثقافية.. الأمرُ الذي يؤدي إلى انهاكِ الكاتب من جهة.. وضَعفِ دورِه من جهة أخرى.

مؤخراً جاءت الجوائزُ لتخلقَ مناخاً جيداً ومهماً ليس على صعيدِ الانتشارِ وخلق روح المنافسة فحسب، ولكنها منحتنا فُرصةً طيبةً للالتقاء والاحتفاء بأدبائنا والامتنان لهم أولئك الذين يحملون همَّ الكتابة ويتحملون عناءَها، فالكتابة عملٌ شاق . أو كما يقول اسماعيل فهد اسماعيل (الكتابةُ مجاهدةٌ).

أتشرفُ اليومَ معكم بالاحتفاء بمثقفٍ يحمل على كاهله عبءَ الكتابةِ، يرتحلُ في النصِ وفي الإنسانِ. أديبٌ غزيرُ الانتاج بلغ عددُ كتبه ( 42) اصداراً.. حالمٌ.. يهدمُ الواقعَ ويبنيه من جديد.. أسس لروايةٍ غير تقليديةٍ.. لجأ إلى تنويعِ التكنيك والاسلوبِ مجدداً ومجرباً في البناءِ السردي والمشهديةِ السينمائيةِ ومسرحةِ الرواية، والاشتغالِ اللغوي ...أضافَ إلى المكتبةِ العربيةِ أعمالاً أرّخت لأحداثٍ ووقائعَ وعاداتٍ واسقاطاتٍ نقدية، ما جعلَ اسماعيل فهد اسماعيل أبَ الرواية الكويتية.

اسمحوا لي أن أسميهِ الرجلَ الوفيَ للكتابةِ. تنوعَ رصيدُه الأدبي بين السردِ الروائي والمجاميعِ القصصيةِ والأعمالِ المسرحية والنصوصِ الدرامية والدراساتِ النقدية، ولكن تبقى الروايةُ – كما يعترف - هوى قلبِه. يقول في إحدى الحواراتِ معه: كلُ شيءٍ يؤدي إلى الروايةِ، ففيها متسعٌ لطرح كلِ القضايا، التي تنوعت فتناول حيوات الغرباء والمسجونين والمقموعين والمهمشين والمطاردين والضعفاء والمستضعفين..

في رأيي الخاص، بأن ما يجعل اسماعيل فهد اسماعيل قادراً على هذا التنوع والاشتغال، هو ما يتيحه لنفسه من الاختلاط بالناسِ والثقافاتِ، فإسماعيل كما يعرفه الجميع عاشقٌ حقيقيٌ للسفر، وربما بسبب ترحاله منذ نشأته الأولى مقسوماً بين بلدين هما العراق والكويت، وأسفاره اللاحقة التي يقصد بها دولاً ومدناً وحواضر تتوزع بين الشرق والغرب استطاع أن يتماهى مع المجتمعاتِ والثقافاتِ الأخرى ويعود من رحلاته التي تطول وتقصرُ وفي جعبتهِ السردية أشكالاً مختلفةً لماهية الحياة، يجدد ذاكرتَه بأجواءَ وأفكارٍ وحكاياتٍ ومنمنماتٍ بصريةٍ ينقلها لنا لنعايشُها في رواياته.

هذا الولعُ بالأمكنة والتنقل يعكس في وجهه الآخر قضيةَ الهويةِ، ليس بمعناها التجريدي والتعريفي إنما بكونها شعوراً وممارسةً، أيضاً يقول اسماعيل بأنه لم يستعد إحساسه بأنّه كويتيٌّ مائة بالمائة إلا أيامَ الغزوِ الصّدامي لينضم الى المقاومة وبعد التحرير سافر الى الفليبين وزادُه حقيبةٌ وأوراقُ صديقِه اسماعيل شموط ليكتب خلال 7 سنواتٍ سباعيته.

لماذا الفليبين ؟ سألتُه. فأجابني بأنه كان يحلُم ويخططُ ليتقاعد في سن الخمسين في أحد البلادِ الاستوائيةِ، من أجل ذلك الهدف عمِلَ في التجارةِ ليوفّرَ لنفسه ما يستطيع به تحقيق حُلمِه والتّفرغِ للكتابةِ، وقعَ الغزو ولم يكن قد بلغ السنّ الذي حدَّدَه، لكنه في تلك الفترة العصيبة بدّد جنيَّ عُمرِه، وبعد تحرير الكويت جاء قرارُه بأنه الوقتُ المثاليُ للخطوة نحو الحلمِ، سافر إلى أوروبا ومنها إلى الفيلبين أسس هناك شركةً لسيارات الأجرةِ العمومية، وغامر مع أصدقائه، ففي البلدان المزدحمة يسهلُ نجاحَ المشاريعِ الصغيرةِ. أنهى مسوداتِ الرواية وبقي في الفلبين.. ولعلمِكُم يخطط الآن ليتقاعد في الثمانين ويقيمَ في بلد استوائي.!
الجانبُ الشخصي الذي أحبُ التحدثَ عنه، هو بدايةُ معرفتي بأستاذي اسماعيل فهد اسماعيل في رابطة الأدباء، حيث صادفته لأول مرةٍ ودار بيننا حديثٌ لا يتسقُ مع اللقاءاتِ المرتبكةِ الأولى، تذكّر اسمي من خلال القصصِ التي كنت أنشرها في الصحافة، كان بعيداً تماماً عما يفتعله بعضُ الأدباءِ حين يصابون بداءِ الغرور، كوّنَ عندي صورةً بأنه الصديقُ الذي يمكن أن ألجأ إليه في كل ما يخص الكتابة كرأيٍ واستشارةٍ. وبقيت تلك الصورةُ لصيقةً به في كل لقاءاتِنا لاحقاً، ومازال يسألني عما كتبتُ ويقرِّعُني لكسلي ويحثُني بمحبةٍ على الكتابة.
اسماعيل فهد اسماعيل كاتبٌ نبيلٌ، ومثقفٌ لا يترددُ بإبداءِ الرأيِ ولا يبخل في تقديمِ المعلومةِ ولا يقتصدُ في التشجيع، أعلمُ أنا شخصياً ذلك.. ويعلم أغلبُ الحضورِ هنا ما أعلمْ.
ما بين عام 1965 حين صدرت له أول مجموعةٍ قصصيةٍ ( بقعةٌ داكنةٌ ) وحتى آخرِ عملٍ منشورٍ (الظهور الثاني لابن لعبون ) يبقى اسماعيل فهد اسماعيل علامةً روائيةً فارقةً في سماء فنِ الروايةِ.
نفرحُ جميعاً لنيله جائزةِ العويس التي استحقها (الرجلُ الوفيُ للكتابة)... ولنا أنا وأنتم أن نتقاسمَ الاعتزازَ به..




سوزان خواتمي
مشاركتي في حفل تكريم الروائي اسماعيل فهد اسماعيل
الذي اقامه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بمناسبة فوزه بجائزة العويس الثقافية

15 يونيو 2016

نعي فاضلة






الآن وقد عرفتْ تنفست الصعداء؛ أغلقتْ أوراق الجريدة؛ أخلدتْ إلى الراحة؛ ما عادتْ مضطرة للركض، فالوقت أكثر من متاح، وهو منذ اللحظة كافٍ، مطاطٌ وطويل.
ستستريح، وستنام ساعات متتالية دون أن يقلقها رنين منبه. تبًا لدوامها الصباحي، ولوجه مديرتها القاتم باستمرار، وللمواعيد العاجلة والطارئة التي لا يمكن تجاهلها.
أخيرًا ستكون مع نفسها ولنفسها، من دون أن يشق الضوء جفنين مغمضين يغالبان النعاس، ومن دون أن تضطر مرغمة لبدء مشوار الركض والاحتمال.
امتحانات الصبر التي تدخلها لا تقل عن ثلاث مرات يوميًا، تحصي ذلك منذ أعوام. الآخرون خصوصًا أولئك الذين يحبونها، يعرفون كم تضبط أعصابها، لذلك يتكئون عليها، يستنفدون كامل طاقتها، دون أن يلوموا أنفسهم، فهم متأكدون أنها ستحتمل.
الخبر مكتوب بالخط العريض، إعلان يشغل الزاوية اليسرى من الصفحة. الأيسر زاوية القلب، قلبها المتعب ظل يعاند ويكابر حتى ضاق تنفسها، واختلجت أطرافها، ازرقت أظافرها، ثم أغمي عليها مرتين متتاليتين..
قال لها كامل: إشارة خطر، والدكتور صاحبنا لن يأخذ (كشفية).
الدرجات الثلاثون التي كانت تصعدها بخفة فراشة لتصل قبل أي من أولادها، صار يستغرق منها ردحًا بين التلكؤ والراحة. تلتقط أنفاسها عند البسطات، أحيانًا تدخل عند جارتها المطلقة أم ربيع  فتشرب معها عصير الليمون المركز مذابًا بكم وافر من الماء، ينعشها، تستريح لبرهة، تحكيان عن كل شيء وعن لاشيء، وحين تتبادلان عبارة ( اللهم احفظها علينا نعمة) تكون بمثابة إشارة تعني انفضاض المجلس .
- بخاطرك..
- مع السلامة..
- ابقي ضلك طلي..
لا شيء يفوق الصحة أهمية، هذا ما يدركه المرضى عادة. حين كانت بلياقة بطل ملاكمة، تجر خلفها قطارًا من المسؤوليات، استهترت بإرهاقها.
يخيفها الألم، واحتمال ارتمائها في الفراش، المقعدون تتفسخ جلودهم، ويقرض الدود خلاياهم الحية، تنز قروحهم صديدًا، فتنبعث رائحةٌ نتنةٌ، وهي تعلم مقدار كسل زوجها ودلاله لنفسه، وتعلم أيضًا أن ابنتها  الصغرى مصابة بمرض القرف، وأن ابنيها يفضلان لعب الكرة أكثر من تقليب جسد مريض، من طرف إلى طرف. لن يعتني بها أحد، لذلك استقبلت الخبر بهدوء بالغ، بل إن ابتسامة طفيفة اختلجت بين شفتيها حين قرأت اسمها( سمر بنت الحاج عادل قرقفي زوجة المحامي كامل رضوان السيد.)
سمر، بحروف ثلاثة غير منقوطة، اسم سلس  لأقل المخلوقات عبئًا، لا يهابها أحد، حتى زوجها الذي ارتبط بعلاقة مع جارتها، اعتاد أن يشرب العصير عندها، خذلها، كما فعل الحزن والمرض ، وقبلهم جميعًا أمها التي خذلتها حين تركتها صبية صغيرة، وأقامت مع زوجها الثاني في فرنسا. لحقت هوى فؤادها، لا تذكر أنها لامتها، إلا حين كانت تخلد للنوم في غرفتها المهملة في بيت أخيها حيث أودعتها، قبل أن تنتقل إلى بيت الزوجية، فترتاح زوج أخيها من همها.
كانت متهمة بأنها السبب الأوحد دون احتمالات ثانية للخناقات والمشاكل في البيت، لم تحتج يومًا، تعودت أن تتصل شهريًا بأمها، لتطمئنها عبر خطوط البرق والهاتف وعلى نحو منتظم. تضحك حين تربط الموعد بوقت دورتها الشهرية كي لا تنسى. أمها كائن رقيق لا تحتمل النكد، لذلك كانت تروي لها في كل مرة نكتة تحفظها خصيصًا لتقهقا معًا. صوت أمها حين تضحك يشبه تغريد بلبل، سيتعكر مزاجها بنبأ موتها، وستركب الطائرة متحملة مشقة السفر البعيد لتأتي مجللة بملابس سوداء تليق بجسدها الممشوق.
كانت تغار منها وتلومها، دون أن تعلن ذلك، لأنها لم تورثها قامتها، بل تركتها ل(جينات) أبيها في قصر القامة والسمنة، تتمايل مثل البطة.
الفجيعة أصغر حين لا تفتح عينيك جيدًا عليها. هذا ما تفعله غالبًا مدعية أنها عمياء حتى حين تكون وجهًا لوجه أمام موتها وفنجان قهوتها الذي لم تنهه بعد.
تركت كل شيء على حاله، أزف الرحيل، وانتهت المدة التي ظنت أنها لن تكفيها.
من المتوقع أن تجد ثغرة في السماء تنفذ منها. لا مجال للخطأ، فالصحف لا تصدر إلا الأخبار الصادقة، وهي تتبع كل شاردة وواردة فيها، تبحث عن الأسرار الصغيرة، تقرأ فضائح الصفحة الأخيرة بلهفة حتى ما عاد هناك ما يفاجئها، تخثر دمها على مر الوقت والتجربة.
حين ينسل زوجها من جانبها، تعرف أنه لن يخرج من بوابة العمارة، وتعرف أنه سيعود بعد ساعة أو أكثر لاهثًا بوجه أحمر وعينين لا تنظران مباشرة إليها.
الصفحة الأخيرة وهامش طويل من حقارات دنيوية: اغتصابات.. حوداث.. خيانة.. قتل.. سلب.. سرقات حدثت، وهي مثل دودة لا تترك سطرًا لا تنبشه.
لم يدهشها اسمها في صفحة الوفيات، بقدر ما أدهشتها المساحة التي شغله إعلان وفاتها، كامل رغم بخله تكلف مبلغًا محترمًا. يبدو أن الأحزان تحتاج إلى مواقفَ جليلةٍ تناسب هيبة الموت، موتها مثلاً، خاصة أنها في مقتبل العمر، ومأسوف على شبابها. من مصلحة زوجها أن يعرف الجميع أنها غابت، ربما ليؤكد لنفسه أنه حرٌ من جديد، وأنه غير مضطر من الآن فصاعدًا أن يقطع الدرج قفزًا.
كلاهما يأتي على غفلة منا: الموت والولادة.. 
هذا ما يؤكده الجميع بشكل نظري تمامًا، صراخ البكاء الأول، وحشرجة الأنفاس الأخيرة التصرفان الوحيدان غير المفتعلين، دون ادعاء أو مراضاة لأحد. التمهل يناسب الجميع، ويناسبها كذلك. صوان العزاء منصوب عند مدخل الشارع، يشغل الرصيف وجزءًا من الطريق،  يعيق المرور على السيارات والسابلة.. يتمهلون، يتلون الفاتحة على روحها الشفافة التي تحلق فوق المكان.
" أحب أن أقرأ اسمي مطبوعًا ولو على ورقة نعي".  هذه الجملة لكاتب ساخر، ستتذكر اسمه لاحقًا..
 نعم.. نعم.. إنها لسعيد تقي الدين*، بدت لها  عبارة صادقة بالفعل، اسمها مبلل بحبر الحزن، وبشهقات المحبين. من بينهم تميز زوج أخيها ينهنهها المصاب، تتنشق ماء الزهر كلما ضاقت أنفاسها، كذلك أم ربيع الفاضلة بثيابها السوداء تتنقل داخل البيت، تحمل الكؤوس، وتجلب المناديل لمزيد من البكاء، أمها في صدارة المجلس، تبدو الأجمل بقامتها المنتصبة وشعرها المصفف، صارت تشبه الفرنسيات، أي حب هذا الذي يحافظ على شبابها رغم سنوات عمرها!. 
و.. لحية زوجها النابتة، هامدٌ، يسرح في البعيد، لو كان هو المتوفى لتوجب عليها أن تقِّر في بيتها، وتعتزل الرجال طوال أربعة أشهر وعشرة أيام، وفاء واحترامًا لرجل بيتها وعماده، يا ليته يفعل ذلك، بعدها ليتزوج أم ربيع ويشبع بها، لكنه لن يفعل، ذهنه مشغول بترتيبات أبعد ما تكون عن حلقة العزاء، يفكر هل يعلن زواجه سريعًا ويتعلل بالأطفال الصغار، أم يخفيه ثم يشهره فيما بعد؟.
الموت خطفها من أيامها، ولم يسألها رأيها، تمامًا كما فعل الآخرون معها. الآخرون الذين يحبونها ولا يتسع وقتهم للحزن عليها، سينسون بأسرع مما ترغب، لذلك عليها وحدها، دون أن تعتمد على أحد، أن تجلس مدة العدة، تواسي نفسها بنفسها، وتكمل فنجان قهوتها.


* صحفي وسياسي وكاتب لبناني راحل

قصة قصيرة من مجموعة قبلة خرساء

تجارب الطاعة ..

تجارب الطاعة
لماذا ينصاع الناس للسلطة

أذكر منذ سنين مضت وقعت بين يدي رواية (القوقعة) للكاتب مصطفى خليفة، لم تكن الرواية متوفرة في سوريا ولا أظنها تتوفر الآن ، فهي تتحدث عن تجربة شخصية قاسية لسجين اعتقل 13 عاماً بتهمة الانتماء إلى حزب سياسي ، وكل ما واجهه في سجن تدمر واصفاً العذاب اليومي وأساليب التنكيل والاعدامات الترهيبية وطريقة معاملة السجانين للسجناء .
عادة ما تتحول القراءة في تأثيرها الأقصى إلى تجسيد مواز، وتلك الرواية جعلت الكوابيس لا تخطئني ، إضافة -وعلى ما أذكر- جعلتني أتساءل عن الطينة التي جبل منها أولئك السجانين ، الذين لهم وحدهم يعود فضل ابتكار وسائل العنف والاذلال والقتل والتعذيب ! لا شك بأنهم يتلقون الأوامر كي يتصرفوا بقسوة لا مثيل لها ، لكن من غير المنطقي أن يستلموا كل يوم ، ويوماً بعد يوم سيناريوهات تفصيلية لممارساتهم التي ينفذوها بآلية وأحياناً
-        وفق الرواية -  يكونون في حالة بهجة ومتعة !
  بقي السؤال عالقاً في ذهني حتى رأيته متجسداً في عمل سينمائي من انتاج 2015 هو فيلم
Experimenter
Experimenter
 أي المُجرِب ، وأنا أسوقه هنا كمثال يضيء فكرة معينة تهمني . يدور الفيلم حول سيرة حياة عالم النفس الاجتماعي ستانلي ميلغرام مؤلف كتاب "طاعة السلطة، نظرة تجريبية"  الذي ترجم إلى ثماني لغات ، ومازال يدرس في الجامعات ويستعان به لتفسير حالات الجرائم والعنف . يحاول مليغرام فهم سيكولوجية الانصياع والطاعة ، ويبحث في الظروف التي تشكل الطبيعة البشرية ، من خلال القيام بتجارب على عينات عشوائية من الناس ، يكون المطلوب منهم معاقبة شخص آخر بالصعقة الكهربائية كلما أخطأ ذلك الآخر في الاجابة .  
أثبتت تلك التجارب أن 65% من المتطوعين كانوا مطيعين تماماً ، والنسبة الأقل توقفت في مرحلة معينة، وبنسبة أقل أيضاً رفضت تماماً القيام بالعمل الذي أوكل لهم انجازه ، أي أن الامتثال كان أكثر شيوعاً رغم أن المتطوعين لم يكونوا ساديين ولا عدائيين ، كانوا فقط ينصاعون لتنفيذ الأوامر رغم سماعهم لصوت المتألم في الجهة الاخرى  .
الفئة التي مثلت الأغلبية في التجربة لا تملك القدرة على مقاومة السلطة ، وبعضهم لا يريد معرفة تبعات العمل المؤذي الذي يقومون به بتلقائية ، فهم ينفذون الأوامر التي تعطى لهم وحسب .
إذن لماذا وإلى أي حد ينصاع الأفراد للأوامر الصادرة ويتواطأ مع السلطة مستمداً القوة من شرعيتها دون الرجوع إلى الضمير أو للقيم الأخلاقية ؟ وما هو دور الوعي وقوة الشخصية لمواجهة المطلوب بالرفض ، والاختلاف عن تركيبة النموذج المثير للخيبة في النموذج الأعم وهو النموذج المنصاع !
لنترك الفيلم الجدير بالمشاهدة حقاً ونتساءل؛ هل كان السجانون في رواية (القوقعة) يقومون بأداء واجبهم على أكمل وجه ، ويرضخون للأوامر التي يتلقونها بأريحية ! هل الذين يرمون القنابل والبراميل فوق الأبنية والأحياء السكنية ويفجرون الكنائس ويحرقون الأسواق يتوقعون الثناء بعد انجازاتهم ! هل الذين يقطعون الرؤوس ويعلقون المشانق مهنيون وعمليون ؟

وتبعاً للنسبة الأشمل والأعم لتجربة ستانلي ميلغرام؛ هل هي فعلاً بسبب النزعة الشريرة الكامنة في البشر ، والمخيبة لآمالنا وطموحاتنا ، أم أنه خلل في التفكير الاجتماعي والقيمة الاخلاقية التي تصنعها المجتمعات ؛ ويتوجب العمل عليها وتطويرها !  في الحقيقة لم أجد بعد جواباً على هذا التساؤل .
سوزان خواتمي
مقال نشر في جريدة القبس  

سرد ماراثوني: قراءة في رواية "خرائط التيه" لبثينة العيسى

تبدأ رواية خرائط التيه (الدار العربية للعلوم ناشرون 2015) بجملة " قبل هذه اللحظة كل شيء كان على ما يرام" وخلال زمن الرواية الذي لا يتجاوز الاسبوعين يبدأ بالتاريخ الهجري 7 ذي الحجة 1431 وينتهي يوم 29 منه، نشهد مأساة أسرة مشاري الطفل الكويتي الذي ضاع أثناء مناسك الحج ومن ثم رحلة البحث عنه. كانت الساعة 12:26 ظهراً، اختفى مشاري في طوفان الحجيج، ومنذ تلك اللحظة الفاصلة نتوه في رحلة البحث.
في سباق سرد ماراثوني وخلال 400 صفحة من القطع المتوسط راهنت الروائية بثينة العيسى بجدارة على زمن مسلط كالسيف، وقدر لا يمكن تفسيره، وفجيعة أبوين ملتاعين (سمية وفيصل) لنلاحق معها -مقطوعي الأنفاس- مجريات الأحداث صفحة فصفحة، تنقلنا بين فصل وآخر في متاهة من الأمكنة، تحت كل خطوة لغم ومفاجأة. نجتاز مدناً ونقطع حدوداً مذعورين وراء أثر ولو بسيط لمعرفة مصير طفل بغرة كثيفة وشامة في الرقبة وفراغ في الأسنان الأمامية، اختطفته روينا احدى افراد عصابة تتاجر بالأطفال الفقراء وتستغلهم في التسول أو تبيعهم في صفقات تجارة الأعضاء ولا مانع من الاغتصاب أيضاً. مهمة بثينة لم تكن سهلة، وكان من الممكن أن تفقد بثينة البوصلة، فنفقد الحماسة وسط كل تلك التفاصيل، لكنها لم تفعل.


الألم يوحد البشرية:
في المتن امتد الفضاء المكاني من الحرم الشريف في مكة إلى عسير إلى جازان وأبها ثم البحر الميت ومن مطار شرم الشيخ إلى العريش على الحدود مع اسرائيل حيث ينتهي البؤساء إلى مصيرهم بين أيدي مهربين تديرهم شبكة إتجار بالأعضاء تضم وزراء وجنرالات وحاخامات، أدارت العيسى رحلة البحث بشقيها (الأب يتبع اثر ابنه، الام تنشد الخلاص السماوي) في بناء تداخلي وعملية تناوب سردي جعلتنا نتتبع على مستويين خريطة التيه بحمليها النفسي والروحاني، وتحركات العصابة التي فتكت ببعضها البعض، وفي مستو ثالث تكشف لنا بخطوة استباقية أن الطفل في مكان آخر. آلية القطع والوصل تلك جعلت من نسق الكتابة محرضاً للاستمرار ورفع مستوى التوتر حتى نكاد نصرخ: ماذا تفعلون هنا، عودوا إلى جازان فمشاري لم يتجاوز الحدود إنه سجين يتعرض للجوع والاغتصاب في غرفة نظام شجاع الدين.!
[أهلا بك في جحيم العدالة في المكان الوحيد الذي يساوي البشر؛ في عالم الجريمة]

فنية اطلاق الأسئلة:
إضافة إلى الحبكة المشوقة والموظفة درامياً، جاءت الشخصيات مرسومة بحرفية وموضوعية، وضمن ثنائيات تلتقي وتفترق (الأم والأب- الطفل الكويتي والطفلة الهندية) نواجه عالماً فاتكاً شريراً قاسياً. كما نجحت العيسى في التعامل بحياد مع الأشرار، فالخاطفان جرجس وروينا مجرمان لكنهما ضحايا العنف في مخيمات ليتشور في بلادهم، ونظام شجاع الدين الرجل المنعزل يغتصب طفلاً ولا يقطع صلاة ولا يهمل الأرض التي يعمل بها. هكذا تصبح النوازع البشرية جديرة بالتأمل والخط الفاصل بين أسباب الخير والشر أوهى من أن يُلحظ.
"خرائط التيه" مررت لنا مستو عال من الصراع الداخلي المؤثر، وأطلقت من خلال تصويرها للضعف البشري أسئلة مربكة حول حقيقة الوجود والإيمان واليقين والعدالة والشك دون أن تحاصرك باستنتاجاتها الخاصة.
الأبوان يواجهان الفكرة العبثية "لماذا ضاع مشاري؟" ما الذي فعلاه لينالا هذا المصير!. وهنا إن أردنا طرح الاشكالية على نحو مختلف، فهل المقصود بالرواية تيه طفل فقط أم أن المقصود متاهات موازية.!
لم يكن رد الفعل واحداً أمام المصيبة، فسمية الأم تتقوقع على نفسها، تنتظر الفرج بالدعاء، والمزيد من الاستغفار، وتتحول إلى كائن يهلوس تجلد ذاتها وتبحث عن الغفران لذنب لا تعرفه.
[ من المرعب أنك تبكين ويفترض أحد بأنك امرأة خاطئة؛ المرعب أكثر أنك تصدقين ذلك]
على نقيضها يتحرك الأب فيصل في سعي محموم لملاحقة الخاطفين، يفقد صحته وايمانه، ينهار ولكنه لا يستطيع إلا مواصلة البحث، محاصراً بالشكوك؛ لماذا فقد طفله أثناء الحج؟ وهل خُطف صغيره بسبب اهمال زوجته.!

ملاحظات أخيرة:
بثينة العيسى وفي كل إصدار لها تفاجئنا بإمكانيات جديدة، وأجزم بأن "خرائط التيه" انجاز يحسب لها، كي تبني عليه انجازات قادمة أكثر وقعاً في الكتابة السردية. ويحسب لها في هذا العمل جرأتها المدروسة بدقة والتي لم يكن بالإمكان الاستغناء عنها في مشاهد كثيرة صورتها دون أن تقع في فخ الابتذال. كما لا تخلو الرواية من جدية البحث قبل الكتابة حول المناطق وتقصي المعلومات اللازمة والكافية. إلى جانب إغناء العمل بالحوارات العميقة في بناء سردي حرفي. وتوزيع الفصول زمنياً ومكانياً دون إرباك داخل شبكة نسجت حكاية تيه بأشد الطرق تشويقاً على الاطلاق.
ربما؛ ومن وجهة نظري كان يمكن إنهاء الرواية عند العثور على مشاري، وحذف الباب الأخير الذي تضمن الرسائل، بحيث تترك الطعنة الأخيرة لخيال القارئ الذي تابع كل هذا الكم من الفجيعة.
#بثينة_العيسى

#خرائط_التيه