08 سبتمبر 2017

صحافة الإنترنت والفوضى الإخبارية

منذ أيام ونقلًا عن «الإندبندنت» نشرت المنصة الإخبارية «هافينجتون» مقالًا مترجمًا بعنوان (خلف قضبان سجون الأسد)، يتناول شهادة حية لجحيم الاغتصاب الذى واجهته إحدى المعتقلات وليست الوحيدة، وعلى الرغم من أن القانون الدولى اعتبر الاغتصاب جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية؛ فإن كثيرات تعرضن ويتعرضن لهذا النوع من الإذلال والمهانة.
الفتاة التى مرت بتلك البشاعة تحدثت باسم مستعار ولم تكشف عن شخصيتها لظروف اجتماعية ونفسية نتفهمها جميعًا، إلا أن الصورة المرافقة التى اختارتها الصحيفة بشكل عشوائى ومن دون أن تتوخى الحرص، كانت لسيدة أخرى لا علاقة لها بالموضوع. ولأننا فى عصر الاتصالات السريع انتشر الخبر على وسائل التواصل الاجتماعى والصحف الإلكترونية، وانتشرت الصورة معه لتصل إلى الآلاف المؤلفة من القراء. هكذا صحت صاحبة الصورة من نومها لتجد نفسها فى ورطة لم تحسب لها حسابًا. 
الزوج المحاصر بأخطاء غيره كتب معترضًا بأن صورة زوجته أُقحمت داخل القضية من دون مبرر، وأشار إلى أن اللقطة أُخذت من خبر آخر يتعلق برفعهم قضية على فروع الأمن العسكرى بسوريا فى المحكمة الفيدرالية الألمانية.
فى محاولة للرجوع إلى الخطأ من مصدره فى المقال الأصلى للشهادة التى أوردتها صحيفة «الإندبندنت» أو من موقع «الهافينجتون» أو فى سلسلة المواقع الإخبارية اللاحقة التى نقلت الخبر كما هو، نجدها جميعًا متورطة بالتعجل والاستعانة بتقنية القص واللصق. على الرغم من أن فى كل مادة صحفية منشورة لا بد من الانتباه والتدقيق ليس فى الخبر نفسه فقط، بل أيضًا فى الصورة المرافقة. 
عادة ما تلتقط العين الصورة قبل الخبر، فالصورة على أشكالها المتعددة سواء الشخصية للكاتب أو الكاريكاتير أو الرسم البيانى للأرقام الواردة فى الخبر، هى المحفز للقراءة والوسيلة الأسرع والأقدر على تثبيت المعلومة وأيضًا تذكرها لاحقًا، وهذا للأسف ما سيجعل صورة السيدة راسخة فى الذهن لفترة طويلة. 
خلال تجربتى فى العمل الصحفي، جريدة واحدة فقط كانت تعنى بموضوع خصوصية الصورة المرافقة لأخبارها، ولديها قسم كبير متكامل ووافٍ للتصوير، وكتيبة من المصورين النشيطين المتمرسين الذين يلتقطون صورًا حصرية، وأذكر جهدهم وتعبهم فى قطع الشوارع واللحاق بالصحفى أو سبقه أحيانًا لحضور المراسم الرسمية والمباريات والمقابلات، وكان من حقهم علينا كمحررين كتابة اسم المصور على الصورة كما يكتب اسم الصحفى على المادة الصحفية، أو الإشارة إلى مصدر الصورة إن لم تكن حصرية، وهذا ما تفعله «رويترز» على سبيل المثال. 
ولم يكن ذلك عبثًا، فالصورة كما يقولون بلغة الصحافة الحديثة صارت هى الطلقة الأولى التى تصيب، أما إن خابت فذلك يرجع لأسباب عدة، تتعلق بالتكرار وعدم الموضوعية، أو أن تكون الصورة مؤذية وخادشة للآداب العامة، والأسوأ من كل ما سبق ذكره أن تكون مفبركة ولا تخص القضية المطروحة كما حدث مع صاحبة الصورة التى لن يحسدها أحدنا على الوضع الذى وجدت به. إن حذف الصورة من جهة المصدر وهذا ما حدث بناءً على اعتراض الزوج لم يكن علاجًا باترًا؛ لأن الصورة فى زمن الأخبار المنقولة من وعن، ما زالت تظهر هنا وهناك.

14 مارس 2017

الفنادق بيوت العابرين

ثمة تأكيد يعرفه الأشاوس من المسافرين، بأن اختيار فندق تقيم به مهم كاختيار المكان الذي تتجه إليه . الاقامة في غرفة لا تعرفك ولا تعرفها تكسر الروتين، وتربك الملل. أغلق باب الغرفة وتأمل الجدران الباردة، الأثاث الذي لم تختره ، والنوافذ التي تجهل على أي مشهد تطل .  ستفتقد إلفة غرفتك ولكن أليس هذا بالضبط هو المطلوب.؟
إنها مغامرة مدفوعة الثمن، اختيارك المؤقت بديلاً عن المؤبد. لن يعجب كلامي مدمنو البيوت والمصابون بفوبيا السفر.  أما إن كنت مثلي تحلم بمكان يطل على محيط ما ، لم تزره بعد ، تحط  النوارس قرب شرفتك تتبادل معها ذاكرة مؤقتة ، فتابع القراءة .
أين غرفتي؟

 من أجل رحلة سياحية تتابع الفيزا والحجوزات ، تحتمل ضجيج المطارات ، وساعات الانتظار، والتأخير، والمقاعد غير المريحة، والنداءات الأخيرة، وجرجرة حقائب لا غنى عنها،  وتناول فناجين قهوة لها مذاق واحد ، وهدف واحد ؛ هو البقاء متيقظاً بعينين مفتوحتين ، إذ ثمة مناطق عديدة على هذه الأرض تناديك ، بلاد مجدولة بالشمس، وأخرى تلتف بالضباب ، وتلك التي تبقى على مدى 24 ساعة متأهبة للقائك ، و بقعة تشك فيما إذا كانت بخضرتها ومائها وهوائها هي النسخة الأرضية من الجنة الموعودة . تحط في بلاد جديدة تشم الهواء من حولك ، وأول ما تفعله التوجه إلى فندقك .
 الفنادق الكبيرة تدللك ، تحمل عنك عناء ترتيب سريرك ، وتوقظك في الوقت الذي تحدده ، تقدم لك وجبات على مدار الساعة . علق على الباب ممنوع الازعاج ولن يجرؤ أحد على فعل العكس .
إدارة الفنادق فن بحد ذاته، تتكفل بمهمة الترحاب الأولى فهناك من يتلهف لحمل حقائبك، فيما تتفرغ أنت لإلقاء نظرة فاحصة على ما حولك. الانطباع الأهم يبدأ من البهو، سيطمئن قلبك حين يكون مفعماً وطافحاً بالابتسامات الودودة، والوجوه البشوشة الوسيمة وإلى أن يحين موعد استلام الغرفة تجلس ، هناك فوق المقاعد المجاورة آخرون ينتظرون مثلك تلتقيهم بحكم الصدفة؛ غريباً لغريب .
اترك لانفك مهمة تحديد مستوى نظافة الفندق، دعه يلتقط الرائحة .  الق نظرة سريعة على الحمام لا تطمئن لرائحة الديتول حين تكون طاغية . أهم ما تفتخر به الفنادق تصاميم حماماتها، التي تترافق ببذخ مع المناشف البيضاء الفواحة، وكل ما يتبع ذلك من ملحقات وإكسسوارات ، على سبيل المثال يمكن تجهيز حمام فندق  "بارك حياة" دبي ليصلح بعدها سريراً فالحوض يشبه المقلاة الطافية في الوسط ، محاطاً بمرايا صقيلة عدا ميزة الجاكوزي والبخار وكل أسباب الاسترخاء.. كما أن التصميم الذكي للغرفة يجعلك من مكانك في حوض الاستحمام أو من سريرك تطل بكلك على الخور .
على عكسه تماماً أذكر فندق " كوزموبوليتان" القاهري ويبدو أن ميزته الوحيدة عدا ايقاع حروف اسمه المهيب أنه يقع في منطقة وسط البلد ، قريباً من ساحة طلعت حرب ،  اضطررت وقتها للاستحمام تيمماً ، هكذا استفدت من الغبار و تجنبت مصيبة الحمام .!
نعم إن الاقامة في فندق مغامرة تخل بروتين الحياة ومللها، وهذا ما يجعلها باهظة التكلفة أحياناً .

النصيحة بجمل
لأني ابنة حلب المدينة العريقة سابقاً والمنكوبة حالياً ، فأنا لا أقيم في فنادقها.  العديد من بيوتها الأثرية تم تحويلها إلى أوتيلات تسحر اللب ، وتوقظ الحواس " فندق زمريا "، و" بيت صلاحية "، و" بيت الوكيل "، و" قصر المنصورية " هذا الأخير ليس قصراً، لكنه بيت عتيق استرد مجده ، بني  أواخر القرن السادس عشر، على بعد خطوات من قلعة حلب .  
الفندق صغير وودود، تنبعث منه رائحة الماضي وتنعكس فوق بلاط مدخله آثار من مروا ، يحتوي على تسعة أجنحة فقط زينت بطريقة هي خليط بين الفخامة والعراقة. حمامات  " المنصورية" برخامها الأصفر المصقول مزودة بكل ضرورات الاستحمام القديمة من صابون الغار و البيلون و الدريرة وكيس تفريك و الطاسة المفضضة . أما المطعم فيقع بكراسيه المطعمة بالصدف تحت سقف مقبب، كان قبواً فيما مضى، يقدم أطباقاً تقليدية التي تعتبر مزيجاً من المطابخ التركية والعربية والأرمينية واليهودية بالإضافة إلى التأثيرات اليونانية .
أياً تكن فخامة فندق "المنصورية" الذي أجهل مصيره اليوم ، فلن يقارب شهرة "فندق بارون" المؤلف من طابقين بني بين عامي 1906-1911وفيما بعد ألحق به طابق ثالث . يحافظ بين جدرانه على تفاصيله لحظة افتتح ،  بدءاً من البلاط و ما علق فوق الجدران وكل قطعة أثاث ، واكسسوار، وفنجان قهوة ، ولوحة ، وإضاءة وإن كان ثمة تعديلات فهي لا تلحظ بالعين المجردة . ولشهرته أطلق على الشارع حيث يقع التسمية نفسها  " شارع بارون " الذي كان في خمسينات القرن الماضي أحد المناطق السكنية الحديثة ، قبل أن يتحول إلى شارع مكتظ بالمحلات ودور السينما .
استضاف الفندق أسر العائلات الحاكمة في أوروبا ، إضافة إلى الباشاوات ، وتجار الحرير والأثرياء والمشاهير . وكان مقراً لقادة جيوش الألمان والأتراك في الحرب العالمية الأولى ، كما كان سكناً لجنرالات الحلفاء البريطانيين والفرنسيين في الحرب العالمية الثانية. من أشهر نزلائه الرئيس جمال عبد الناصر، ولورانس العرب، وأغاثا كريستي، ورائدا الفضاء يوري غاغارين، وفالنتينا تيلشكوفا .
مع إن.. إلا أن
رغم كل السحر الذي يرافق الإقامة في الفنادق، إلا أن أحداً منها لم يغرني بالعودة إليه، أغادرها و لا أرجع إليها ، فإن صدف وزرت المدينة نفسها ، فأنا أفضل البحث عن مكان جديد أقطف بهجته الأولى . ربما لأن الحنين يخص البيوت وأهلها فحسب ، فبين الفنادق والمسافرين علاقة منسي بمنسيين .

فالفنادق كوجوه الغرباء، تحتفظ بفتنتها طالما بقيت بعيدة  .

سوزان خواتمي 

12 مارس 2017

homefront فيلم لا أنصح بمشاهدته



دون أي شعور بالذنب بإمكانك أن تقول عن الفيلم بأنه (مريع)، وبقليل من الذنب ستشعر أنك قضيت نحو ساعتين تقريباً تتابع صراعاً خلاقاً على طريقة هوليوود، لا يموت فيه البطل على الإطلاق، ويتساقط أمامه جميع الأشرار في المواجهات المتتابعة سواء كان يتوقعها فيتصدى لها أو تباغته فيتصدى لها أيضاً.. وهنا أيضاً لا يهم عددهم ، فالضربات العنيفة للبطل الخارق تهزمهم دائماً.
ساعد على كل ما تقدم ذكره، القوام الذي يتمتع به البطل "جيسون ستاتهام" وهو ممثل إنجليزي وغطاس سابق، استغلت الكاميرا وسامته وكماله الجسماني على أكمل وجه، وأعانته الخدع السينمائية التي لا مجال الا الاعتراف بإبهارها . فالحركة على صعوبة تصديقها مرسومة بالمليمتر .
قصة الفيلم
تدور أحداث الفيلم وهو من انتاج عام 2013 ومن اخراج غاري فليدرحول شرطي في إدارة المخدرات يستقيل من عمله بعد وفاة زوجته التي لا نعلم كيف ماتت، وكي لا نتهم الحبكة فقد يكون قطع الرقابة لمشاهد من الفيلم هو الذي أحدث هذه الفجوة .!
الشرطي المتقاعد يستقر في بلدة صغيرة نائية مع طفلته التي تبلغ العاشرة من عمرها، وكان قد دربها كي تدافع عن نفسها.  وقد اختار "جيسون ستاتهام" العزلة كي يعيش بهدوء وسلام بعيداً عن العنف، ولكن الحظ خانه، ففي البلدة الصغيرة هناك أشرار أيضاً، أحدهم يعمل في تصنيع المخدرات .
وتتجه التقاطعات والصدف التي بدأت بشجار بين ابنته وطفل آخر في مدرستها، إلى تصعيد خلاف حاول ستاتهام تهدئته بحلم وصبر مطلقين، لكنه يضطر أخيراً إلى الدفاع عن نفسه وعن ابنته، فيصفي كل أفراد العصابة دون الحاجة لمساندة أحد، حتى الشرطة ورئيسها الذين يتم توظيفهم كخلفية ناجحة لمشاهد مثيرة، ولحسن حظه وحظنا كمشاهدين مع نهاية الفيلم يظل  "جيسون ستاتهام" هو الناجي والمنتصر الوحيد.
يتجه الحوار في الفيلم إلى طرح موضوع تجنب العنف، والاتجاه نحو المسالمة، ورفض مبدأ الاقتصاص، وتقديم الاعتذار بسهولة لتجنب المشاكل، لكن على النقيض من ذلك تذهب المشاهد والأحداث التي تسوق البطل وتستخدم كل أنواع الترويع بدءاً من التضارب بالأيدي إلى اشهار السكاكين والمسدسات والإنفجارات والملاحقة وتصادم السيارات، ولم تنفع مشاهد الغابة وهدوئها، ولحظات ركوب الحصان، وضم الابنة إلى صدر أبيها على تخفيف المغالاة في العنف الذي يتصاعد ولا يكف.

إنها التوابل التي لا تستغني عنها السينما الأميركية وأفلام الأكشن والحركة التي تستقطب المشاهدين الذين يميلون إلى مشاهدة البطولات الخارقة ومشاهد التدمير فيما هم يتلذذون بالبوشار.! بالنسبة لي أفضل سينما أكثر احترافية وأقل مباشرة، الأفلام التي تطرح الأسئلة . وما زلت أذكر فيلماً لا يذهب من بالي هو (Life of Pi) الذي وصلت إيراداته لأكثر من 600 مليون دولار، وفاز بأربعة جوائز أوسكار، أنصح بمشاهدته أو إعادة مشاهدته ، ففيه كل خدع الاثارة والمغامرة والتشويق والخيال إضافة إلى حوار مخادع يسيطر على ذهنك ليملأه بالتساؤلات .
سوزان خواتمي
موقع آراء الالكتروني 

07 مارس 2017

عن يوم المرأة والحب وما الى ذلك ....

 
ظننت إثماً، أن اهتمام المرأة المفرط بشكلها، وتحسين خلقتها (بالكسر) قبل خُلقها (بالضم )
هي طريقة للظهور أو للرضوخ لما هو مطلوب منها في مجتمع " كوني جميلة واصمتي"
 فالمرأة الجميلة تستجلب حظها بشرطة عينيها، فتحصل على مكان مريح في سيرفيس محشو بالركاب ، و تتجاوز طوابير الواقفين في أي مصلحة حكومية ، بل وتحصل على وظيفة في زمن البطالة بفارق درجتين نط لفوق .. كما أنها (أي الجميلة) هي الأروج في سوق الزواج تتباهى بأعداد المعجبين والمتقدمين والمنتظرين . ويعزز من ذلك كل ما تسمعه من غزل ومديح وثناء لذلك فتتابع المرأة بضراوة طرق الثبات على الحال ، فيما لو كان حسنها "ربانياً"، والتحسين والتزويق فيما لو كانت "نص نص" ، والتدليس وعمليات التجميل والشد والشفط والنفخ فيما لو كانت "قبيحة" . ولذلك يبدو اهتمام السوق العالمي بمنتجات المرأة مريعاً، بدءاً من صيحات الموضة والأزياء المتغيرة، إلى الكريمات والمطريات والملونات من ادوات التجميل، وحتى وصفات حلقات الكيوي على الوجه والخيار فوق العينين . 
 ولكن يبدو أن كل ما سبق ليس سوى نظرة تسطيحية، ففي بحث عن الحب، يؤكد بأن مراحل الوقوع فيه تختلف بين الجنسين، فالحوافز البصرية أسهل عند الرجال منها لدى النساء أي أن الرجل يعشق بعينيه والمرأة بأذنيها . لهذا فكل التلوين والتزويق هي عوامل لصنع الحب وانتاجه، ولتعمر المعمورة المشرفة على الهلاك، خاصة وأن الحب هو المنتج الأهم للحياة .
حيث يغطس الرجل في مغطس الحب متبعاً خطة " نظرة فابتسامة فكلام "
فإذا بوجه الحياة الكحلي يصبح وردياً. 
 أي أن حواء حين تتجمل تسهم بتجميل الكرة الأرضية، حيث تقوم بتوصيل دارات تولد الطاقة في عمنا آدم ، فينسى السياسة والحرب والثورات والزحام والغلاء والرشوة والقناصين وتصريحات ترامب. ويدق في صدره طبلٌ بلدي مؤكداً أن "الحياة خلقت لتعاش" 
إذن .. لا بأس يا امرأة في عيدك الذي لم تحصلي فيه على حقوقك القانونية : 
 تزيني و اطرقي الأرض بكعبك العالي لينبت العشب ويدور العالم في مدارات الهناء .!

04 مارس 2017

صفعة (قصة قصيرة)


عندما سمعت طرقاً على باب شقتي المؤقتة، هرعت متأملاً جاراً أو صديقاً. إلا أني فوجئت بالزي الكحلي، القبعة الصغيرة جانب الرأس، والشارة  الصفراء على الساعد، ورجل الشرطة ذو الشعر الأحمر يبتسم. ما زال هذا الزي حتى إن لم يكن كاكياً يفزعني.
حاولتُ أن أتماسك، وادعيت الهدوء، وكل عضلة في جسدي تنتفض. رددت التحية .
أردت سؤاله عما يريد، لكني تلعثمت، لم تسعفني اللغة. التصقت العبارات القليلة التي تعلمتها بسقف حلقي.. تأتأت.
في قسم الشرطة ساعدنا المترجم ، قال منهياً كلامه: يتهمونك بأنك أبٌ غير صالح .
-ألأني  صفعت ابني؟.
-ألم تصفعه.؟
-يا أخي، صفعته. الولد مراهق وقلل أدبه. ردّ علي بقلة احترام.
- إنه القانون هنا وعليك أن تحترمه.
بعد يومين قضيتهما في مخفر يشبه إلى حد كبير إحدى فيلاّت الأثرياء في بلادي، هادئ ونظيف وحوله حديقة مليئة بالورود. زارني المحقق برفقة المترجم، كانا يتبادلان ابتسامات لا تعجبني، ترتجف  شفتي السفلية كلما حاولت أن أكرر شرح الحادثة كما حدثت.
كان أبي، رحمه الله، حين يثور، يطحن جسد أمي، ركلها مرتين أمامي. لم تشكِه أمي إلا لله. لم تأت الشرطة يوماً تدق بابه.  وكان يترك علامات زرقاء على كتفي وظهري، يسحب من علاقات بنطاله حزامه، يسوّطه في الهواء، محدثاً ذاك الصفير، كان الصوت يؤلمني أكثر مما تفعل اللسعة نفسها. مع ذلك حين توفي قبَّلت قدميه. وبعد كل صلاة أرفع يديّ أدعو له بالرحمة كما رباني صغيراً.
في اليوم الثالث، حضرت زوجتي التي لم أعرف غيرها امرأة. سألوها، فقالت:
-نعم .. ضربه بشدة تورّم خده، وحين حاولتُ الدفاع عنه دفعني، كتفي ما زال يؤلمني.
تحسستهُ ولمعَ الدمع في عينيها.
ابنة الـ.... لم تدافع عني، ولم تخبرهم أني أبٌ صالحٌ.
قبل ثلاث سنوات وعشرة أشهر كان عبد الرحمن ما زال في التاسعة من عمره وحنان أخته أصغر منه بعامين. عبرنا البحر، وبفضل الصحو والحظ ودعاء أمي التي مازالت تبكي أكثر مما تحكي، لم نغرق.
تركنا خلفنا بيتاً قُصف، كل ما بقيَّ من العمارة بطوابقها الستة؛ شرفتنا معلقة في الهواء، وكرسيٌ وثوبٌ منشورٌ على حبل الغسيل. تلك الصورة تناقلتها وكالات الأنباء، ومواقع التواصل الاجتماعي. اعتبرها الفنانون لوحة سيريالية. وعلَّق الملتحون: المؤمن مُبتلى.  وقال آخرون: إنها دليل الأمل واستمرار الحياة. وتجرأ البعض وقالوا: خرجهم الله لا يقيمهم.
تحولت الحارة إلى أنقاض وخرائب، ومات الكثير من الجيران، دفنوا تحت الحجارة والأسمنت. كنا محظوظين، لكننا دون مأوى. أقمنا لفترة عند أمي العجوز في القرية حيث تعيش مع أختي وأولادها بعد أن قُتل زوجها، كان من المستحيل أن يتسع البيت لنا جميعاً. اتخذتُ قراري، فلم يعد عندي ما أخسره؛ إن مِتنا في الطريق فنحن موتى هنا، وإن نجونا ووصلنا، فهذا يعني فرصة جديدة.
حملنا حقيبتيّ ظهر. ودفعت نقوداً كثيرة للمهرب. ركبنا البحر بقارب مطاطي، ثم قطعنا الحدود البرية والأسلاك، واجتزنا الغابات، ومشينا آلاف الكيلومترات حتى وصلنا السويد.
لم أستطع إقناع أحد من هذه البلاد، أن مجرد صفعة، لا تجعلني أباً غير صالح، ولا تنسف التعب والمصاعب التي احتملتها حتى نجونا.  هذه الجنة لا تعرف أن العقاب والثواب أنصاف أقواس بها تكتمل دائرة المحبة.
قال لي المحامي وهو يبتسم:
Sir- ابنك عبد الرحمن رفض عرضاً جيداً لتتبناه أسرة أخرى.
-  كتر خيره. أجبت.
صديق شهم أرسل لي قيمة الكفالة، ووقعت على إقرارٍ بأني لن أصفع أو أشتم، أو أدفع زوجتي أو ألمسها.
خرجت من السجن، عدتُ إلى البيت. المفتاح في جيبي، ولكني فضلت أن أدق الباب، بصمت الغرباء اتجهت إلى غرفة النوم. فتحت الخزانة، وفي حقيبة ظهرٍ صغيرة وضعت لوازمي القليلة.
لابد أن أمي بانتظاري.


موقع الكتابة




03 مارس 2017

عصير الكتب : سوزان خواتمي


أثبتُ على مرور الأيام إخلاصاً فريداً للكتب، وإن اختلفت تبعاً لمراحل العمر نوعية ما أقرأ وما أقتني.  وهو أمرٌ جيد، فلولا حرية الاختيار ومن ثم التدرج والتنوع في القراءة، لكنت ربما خريجة علوم طبيعية أقشر الضفادع وأشرح الصراصير!

بحسب خبرتي كقارئة، لا تختلف ظروف الوقوع في غرام كتاب عن مثيلاتها مما يحدث في وقعات الحب الأخرى. كل شيء يبدأ بنظرة، فنوعية الورق وحجم الخط وجودة الطباعة ومن ثم أناقة الغلاف، وأهمية اسم الكاتب وعنوان الكتاب الجاذب. وكثيراً ما ضبطت نفسي كما العشاق أمرر أصابعي على الكتب  في لحظة افتتان.
لا أذكر يوماً لم أكن فيه شغوفة بالقراءة، ومازالت رفوف المكتبات، وغبارها- الذي أظن أن أصحابها يتركونه عمداً - تشكل بالنسبة لي نقطة ضعف خاصة،  ولعل حب الكتب هو الحب الوحيد  الذي لم يوجعني، ولم أحاسب عليه، ولم تثر طبيعة علاقتي الوطيدة بها غيرة أو ضغينة أو اعتراضاً من أحد. على العكس كان استلقائي – يوم كنت طفلة - لساعات طويلة، مشغولة بتقليب صفحات مجلة أو كتاب مصور، يثير مشاعر الحبور عند أمي ويريح بالها. ويمنح أبي بعض الزهو، فيقول: (طالعة إلي). فللقراءة حتى وهي في طريقها الى الانقراض، سمعتها الطيبة، على الأقل تشغل الصغار عن الشيطنة. وقتها استطاع ( تان تان ) بخصلة شعره المزروعة أول جبهته والتي استُلهمت منها تسريحة ( البانكي ) أن يفتنني كفتى جسور دمه خفيف (هل توهمت ذلك!) يركب الأخطار ويحل الألغاز. فيما كانت مغامرات " ميكي وعمه الجشع ذهب" العجيبة سبباً في سيل من مباهج تثير ضحكي. كما نال المغامرون الخمسة إعجابي كاملاً، هل يمكن تخيل قدرتهم الخارقة للإيقاع باللصوص وكشفهم قبل المباحث والشرطة وعناصر الأمن.!  صحيح أن تلك المغامرات لم تنم لدي دقة الملاحظة، إذ ما زلت أعاني من انخفاض مستوى الفضول، وضعف لا علاج له في تتبع أي أثر، حتى إن كان واضحاً وضوح الشمس. لكن من جهة أخرى استطاع خيالي من أن ينصبني زعيمة لمجموعة من الأصدقاء الأذكياء نشرب العصير البارد في المعادي، ونعصر أذهاننا لنتوصل إلى حلول مقنعة لألغاز صعبة..! تلصصي على حكايات تلك الشخصيات (لوزة نوسة ومحب وعاطف وتختخ والعسكري فرقع) علمني أسماء أحياء مصرية، وكوّن بذرة خيالي الأولى.

الكتابة لحظة انتباه، يقابلها، بكيفية أقل انضباطاً، قارئ يستثمر تجارب الآخرين لتتوالد دون توقف، علاقات تبادلية بين الكتاب وقارئه.
وما من سبب واحد ومحدد للولع بالقراءة، بل هي أسباب كثيرة، منها تجاوز حدود الواقع نحو فضاء الخيال، تفكيك المجازات، واستشراف المستقبل، والترويح عن النفس أمام أطنان من ملل لا يحتمل، والرغبة في معرفة العالم، والاستفادة من الخبرات، وفضول المعرفة، ومتعة اكتشاف الحياة ومقالبها فيما أنت ممدد في سريرك... هل من أسباب أخرى!  

وبالمقابل لا تملك كل الكتب حتى أكثرها فائدة، قوة جذبك من السطر الأول وحتى الكلمة الأخيرة، إذ يتحكم في هذا درجتا الاقناع والابداع عند المؤلف
بوسع القراءة أن تصيب مدمني الكتب بحالات تماه حادة، ما يجعل بعض الشخصيات والمقولات وأبيات الشعر حاضرة في الذهن مهما مرت السنين. ابنتي على سبيل المثال لا تستطيع كبح فضولها، فلا تهنأ إلا إذا ذهبت الى آخر صفحة من الرواية لتعرف الخاتمة، ثم تعود باطمئنان لمتابعة الحبكة وقراءة السطور..!
مثل هذه التأثيرات تستطيع تغيير أفكارنا، وعصارة أذهاننا، ومواقفنا التي كنا نظنها ثابتة إلى الأبد..

و تبعاً للذائقة أو للمزاج أو للحاجة تختلف عناوين الكتب التي ترافق رحلاتنا، و تنام تحت وسائدنا، و تستقر هانئة فوق رفوف مكتباتنا، لذلك أستطيع معرفة الشخص إلى حد ما حين ألقي نظرة على ما يقتنيه من كتب.
إن مجموع ما قرأه كل منا يشكل تاريخ القراءة الخاص به، وإن كان أحدكم يملك الوقت لمعاودة قراءة كتاب فبالتأكيد سيصل إلى فهم جديد، لم يدركه من قبل. 

ذكرت فضل مغامرات تان تان ومجلة ميكي وأسامة، وأعترف أيضاً بمجلات المراهقة المصورة ريما وفوتوريما ودليلة، التي كانت تصلنا من لبنان. والقصة الشهرية في أعداد مجلة العربي. يبقى هناك كم هائل من الكتب يرسخ في القلب و الذاكرة لسبب أو بدونه يجعلني أواظب على تقليب صفحات ديوان " سرير الغريبة" لمحمود درويش عمراً آخر فوق عمري. وبإمكاني رغم داء النسيان  أن أتذكر دون كيشوت الأخرق مندفعاً فوق حصانه البائس يحارب الطواحين.. أما الرواية التي قضت على ساعات نومي ليلتين كاملتين فكانت ( رد قلبي) ليوسف السباعي. رواية الأقدار الحزينة تلك نهنهت قلبي، لكن أبي قال لي : ماهكذا تقرأ الكتب!..

ولا تخلو ذاكرتي من حارات نجيب محفوظ، وعجينته الخاصة من طحين الشخصيات المرسومة بدقة بدءاً بشكل الحاجب ولون الجلد ونبرة الصوت ووقع الخطوات، لكن لأن أغلب روايات محفوظ تحولت إلى أفلام سينمائية، فقد اختلط علي الأمر، بين ما شاهدته على الشاشة وما قرأته في كتب، وأكاد لا أفرق بين الاثنين..!
ومثلما استهوتني في فترة معينة من مراهقتي كتابات الروائي المصري إحسان عبد القدوس فجعلتني لا أنسى مشهد البطلة تتكئ بكوعيها على حافة الشرفة وتطلق صرختها: أنا حرة، غير آبهة بعيون الشبان التي تأكلها، ولا للتقاليد التي تجعل من خروجها السافر خرقاً صريحاً للأخلاق، فتقرعها أمها على ما أظن قائلة: (حر لما يلهفك قليلة الأدب)، فإن الروايات التي تروي الظلم تترك أثرها، فرواية (السجينة) لمليكة أوفقير التي أحدثت وقت صدورها ضجة واسعة، الكاتبة هربت وتحدثت عن عشرين عاماً من السجن الانفرادي قضتها ثلاث نساء وأربعة أطفال كعقوبة جماعية على جريمة لا علاقة مباشرة لهم بها، إثر محاولة انقلاب فاشل قادها الجنرال محمد أوفقير وزير الداخلية والدفاع " والد الكاتبة"  وأعدم بعدها.

أيضا رواية ( مديح الكراهية) لخالد خليفة ، والتي تحكي عن حقبة من تاريخ سوريا أيام الاخوان المسلمين في ثمانينات القرن الماضي، والصراع بين الاصولية والسلطة وثقافية الكراهية ورفض الآخر والاستبداد والتسلط الديني.
لا يمكن لقارئ أن ينجو من الواقعية السحرية التي تلازم أسلوب الكاتب غابرييل غارسيا ماركيز، فتنتني رواية ( الحب في زمن الكوليرا) فقد استطاع وبخدعة راو متمكن إقناعي بحب أبدي استطاع الصمود 51 عاماً وتسعة اشهر وأربع أيام،  ما أن سمع اجراس الكنيسة حتى اشتعل أمله بحبيبته، ليقضي معها ما بقي لهما من أيام الحب كأن صدءاً لم يمسه ويقربه. 

وبقدر ما تستهويني الروايات العاطفية المسلحة بأكاذيبها، لم أنه كتاباً فلسفياً واحداً، عدا تلك التي فرضتها المناهج المدرسية، لكن رواية (زوربا ) لكزانتزاكس علمتني فلسفة الحياة، من خلال شخصية بحار بوهيمي، له عينان " ترى الأشياء من حولهما وكأنه يراها لأول مرة"، مفعم بالحيوية ، يملك فطرة أن يعيش، فلا يسمح للحظة أن تمر دون أن يكون لها ايقاعاً راقصاً.

ولا أستطيع حين أفكر بكتب قرأتها وأحببتها دون أن أتذكر( إله الأشياء الصغيرة) للروائية الهندية اروند هاتي  روي التي كتبت بحساسية بصرية شديدة، فنقلت مأساة أسرة غريبة وأسرارها وتعرضت لأوضاع النساء ولنظام الطبقات ولسطوة الأعراف، ضمن مجتمع خاص، مجتمع المسيحيين السوريين الذين استوطنوا الهند. أما قصة تشيخوف القصيرة ( النكتة الصغيرة) فتنقل لنا عبر صفحتين فقط ما تفعله التباسات الوهم، والرغبة بالحب، فالشابة نادينكا تتخطى خوفها وارتعاش أطرافها، من أجل أن تسمع عبارة  "أحبك يانادينكا" مرة بعد مرة مختلطة بصفير الريح وعدم اليقين.
قد أجد وقتاً آخر للحديث عن الكتب التي أهديت إلي من أصحابها وتموضعت في رفوق خاصة لمقامها الرفيع عندي. 

ويبدو لي أني لو واصلت ذكر الكتب التي أثرت بي، فلن أنتهي. لكن أرجوكم لا تنسوا: الخلود/ يوميات القراءة/ لقيطة اسطنبول/ شيطانات الطفلة الخبيثة/ الهويات القاتلة/ الطربوش/سلطانات منسيات/العطر/ البطء/حين تركنا الجسر/صنعة الشعر/الطاعون/عراقي في باريس/المبسترون/ رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان/مغامرات في بلاد العرب/عشت لأروي و.. و.. و.. الخ..


ذاكرة غابرييل غارثيا ماركيز ليست حزينة أبداً.. قراءة في رواية (بيت الجميلات النائمات لـ ياسوناري كاواباتا


" بيت الجميلات النائمات" رواية الياباني ياسوناري كاواباتا، هو الكتاب الوحيد الذي ود الكاتب الكولمبي غابرييل غارثيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل لعام 82  لو يكون كاتبه.
هذا الاعتراف جاء في مقدمة قصة قصيرة له عنوانها  – الجميلة النائمة -
لكن يبدو أنها فكرة ( زنانة ) بقيت تلح إلى أن كتبها في رواية تحمل عنوان – ذاكرة غانياتي الحزينات- صادرة عن دار المدى وترجمة صالح علماني.
يتشابه فضاء الروايتان، في بيت دعارة يقدم خدماته على شكل علاقات جنسية مع فتيات صغيرات نائمات تحت تأثير المخدر.. لكن ما الذي يمكن حدوثه بين صحفي في التسعين من عمره وبين صغيرة نائمة طوال ما استغرقه زمن الرواية؟ .
لا يمكن القلق على روائي معتق مثل غابرييل فقد اعتمد على غرائبية هذه العلاقة وتحولها العاصف من رغبة مجون عابر إلى شعور راسخ بالحب.
إنها حكاية صحفي عجوز يريد أن يحتفي بعيد ميلاده فيتصل ب روسا كاباركاس صاحبة ماخور
ليقضي ليلته تلك مع عذراء صغيرة، 
هكذا يلتقي متأخراً بمعجزة الحب الأول وهو في عقده التاسع ليعيش بين لذة وهم يصنعه عن فتاة ينام إلى جوارها دون أن يعرف اسمها وبين واقع حياته التي مرت دون أن يعرف الحب إلا في علاقات جسدية عابرة.. فيؤكد بأنه لم ينم مع امرأة باستثناء داميانا خادمته إلا ودفع لها وسجل اسمها في مفكرة خاصة تحتوي 500 اسم..
لكن " الجنس هو العزاء الذي يلجأ إليه المرء عندما لا يحصل على الحب " .
ولأنه كاتب ولأنه صحفي فقد كرس زاويته الأسبوعية للكتابة إلى هذه الصغيرة التي تبدو " واقعية إلى حد أن لها عيد ميلاد" ، دون أن يلمسها أو يعرف اسمها،  تستبد به لهفة صناعة تاريخ لها فيقرأ لها كتاب الأمير الصغير ويهديها دراجة ، يسمعها موسيقاه المفضلة، ويترك فوق مخدتها بعض الهدايا الصغيرة.
لكن حادثة قتل مصرفي تؤدي إلى إغلاق النزل وتشميعه وأيضاً  توقف ليالي السعادة تلك، وتتحول إلى الخوف والشوق وأيضاً إلى قلق من العثور عليها صاحية، والجزع من فقدها كاحتمال كبير، فيقول :
" الحقيقة أني لم أكن قادراً على تحمل روحي وبدأت أعي الشيخوخة من هواني في الحب "
يتقاطع محور الحب كثيمة أساسية في الرواية مع ذاكرة فذة لرجل تسعيني يتحدث بسلاسة عن تفاصيل حياته..بيئته.. موسيقاه.. كتبه.. وعلاقاته النسائية عبر قفزات زمنية رشيقة استغرقت مئة وثلاث صفحات.
يمكن قول الكثير عن جوانب روعة هذه الرواية، فإلى جانب الشخصيات المرسومة بإتقان واللغة (السحرية ) طرية الملمس، والتماسك المذهل للأفكار وتسللها عبر الصفحات،  فإن"  ذاكرة غانيات الحزينات " رواية تعبق بالأحاسيس الإنسانية التي تترفع عن الجنس وتنتصر لمطلق الحب دون نزوات،  إذ يتجاوز البطل في خاتمة الرواية مشاعر الغيرة التي استبدت به ويسامح حبيبته بل
ويوصي لها بكل ثروته بعد موته، مفضلاً أن تكون إلى جانبه ما بقي له من حياة، متقبلاً النصيحة
" افعل ما تشاء ولكن لا تضيع هذه المخلوقة، فليس هناك نكبة أسوء من موت المرء وحيداً "
تبقى كتابات غابرييل غارثيا مركيز خلطة سحرية بين الخيال والواقع ينتصر فيها للحياة من منطق الحب، ليجعله مقاوماً للموت والانطفاء
" فليست السن هي ما بلغه أحدنا من العمر، بل ما يشعر به "