07 فبراير 2018

ايزابيل الليندي والحب الأبدي : رواية العاشق الياباني

بسهولة وببساطة مازالت الكاتبة التشيلية ايزابيل الليندي تستطيع جرّي إلى منعطفات لغتها الخاصة. قرأت لها أغلب أو جميع رواياتها، متأملة في كل مرة دهشة جديدة تحققها بمهارة حاوي يجيد قذف الكرات.
رواية " العاشق الياباني " تتناول الشغف والرومانسية والحب الأبدي جنباً إلى جنب مع إلحاحات الذاكرة والهرم والخيبة والخسارات الفادحة. بطبيعة الحال لا يمكن لكاتبة تعد الأكثر مبيعاً أن نتوقع منها قصصاً تقليدية، نتحدث هنا عن 65 مليون نسخة! بهذا الرقم المرعب لنا كقراء وكتاب عرب، تتسلح الليندي لتخوض بحرية في العلاقات المحرمة، والأهواء والنزعات البشرية على اختلافها من خلال تشابك حيوي بين شخصيتين رئيسيتين " ألما" السيدة الثرية العجوز بقلب حي تتستر على قصة حب لا تنتهي بينها وبين البستاني " ايشمي" الياباني ، و "إيرينا" الموظفة المهاجرة التي تعمل في دار المسنين وتخفي ماضياً حافلاً باشلمآسي.
اختارت الروائية للأحداث امتداداً زمنياً  بين النصف الثاني من القرن العشرين وحتى أوائل القرن الواحد والعشرين، فتورد: السجون النازية في بولندا، ومعتقلات اليابانيين الأميركيين، اسرائيل والعرب، مرض الايدز، ديانة الأوموتو المشتقة عن الشنتويّة،  بل وأيضاً مخيمات اللاجئين السوريين.
كل ذلك إضافة إلى تفاصيل المشاعر والمشهدّية وإيفاء الشخصيات حقها، كانت على درجة من الاتقان فلم تقطع التشويق السردي.
أثناء القراءة تذكرت الأفلام العربية التي تعتمد في كل قصصها البائسة على أبطال شبان، مقارنة بالكثير من التحف السينمائية الغربية التي تتناول الحياة في كل وجوهها، فلا تقتصر على الشباب والفتوة، ولا على الحبكة التقليدية التي تنتهي بالزواج. قلت لنفسي "لسا بدنا فت كتير"



26 ديسمبر 2017

أحلم بيوم أتفرغ فيه للكتابة: أجرى الحوار الكاتب والصحفي شريف صالح



كل منا بداية.. وما أجمل البدايات.. محبة أول كتاب قرأناه.. وفرحة أول جائزة.. كُتاب تركوا فينا بصمة لا تمحى.. وكلمة شجعتنا على مواصلة الطريق.. أصدقاء وأفراد من الأسرة احتفوا بنا وآخرون تمنوا لنا الفشل.. وعبر رحلة الكتابة تولد طقوسنا ومزاجنا الخاص.
النهار تحتفي هنا بتجارب المبدعين وبداياتهم.. وفيما يلي دردشة مع الكاتبة سوزان خواتمي:


هل تذكرين أول كتاب وقع في يدك؟
كنت في المرحلة الاعدادية، وكانت رواية رد قلبي ليوسف السباعي، أتذكر أنها من جزأين.. استغرقتني القراءة حتى الصباح. الشخصيتان انجي وعلي والفارق الطبقي الاجتماعي بينهما وقصة الحب الهائلة، كانت السبب بأني نمت على مقعد المدرسة يومها. فيما بعد تعلمت ألا ألتهم الكتب التي أحبها، بل أن أتأنى وأقرأ بحرص وتعمق لأطيل مدة الاستمتاع بها من جهة، ولأكتشف ما بين السطور من جهة ثانية.


جائزة.. أو كلمة.. شجعتك على مواصلة الطريق؟
صادفتني الكثير من الاشارات. التشجيع الأول الخفي جاء من مدرسات اللغة العربية، كن يطلبن مني في كل حصة قراءة ما كتبته لموضوع التعبير. ثم في فترة لاحقة حين تجرأت وراسلت زاوية القراء في بعض المجلات كان النشر يأتي سريعا. تلى ذلك جائزتين الأولى جائزة سعاد الصباح، ثم جائزة البتاني للقصة القصيرة في الرقة. أيضا لا أنسى وقع الكلمات التي تصلني من غرباء مروا بكتاباتي يتذكرونها أو من الذين يتحملون عناء ابداء الرأي حتى حين يكون قاسيا.


كاتب ترك بصمة مهمة عليك؟
كل ما قرأته باستمتاع أثر بي بطريقة ما. ما من كاتب معين، بل هي مجموعة كتب تلك التي تحرضني وتفتح شهيتي على الكتابة. وهي كثيرة كثيرة.


متى وكيف نشرت أول نص لك؟ 
في جريدة الرأي العام، قبل أن تصبح الرأي. كان المسؤول عن الصفحة الثقافية الأستاذ حسن العبدالله حريصا على نشر نصوص أدبية بشكل شبه يومي. وقتها كنت أنشر قصصي قبل أن تصبح بين دفتي كتاب. تغير ذلك الآن. 


كيف تفهمت الأسرة رغبتك أن تصبحي كاتبة؟
هم وأنا معهم، فوجئنا بأن الكتابة صارت أمرا محسوما. من حسن حظي أن لي عائلة تتفهم مزاجي وسهوي وقلقي حين تشغلني فكرة معينة. وترضى بأن تأكل طعاما مالحا قليلا، شايط قليلا، وتغفر لي حين أجلس مستغرقة لساعات أمام الكمبيوتر.

 
هل هناك أصدقاء شجعوك؟
كثيرون. ربما لن يتسع هذا الحيز على ذكرهم اسما، اسما. ولكن اليد البيضاء الأكثر أهمية في حياتي والتي امتدت لي وأرشدتني وساعدت خطواتي المرتبكة الأولى، كانت يد أستاذي محمد خالد قطمة رحمه الله، تعرفت عليه بعد فوزي بجائزة سعاد الصباح، ولولاه ربما لم أكن اليوم ما أنا عليه. 


ما هي طقوسك مع الكتابة؟
طقوس الكتابة ترف لا أملكه. أكتب حين لا أكون مضطرة لعمل شيء آخر. وأحلم بيوم أتفرغ فيه للكتابة باعتبارها عملا بحد ذاتها، وليست اجتزاء من يوم طويل ومنهك وحافل بالمسؤوليات. هل سيبقى حلما غير قابل للتنفيذ!


تجربة أول كتاب نشرته؟
حتى اليوم لم أكن مسؤولة عن نشر كتاب ومتابعة تفاصيله. وأتمنى أن لا أفعل مستقبلا. أشعر بأنها ورطة وعملية مضنية. كتبي صدرت ضمن ترشيحات واختيار الدور نفسها وكانت على التوالي: دار سعاد الصباح، اتحاد الكتاب العرب، دار قدمس التي أعلنت عن رغبتها بنشر سلسلة لكاتبات من العالم وكنت بينهن. وأخيرا الكتاب المشترك امنحني 9 كلمات التي تولت دار فراشة نشره مشكورة.


ماذا تعني لك الجوائز؟
الجوائز بما فيها جائزة نوبل ليست عادلة الى حد بعيد. لكن ما هو الشيء العادل في الحياة على اطلاقها؟! رغم ذلك تبقى مناسبة للاحتفاء، ووسيلة لتحريك المياه الراكدة في عالم الثقافة الذي يتراجع يوما بعد يوم. انظر الى كم الاخبار والمقالات التي تكتب عن الكتاب المرشحين للفوز وأعمالهم السابقة. ناهيك عن الفائدة المادية. لا أعرف لماذا على الكاتب أن يكتب وينشر دون مقابل مجزٍ!
نعم تعاني الجوائز حاليا بهذه النسبة أو تلك من الشكوك والمحسوبيات على حساب قيمة العمل نفسه وأحقيته في الفوز، لكن لنعترف بأنها خطوة ايجابية (وأحسن من بلا). آمل للجوائز أن توازن الكفة، وتفتح المجال لاعتبارات أقل حتى تصبح البوصلة في تطور الرواية والقصة والشعر. 


كتاب تمنيت كتابته؟
لقيطة اسطنبول للكاتبة التركية أوليف شفق. الرواية على الرغم من أحداثها المتشابكة وشخصياتها النسائية طاغية الحضور، والعناية بتفاصيل المكان الدقيقة، وامتداد الزمان ليشمل أربعة أجيال.. الا أن أوليف استطاعت أن تتحكم بالخط الروائي من غير أن تفقد فضول القارئ. أيضا الكثير من قصص تشيخوف القصيرة.


عمل تخططين لاصداره قريبا؟
بين يدي رواية، ما زلت أعمل عليها بنفسٍ سلحفاتي. وكذلك مجموعة قصصية لم تكتمل. وفي رأسي هناك مشروع كتابة عن المكان. أما في مخيلتي فعندي أمنية أن أكتب نصوصا ساخرة تركل هذا العالم المليء بالقسوة والأسى. 


حكمتك؟
إياك أن تؤمن بحكمة، اذ سرعان ما ستكتشف حكمة معاكسة مقنعة وتفي بالغرض.





زاوية قطايف في جريدة النهار الكويتية


http://www.annaharkw.com/Annahar/Article.aspx?id=748158&date=28052017

القارئ المتابع في ورطة: مشاركة في الحصاد الثقافي العربي


وفق إحصائية نشرتها جريدة القبس الكويتية، فإن أشهر خمسة كتب ما زالت تحقق أرباحاً في المبيعات، هي الكتاب الأحمر الذي دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية، يليه هاري بوتر، والخيميائي، وسيد الخواتم، وأخيراً شيفرة دافنشي. للأمانة، من تلك القائمة سبق لي قراءة كتابين فقط.
المثال السابق ينطبق على العدد الذي تستطيع قراءته مهما بلغت محاولاتك. القارئ المتابع في ورطة حقيقية، فبعد أن كان من الممكن بقليل من الجهد أن يلم بأغلب إصدارات المكتبة العربية، إلا أن تطور صناعة النشر وانفتاحها، وتزايد حركة الترجمة جعلت قراءة كل شيء مستحيلاً. بالنسبة لي عادة ما تكون إصدارات الأصدقاء من الكتاب، ومتابعة القوائم القصيرة والطويلة للجوائز الأدبية مدخلاً لإثارة اهتمامي كقارئة.
خلال عام 2017 قرأت الكثير من الإصدارات، بعضها لم أكملها، وبعضها لم تعلق في ذاكرتي، وبعضها أعجبتني جداً. أذكر منها رواية أليف شفق "بنات حواء الثلاث"، فهي تعتمد كعادة تلك الكاتبة التركية على محور أساسي للنقاش، تطرح أسئلة تجعلك تدور في فلكها، وتبحث عن إجاباتك الخاصة في ما يتعلق بالدين وتحيزنا المطلق لهذه الفكرة أو لأخرى دون أن نترك مجالاً للتعايش ضمن حرية العقيدة والانتماء. وأيضاً هناك رواية "صانست بارك" من منشورات المتوسط لبول أوستر. وكرواية عربية وجدت رواية "سماء قريبة من بيتنا" لشهلا العجيلي قريبة من نفسي لأنها تتحدث عن سورية. كذلك "في غرفة العنكبوت" للروائي المصري محمد عبد النبي، تتناول موضوع المثلية بأسلوب شيق للغاية. وهناك رواية "السبيليات" للصديق العزيز شيخ الروائيين إسماعيل فهد إسماعيل. وأعتقد جازمة بأن لكل كتاب مما سبق نكهة خاصة.
أما الفعالية الثقافية الأبرز، فهي برأيي "جائزة الملتقى للقصة القصيرة" التي انطلقت عام 2015 في الكويت، لأنها دفعت باتجاه الاهتمام بالقصة القصيرة، بعد أن استقطبت الرواية المشهد الثقافي. خلال عامين ها نحن نرى دور النشر تهتم بطباعة العديد من المجاميع القصصية، كما هيأت للكتّاب جواً تنافسياً لهذا النوع الجميل من الأدب.



مشاركتي في موقع العربي الجديد/ الحصاد الثقافي العربي 2017



https://www.blogger.com/blogger.g?blogID=33402139#editor


08 سبتمبر 2017

صحافة الإنترنت والفوضى الإخبارية

منذ أيام ونقلًا عن «الإندبندنت» نشرت المنصة الإخبارية «هافينجتون» مقالًا مترجمًا بعنوان (خلف قضبان سجون الأسد)، يتناول شهادة حية لجحيم الاغتصاب الذى واجهته إحدى المعتقلات وليست الوحيدة، وعلى الرغم من أن القانون الدولى اعتبر الاغتصاب جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية؛ فإن كثيرات تعرضن ويتعرضن لهذا النوع من الإذلال والمهانة.
الفتاة التى مرت بتلك البشاعة تحدثت باسم مستعار ولم تكشف عن شخصيتها لظروف اجتماعية ونفسية نتفهمها جميعًا، إلا أن الصورة المرافقة التى اختارتها الصحيفة بشكل عشوائى ومن دون أن تتوخى الحرص، كانت لسيدة أخرى لا علاقة لها بالموضوع. ولأننا فى عصر الاتصالات السريع انتشر الخبر على وسائل التواصل الاجتماعى والصحف الإلكترونية، وانتشرت الصورة معه لتصل إلى الآلاف المؤلفة من القراء. هكذا صحت صاحبة الصورة من نومها لتجد نفسها فى ورطة لم تحسب لها حسابًا. 
الزوج المحاصر بأخطاء غيره كتب معترضًا بأن صورة زوجته أُقحمت داخل القضية من دون مبرر، وأشار إلى أن اللقطة أُخذت من خبر آخر يتعلق برفعهم قضية على فروع الأمن العسكرى بسوريا فى المحكمة الفيدرالية الألمانية.
فى محاولة للرجوع إلى الخطأ من مصدره فى المقال الأصلى للشهادة التى أوردتها صحيفة «الإندبندنت» أو من موقع «الهافينجتون» أو فى سلسلة المواقع الإخبارية اللاحقة التى نقلت الخبر كما هو، نجدها جميعًا متورطة بالتعجل والاستعانة بتقنية القص واللصق. على الرغم من أن فى كل مادة صحفية منشورة لا بد من الانتباه والتدقيق ليس فى الخبر نفسه فقط، بل أيضًا فى الصورة المرافقة. 
عادة ما تلتقط العين الصورة قبل الخبر، فالصورة على أشكالها المتعددة سواء الشخصية للكاتب أو الكاريكاتير أو الرسم البيانى للأرقام الواردة فى الخبر، هى المحفز للقراءة والوسيلة الأسرع والأقدر على تثبيت المعلومة وأيضًا تذكرها لاحقًا، وهذا للأسف ما سيجعل صورة السيدة راسخة فى الذهن لفترة طويلة. 
خلال تجربتى فى العمل الصحفي، جريدة واحدة فقط كانت تعنى بموضوع خصوصية الصورة المرافقة لأخبارها، ولديها قسم كبير متكامل ووافٍ للتصوير، وكتيبة من المصورين النشيطين المتمرسين الذين يلتقطون صورًا حصرية، وأذكر جهدهم وتعبهم فى قطع الشوارع واللحاق بالصحفى أو سبقه أحيانًا لحضور المراسم الرسمية والمباريات والمقابلات، وكان من حقهم علينا كمحررين كتابة اسم المصور على الصورة كما يكتب اسم الصحفى على المادة الصحفية، أو الإشارة إلى مصدر الصورة إن لم تكن حصرية، وهذا ما تفعله «رويترز» على سبيل المثال. 
ولم يكن ذلك عبثًا، فالصورة كما يقولون بلغة الصحافة الحديثة صارت هى الطلقة الأولى التى تصيب، أما إن خابت فذلك يرجع لأسباب عدة، تتعلق بالتكرار وعدم الموضوعية، أو أن تكون الصورة مؤذية وخادشة للآداب العامة، والأسوأ من كل ما سبق ذكره أن تكون مفبركة ولا تخص القضية المطروحة كما حدث مع صاحبة الصورة التى لن يحسدها أحدنا على الوضع الذى وجدت به. إن حذف الصورة من جهة المصدر وهذا ما حدث بناءً على اعتراض الزوج لم يكن علاجًا باترًا؛ لأن الصورة فى زمن الأخبار المنقولة من وعن، ما زالت تظهر هنا وهناك.

14 مارس 2017

الفنادق بيوت العابرين

ثمة تأكيد يعرفه أشاوس المسافرين والرحالة، بأن اختيار فندق تقيم به أمر لا يقل أهمية عن اختيار المكان الذي تتجه إليه. 
الاقامة في غرفة لا تعرفك ولا تعرفها تكسر الروتين، وتربك الملل. 
أغلق باب الغرفة وتأمل الجدران الباردة، الأثاث الذي لم تختره، والنوافذ التي تجهل على أي مشهد تطل. ستفتقد إلفة غرفتك، ولكن أليس هذا بالضبط هو المطلوب؟
إنها مغامرة مدفوعة الثمن. اختيارك المؤقت بديلاً عن المؤبد. لن يعجب كلامي مدمنو البيوت والمصابون بفوبيا السفر.  أما إن كنت مثلي تحلم بمكان يطل على محيط ما لم تزره بعد، تحط  فيه النوارس قرب شرفتك وتتبادل معك ذاكرة مؤقتة، إذن تابع القراءة.

أين غرفتي؟

من أجل قيامك برحلة سياحية عليك متابعة الفيزا والتدقيق على مواعيد الحجوزات.  تحتمل ضجيج المطارات، وساعات الانتظار، والتأخير، والمقاعد غير المريحة، والنداءات الأخيرة، وجرجرة حقائب لا غنى عنها، وتناول فناجين قهوة لها مذاق واحد، وهدف واحد؛ هو البقاء متيقظاً بعينين مفتوحتين، فثمة مناطق عديدة على هذه الأرض تناديك. بلاد مجدولة بالشمس، وأخرى تلتف بالضباب، وتلك التي تبقى على مدى 24 ساعة متأهبة لاستقبالك، وبقعة تشك فيما إذا كانت بخضرتها ومائها وهوائها هي النسخة الأرضية من الجنة الموعودة. تحط في بلاد جديدة تشم الهواء من حولك، وأول ما تفعله التوجه إلى فندقك.
 الفنادق الكبيرة تدللك، تحمل عنك عناء ترتيب سريرك، وتوقظك في الوقت الذي تحدده.  تقدم لك وجباتها على مدار الساعة. علق على الباب "ممنوع الازعاج" ولن يجرؤ أحد على فعل العكس.
إدارة الفنادق فنٌ بحد ذاته، تتكفل بمهمة الترحاب الأولى، فهناك من يتلهف لحمل حقائبك، فيما تتفرغ أنت لإلقاء نظرة فاحصة على ما حولك. الانطباع الأهم يبدأ من البهو. سيطمئن قلبك حين يكون مفعماً وطافحاً بالابتسامات الودودة، والوجوه البشوشة الوسيمة وإلى أن يحين موعد استلام الغرفة تجلس. تتلفت، فهناك فوق المقاعد المجاورة آخرون ينتظرون مثلك تلتقيهم بحكم الصدفة؛ غريباً لغريب .
اترك لأنفك مهمة تحديد مستوى نظافة الفندق. دعه يلتقط الرائحة.  الق نظرة سريعة على الحمام. إياك الاطمئنان لرائحة الديتول حين تكون طاغية. أهم ما تفتخر به الفنادق تصاميم حماماتها، التي تتماشى ببذخ مع المناشف البيضاء المعطرة بأريج الربيع، وكل ما يتبع ذلك من ملحقات وإكسسوارات. على سبيل المثال يمكن تجهيز حمام فندق  "بارك حياة" دبي لتستعمله سريراً، فالحوض يشبه المقلاة الطافية في وسط الحمام، تحيطه المرايا الصقيلة، عدا عن مزايا الجاكوزي والبخار وكل أسباب الاسترخاء. كما أن التصميم الذكي للغرفة سيتيح لك من مكانك في حوض الاستحمام أو من سريرك أن تطل بكلك على الخور.
على عكسه تماماً أذكر فندق " كوزموبوليتان" القاهري، ويبدو أن ميزته الوحيدة عدا ايقاع حروف اسمه المهيب، أنه يقع في منطقة وسط البلد، قريباً جداً من ساحة طلعت حرب. أتذكر أني اضطررت وقتها للاستحمام تيمماً، هكذا استفدت من الغبار، وتجنبت مصيبة الحمام !
نعم إن الاقامة في فندق مغامرة تخل بروتين الحياة ومللها، وهذا ما يجعلها باهظة التكلفة.. أحياناً.

النصيحة بجمل
لأني ابنة حلب المدينة العريقة سابقاً والمنكوبة حالياً، فأنا لا أقيم في فنادقها.  
العديد من بيوتها الأثرية تم تحويلها إلى أوتيلات تسحر اللب، وتوقظ الحواس " فندق زمريا "، و" بيت صلاحية "، و" بيت الوكيل "، و" قصر المنصورية " هذا الأخير ليس قصراً، لكنه بيت عتيق استرد مجده. بني  أواخر القرن السادس عشر، على بعد خطوات من قلعة حلب.  
الفندق صغير وودود، تنبعث منه رائحة الماضي، وتنعكس فوق بلاط مدخله آثار من مروا. يحتوي على تسعة أجنحة فقط زينت بطريقة هي خليط ما بين الفخامة والعراقة. حمامات  " المنصورية" برخامها الأصفر المصقول مزودة بكل ضرورات الاستحمام القديمة من صابون الغار و البيلون و الدريرة وكيس تفريك و الطاسة المفضضة. 
أما المطعم فيقع بكراسيه المطعمة بالصدف تحت سقف مقبب، كان قبواً فيما مضى، يُقدم أطباقاً تقليدية التي تعتبر مزيجاً من المطابخ التركية والعربية والأرمينية واليهودية بالإضافة إلى التأثيرات اليونانية .
أياً تكن فخامة فندق "المنصورية" الذي أجهل مصيره اليوم، فلن يقارب شهرة "فندق بارون" المؤلف من طابقين بني بين عامي 1906-1911وفيما بعد ألحق به طابق ثالث. يحافظ فندق بارون بين جدرانه على تفاصيله لحظة افتتح. بدءاً من البلاط و اللوحات،  وكل قطعة أثاث، ومجموعة الاكسسوارات، وفناجين القهوة ، والشمعدانات، والإضاءات الجانبية.  وإن كان ثمة تعديلات فهي لا تلحظ بالعين المجردة. ولشهرته أطلق على الشارع حيث يقع التسمية نفسها  " شارع بارون " الذي كان في خمسينات القرن الماضي أحد المناطق السكنية الحديثة ، قبل أن يتحول إلى شارع مكتظ بالمحلات ودور السينما.
استضاف فندق بارون أسر العائلات الحاكمة في أوروبا، إضافة إلى الباشاوات، وتجار الحرير والأثرياء والمشاهير. وكان مقراً لقادة جيوش الألمان والأتراك في الحرب العالمية الأولى، كما كان سكناً لجنرالات الحلفاء البريطانيين والفرنسيين في الحرب العالمية الثانية. من أشهر نزلائه الرئيس جمال عبد الناصر، ولورانس العرب، وأغاثا كريستي، ورائدا الفضاء يوري غاغارين، وفالنتينا تيلشكوفا.

مع إن.. إلا أن
رغم كل السحر الذي يرافق الإقامة في الفنادق، إلا أن أحداً منها لم يغرني بالعودة إليه، أغادرها ولا أرجع إليها، فإن صدف وزرت المدينة نفسها فإني أفضل البحث عن مكان جديد أقطف بهجته الأولى. ربما لأن الحنين يخص البيوت وأهلها فحسب، أما علاقة الفنادق بالمسافرين فهي علاقة منسي بمنسيين .

الفنادق كوجوه الغرباء، تحتفظ بفتنتها طالما بقيت بعيدة.

سوزان خواتمي 
نشرت في مجلة الفنون الكويتية

12 مارس 2017

homefront فيلم لا أنصح بمشاهدته



دون أي شعور بالذنب بإمكانك أن تقول عن الفيلم بأنه (مريع)، وبقليل من الذنب ستشعر أنك قضيت نحو ساعتين تقريباً تتابع صراعاً خلاقاً على طريقة هوليوود، لا يموت فيه البطل على الإطلاق، ويتساقط أمامه جميع الأشرار في المواجهات المتتابعة سواء كان يتوقعها فيتصدى لها أو تباغته فيتصدى لها أيضاً.. وهنا أيضاً لا يهم عددهم ، فالضربات العنيفة للبطل الخارق تهزمهم دائماً.
ساعد على كل ما تقدم ذكره، القوام الذي يتمتع به البطل "جيسون ستاتهام" وهو ممثل إنجليزي وغطاس سابق، استغلت الكاميرا وسامته وكماله الجسماني على أكمل وجه، وأعانته الخدع السينمائية التي لا مجال الا الاعتراف بإبهارها . فالحركة على صعوبة تصديقها مرسومة بالمليمتر .
قصة الفيلم
تدور أحداث الفيلم وهو من انتاج عام 2013 ومن اخراج غاري فليدرحول شرطي في إدارة المخدرات يستقيل من عمله بعد وفاة زوجته التي لا نعلم كيف ماتت، وكي لا نتهم الحبكة فقد يكون قطع الرقابة لمشاهد من الفيلم هو الذي أحدث هذه الفجوة .!
الشرطي المتقاعد يستقر في بلدة صغيرة نائية مع طفلته التي تبلغ العاشرة من عمرها، وكان قد دربها كي تدافع عن نفسها.  وقد اختار "جيسون ستاتهام" العزلة كي يعيش بهدوء وسلام بعيداً عن العنف، ولكن الحظ خانه، ففي البلدة الصغيرة هناك أشرار أيضاً، أحدهم يعمل في تصنيع المخدرات .
وتتجه التقاطعات والصدف التي بدأت بشجار بين ابنته وطفل آخر في مدرستها، إلى تصعيد خلاف حاول ستاتهام تهدئته بحلم وصبر مطلقين، لكنه يضطر أخيراً إلى الدفاع عن نفسه وعن ابنته، فيصفي كل أفراد العصابة دون الحاجة لمساندة أحد، حتى الشرطة ورئيسها الذين يتم توظيفهم كخلفية ناجحة لمشاهد مثيرة، ولحسن حظه وحظنا كمشاهدين مع نهاية الفيلم يظل  "جيسون ستاتهام" هو الناجي والمنتصر الوحيد.
يتجه الحوار في الفيلم إلى طرح موضوع تجنب العنف، والاتجاه نحو المسالمة، ورفض مبدأ الاقتصاص، وتقديم الاعتذار بسهولة لتجنب المشاكل، لكن على النقيض من ذلك تذهب المشاهد والأحداث التي تسوق البطل وتستخدم كل أنواع الترويع بدءاً من التضارب بالأيدي إلى اشهار السكاكين والمسدسات والإنفجارات والملاحقة وتصادم السيارات، ولم تنفع مشاهد الغابة وهدوئها، ولحظات ركوب الحصان، وضم الابنة إلى صدر أبيها على تخفيف المغالاة في العنف الذي يتصاعد ولا يكف.

إنها التوابل التي لا تستغني عنها السينما الأميركية وأفلام الأكشن والحركة التي تستقطب المشاهدين الذين يميلون إلى مشاهدة البطولات الخارقة ومشاهد التدمير فيما هم يتلذذون بالبوشار.! بالنسبة لي أفضل سينما أكثر احترافية وأقل مباشرة، الأفلام التي تطرح الأسئلة . وما زلت أذكر فيلماً لا يذهب من بالي هو (Life of Pi) الذي وصلت إيراداته لأكثر من 600 مليون دولار، وفاز بأربعة جوائز أوسكار، أنصح بمشاهدته أو إعادة مشاهدته ، ففيه كل خدع الاثارة والمغامرة والتشويق والخيال إضافة إلى حوار مخادع يسيطر على ذهنك ليملأه بالتساؤلات .
سوزان خواتمي
موقع آراء الالكتروني 

07 مارس 2017

عن يوم المرأة والحب وما الى ذلك ....

 
ظننت إثماً، أن اهتمام المرأة المفرط بشكلها، وتحسين خلقتها (بالكسر) قبل خُلقها (بالضم )
هي طريقة للظهور أو للرضوخ لما هو مطلوب منها في مجتمع " كوني جميلة واصمتي"
 فالمرأة الجميلة تستجلب حظها بشرطة عينيها، فتحصل على مكان مريح في سيرفيس محشو بالركاب ، و تتجاوز طوابير الواقفين في أي مصلحة حكومية ، بل وتحصل على وظيفة في زمن البطالة بفارق درجتين نط لفوق .. كما أنها (أي الجميلة) هي الأروج في سوق الزواج تتباهى بأعداد المعجبين والمتقدمين والمنتظرين . ويعزز من ذلك كل ما تسمعه من غزل ومديح وثناء لذلك فتتابع المرأة بضراوة طرق الثبات على الحال ، فيما لو كان حسنها "ربانياً"، والتحسين والتزويق فيما لو كانت "نص نص" ، والتدليس وعمليات التجميل والشد والشفط والنفخ فيما لو كانت "قبيحة" . ولذلك يبدو اهتمام السوق العالمي بمنتجات المرأة مريعاً، بدءاً من صيحات الموضة والأزياء المتغيرة، إلى الكريمات والمطريات والملونات من ادوات التجميل، وحتى وصفات حلقات الكيوي على الوجه والخيار فوق العينين . 
 ولكن يبدو أن كل ما سبق ليس سوى نظرة تسطيحية، ففي بحث عن الحب، يؤكد بأن مراحل الوقوع فيه تختلف بين الجنسين، فالحوافز البصرية أسهل عند الرجال منها لدى النساء أي أن الرجل يعشق بعينيه والمرأة بأذنيها . لهذا فكل التلوين والتزويق هي عوامل لصنع الحب وانتاجه، ولتعمر المعمورة المشرفة على الهلاك، خاصة وأن الحب هو المنتج الأهم للحياة .
حيث يغطس الرجل في مغطس الحب متبعاً خطة " نظرة فابتسامة فكلام "
فإذا بوجه الحياة الكحلي يصبح وردياً. 
 أي أن حواء حين تتجمل تسهم بتجميل الكرة الأرضية، حيث تقوم بتوصيل دارات تولد الطاقة في عمنا آدم ، فينسى السياسة والحرب والثورات والزحام والغلاء والرشوة والقناصين وتصريحات ترامب. ويدق في صدره طبلٌ بلدي مؤكداً أن "الحياة خلقت لتعاش" 
إذن .. لا بأس يا امرأة في عيدك الذي لم تحصلي فيه على حقوقك القانونية : 
 تزيني و اطرقي الأرض بكعبك العالي لينبت العشب ويدور العالم في مدارات الهناء .!