15 مايو 2020

النساء السوريات... صانعات الخير


أول احتفال يخص تكريم المرأة أقيم في باريس، قبل ما يقارب 75 عاماً من اليوم. حدث ذلك إثر انعقاد مؤتمر الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، إلا أن تخصيص الثامن من آذار جاء لاحقاً بعد سلسلة من الجهود الدؤوبة والوقفات الاحتجاجية والمطالبات المحقة تعود إلى ما قبل ذلك التاريخ بكثير لتتحول المرأة من كائن غير مرئي إلى مواطنة تنال بنجاحها وإصرارها احترام مجتمعها والمساواة والعدالة في حقوقها السياسية والدستورية. الجدير بالذكر أن منظمة الأمم المتحدة لم تتبن تلك المناسبة بشكل رسمي سوى سنة 1977 لتتحول إلى يوم عالمي يرصد إنجازات المرأة ويتذكر نضالها، وقد اعتمدت بعض الدول هذا التاريخ كعطلة رسمية.
ماذا لو استسلمت الحركات التي أسست لحقوق المرأة منذ بدايتها أي في القرن السابع عشر، فالطريق شاقٌ وصعبٌ، والتأثير في المجتمع لتغيير المفاهيم والأوضاع القامعة للمرأة بطيء ومحبط.
لن نتخيل ذلك إلا من باب خلاصة القول: الآمال وحدها لا تكفي، والأهداف المحقّة ستتحقق ولو بعد حين.

دعونا اليوم نحتفل
الأعياد هي مناسبة جيدة للاحتفال، على الرغم من المآسي التي تحيط بالمرأة السورية ضمن ظروفها الحالية، سواء في المدن التي تتعرض للقصف أو في بلاد اللجوء أو داخل المخيمات، إلا أن حضورها الفاعل والمؤثر لم يغب، فالكثير من الشخصيات النسائية تحدّين المعوقات والصعوبات، واستطعن لفت أنظار العالم إليهن، ولعل هذا اليوم مناسبة للإشارة إلى بعض تلك الأسماء.
نبدأ بفيلم "من أجل سما" الذي حصد منذ فترة قريبة جائزة أفضل فيلم وثائقي في احتفالية الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون "بافتا"، ورشح لجائزة الأوسكار، كما فاز بجائزة العين الذهبية في مهرجان كان. مخرجته وعد الخطيب عاشت أوقاتاً صعبة حين كانت المشافي الميدانية في حلب تقصف بعنف. لم يكن الخوف خيارها الوحيد، فبكاميرتها التقطت صوراً من الواقع لجرائم النظام ضد الإنسانية خرجت بها إلى العالم لتثبت أن المرأة منذ الأزل قادرة على صنع الحياة بما بين يديها من مواد أولية مهما كانت متواضعة.
أما ياسمين مرعي وهي مديرة تحرير مجلة " سيدة سوريا" فقد ترأست قبل شهور قليلة حزب "أحرار" المعارض، لتكون بذلك أول امرأة سورية تؤسس حزباً سياسياً جديداً يضم أكثر من 30% من النساء، ويسعى في أحد أدواره إلى تعزيز دور المرأة كشريك وند في الثورة.
وعلى صعيد جماعي، يأتي كورال "حنين" الذي بدأ في مدينة غازي عنتاب التركية، وأسسته مجموعة من السيدات إحداهن رجاء بنوت، كتحدٍ للزمن الصعب. كانت الغاية منه مساعدة النساء على تخطّي حالة اليأس والإحباط وتخفيف آلام التهجير والتشرّد التي يعشنها. اليوم يطوف كورال حنين في بلاد اللجوء ليُسمع العالم تراث بلد يعيش الحرب.
على صعيد مختلف تمنح وزارة الخارجية الأميركية كل عام جائزة المرأة الشجاعة لعدد من النساء المتميزات في مجال حقوق المرأة ومناصرة قضايا بلادهن، هذا العام حظيت آمنة خولاني بالجائزة، وهي إحدى الناجيات من سجون الأسد، تكرس حياتها لقضية المختفين قسراً، ومساعدة عائلاتهم. سبقتها إلى نفس الجائزة رزان زيتونة، ومجد شربجي التي تعمل على تمكين النساء وتعليم الأطفال في لبنان، وتم تكريمها من قبل منظمة أوكسفام العالمية.
قبل سنوات في العام 2015 منحت منظمة صحافيون بلا حدود ووكالة الصحافة الفرنسية جائزة بيتر ماكلر للصحافة الشجاعة للصحافية "زينة أرحيم" التي قامت بتدريب نحو 100 مواطن صحفي داخل سوريا، ثلثهم من النساء للإلمام بالصحافة المكتوبة والمرئية. كما ساعدت على تأسيس صحف ومجلات مستقلة في الشمال السوري.
الناشطة مزون المليحان تسلمت جائزة السلام الدولية "دريسدن"، لإسهاماتها في مجال تعليم الأطفال في مناطق الأزمات، وتعتبر المليحان سفيرة خاصة لمنظمة اليونيسف. شاركت في أنشطة تعليم الأطفال في مخيم للاجئين في الأردن منذ أن كانت في الرابعة عشر من عمرها.
كما حصلت الطفلة السورية نور ابراهيم 12 عاماً والتي تعيش في أحد مخيمات اللجوء على المركز الأول في مسابقة عالمية أقيمت في ماليزيا، بعد تفوقها على 3000 طفلة/طفل إذ تمكنت من حلّ 235 مسألة خلال 8 دقائق، لتحقق فوزاً على بقية المنافسات/ين من أطفال العالم.
مُنحت جائزة مصطفى الحسيني للمقال العام الماضي للصحافية فلك فرج الحسين عن مقالها "سجن داعش في الطبقة: شهادة شخصية" إذ عملت فلك مراسلة لعدد من مواقع الإعلام البديل في مدينة دير الزور عندما كان تنظيم داعش يسيطر عليها، وشاركت في تأسيس جريدة "صدى الثورة". أهدت جائزتها لمن شاركها الزنزانة في سجن تنظيم الدولة "داعش"، وللنساء السوريات في المعتقلات ولسكان المنطقة الشرقية في سوريا.
في العام 2018 قدمت منظمة Nurses With Global Impact  (NWGI) ، جائزة أفضل ممرضة في العالم لـ "مليكة حربلي". خلال عملها النبيل تعرضت مليكة، المعتقلة السابقة لدى النظام السوري، لإصابات وجروح نتيجة القصف على المشافي التي تعمل بها، وكانت تهمتها الإرهاب ومعالجة الإرهابيين.   
في المجال العمل الطبي الإنساني حصلت طبيبة الأطفال أماني بلور هذا العام على جائزة مجلس أوروبا "راؤول والنبرغ" لشجاعتها في إنقاذ الأرواح في مشفى “الكهف” والذي كان يخدم 400 ألف مدني خلال حصار الغوطة الشرقية 2012-2018. تم تصوير الحياة اليومية للطبيبة أماني مع زميلاتها أثناء عملهن، ورشح فيلم "الكهف" من إخراج فراس فياض لجائزة الأوسكار.

من المستحيل رصد جميع الأسماء منذ بداية الثورة وحتى الآن، وإن كان توثيق ذلك حاجة ملّحة على مراكز المعلومات العمل عليها، فالسوريات أكدن تميزهن على عدة أصعدة، وقدمن نموذجاً غير نمطي لقدرات المرأة العربية عموماً والسورية على وجه الخصوص.
بعيداً عن اعتراف العالم والجوائز... لعلنا لا ننسى الهاربات من القصف الهمجي على قرى وبلدات إدلب يسحبن أولادهن إلى المجهول. ينمن في العراء أو يحتمين بشجرة تحت مرأى ونظر العالم.
آلاف الآلاف من النساء يستحقن في يوم المرأة العالمي التحية والاحترام، فهن يتعرضن لشتى أنواع الانتهاكات تحت القصف وفي المخيمات، ويقاومن قهر اللجوء والنزوح، ويمارسن الأعمال الشاقة لإعالة أسرهن، ويتحايلن على الأوضاع المعيشية الصعبة، يدفعن ثمن اختياراتهن الحرة، ويحاولن بالقليل مما يملكن إدارة دفة الحياة.

كل عام وأنتن صانعات الخير... أصل البقاء

ضحايا التعنيف في زمن العزلة

خلقت التدابير المشددة للحجر المنزلي مشكلة انصبت أضرارها في نسبها الأعلى على النساء والأطفال، إذ يشهد العالم ارتفاعاً ملحوظاً من حالات العنف الأسري، والتي يصعب التعامل معها في ظل انشغال إدارات الشرطة بتطبيق قوانين عدم التجول الصارمة.
منذ أن وصفت منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا المستجد بأنه جائحة، والعالم يقف على شفا هاوية في مواجهة وباء يحصد آلاف الأرواح، ويهدد بانهيار المنظومة الصحية، لكن يبدو أن أخطاره لم تقف عند حد الهلع من العدوى وجهود إنقاذ المصابين.
بشكل متواتر تطفو على السطح مؤشرات العجز الاقتصادي من جهة، وتصاعد العنف الأسري من جهة أخرى، فمع فرض قانون الحجر الصحي وعزل الناس لأنفسهم أوردت التقارير ارتفاعاً ملحوظاً في عدد ضحايا التعنيف.
العزل وتغيير أنماط الحياة الاجتماعية المعتادة جعلت البيت بالنسبة للمعرضات للتعنيف مكاناً غير آمن لا يخلو من الخطر، فالتواجد بين الجدران وخلف الأبواب المغلقة أدى إلى تفاقم الخلافات الزوجية وتوتر العلاقات العائلية، وتسبب في ظهور حالات عنف أسري تصدرت عناوين الأخبار.

العنف في زمن كورونا
تجاوز التعنيف في بعض الأحيان حدود الإهانة أو الضرب، ففي منطقة التل التابعة لمدينة طرابلس اللبنانية توفيت يوم 7 نيسان 2020 الطفلة السورية مهى التي تبلغ من العمر خمس سنوات، نتيجة تعرضها للضرب المبرح من قبل والدها وزوجته، نقلت على أثرها إلى المستشفى الإسلامي وفارقت الحياة، ومازالت التحقيقات جارية حول الجريمة.
كما عرضت الأردنية إيمان الخطيب في بث مباشر عبر صفحتها على موقع الفيس بوك تشكو تعرضها للتعنيف من قبل أخيها ووالدتها، إلى أن عملت إحدى الجمعيات على نقلها إلى أحد مراكز الإيواء مع ابنها.
وفي محافظة النجف في العراق أقدمت الشابة ملاك الزبيدي على حرق نفسها جراء ما تتعرض له من قبل زوجها وأهله، كمنعها من إكمال دراستها ومن زيارة أهلها، بل كان زوجها وأخيه يقومان بضربها باستخدام "الكابلات". سكبت ملاك البنزين على نفسها في محاولة للتهديد، فما كان من زوجها إلا أن قدم لها "الولاعة". لم ينقلها أحد إلى المستشفى خوفاً من الاستجواب والمساءلة، وخلال ثلاثة أيام كانوا يصبون الماء على جسدها للتخفيف من حدة الحروق، إلى أن تدهورت حالتها الصحية ونقلت إلى المستشفى وتوفيت هناك.
أمثلة لوقائع مؤسفة تحدث حولنا. قتل وضرب وتعنيف وتنمر إضافة إلى حالات طرد الزوجات من بيوتهن حيث لا مكان يلجأن إليه بسبب ابتعادهن عن الأهل، واستحالة السفر، أما الحالات غير المعلنة، فهي أكثر بكثير من تلك التي يتم الكشف عنها، لأن أغلب ضحايا العنف يلتزمن الصمت إما بسبب الخوف أو العجز أو خشية الفضيحة.
الحقيقة لا يقتصر العنف على الإيذاء الجسدي إذ تتعرض النساء إلى الإيذاء النفسي بتحويلهن إلى مادة للسخرية، أو للتنفيس عن الغضب، وهذا يوضح نظرة المجتمع القاصرة والمهينة للمرأة.

الأمم المتحدة تطالب بحماية النساء
تضاعفت نسب العنف المنزلي وازدادت مخاوف النساء المعنفات وعذابهن اليومي، حيث شهدت لبنان زيادة قدرت بنسبة 100%، وفي فرنسا ازدادت الشكاوى بنسبة 32% خلال أسبوع، تكررت الظاهرة في معظم الدول الأجنبية والعربية على حد سواء. ما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى إطلاق نداء عالمي لحماية النساء في المنازل إثر ما سماه "الطفرة العالمّية المروّعة في العنف المنزلي" محفزاً المجتمع الدولي على التحرك وإيجاد الحلول المناسبة.
ومن جهتها قالت روث غلين رئيسة التحالف الوطني ضد العنف المنزلي في الولايات المتحدة: "في هذا الوقت بالتحديد، مع كوفيد-19، المنزل قد يكون صعباً جداً بالنسبة لضحايا العنف الأسري والناجين، لأن المعتدين يستطيعون استغلال الوضع للتحكم بشكل أكبر في ضحاياهم".
وأضافت غلين: "العزل يسمح للمعتدين بمزيد من التكتيكات التي يمكنهم استخدامها للحفاظ على سيطرتهم وتقييد حركة الضحية وحتى حرمانها من الوصول إلى هاتف وجهاز كمبيوتر أو مغادرة المنزل".
تلبية لتلك التحذيرات تم في تونس تفعيل قانون 58 الذي يجبر المعتدي على إخلاء المنزل لصالح الزوجة المعنفة وأولادها، ووفرت الكثير من الدول وبينها لبنان خطوطاً مجانية للتبليغ عن العنف وتقديم الخدمات النفسية والقانونية، كما خصصت بلدية بروكسل في بلجيكا فندقاً لإقامة ضحايا العنف الأسري بعد تزايد أعدادهن، ودعت منظمات نسوية إلى تعتيم الصور الشخصية كحملة تضامن على شبكات التواصل الاجتماعية لرفض العنف ضد المرأة.   
من المؤسف عدم وجود أية نسب أو دراسات تخص النساء المعنفات في سوريا، ويبقى السؤال في ظل دولة لم تعترف بالأرقام الحقيقية للإصابات بفايروس كورونا، ترى هل زادت حالات العنف خلال هذه الفترة؟ وهل من وسائل للإبلاغ عنها واتخاذ التدابير اللازمة، أم علينا أن نقف عاجزين/ ات بانتظار أن نسمع عن ضحايا منسيات؟ ونحن كنسويات هل يمكننا اتخاذ أية اجراءات مفيدة وإن عن بعد؟

نظرية البالون
ماالذي يحدث إذا ما نفختَ بالوناً أكثر مما يحتمل... سينفجر في وجهك بالتأكيد. تقودنا الدراسات إلى عدة عوامل أسهمت في تحويل حوادث العنف المنزلي إلى ظاهرة تشغل المنظمات والجمعيات المختصة، فالتحذير من الخروج من المنزل وتقييد حركة التنقل ومنع السفر والابتعاد عن الأهل وتوقف الدوام الوظيفي وعدم مقابلة الأصدقاء جعل المعنفات سجينات بيوتهن، بحيث يتعذر في كثير من الحالات الوصول إلى أية وسيلة اتصال تنجدهن على الفور... كما أن السكوت والتستر يوفران فرصاً للمزيد من الاعتداء، فصفعة المرة الأولى قد تؤدي إلى كسر الفك في المرات التالية، وإلى ما هو أشد وأخطر وأكثر إيذاءً لاحقاً...
وربما يجدر بنا كأمهات وآباء العمل على التوجيه التربوي منذ الصغر بعدم التهاون مع الميول العدوانية، ومنع استخدام الضرب مهما يكن السبب، وغرس احترام وتقدير المرأة باعتبارها كائن لا يقل أهمية عن الرجل، أما حالياً فيبقى السبب الرئيس لتصاعد العنف غياب القوانين الصارمة والمجرّمة والآنية لحماية كل من المرأة والطفل.

المنصة.. عين على قبح العالم

كيف ينجح فيلم في عرض مفاهيم مجردة، كالمسؤولية الجماعية وإرادة التغيير والبنية المجتمعية واستبداد السلطة من غير أن يخل بأدواته التشويقية كالحبكة وحركة الكاميرا وحيز المكان. ؟! 
نتحدث هنا عن [the platform-المنصة]
وهو فيلم خيالي إسباني من إخراج غالدير غاستيلو أوروتيا عرض –بحسب ويكيبيديا-في مهرجان تورونتو السينمائي عام 2019، ويتواجد ضمن القائمة التنافسية في موقع نتفلكس باعتباره أحد الأفلام الأكثر مشاهدة في معظم بلدان العالم. 
تدور الأحداث بطريقة سيريالية في سجن عمودي يتألف من 333 طابق. كل طابق يحتوي على سجينين اثنين يتقاسمان منصة طعام تهبط يومياً بدءاً من الأعلى نزولاً نحو الأسفل، وهذا يعني أن المائدة الزاخرة بما لذ وطاب تتناقص محتوياتها تدريجياً، إذ لا يستطيع السجناء الاحتفاظ بلقمة إضافية عما يأكلونه في المدة الزمنية المحددة والتي لا تتعدى الدقيقتين. الطعام يكفي كل الطوابق فيما لو وزع بشكل عادل، ولكن الأمر لا يحدث على هذه الصورة العقلانية النموذجية، فغريزة البقاء، وربما الشرّ والأنانية والنهم، تجعل مكونات المائدة تتناقص وتتحول إلى نفايات ثمّ تتبدّد بحيث لا يبقى لمن هم في الطوابق الدنيا ما يسدّ رمقهم، فيلجؤون إلى قتل شركائهم في الزنزانة وأكلهم، أو يتعرضون للموت جوعاً بكل بساطة. لحسن الحظ أو لسوئه فإن موضع السجناء يتغير كل شهر بشكل عشوائي، إذ يتم نقلهم بين الطوابق، إلا أن هذا التبديل لا يحسن سلوكهم، فمن نجا من معاناته سابقاً لا يفكر بمن احتل مكانه. 
بطل الفيلم "غورينغ" والذي دخل السجن برغبته في سبيل الحصول على شهادة دبلوم، بما يوحي أنه من الطبقة المثقفة، يسعى إلى إيجاد وسيلة تضامن تؤمن حياته خلال فترة سجنه وتنقذ المقيمين في الطبقات السفلية من مصيرهم المحتوم، ولكن هل هناك من يسمعه داخل هذا الحيّز المرعب من العزلة ومن خوف الجوع؟ وما الذي سيتعرض له حين يحاول إقناعهم؟ 
يصعب توصيف الفيلم على أنه جميل أو ممتع، فخلال 94 دقيقة من الأحداث السوداوية لا تخلو من مشاهد مقززة، يتحتم علينا التعامل معها باعتبارها رمز لواقع بشع يظهر جلياً عندما تنكشف طبقة الحضارة الهشة خلال الأزمات، فالإنسان ينقلب إلى وحش عندما يتعرض إلى ما يهدد حياته. الصراع يعري وجه العالم القبيح ويفتح باب التفكير لطرح تأويلات عدة تحتملها القصة، ما أعتبره إنجازاً يستحق متابعة الفيلم المثير للأعصاب، فمسألة طبقية المجتمع واستبداد السلطة، قضايا سبق أن تناولتها عدة كتب أذكر منها على سبيل المثال رواية 1984 لجورج أورويل عندما يتحول الإنسان إلى رقم في قطيع بشري.
لعل مسألة توزيع الثروات قضية قديمة شغلت البشرية، فهل هناك ما يكفي الجميع بين أغنياء (القوى العظمى المتحكمة) وفقراء (الدول الأقل شأناً)؟ 
نعم بالتأكيد. إلا أن القواعد الأخلاقية تتلاشى عندما ترتكز الحياة على غريزة البقاء الشرسة (إما أن تأكل أو تؤكل). لماذا يصعب إقناع الآخرين بضرورة توزيع الحصص؟ ولفرض إرادة التغيير من أين نبدأ وكيف؟ هل يمكن للتضامن الإنساني أن يكون إرادياً وطوعياً، أم أن القوة وحدها قادرة على تأسيس نظام ينقذ البشرية...؟ هل يبدأ إصلاح الأوضاع من أعلى الهرم أم من الأسفل أم هي قضية تخص الطبقة الوسطى؟ كيف للتغيير أن يحمل رسالة مقنعة، وهل نحتاج القوة فقط أم للحكمة أم للأمل؟ 
يحفل الفيلم بالعديد من الإسقاطات، فأية محاولة لتفتيت الأنظمة القائمة ستبوء بالخسران، وسيبدو فرض ذلك على أصحاب السطوة المستغلين والمتنعّمين، أو إقناع من يتضور جوعاً أمرين مستحيلين، ما يدفع غورينغ السجين المثقف لأن يضحي بنفسه ليفرض "بالقوة" توزيع حصص الطعام. 
حسناً.. في النهاية يبدو أن من يصنع التغيير لا ينعم بالنتائج، بل يتركها للأجيال القادمة التي قد تبشر بمستقبل ما.