13 يناير 2011

محجبات في الجمعية الأرمنية

رغم موضة (النق) الدارجة، والمتجددة بسبب البون الشاسع بين مطالب عيش مريح، وبين واقع حال يتأزم على الدوام. الأمر الذي يجعل الخيبة توأماً ملازماً للمواطن السوري خلال يومه الطويل، يزفرها مع أنفاسه المحتقنة على الدوام، بسبب قرارات مفاجئة توضع في حيز التنفيذ دون دراسة آثارها السلبية وشريحة المتضررين منها، بدءا من المناهج المدرسية الحديثة، وإشكالية عدم تماشيها مع استعدادات المدارس والطلبة والمدرسين أنفسهم، ومروراً بالغلاء، ومأزق الشتاء، وأزمة ارتفاع أسعار الوقود اللازم للتدفئة، وبالتالي التفكير بمدافئ الحطب، أو الحصيرة الكهربائية، أو الاكتفاء بالمزيد من الملابس الثقيلة.. و(غيرو وغيراتو)..



لكنني نسيت كلا القائمتين الطويلة، والقصيرة ( للنق ) في السهرة التي دعانا إليها صديقي د. فرزند، وقد اختار النارنج في (الجمعية الأرمنية) مكاناً لها. والمكان لمن يهتم يقع في الطابق الأخير من بناء الجمعية، في قلب منطقة العزيزية بحلب، تعبره خطى الذاهبين إلى السوق والعائدين منه. أجواء السهر الحميمية بضباب الأراكيل ومنوعات ما لذ وطاب، اختلطت بضحكات وأصوات ترتفع باحثة عن أذن تسمعها، ما ولد دفئاً قتل برودة الطقس في الخارج. وهذا بحد ذاته جيد، لكن اللافت للنظر بحق، كان تواجد عدد لا بأس به من السيدات المحجبات، في نسيج مدهش ومتنوع بين السفور والحجاب. من المفروض أن يكون هذا التنوع أمراً عادياً جداً، ولا يستحق مقالة خاصة، فيما لو بقي الخليط الاجتماعي على ما كان عليه قبل ثلاثين عاماً تقريباً، حين كان المسيحي والمسلم واليهودي يتجاورون في الأحياء، يتشاركون طقوسهم وأعيادهم واحتفالاتهم، دون إحساس بالفروق الطبقية والدينية والعنصرية التي نشهد تزايدها هذه الأيام، فتتحدد المناطق السكنية تبعاً لملة أو دين أو طائفة، وكما صار البعض يتحيز إلى ملته ومعتقده وأرائه باعتبار كل ما عداها خطأ حتمياً، بل ويصل التطرف حد التفجير، كما حدث في أول لحظات استقبال العام الجديد الذي قتل عدداً من مصلي كنيسة القديسين في الاسكندرية !


ملف العنف الطائفي، وما يتبعه من كتابات وآراء تثير فتنة التي لم تعد نائمة، باتت ظاهرة تثير القلق، ولهذا تحديداً راق لي في تلك السهرة المزيج الإنساني الذي أعاد لي ثقتي بمدينة عُرفت بالتعددية والتعايش. بالطبع ليس مطعم النارنج هو المكان الوحيد الذي تتجاور فيه المحجبات مع غير المحجبات، وتختلط المسلمات بالمسيحيات، لكن حدوث ذلك في الجمعية الأرمنية بخصوصيتها أسعدني وأنساني شتاءاً لم يعد يحنو على الفقراء، ومناهج تضطر الأهالي للاستعانة بالدروس الخصوصية

ليست هناك تعليقات: