15 يوليو 2011

الخ.. خطب يخطب خطاباً

خطب يخطب خطاباً
لن يعرف نشوة المنصة إلا أولئك الذين جربوها، واستمتعوا بالتصفيق الذي يعتبر في معظم ثقافات العالم مكوناً أساسياً ملازماً للخطبة التي تكاد تقتصر على جمل متتابعة ووقفات مطولة للتصفيق. وفي عوالم سياسة البلاد العربية ارتفعت أهمية التصفيق حتى طغت على المساحة الزمنية لكلام الخطيب، بغض النظر فيما لو كان خطاباً مخيباً للآمال، أو أنه لم يحقق المواقف المطلوبة، فالتصفيق مهمة بحد ذاته!

ليس مهماً أن نعرف مقدار التصفيق الذي رافق أول خطاب في التاريخ، أو إن كان أرسطو قد جعله شرطاً حيوياً في كتابه الشهير(فن الخطابة)، فالمتابعة العملية لخطابات معاصرة تتناقلها وكالات الأنباء من ألفها إلى يائها كافية ووافية. إذ تحتاج الخطبة الناجحة عدا فقرة التصفيق طبعاً إلى الفصاحة و البلاغة و الايضاح و المباشرة و التفسير وما يقابله من التلميح، بل وقد تتطلب القيام بحركات استعراضية في سبيل الوصول إلى أكبر قدر من التأثير، كما فعل سعد الحريري حين خلع سترته، و لم ينج بعدها من التعليقات التي لم ينافسه عليها سوى الرئيس معمر القذافي، فهو ما زال يحظى بالحظ الأوفر من التعقيبات على خطبه المرتجلة.
لا تراعي الخطب المطولة قدرتنا على الانصات، و قد سجل فيدل كاسترو رقماً قياسياً في خطبة له ألقاها أمام شعبه الكوبي استغرقت مدة تزيد على الثماني ساعات متواصلة. على نقيضها تماماً تعتبر خطبة عميد الأدب العربي د. طه حسين عام 1950 هي الأكثر اختصاراً في التاريخ المصري إذ قال حين عين وزيراً للمعارف "عدنا فعدتم" . يخص الايجاز مناسبات التنحي، و تكاد خطبها تكون معدومة في تاريخنا السياسي،مع ذلك فإن الذاكرة مازالت تحتفظ بخطاب جمال عبد الناصر، وبعد كذا ونيف من السنوات أعلن حسني مبارك تنحيه في كلمات مقتضبة، فيما رحل زين العابدين بن علي دون تلويحة وداع.. ولاعتبارات كثيرة مازالت الخطبة التي تنازل فيها الملك ادوارد الثامن عن عرشه ليفوز بحب مسز سمبسون قادرة على مداعبة أحلام ثلاث أرباع فتياتنا الرومانسيات الطامحات بحب مماثل، أما أحلام الشعوب فتبقى مؤجلة و معلقة بانتظار خطاب (محب) على ذلك المستوى من العطاء، لم يحدث بعد.!

ليست هناك تعليقات: