16 يونيو 2016

ترمي طعمها الأول للقارئ…سوزان خواتمي في قبلة خرساء / نذير جعفر


تكشف عن كاتبة ...لها صوتها الخاص وحساسيتها ورؤيتها لما يحيط بها

اتخذت سوزان خواتمي عنوان قصتها «قبلة خرساء» عنواناً عاماً لمجموعتها الرابعة, وهذا يشير إلى موقعها الخاص في نفسها من ناحية, وإلى رغبتها في لفت انتباه القراء إليها من ناحية ثانية, وإلى ما تشكله من ثيمة دلالية تتقاطع عندها مجمل مناخات المجموعة من ناحية ثالثة. فإلى أيّ حدّ تمثّل هذه القصّة المستوى الفنّي الذي بلغته تجربتها القصصية, وما القاسم المشرك بينها وباقي القصص؟
أوّل ما يطالعنا في «قبلة خرساء» هو عنوانها الذي يثير التساؤل والفضول عن المعنى والكيفية التي تكون فيها القبلة خرساء, وعما توحيه هذه الاستعارة بإسناد الخرس إلى القبلة؟ ثم يأتي الاستهلال الشائق بصيغة ضمير المتكلم الذي يوهم بتطابق صوت الراوية مع صوت الكاتبة: «الحق يقال لم يأخذني عنوة, سألني ما رأيك؟ ..فسكت». يأتي بحمولته السيكولوجية الكثيفة وانفتاحه على أفق التوقعات, ليحفّز القارئ على القراءة والتفاعل مع النّص. وبذلك تكون الكاتبة قد رمت طعمها الأول للقارئ عبر العنوان والاستهلال ليشاركها لعبة الخيال. وثاني ما يطالعنا هو الحبكة الحديثة التي تكسر نظام التتابع الخطّي للأحداث, فتبدأ قصّتها من النهاية لتعود ساردة ما حدث للبطلة من البداية, وما بين هاتين المسافتين: النهاية والبداية هناك استرجاعات زمنية تضيء ماضي الشخصيّة: «قبل سنوات كنت في أوج مراهقتي, انحصر همي في لفت الأنظار». هذه الاسترجاعات التي تقتحم السياق الزمني للقصّة في لحظته الراهنة لتعيده إلى الوراء بين مسافة وأخرى تحرّر السرد من الرتابة والترهّل والنمطية, وتجعله أكثر ديناميكية وحيوية, كما تستدعي يقظة القارئ وتفاعله عبر انتقال ذهنه ما بين برهتين زمنيتين (الحاضر والماضي) في آن معاً. وثالث ما يطالعنا في «قبلة خرساء» ذلك التحوّل المصيري في حياة البطلة الذي تحدّد بما قبل «القبلة», وما بعدها. إذ كان من الممكن لحياتها أن تنقضي على منوالها كما تقول لو لم يحتجزها صاحب محل العطر الذي تعمل عنده ذاك المساء ويقفل باب المحل عليهما داسّاً في كفها أجرة «التاكسي»! وهذا التحوّل السلبي يكشف لها الكذبة التي كانت تعيشها من خلال قول صديقتها لها بأن القبلة ممتعة. وهي لا تعدو أن تكون في السياق الذي تمّت فيه سوى قبلة خرساء لاتطاق بلا روح ولا طعم! إن جمالية القصّة القصيرة لا تتوقف عند عناصر الاقتصاد اللغوي, والإيحاء, والتشويق, التي حرصت عليها الكاتبة, إنما هي تتعدى ذلك إلى رصد لحظة تحوّل مصيري, أو لحظة صراع نفسي داخلي في حياة الشخصيّة, وهذا ما بدا واضحاً في تركيزها على حياة البطلة ما قبل القبلة وبعدها. ورابع ما يطالعنا هو الفضاء المكاني الحلبي العتيق الذي يبتلع حياتها حيث يبدأ يومها منه وينتهي فيه, ما بين حيّ «العقبة» و«والسبع بحرات» و«باب النصر» و«حارة الكيّالي», هذا الفضاء الذي يستدعي تعليق القراءة والتأمل واستعادة الذكريات, لما يمارسه من سطوة على الذاكرة الجمعية لأبناء حلب. وهو لم يصوّر تصويراً سياحيّاً, بل جاء وصفه بما يعمّق إحساس البطلة بوحدتها, وبسوء مزاجها, وبما يفسّر فقرها, ورغباتها الدفينة, وبما يوهم بواقعية الشخصيّة وواقعية الحدث أيضاً. إن قصّة «قبلة خرساء» تتقاطع مع مناخات المجموعة برمّتها من حيث الموضوعات التي تتمحور حول المعاناة الصامتة للمرأة, كما في قصة «مواء», و«رقصة الفالس الوردية», و«أصابع بطاطا تحترق», و«نعي فاضلة». هذه المعاناة المشدودة بين قوسي الحلم والواقع, وما يخلفانه من ندوب عميقة في الروح والجسد. إن الكاتبة تعزّز مغامرتها الفنيّة في القصص الأخرى, فتوظف أشكالاً متنوعة للراوي ما بين المتكلّم والغائب والمخاطب, كما تستثمر العنونة الفرعية للأحداث وتناميها, وكذلك تقنيات الحلم, والاستباق, والاعترافات. كما تقارب فضاءات مكانية متعيّنة مثل حلب وبغداد, وفضاءات غير متعينة تسهم في تعميم الحدث والفكرة أيضاً. وخلاصة القول إن مجموعة «قبلة خرساء» على ما في قصصها من تباين واختلاف في المستوى الفنّي, تكشف عن كاتبة لها صوتها الخاص, وحساسيتها ورؤيتها الخاصة لما يحيط بها, كما تكشف عن دراية ومران ورغبة في الخروج عن المألوف, من دون مغادرة فضاء الواقع وما يعتمل ويصطرع به من تناقضات. ولعل ما تعد به هذه المجموعة لهو أغنى بكثير مما تم إنجازه حتى الآن, والرهان على ما ستقدمه سوزان خواتمي في المستقبل القريب.‏
جريدة الجماهير 
حوار الصحفي الناقد نذير جعفر

هناك تعليق واحد:

Unknown يقول...

هذا التحليل قادني لاعيد قراءة قبلة خرساء للمرة الثانية ليؤكد الناقد مدى دقته وحياديته واسلوبه الشيق بالتحليل
شكرا سوزان واتمنى ان اقرأ لك مجموعة جديدة من القصص