16 يونيو 2016

سوزان خواتمي تشبه كتاباتها : احمد المنشاوي

جرأة الكاتب هي التي تحيله إلى " النعجة السوداء "

سوزان خواتمي : وسواس الكتابة لا يفارقني لحظة !








سوزان تشبه كتاباتها .. ولا أقصد بالشبه النسخة الكربونية التي تؤكد لملامح الوجه .. إنما ذلك الشبه الأعمق الذي يؤكد الوهج الإنساني بين أفكار على الورق وإنسان يتحرك 
دم ولحم .. قليلون هم الذين يقنعوننا بحجم القيم التي يراد لها أن تصل إلى عقولنا .. ربما قلوبنا .. إن لم نصدقهم هم أنفسهم أولا .. عند مساحة تشغلها هي بتلقائية .. وعفوية .. وطفولة تأتي واحدة من كتيبة أصوات القصة القصيرة .. سيدة تحب كتاباتها ربما كتاباتها هي التي تحبها .. ببساطة متناهية .. هي سوزان خواتمي .. التي تشغل " الخط " على الأوراق التالية 


*
بعد هذه التجربة الإبداعية مع كتابة القصة ، كيف ترين موقعها كصنف أدبي ومدى تجاوب القارئ معها اليوم ؟


القصة القصيرة بصورتها الراهنة نوع أدبي جديد نسبياً ، من خلالها يجد الكاتب متنفساً مناسباً لقول ما يريده بطريقة خاطفة وسريعة تناسب إيقاع هذا العصر ، وهي مازالت تستوعب محاولات التجديد في أساليب السرد وتنوعها بالكثير من رحابة الصدر الأمر الذي لا تتيحه باقي أنواع الكتابة الأدبية .. 
هذا من جهة ومن جهة أخرى فالقصة القصيرة تجذب إليها و بذكاء فئة من القراء 
لا وقت لديهم لتقليب الصفحات الكثيرة ، عندها تصبح المجموعات القصصية قصيرة الأنفاس .. متعددة الأفكار .. متنوعة اللغة بديلاً مثالياً .
وأظن أن القصة القصيرة باتت تزاحم الرواية في التواجد ، وإن لم تستقو بعد على الشعر الذي مازال يعتبر مستودع مشاعرنا وهيامنا الأول .


*
هناك اتهام قائم يقول أن الأجيال الجديدة في الكتابة لديها مسؤولية في مسألة انقطاع العلاقة بين القارئ والأدب اليوم .. ما وجهة نظرك ؟ 


من خلال فكرتي المخالفة للسائد في تبادل الاتهامات و إلحاق اللوم بالآخر والتنصل من تبعات الأمور التي تحيط بنا ، أصر على أن كل منا يحمل جزءاً ولو بسيطاً من مسؤوليته العامة في الحياة .. مادام فرداً ينتمي إلى مجموعة يحاسب بما له و ما عليه كونه متفاعلاً وفاعلاً .. 
لذلك أقول الأدب يطرح الأسئلة ولا يقدم حلاً مما جعله – عند البعض - متهماً بكونه رفاهية لا تناسب وضعنا الراهن و من ثم اعتباره متنفساً غير واقعي وغير مجد أيضاً .. هذا ما أسميه الحلقة المفقودة بين الفكر والواقع .. 
إضافة إلى الطرق التقليدية والجامدة التي نسَّوق بها إنتاجنا الأدبي والذي يحتاج 
– بنظري - إلى بعض التغيرات بما يتناسب مع العصر ، للفت النظر والاستئثار باهتمام جيل جديد لم يعد يستهويه كثيراً كتاب مغلف فوق رف مكتبة بأكله الغبار .. في الوقت الذي يُِحاصر الكتاب – البائس - بفيض من مغريات التكنولوجيا واختراعاتها الحديثة ووسائل الإعلان عنها .
كل ما سبق يوصلنا إلى مسألة انقطاع العلاقة بين القارئ والأدب التي أشرت إليها .


*
كيف تتلمسين تعامل الواقع الثقافي على مستوى المحيط العربي مع نتاج القصة القصيرة ؟ 

هناك اهتمام مميز بنتاج القصة القصيرة من خلال الإعلان عن مسابقات دورية تتيحها أكثر من جهة ثقافية من مؤسسات نشر خاصة مثل دار سعاد الصباح ومؤسسات عامة ومنتديات أدبية إضافة إلى بعض الصحف المهمة والتي تتيح الفرصة للأقلام الواعدة وتلك التي لم تنل نصيبها من المتابعة .. آخر ما قرأت عنه نتائج مسابقة القصة القصيرة في صحيفة السفير اللبنانية وكانت قصصاً جميلة بامتياز .. هذا إلى جانب المهرجانات والأمسيات التي تحتفي بالقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً .. 


*
كيف ترين حركة النقد في موازاة الإبداع المكتوب .. وهل هو يشكل أهمية بالنسبة إليك ؟


مما لاشك فيه أن النقد بمعناه الحقيقي – الحيادي والمثقف والمتفتح - يغني التجربة الكتابية مهما كان نوعها ، ويضيء جماليات النص ، لكنه في غالبيته مرتبط بمجموعة معروفة من الكتاب الكبار على حساب التجارب الجديدة . 
بالنسبة لي شخصياً حظيت بالمتابعة من قبل عدد من النقاد المميزين الذين أشادوا بتجربتي في دراساتهم مثل الدكتور الناقد نضال الصالح في كتابه " القص النسوي في التسعينات " 
وأيضاً قراءة نقدية من الأستاذ الناقد نذير جعفر لبعض نصوصي القصصية قدمها خلال أمسية مشتركة بيننا .
لكنه أي النقد لا يلغي بالطبع أهمية التلقي الحميم لقارئ عادي لامست قصتي روحه دون تحليل أو تفصيل .. 


*
هل ثمة شخصية خاصة للكاتبة تحلق بها فيما يمكن تسميته بالاغتراب الداخلي عن الواقع المعاش ؟


يقول أدلين ميللر " الكتابة هي أكثر المهن بؤساً باستثناء مصارعة التماسيح " 
هل تبدو تلك المقولة مضحكة ، في الواقع ليست كذلك ، ولكن إلى أي حد يمكن اعتبارها صحيحة ؟.. 
الكتابة وسواس لا يفارقني لحظة واحدة إنه ارتباط وثيق وملازم حيث لا مفر ، فالكاتب عادة ما يكون رهن أفكاره الخاصة و متابعاته ، فإذا أضفنا عامل المزاجية نجد أن الكاتب مقيد إلى جدوله النفسي والذهني الخاص على حساب انخراطه في الحياة الاجتماعية ، ولأن الكاتب أكثر جرأة في الإعلان عن مخالفته للسائد والتقليدي و المعاش فسرعان ما يتحول إلى النعجة السوداء . 

*
لك تجربة في الأمسيات القصصية كيف وجدت هذه الأمسيات وما يمكن أن تضيفه للكاتب ومدى الاستفادة منها .؟


بعد أن اجتزت تجربة الخوف من القراءة الجهرية أمام الجموع ، بدأت الأمسيات تأخذ طابعاً خاصاً ، إذ أجدها نافذة و إطلالة تفاعل آنية بين النص المقروء و مثقف مهتم حضر خصيصاً للاستماع ، وربما للمداخلة وإبداء الرأي .. 
وأعترف فقراءة نص قصصي في أمسية ليست أمراً سهلاً على الإطلاق ، لأنها تحتاج إلى قدرة خاصة للمحافظة على خيط الانتباه مشدوداً طوال فترة القراءة و إلا ضاعت الحبكة وترابط الأحداث .. الأمسيات الأدبية والثقافية تجربة غنية للمشاركة الجمعية لا ضرر من الاستزادة منها ، فهي إحدى الطرق التي تساهم في التواصل بيني وبين قارئ لم يكن يعرفني قبل الأمسية .


*
من أين تستقي أفكار قصصك .. وكيف هي العلاقة بينك وأبطال قصصك وكيف تجيء لحظة الكتابة ؟


هي نظرة خاصة ومتأملة للأمور ومجرياتها حولي تجعلني قادرة على التقاط لمحة صغيرة تتحول إلى بذرة لقصة ستستوفي شروط بنائها لاحقاً ..
فمن الواقع أغترف الفكرة الأولية بعدها يأتي دور الجهد لأن كتاباتي قابلة للتعديل إضافة و نقصاناً ، حيث أني لا أستطيع كتابة نص كامل في جلسة واحدة ، هناك تقطيع مستمر وزمن طويل حتى أرضى عن القصة أو ترضى هي عني .. 
بعدها تبدأ معاناتي في اختيار العنوان المناسب للقصة ، والحيرة والاحتمالات لتبقى القصة لقيطة دون مسمى ردحاً من الزمن .. 
وأنا ككاتبة أتعاطف مع أبطال قصصي ، وأتقبلهم بخيرهم وشرهم بل أبرر لهم فعلاتهم وسقطاتهم ، أتحمل وزرهم لأنهم بطريقة ما جزء مني ، يخصني ، بيني وبين تلك الشخوص علاقة حميمة ، هم يكاشفونني فلا أسرار بيننا ، لذلك أنا أتحيز لهم بكل الأحوال .
لحظة الكتابة لا تجيء بل أنا التي أذهب إليها وهي مدللة تحتاج مني الهدوء والترتيب إنها طقس يومي ليلي عادة ، بعدها أشعر بالرضا والامتلاء .. إنه الوقت الأمتع وهو أجمل ما نلته من هذه الحياة .


*
ما الأفكار التي تشغلك ككاتبة وأقصد نوع الموضوعات التي تستهويك في الكتابة عنها ؟


رغم أن الكتابة الإبداعية - بالنسبة لي على الأقل - ليست قصّدية ، ولا تتم وفق قرار معين لأكتب عن هذا الموضوع أو غيره ، لكني كفرد يتفاعل مع محيطه مازلت أجد في الإنسان بكينونته وآلامه وحيرته و تناقضاته وعلاقته القدرية مع الحياة ميداناً خصباً أستقي منه عوالم قصصي .. 
و رغم ولعي بالقصة القصيرة فلي رغبة بدخول عوالم الرواية فأنا أتوق لفضاءات أوسع أنقل فيها مفردات البيئة وذاكرة الأمكنة التي عشتها والتي تشكل هاجساً بالنسبة لي بحيث يكون استحضارها تأريخاً من أجل تواصل إنساني حميم ، خاصة وأني مازلت أتحسس قلبي كلما كتبت نصاً عن الغربة والوطن .

*
كيف تنظرين إلى تعامل الإعلام في مجمل عمومه مع الإبداع الأدبي اليوم وبشكل خاص القصة القصيرة ؟


مازال الإعلام مقصراً في دوره المهم والأساسي في تفعيله لقضيتي الإبداع و الثقافة ، إذ لا يوجد اهتمام حقيقي أو خطة متكاملة ضمن رؤية واضحة لتسليط الضوء على الأعمال الإبداعية ، وبالتالي الإعلان عنها بطريقة جاذبة ، تحث على التفاعل والمشاركة من أجل رفع نسبة الوعي وتوجيه العامة للاهتمام بالشعر والقصة والرواية ، كما هو حال دور الإعلام في تسويق البرامج الترفيهية والغنائية- سوبر ستار وستار أكاديمي - ورصد ميزانية كاملة بهدف النجاح .
أقصد أن الإعلام المرئي والمسموع والمقروء لو أراد أن ينهض بالثقافة فلابد أنه سينجح .. ولو أضفنا تقصير دور المدرسة في تنمية عادة المطالعة ، وغياب المكتبة في أغلب البيوت لوجدنا أننا محاصرون في أضيق المواقع ، ثم نتعمد التساؤل ببراءة لماذا تتراجع أهمية الكتاب ؟ 



*
بين الكتابة والواقع كيف تفسرين لنا هذه المسافة التي تقف عليها سوزان خواتمي ؟


إن كل ما تقوله الحياة شفاهة يمكننا كتابته فوق سطور ، ونحن لا نشفى من ذاكرتنا ،
كما أن المخيلة طريقة ناجحة لكتابة الواقع كون الأدب بمجمله صورة عن حيواتنا منها نستمد لغتنا وشخصياتنا وأفكارنا .
في القصة لا يمكن للذاكرة أن تكون عبئاً لأنها جعبة القاص ولبنة بنائه الأولى لكنها قد تكون مزعجة حين تحاصرنا فكرة طاغية حينها لا فائدة ترجى من إهمالها عندها عليّ أن أكتبها مراراً و تكراراً ، لأن السبيل الوحيد للخلاص منها هو المزيد من الارتماء بأحضانها .
هكذا يتقاطع الواقعي والمتخيل والذاكرة مثل جديلة حيث لا يمكن لأحدها أن يستغني عن الآخر . ومابين ذاك الثالوث أحاول – ربما بسذاجة – إلقاء حجر في بركة واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي الراكدة .


أجرى اللقاء الصحافي والشاعر أحمد المنشاوي

ملاحظة: كان أول لقاء صحفي يجرى معي واعتبره الاحب الى قلبي، فللبدايات طعم الأبدية 


هناك تعليق واحد:

نذير جعفر يقول...

سوزان خواتمي لا تميزها الموضوعات والأفكار والجرآة في تناولها فحسب بل هذا الاشتغال الفنيّ على مستوى جماليات اللغة وتنوع أساليب السرد وتعدد صيغ الراوي والقدرة على الإمساك بتلابيب القارئ وشدّه حتى نهاية القصة التي تكتبهاعبر توظيفها لتقنيات فنية عدة. إن الحس الأنثوي العميق والطاغي في التقاط التفاصيل والشفافية العالية في سرد التجارب والتأملات والتركيز على المصائر وتبدل أحوال الشخصيات في مواجهة أقدارها كل ذلك يشير إلى موهبة أصيلة في القصة ويبشّر بروائية قادمة في نهاية المطاف..تحية سوزان.