16 يونيو 2016

سقوط الضعفاء الموجعِ في شرق الجحيم.. "عشر خيباتٍ لمولود.. نموذجاً" : حامد عقيل






في البدء:
العمل السردي ليس مدونة مطابقة للواقع، وليس محاكاة له، بقدر ما هو خلق لواقعٍ موازٍ، أو بديل بمعنى أدق. لكن الفن لا يكتمل إلا حين يجعل من التأثير في متلقيه هدفه الأول والأسمى، فليس هدف الفن أبدا أن يوصل رسالة مجرّدة، أو أن يؤكد حقيقة ماثلة، أو أن يعمد إلى الإفهام عمدا، ولعل في إحدى مقولات أرسطو ما يجعلنا ندرك في أي جانب تكمن عظمة الفن: "إن أعظم الفنون نبلا هي التي تؤثر على العقل وعلى المشاعر أيضا" (1)، فهو اكتشاف يثري العقل ببعده المعرفي المنطوي على وجود الجديد، لأن للقراءة بعدها المعرفي. عندما كنتُ معلّما، كنتُ أناقشُ مع طلابي –في المرحلة الثانوية- بعضا من هواجسي حول الأبعاد الفلسفية لاكتمال المعرفة، فنحن نستطيع أن نصدّق طفلا لم يغادر منزله –مثلا- حين يقول إنه مكتمل المعرفة؛ محيطٌ بكل ما حوله، ولكنه بمجرد أن يفتح الباب على الحديقة سيدرك جهله، رغم أن فعل الخروج من المنزل كان إضافة معرفية لمعارفه السابقة، إلا أنه يكشف له جهلا مريعا بأشياء كثيرة لم يكن ليدرك جهله بها لولا تقدمه خطوة واحدة نحو الباب، ثم فتحه على عالم من الأسئلة التي تتوالد كلما تقدّم خطوة أخرى.
إنها المعرفة، فكلما ازدادت، كلما ازداد علمنا بجهلنا، ويزعم أنه عالم تماما كل فرد جهل جهله، إذ لم يجرؤ على التقدّم للإمام. ولعل فعل القراءة –في كلّ مرّة- ما هو إلا خطوة نحو باب حين نفتحه فإننا نغامر باكتشاف ما لدينا من معارف، ونضيف معرفة إلى معارفنا السابقة التي تؤكد حاجتنا للمزيد من المعرفة، ومع المزيد من المعرفة يكبر إدراكنا لما نجهله من جوانب كثيرة في هذا العالم.
كما أن القراءة، عندما تتصل بالفن تحديدا، فعل مشاركة للكاتب –ليس في البناء المعرفي فحسب- ولكن في الانفعال النفسي بالعمل الذي نحن بصدده، إذ لا يمكن أن يكون العمل الأدبي منطلقا في رسم شخصياته وأحداثه وبيئته من فراغ، ولا يمكن بالطبع أن يخلق من الحدث -باعتباره أفعالا متتالية ومتشابكة- نصّا أدبيا فاعلا دون أن يبث بين ثناياه ما يبرر هذه الأفعال، فندرك الدوافع التي تجعلنا نستطيع الحكم على صيرورة الشخوص وتحولاتهم داخل العمل الأدبي، وكذلك مصائرهم التي انتهوا إليها.
وبهذا، فإن أجمل المعارف هي ما يسربه إلينا الفن، وأسمى الانفعالات هي ما يصبغنا به عمل فنّي رفيع كان من أبرز أهدافه خلق الأثر في دواخلنا، وليس تقديم الواقع في صيغةٍ مسطّحة لا تثري العقل، ولا تحرّك المشاعر.
من أين يبدأ التأويل:
يشير "رولان بارت" إلى عدم الحاجة إلى منهج لساني محدّد لتحليل النصوص، فعملية التحليل خاضعة بشكل كبير لاكتشاف الناقد لشفرات العمل الأدبي الذي هو بصدد تحليله، وهذه الشفرات هي الموجّه الرئيس لعملية التحليل، كما "لا يمكننا أن نبدأ بتحليل نص دون أن تكون لنا نظرة دلالية أولى (على المحتوى)، سواء من زاوية الموضوع أو الرمزية أو الأيديولوجيا. وما سيبقى من عمل يتجلى في متابعة الشفرات الأولى، وفي الكشف عن العلامات، وفي تتبع المقاطع" (2).
ولعل في المقولة السابقة ما يفيد كثيرين من النقاد المبتدئين الذين يرهقهم البحث الدائم عن أدوات إجرائية تطبيقية لمناهج النقد اللساني. كأن يبحث عن الأسلوب الإجرائي للمنهج السيميائي (3) في تناول نص ما. ولابد هنا من الإشارة إلى أن المناهج اللسانية كافة لا تمتلك الأسلوب الإجرائي التطبيقي المحدد -والخاص بمنهج دون سواه- بقدر ما توجه الناقد لاختيار النظرية التطبيقية المناسبة من مجمل نظريات جمالية التلقي، أو النظريات الموجهة للقارئ، والتي يمكن استخدام أحدها كأداة في قراءة نص واحد من منطلقين نقديين متعارضين تماما، وسأضرب على ذلك مثلا.
يمكن أن أستخدم نظرية "تقاليد القراءة" لجوناثان كولر لقراءة نص أدبي قراءة هرمينوطيقية، كما يمكنني استخدام ذات النظرية لقراءة النص ذاته قراءة تفكيكية، على ما بين هذين المنهجين من تضاد في نظرة كل منهج منهما للتأويل وطبيعته ، وعلى ما بينهما من اختلاف حول انسجام النص الأدبي من عدمه (4). كما يمكن استخدام ذات النظرية لقراءة النص سيميائيا، أو لقراءته قراءة بنيوية، وما إلى ذلك.
إن الحدود الفاصلة بين مناهج النقد الأدبي الحديث تبدو لأول وهلة حدودا واهية، وهذا ما يبرر الخلط الكبير بين هذه المناهج وأيها أعم وأشمل من الآخر، إضافة إلى توهم أن هذه المناهج مناهج نقدية بالأساس، في حين أن لكل منهج منها منطلقاته الفلسفية العميقة التي تتجاوز "الأدب" إلى ما عداه من العلوم الإنسانية الأخرى.
إذن، الوصول إلى جوهر النص، وتحليله يخضع للبعد الفلسفي الذي يقوم عليه المنهج اللساني، ولكن هذا المنهج أياً كان لا يمتلك إجراء خاصا به لقراءة النص، إنما هو موجّه للنظريات الإجرائية المستقلة عن المناهج النقدية تماما في بنيتها النظرية، والخاضعة لها أيضا من الناحية العملية حين يتم تطبيقها تحت أي من هذه المناهج. وفي التأويل تحديدا -وللتدليل على أن لا نظرية خاصة بأي منهج نقدي- نرى التفكيكيين ينظرون إلى تأويل النص الأدبي على أنه "تيه فعال ومنهجي" بحسب دريدا (5)، بينما "بالنسبة للسيميائية لا وجود للأدب، ولا يوجد إلا باعتباره كلاماً أو بالأحرى باعتباره موضوعاً جمالياً. إنه ممارسة سيميائية خاصة تتميز عن باقي الممارسات بكونها تجعل إنتاج المعنى قابلاً في إشكاليته للاحتواء والإمساك" (6)، فالسيميائية "تعتبر جزءا من اللسانيات: وهي أساساً، الجزء الذي يعتني بأهمية الوحدات الكبرى الدالة على الخطاب" (7)، ولكنها كالتفكيكية لا تقترح أسلوبا إجرائيا خاصاً بها لتحليل النّص، فحين يعمد التفكيكيون إلى نصح المحلل بتقويض النص الأدبي وإعادة بنائه، فـ "إن النماذج السيميائية المصاغة حول (...) النصوص الحديثة انطلاقاً منها، حين تتجه –وهي تتجه نحو النص الاجتماعي- نحو الممارسات الاجتماعية تعتبر الأدب صيغة من صيغها" (8).
وعليه، يمكنني القول –على ما في هذا القول من مخاطرة قد يعتقد البعض فيها صبغة التبسيط والمقاربة- إن المناهج النقدية تخضع النص لفلسفتها التأويلية مستخدمة أياً من نظريات التحليل المتعلقة بجماليات التلقي، وذلك وفق ضوابط يحددها كل منهج لكي يصل إلى الفهم الأقرب لجوهر النص، فالنظريات الأدبية الحديثة ترى في العمل الأدبي عملا متعدد الوجوه والمستويات ولا يمتلك حقيقة جوهرية واحدة، و هذا ما يعني أن القارئ مشارك في إعادة إنتاج النص بمقدار ما هو قادر على البحث عن المعاني الخفية فيه. هذا بالطبع لا يعني أن جميع النصوص قابلة للتأويل بسهوله، فهناك نصوص مفتوحة الدلالة قابلة بذلك للتأويل، و هناك نصوص مغلقة لكنها أيضا قابلة للتأويل – وإن بدرجة أقل-، "إن كل عمل فنّي حتى وإن كان مكتملا ومغلقا من خلال اكتمال بنيته المضبوطة بدقّة، هو "مفتوح" على الأقل من خلال كونه يؤوّل بطرق مختلفة دون أن تتأثر خصوصيته التي لا يمكن أن تُختزل. ويرجع التمتع بالعمل الفنّي إلى كوننا نعطيه تأويلا ونمنحه تنفيذا، ونعيد إحياءه في إطار أصيل" (9)، وعليه، فالتأويل متعة؛ متعة من حيث الكشف عما استغلق فهمه من النَّص، ومتعة مشاركة المبدع في إعادة إنتاج أثره الفنِّي، لكن كل ذلك لا يعطينا الحق في اعتساف التأويل من أجل التأويل فقط، أو أن يقوم المؤوّل بـ"إدخال النّص إلى رحى تستجيب لغاياته" كما يقول رورتي (10).
عشر خيبات لمولود والمنهج:
انطلاقا من مقولة رولان بارت السابقة: "لا يمكننا أن نبدأ بتحليل نص دون أن تكون لنا نظرة دلالية أولى (على المحتوى)"، ومن خلال هذه النظرة الأولى التي تكون على شكل توقعات نبدأ بإدراكها مع بدء القراءة-وما يلي ذلك من استمرار في القراءة للعمل الأدبي ما هو إلا تأكيد لهذه التوقعات أو نفي لها وإحلال لتوقعات بديلة-، فإنني سأبدأ بأولى ملاحظاتي على قصة: "عشر خيباتٍ لمولود" (11) للقاصة السورية: سوزان خواتمي، إذ يسهل منذ القراءة الأولى لها توقع البعد النفسي الذي ترتكز عليه القصة من خلال مفرداتها، وهذا ما تسميه السيميائية الوحدة الكبرى الدّالة على الخطاب. فالقصة تدور حول امرأة عاقر نجحت في المحاولة الحادية عشرة من مجموع محاولاتها إنجاب طفل أنابيب. لكن القصة تتخذ أسلوباً سرديا معتمداً على المنولوج الداخلي للساردة/البطلة. ولعل ما جعلني أجزم بالبعد النفسي للقصة هو ما وجدته من شفرات بثتها الكاتبة بأسلوب إيحائي غاية في الروعة والأناقة، وهذه الشفرات هي ما يشكل أولى الدلالات الظاهرة التي توجه القراءة، وتدفعها للسير في هذا الاتجاه، وهي "علامات سيميوطيقية"(12)، بدأتْ منذ السطر الأول، وتلتها الكثير من العلامات/الشفرات التي دعمتها بشكل قوي، وحدّدت الوحدة الكبرى الدّالة على الخطاب في هذه القصة القصيرة.
في البحث عن التوقعات:
إن ما يوجه القارئ إلى بناء التوقعات الأولى عند شروعه في قراءة النّص هو ما يبثه الكاتب من علامات سيميوطيقة ظاهرة بوصفها دالاً تحيل إلى المعاني الضمنية للنّص بوصفها مدلولا، ومن خلال هذه الدوال/الشفرات يمكن بناء التوقعات واختبارها خلال توغلنا في قراءة النّص باتجاه نهايته، وعند نهاية قراءتنا للنّص سنكون قد وصلنا إلى الدلالة الأولى (بحسب رولان بارت) أو الوحدة الكبرى الدالة للخطاب (بحسب المنهج السيميائي). فالدلالة الظاهرة: "هي الدلالة التي تبدو من خلال المعاني الظاهرة في النص (...)، كما قد ترتبط بالإشارة إلى عوالم رمزية خاصة بالذات الراوية، وهي بمثابة رموز نصيَّة منوعة، لها دلالة الجمع بين الإشارة الظاهرة للفظ، والإشارة الدلالية للنّص، بغية التعبير عن الواقع المعيش، وفيه تتحدّد اللغة ببعد ظاهري، يتوافق والأبعاد الدلالية والوجدانية في النّص الإبداعي" (13).
العلامات السيميوطيقية للقصة والدلالة الأولى:
"يتكون السياق اللغوي من أنظمة سيميوطيقية ذات بعدين: دال ومدلول، فالدال هو الشكل والمدلول هو المضمون الذي يختفي خلفه نظام معقد من القيم الفكرية والاجتماعية" (14). فما العلامات السيميوطيقية التي بثتها سوزان خواتمي في قصتها من أجل أن نبني توقعاتنا في طريق إدراكنا للدلالة الكبرى للنص.
إن أبرز الشفرات السيميوطيقية في قصة "عشر خيبات لمولود" جاءت من خلال الأبعاد الثلاثة التالية: البعد النفسي، وبعد الرفض، وأخيرا البعد اللوني ، وهي كما يلي:
أ) سيميوطيقيا البعد النفسي:
منذ الجملة الدلالية الأولى والرئيسة للنص تضعنا القاصة في مواجهة أولى الشفرات النفسية ألا وهي "الخيبة" ، والتي تعني في اللغة: "عدم تحقق الأمل بنيل المطلوب" (15)، ثم تبدأ العبارة الأولى في النّص بتكريس هذا البعد النفسي لشفرة "الخيبة" من خلال إيراد شفرتين نفسيتين: "أطرافك مقيّدة، وأضلاعك تؤلمك، كنت محشورة بين الغضب والذل دون مساحة إضافية ولو بسيطة للتحرك"، حيث ترد مفردتا: الغضب الذي يعني "غيظ وانفعال وغليان دم القلب" (16) ، و الذل الذي يعني "هوان وحقارة وانقياد وخضوع، وسهولة ولين" (17)، ثم تأتي شفرة الغيظ: " وتكزين على أسنانك غيظا" والغيظ يعني : " شدّة الغضب" (18)، ثم تأتي شفرتا القهر والألم أيضا لتكريس هذا البعد النفسي للخيبة وتكثيفه: "تصلك ضحكة أمك المجلجلة فتتميزين قهراً... لماذا لا تشعر بآلامك؟ ألا تملك قلب أم؟" ، فالقهر " أرسله قهرا أي بغير رضاه، جبرا" (19)، والألم يعني: "وجع شديد" (20)، مع ملاحظة أن الألم هو أشدّ العلامات السيميوطيقية حضورا وتكرارا في هذا النّص لأنه يرمز للبعدين النفسي والجسدي، فالبعد النفسي للألم يدعمه ما في النص من شفرات دالة على وجود ألم نفسي، والبعد الجسدي يدعمه ما توصله لنا القصة من وصف لحالة بطلة السرد التي تبدأ في سرد معاناتها بعد انقضاء عملية الولادة مباشرة، كما يدل عليه المكان الذي هي فيه ألا وهو المستشفى.
ثم تتكرر العلامات السيميوطيقية الدالة على البعد النفسي منذ بداية النّص إلى نهايته، لتكوّن في مجملها مدلولا قويا للحالة النفسية لبطلة القصة.
ب) سيميوطيقيا الرّفض:
يظهر جليا من القراءة الأولى للنّص أن أفعال التمرد والرفض موجودة بشكل جلي، فالعبارة الأولى: "أطرافك مقيّدة" هي أول جملة تأتي بعد العنوان، تليها جملة "ها أنتِ تصرخين، وتكزين على أسنانك غيظا، وتعاودين الصراخ بعلو صوتك ولكن لا حظ لحنجرتك الناشجة .. لن يغيثوك" ص(73). ثم جملة ثالثة، في معرض حديث بطلة السرد عن أمها: "لو أنها ربتت على أوجاعك يوماً .. لو سمحت لك بضرب قدميك على الأرض احتجاجاً، وصفق الأبواب غضبا، لهربت من فخاخ التهذيب المزيف إلى فضاء المشاكسة المغري، لكنها لم تتقن شيئاً كإتقانها للوعظ وإسداء النصائح الخرقاء" ص(73).
وبإحصاء علامات الرفض في الأسطر السابقة نجد المفردات والجمل التالية: "قيد، صراخ، تكزين على أسنانك، تعاودين الصراخ، لو أنها ربّتت، لو سمحت لك بضرب قدميك على الأرض، الاحتجاج، صفق الأبواب، فخاخ التهذيب المزيف، فضاء المشاكسة المغري، الوعظ، النصائح الخرقاء". وهي في مجملها دوال لمدلول واحد هو رغبة بطلة السرد في التعبير عن سخطها ورفضها لما يحيط بها من ممارسات اجتماعية أدتْ بها إلى ما هي فيه من ألم نفسي.
إشارة:
العلامات والشفرات السيميوطيقية السابقة تم رصدها في الصفحة الأولى فقط من القصة، أي الصفحة(73) من مجموعة فسيفساء امرأة. وذلك للتأكيد على أنها هي من ساهم في بناء توقعاتي الأولية حول النّص والتي كنتُ أختبرها إلى نهاية النّص، ولعلكم حال قراءة النّص ستجدون أن هذه العلامات تتكرّر بشكل منتظم وبصيغ متعدّدة لتكريس هذا البعد الدلالي الأولي كما يشير رولان بات.
ج) سيميوطيقيا اللون:
يحضر اللون في قصة سوزان خواتمي، وتحديداً تحضر ثلاثة ألوان هي على التوالي: "الأبيض" ص(74)، و"الأصفر" ص(75)، و"الأزرق" ص(75).
فاللون الأبيض لون الغرفة: "الغرفة واسعة بيضاء كغيمة صيفية تعبق بأنفاس الزهور"، والأصفر لون أسنان الممرّضة، المنسحب على لون بشرتها أيضاً: "ابتسمت هي، فانكشفت أسنانها الصفراء المتماشية كثيراً مع شحوب بشرتها"، أما اللون الأزرق فهو لون القماش اللمّاع الذي يبطن السلّة التي وضِعَ فيها الطفل: "كنت تقولين لها إنك تتألمين، حين لمحت خلفها سلة مبطنة بقماش أزرق".
وقبل الخوض في معنى اللون كشفرة سيميوطيقية داخل القصّة لا بد من الإشارة إلى:
1) ليس للبعد السيميوطيقي اللوني علاقة بتحديد الدلالة الأولى لديّ عن محتوى القصة.
2) لا يمكن تحميل معنى سيميوطيقي لوجود اللون داخل قصة سوزان خواتمي وفق سياق ثقافي قرائي بحت، حيث يخضع هذا البعد للخبرات الحياتية التي تحدّد المعنى الضمني للدال السيميوطيقي في بيئةٍ معيّنة دون سواها، وهو ما قد يختلف في بيئات أخرى.
3) أن ما سأطرحه من بعد دلالي للّون في قصة سوزان خواتمي يخضع بدرجة كبيرة لمحاولة التوفيق بين البعدين السابقين، أي النفسي، والاجتماعي المتمثل في رغبة بطلة القصة في ممارسة الرّفض، حيث تشكل الألوان الثلاثة مدلولا واحدا يمكن تأويله على أنه رغبة في الانعتاق، والدخول إلى حالة لامتناهية من النسيان.
وبالنظر على ما ترمز له الألوان الثلاثة سنجد أن اللون الأبيض: "غيبوبة الألوان لأنه يشبه الصمت كونه يحوي على كل إمكانيات المباشرة، ولأن كل شيء يختفي فيه، كما أنه يوحي بحالة من سكون الأصوات، إنه يخفي قدرات لامتناهية، ويدل على أماكن فراغ أو نقاط ضعف مثل النسيان" (21)، أما اللون الأصفر فيعتبر: "الحد الفاصل بين الألوان الباردة والألوان الحارّة. (...) وهذا اللون يقلق المشاهد ويصدمه ويهيجه بشكل محنق، وهو يدل على الجنون والهذيان والإسراف والسطحية، ومن جانب آخر يعني التعامل والمشاركة والاهتمام والحسد والاستهزاء" (22)، وأخيرا، يعتبر اللون الأزرق: "مهدئا بحكم صفته العميقة لأنه يملك تأثيراً داخلياً يزداد قوة عند درجات إشراق اللون، (...) وهذا اللون يدعو الإنسان إلى اللانهاية ويحرك فيه الحنين والصفاء ويمضي به إلى ما وراء الطبيعة" (23).
وعليه، عند تأمل رمزية هذه الألوان الثلاثة سنجد أنها تدور في فلك الهذيان وما وراء الطبيعة واللانهائية، ما يعني أن هذا البعد السيميوطيقي يشير إلى عمق الأزمة النفسية لبطلة القصة التي تتأرجح بين الرغبة في الرّفض والتّمرد، وعجزها المرتبط بالغيظ والغضب والذّل ومشاعر الألم النفسي بسبب ما هي فيه. وبهذا، فإن أنسب نظرية يمكن من خلالها قراءة النص لا بد وأن تكون إحدى النظريات المشتقة من علم النّفس.
نورمان هولاند ونظرية "الهوية الأوليةPrimary identity ":
اشتق نورمان هولاند نظريته "الهوية الأوليةPrimary identity " (24) من علم النفس، وهي نظرية تؤكّد على "امتلاك الشخص البالغ موضوع هوية يتنوع مع بقاء هذا الموضع كبناءٍ مركزي للهوية المستقرة، وما علاج القارئ لما يقرأ من نص إلا توافق لموضوع هويته". إذن، الهوية مستقرة، وموضوعاتها متنوعة، وهذا التنوع يعطينا القدرة على علاج أكثر من موضوع أدبي على اختلاف موضوعات الأدب. فنحن –قراءً – نستخدم العمل الأدبي كي نرمز لأنفسنا، ولنضاعف أنفسنا في النهاية. ونعيد صياغة العمل الأدبي كي "نكتشف استراتيجياتنا المميزة للتعامل مع الخوف العميق والأماني التي تشكل حياتنا النفسية. ويجب استرضاء آليات الدفاع الداخلية لدى القارئ كي تسمح له بفتح مضامين النص".
هذه هي نظرية "نورمان" النفسية الموجهة للقارئ، ويمكن معرفة مرتكزين هامين في هذه النظرية، الأول موجه للكاتب الذي يجب عليه استرضاء آليات الدفاع الداخلية لدى القراء من خلال ما يمكن أن أسميه منطق تعويض نفسي يدفع القارئ إلى استجلاء النص قياسا إلى تجربته، والثاني موجه للقارئ الذي يستنبط من النص –حال إعادة صياغته وتفكيكه- استراتيجيته المميزة له عن غيره في التعامل مع هويته الخاصة باعتبارها شيئا قارا منذ الطفولة وإن تعددت موضوعاته.
ولعل أهم مرتكزات هذه النظرية، هي "أن تستبطن شيئا خارجك بغية السيطرة عليه، لكنه، ولأنه خارجك، يروم السيطرة عليك" (25). وتحدد هذه العبارة مرتكز النظرية بشكل دقيق جدّا، فأنت تستبطن النص الأدبي الذي هو خارج هويتك بعرضه على هويتك الخاصة بوصفه موضوعا جديدا قابلا للخضوع لهذه الهوية، إلا أنه ولكونه نتاجا لهوية مستقرة أخرى يريد أن يؤثر في استقرار هويتك النفسية بتأثير تمثيله لهوية الكاتب.
ولكن، هل انطلاق النظرية من مبتدأ نفسي، سيجعلها تركز على هويتين نفسيتين فقط، هما هوية الكاتب وهوية القارئ؟. بالطبع لا، فلا يمكن الجزم بأن النص تعبير عن هوية كاتبه النفسية، كما أن هوية القارئ بوصفه مؤوّلا للعمل لا تعطينا الحق في القول أن هذا النّص يتماشى مع هويته، ويمثلها، حيث رأى "ديفد بليتش" أن "العملية النقدية ما هي إلا مجموعة مفاوضات ومناوشات ضمن إطار الجماعة ومعطياتها التأويلية. وهكذا فضمن هذا الإطار هناك تفسيرات أقوى من غيرها وأقدر على الإقناع" (26). وعليه، فإن منطقية التأويل وقربه إلى الصواب مقارنة بالنص أولا وبغيره من التأويلات الأخرى للنص ذاته، هما محكا الاعتماد على أن التأويل واقع خارج "ذاتية" المؤول بالقدر الذي يجعله مقنعا.
تحوّل الهوية المستقرة في القصة:
بحسب نظرية "نورمان هولاند"، يمكن أن نتتبع الهوية المستقرة في قصة سوزان خواتمي بأنها هي الزوجة (27)، هذه هي في صيغتها المستقرة التي تنشأ عليها الفتاة منذ طفولتها في الشرق العربي، فالحب طريق يؤدي بالفتاة إلى الزواج. لابد أن ينتهي إلى الزواج، ويصير بذلك هذا الزواج هو الصيغة النموذجية التي تترجم الحب من مجرد مشاعر إلى حياة تجعل من هذه المشاعر أمرا واقعا وممارسا، ومن الزواج ينتج الأطفال. إن الصيغة العربية المقابلة لهذه الصيغة، والمقبولة أيضا في الشرق هي الزواج بلا حب، أما الحب بلا زواج فهو أمر لا يمكن مناقشة احتمال حدوثه أو قبوله ولو على صيغة افتراض. وتدعم القصة الصيغة النموذجية الأولى: "في يوم زفافك، قبل خمس سنوات وأربعة أشهر وأسبوع من الآن، كانت هذه الزهور أو أخرى تشبهها تملأ المكان، حتى ثوبك كان موشى بزهر الأقحوان، ها أنت تتذكرين التفاصيل الرقمية دون أدنى خطأ، تستعيدين صوته: "إنني أحب الورود وأنت أجملها". ذاك ما قاله لك سعد يوم كان يغازلك لوجه الحب وحده" ص(74).
إذن، كان الزواج نتاجا للحب، وحبيبها/زوجها كان يغازلها فقط من أجل الحب. ولعل عبارة "لوجه الحب وحده" دال قوي جدا على مدلول انتفاء أي غرض آخر مهما كان بديهيا أن يتلو هذا الهدف الذي يبدو ليلة الزفاف هو الغرض الأسمى. فما الذي حدث؟.
حدث أنها لم تنجب، وبالتالي صار هنالك تغيّرا في موضوع الهوية رغم استقرارها حول محور "الحب وحده مبرر الزواج"، إلا أن موضوع الهوية تغير قليلا ليصبح "الحب مبرر للزواج، والطفل حاجة لاستمراره". وتمرر القاصة هذه القناعة من خلال أم بطلة السرد، وصديقاتها، وزوجها. حيث نجد الأم تهمس في أذن ابنتها مواسية: "لا تكوني حمقاء يا ابنتي، عليك أن تحاولي ولو مئة مرة، فالأطفال بالنسبة إلى الرجل أكثر أهمية من الزوجة، ألا تحبين سعداً! إنها الطريقة الوحيدة للاحتفاظ به" ص (77). والزوج يؤكد ذلك: "يؤكد لك الإحباط الذي تتصيدينه في ملامحه الواجمة عن ما تقوله أمك وأمه" ص(77). وهناك المحيط: "ما تقوله أمك وأمه وجارتك هادية وحتى صديقتك رغد صحيح" ص(77).
فكل هؤلاء غيروا قليلا من موضوع الهوية القار لدى بطلة السرد منذ نشأتها، فليس الحب وحده هو ما يدفع الزواج للاستمرار، وكل المحيطين بها هم من يمثل مجتمعها الذي ساهم في تبديل قناعتها: "هم يمثلون مجتمعك فمن أنت حتى تشذّي عن قوانينهم سلفاً" (ص77).
ولعل أهم دلالات الأثر النفسي المؤلم لهذا التحوّل هو ما تورده القاصة في عبارة دلالية موحية: "إنها الهزيمة التي لن يقبلها أحد .. بمن فيهم أنتِ أيضاً، كنت تهزين رأسك مؤكدة أنك ستحاولين تكراراً" ص(78). ويرجع كون هذه العبارة موحية أكثر مما عداها أنها تلمح إلى الهزيمة دون تحديد لماهيتها، فهزيمتهم هم تتمثل في عدم وجود إخصاب تكون نتيجته ولادة طفل الأنابيب، أما هزيمتها هي فتكمن في عدم قدرتها على الاحتفاظ بحبيبها، ويدل على أنها ترى هزيمتها -وفق هويتها القائمة على بُعد الحب وحده مبرر الزواج-في كونها تؤكد أنها لا تريد أن تكون أمّا: "يحاصرك الهدف: هدفهم، لماذا يصير عليك أن تؤكدي رغباتهم دون احتجاج ولو مهذب بأنك تتوجعين، وبأن الأمومة لا تعني لك أكثر من المعاناة" ص(78).
المحيط المؤلم:
مما سبق يتضح سبب ألم بطلة القصة، إنه المحيط. فلا قبول لامرأة لا تنجب، هذا لا يعني الرفض التام لها، ولكنه تهديد لهويتها المستقرة. إنه مجتمع عامل ضد استقرار الهوية لبطلة السرد، إذ "إن الرغبة في الحصول على الولد، تكون، في الحقيقة، رغبةً قويّةً عند الأمهات. فمن الضروري أن ينجبن لتبرير وضع الزوجة الذي يوجدن فيه" (28). وعلى الرغم أن بطلة القصة ليست هي الراغبة في الظاهر إلا أنها لا تستطيع تجاوز قناعة مجتمعها المحيط الذي يجبرها على تبرير وضع الزوجة الذي هي فيه.
"حُشرتِ بين المطرقة والسندان.. أفظع الأوقات حين يرن المنبه ليعلن عن مواعيد الحب.. طفلُ الأنبوب أشد عناداً من ثور، ثم لا بد من دفع الفواتير الكثيرة كيفما كانت النتيجة" ص(77).
إن أبرز ما يقدمه المقطع السابق هو تأفف بطلة السرد من "مواعيد الحب" التي لم تعد تتفق وهويتها المستقرة، لأنها تحولت إلى مواعيد استنبات لطفل الأنبوب، وهنا تكمن المفارقة. إذ لم يعد الحب ممارسة تخضع للرغبة بقدر ما صارت واجباً يجب أداؤه في وقته لتبرير وضعها كزوجة.
أزمة التبرير:
ما فعلته الزوجة هو الخضوع لتبرير وضعها كأم من خلال الإنجاب، وقد مرّت بعشر خيبات، لتصل في المحاولة الحادية عشرة إلى إيجاد المبرر، وتحقيق الهدف. إلا أنها خلال هذه الرحلة التي اتسمت بالخضوع مرّت بآلام نفسية جمّة: "مرغمة.. تدورين في تلك الدائرة المغلقة ما بين المنزل وتلك العيادة أو غيرها.. لا فرق، وما بين عناوين ومواعيد الإخصاب المسجلة في دفتر قرب رأسك" ص(78)، وأيضاً: "وفيما أنتِ تخلفين باب المستشفى وراءك، وتشيرين إلى سيارة الأجرة كنت تحصين في ذهنك ما مرّ بك: المرات الست الأولى خجل.. كل مرة ألم.. وعشر خيبات.." ص(78).
إنه الألم، فالمرات الست الأولى "خجل" تدل على الرضوخ التام فيما يليها من مرات، انتفى الخجل، وخسرت الأنثى في هذه القصة إحدى مقوماتها، واستمر الألم وتوالت الخيبات. كل هذا لإرضاء مجتمعها المحيط الذي يدفعها لتبرير كونها زوجة من خلال الإنجاب، دون التفاتٍ إلى ما يعتريها من خسائر أو آلام!!.
مسار أكثر اتساعاً:
هذه القصة نموذج لاكتمال السرد ودخوله بوابة الأدب الرّفيع، لماذا؟. لأن سوزان خواتمي لم تعلق بطلة قصتها في المجهول، بل عاملتها وفق ما يوجبه الفن: "معاملة الشخوص في العمل الفني على أنهم شخوص حقيقيون لهم دوافعهم الخفية وتواريخ طفولتهم المتميزة وعقولهم الواعية وغير الواعية" (29).
منذ البداية، تلمح القصة إلى علاقة بطلة القصة بأمها: "لو أنها ربتت على أوجاعك يوماً .. لو سمحت لك بضرب قدميك على الأرض احتجاجاً، وصفق الأبواب غضبا، لهربت من فخاخ التهذيب المزيف إلى فضاء المشاكسة المغري، لكنها لم تتقن شيئاً كإتقانها للوعظ وإسداء النصائح الخرقاء" ص(73). وبهذا جعلتنا سوزان خواتمي ندرك مأساة بطلة القصة التي لم تنحصر في عدم إنجابها بعد الزواج، ولكنها كامنة في ألم نفسي مستمر منذ الطفولة، ولعل خضوعها لمحيطها القاسي بعد الزواج ما هو إلا حلقة واحدة من حلقات خضوع مستمر لا ينتهي.
الخلفية النفسية لبطلة القصة:
تكمن في مظهرين هما:
1/ القلق:
"من السهل علينا أن نعرف ما إذا كان فرد ما غاضباً أو مفزوعاً. ولكن ليس من السهل علينا معرفة الشخص القلق دائماً لأن القلق حالة داخلية" (30)، ويكون مرتبطاً بالتهديد: "إن القلق مع ارتباطه بالتهديد كالخوف إلا أن أخطاره بطيئة أو يحتمل حدوثها" (31). فأي تهديد يتلبس بطلة القصة؟، إنه موعظة أمها القديمة: "في مجتمع أصم لا فائدة من لسان بليغ، إياكِ أن تجعلي من نفسك النعجة السوداء" ص(73)، فهذه المرأة مهددة منذ طفولتها، لذا، فإن القلق هو محركها الرئيس لمزيد من الخضوع وعدم الاحتجاج. منذ الطفولة اقتلعت الأم الشرقية لسان ابنتها بمبررٍ اختبرته مسبقا ثم سربته لابنتها "في مجتمع أصم"، فاستمرت الفتاة خاضعة لاشتراطات المجتمع على حساب حاجاتها النفسية أيّاً كانت، وما خضوعها لست مرات خجل وكل مرّة ألم وعشر خيبات إلا محطة من محطات الخضوع الناتج عن القلق لشعورها بالتهديد المستمر، فأسباب القلق: "إحساس بالعجز، أو عدم الاتساق نحو موقف ما أو حادثة ما. أو نتيجة لمبالغتنا في درجة التهديد" (32)، وهو دور الأم في الشرق، إذ تبالغ في التهديد حتى تضمن النتائج التي يريدها مجتمعها القاسي.
إن بطلة القصة ضحية لطفولتها: "إن الفرد الذي لا يُسمح له بالقيام بأدواره المعتادة في موقف جديد غير مألوف لديه، سيضطر للتعامل مع هذا الموقف باعتباره موقفاً بلا معنى مما يولد لديه القلق" (33)، وهذا ما حدث بعد زواجها عندما واجهها التهديد مرّة أخرى، مما جعلها لا تفهم الدوافع التي تسيّر مجتمعها ولكنها خضعت لها.
2/ الكبت:
ما تفعله بطلة السرد تجاه ما يحيق بها من ألم -سببه محيطها القاسي- هو الاحتجاج والرفض، ولكنه احتجاج يراوح مكانه فلا يصل. إنها إنسان يغلي في داخله، يدين مجتمعه، ويرفض ويصرخ، ولكن في أي اتجاه؟. في داخله فقط: "ها أنتِ تصرخين، وتكزين على أسنانكِ غيظاً، وتعاودين الصراخ بعلو صوتك" ص(73)، فهل يُعقل أن لا يسمع أحدٌ لامرأة تصرخ في مستشفى بعلو صوتها؟!، نعم، لم يسمعها أحد "لكن لاحظ لحنجرتك الناشجة.. لن يغيثوك" ص(73). هذا هو السّر، فبطلة السرد تمارس الرفض ولكن على شكل انفعالات داخلية لا يدري بها أحد: "يحدث (الكبت) عندما يتطلب الأمر تحويل الأفكار غير السارة من ساحة شعور الفرد لما تسببه من قلق وتهديد إلى ساحة اللاشعور بقصد حماية الذات الواعية نفسها من هذا القلق الذي سببته الأفكار غير السارة أو المشاعر أو الذكريات غير الملائمة أو التي لا معنى لها" (34)، فبطلة القصة لازالت مهددة- رغم الطفل-، لأن حالة عدم الإنجاب ما هي إلا حالة واحدة من مجموع حالات تمر بها امرأة أدمنت الخضوع منذ طفولتها في مجتمع تجاوز الفرد، بل وأهمله من حساباته في سبيل المجموع. لقد كبتت احتجاجها كي لا تكون النعجة السوداء التي يدينها مجتمع بليد أصم، فاللسان دال التعبير عن حاجاتنا كأفراد لا وجود له. حيث سقط "اللسان" الذي يدل على مدلول المشاركة، وبقي الصمت، وبالتالي تراكمت الآلام. "كنتِ قد شرعتِ في البكاء حقاً حين هزتك اليد النحيلة لتوقظك" ص(74)، حيث كان البكاء مجرد توهم من خلاله تسرب بطلة القصة ألمها، ولكنها لا تجرؤ على إظهاره باعتباره "لسان" / يعبّر، في مجتمع يرفض التعبير.لقد بدأت القصة بالعجز: "كنتِ محشورة بين الغضب والذّل دون مساحة إضافية ولو بسيطة للتحرك" ص(73)، وبه انتهت: "تقولين لا على الرغم من أنك لازلتِ تتألمين" ص(79).
بين عجزين، ما الذي يحدث؟:
اقتطفتْ الأم لسان ابنتها منذ الطفولة، ولكونها امرأة فقد استمرّت في الخضوع. ولكن، هل انتهتْ القصة إلى هذا الحدّ؟، بالطبع لا، لقد اكتملتْ من خلال مشهد موجع: "تابعت حلَّ كلّ الأزرار التي تُبقي ثوب نومك عالقاً بك.. انزلق بسهولة عن كتفيك.. لمعتْ الفكرة في حمى رأسك، دون أن تقاوميها.. تخلعين منامتك، وترتدين ثياب الخروج الواسعة المعلقة فوق المشجب" ص(76). إذن، بطلة القصة قررت الهرب من المستشفى حتى تهرب من عجزها ومن دائرة التهديد المحيطة بها، ولابد لهذا الفعل من شجاعة: "استجمعتِ كل ما يلزمك من جبنٍ كي تصمي أذنيك عن صراخ الصغير الذي يزداد ارتفاعاً وحدّة" ص(77).
لماذا الجبن؟، لأن البطلة تعرف معنى الأمومة، حين ألمحتْ في بداية القصة إلى قلب الأم: "تصلك ضحكة أمك المجلجلة فتتميزين قهراً.. لماذا لا تشعر بآلامك؟ ألا تمتلك قلب أم؟" ص(73)، فهي تستجمع "الجبن" بدلا من الشجاعة لمحاربة عجزها. ولبيان دلالة ذلك سأعرض لمعنى اللقطة الفنّية.
اللقطة:
هي: "ما تركبت من فعل وفاعل أو من فعل ونائب فاعل، وهي موضوعة لإفادة التجدد والحدوث في زمن معين" (35)، ويمكن تعريفها بأنها: "ذلك التشكيل المرئي الحركي، ولعل الحركة هي التي تميز اللقطة من اللوحة. فاللوحة تشكيل ثابت، بينما اللقطة تشكيل محدد متحرك يتسع أحياناً؛ ليصبح ناطقاً" (36). إذن، اللقطة ليست: "مجرد تشكيل جمالي محض، (...) بالإضافة إلى استنطاق اللقطة والإشارة إلى مقولاتها المضمونية الاجتماعية والنفسية" (37).
واللقطة الأبرز في هذه القصة هي: "تخلعين منامتك، وترتدين ثياب الخروج الواسعة المعلقة فوق المشجب" ص(76). فهي فعل متحرك، ولكنه فعل قائم على الجبن على الرغم مما ينطوي عليه من مغامرة. وتستمر هذه اللقطة في التمدد من خلال القصة، حيث تقع الفكرة حيّز التنفيذ: "تجرين قدميك المتعبتين، لم ينتبه إليك أحد، حتى الممرضة التي تنتزع الصغير الذي سيشبه أباه عن صدرك وتعيده إلى سلته، كأنك كنتِ تمشين فوق الهواء وتلبسين طاقية الإخفاء" ص(78)، وتستمر بطلة القصة في الخروج من المستشفى، ثم في الإشارة لسيارة التاكسي، وحين تستقر في هذه السيارة لا تجد عنواناً كي تذهب إليه.
إن هذا الجزء من القصة هو "اللقطة" التي يمكن من خلالها استجلاء المقولات المضمونية الاجتماعية والنفسية التي كثفتها القاصة في عملها الأدبي الرفيع لتجعلنا ندرك ما فعلته بطلة السرد. إن المشهد برمّته مرتكز على فعل غير منطقي، لعدة أسباب:
الأول: بطلة السرد تدرك معنى الأمومة، لذلك لا يمكن أن تترك طفلها في المستشفى، وتفر منه.
ثانيا: البطلة تعتمد للقيام بهذا الفعل على كل ما لديها من "جبن"، والجبن ليس محرضا على القيام بالفعل، بل إنه محرض على عدم القيام به.
ثالثا: تغادر بطلة القصة المستشفى دون أن تشاهدها الممرضة المتواجدة معها في نفس الغرفة، وتأتي مغادرتها على شكلٍ غير مرئي: " كأنك كنتِ تمشين فوق الهواء وتلبسين طاقية الإخفاء".
يقول عالم الاجتماع "فلفريدو باريتو": "إن الأفعال غير المنطقية مصدرها الأصلي هو حالات نفسية محددة، وعواطف، ومشاعر لا شعورية، وما شابه ذلك" (38)، وهذا عالم اجتماع يتتبع الأفعال غير المنطقية حال حدوثها، لكن القصة التي بين أيدينا توهم القارئ أن هذه "اللقطة غير المنطقية" هي ما يحدث فعلا، ولكنها لم تحدث إلا على شكل تهيؤات، والدليل على أنه مجرد تهيؤ هو ما يحدث في نهاية القصة، فبعد فعل: "كنتِ تبحثين عن عنوان" لكي تهرب، يأتي فعل: "يعود صوت البكاء إلى أذنيك الخدرتين" ص(79). فقد كانت تسبح في وهمها بجوار الطفل، وتبني بناء ذهنيا لا شعوريا كي تمارس من خلاله فعل الرفض، بعد أن فقدت القدرة على التعبير عنه باللسان، وما بين الهرب كفعل رافض، والصراخ كصوت معبّر عن الرفض، تتسع هوّة العجز وتُسقط بطلة القصة بين المطرقة والسندان، وبين الغضب والذل.
آليات الدفاع النفسية:
"الإنسان لا يستطيع أن يتكون باعتباره ذاتاً إلا في اللغة وعبرها، لأن اللغة تؤسس وحدها مفهوم "الأنا" في الواقع، في واقعها الذي هو واقع الكينونة" (39)، والنمو اللغوي للقصة يبين كيف تبني بطلة القصة كينونتها عبر اللغة حين تسرد قصتها بوصفها راويا، حيث جاءت هي المتكلم الذي لا يريد أن يخبرنا القصة، بقدر ما يريد أن يخبر ذاته بها: "تقترح اللغة، نوعاً ما، أشكالا "فارغة" يمتلكها كل متكلم أثناء ممارسة "الخطاب" وينسبها إلى "شخصه"، محددا في نفس الوقت نفسه باعتباره ضمير متكلّم، وشريكه باعتباره ضمير المخاطب، وهكذا تحقق الخطاب مكوناً لكل الترتيبات التي تحدّد الذات" (40).
إن القصة منولوج داخلي موجّه نحو الذات، وما توجيهه نحو الذات إلا أسلوب دفاع نفسي، يتخذ شكلا من أشكال الكبت وآلياته، وهو شكل "الإزاحة" التي جاءت على مستويين:
1/ الإزاحة اللغوية:
ويكون حين: "نجد أن الانفعال يتوجه نحو شخص أو شيء أو جماعة لم تكن في الأصل مسؤولة عن المشاعر المحتبسة عند الفرد" (41)، وقد تجلى فعل "الإزاحة" كآلية دفاع نفسي من خلال المنولوج الداخلي الذي سردت به بطلة القصة قصتها، فجاءت فعلا لغويا مؤسسا لمفهوم "الأنا" في الواقع، في واقعها الذي هو واقع الكينونة، والذي تجسد في تهديد هويتها المستقرة. وللتدليل على ذلك، يمكن تأمل الجزء الأخير من القصة حين تحاول البطلة تذكر عنوان: "كنت تبحثين في ذاكرتك المحمومة عن عنوان لا يسعفك تذكره، لكنه الطريق الذي لا يضل عنه أحد" ص(79)، وأي طريق لا يضل عنه أحد سوى الموت؟، ثم إن فعل اللغة كمنقذ وكنوع من الإزاحة النفسية للوقوف ضد الألم النفسي يأتي في أقوى دلالاته قبل العبارة السابقة: "يسطع النسيان، تسبحين في عرقك، كنت تبحثين في ذاكرتك المحمومة..." (ص78)، فـ: "حين يفقد الإنسان ذاكرته، فإنه يفقد ذاته، لأنه يفقد الشروط الموضوعية التي تجعله يعيش الحاضر ويتعامل معه" (42)، فبعد كل هذه اللغة المكثفة المنطلقة من الذات باتجاه الذات جاء النسيان كي يلغي حاضر بطلة السرد المؤلم، ويجعلها في غنى عن التعامل معه.
2/ الإزاحة المازوخية:
فعل الإزاحة النفسي اتجه إلى اللغة، كي يكون أداة تسرّب من خلالها بطلة القصة ألمها النفسي، فإلى أي جهة انتهى؟. لقد بدا من البطلة باتجاه اللغة، ثم عاد من اللغة بشكل أكثر قسوة تجاه البطلة. حيث كانت هي المتكلم، وهي أيضا المخاطب، لذلك، جاء المستوى الثاني من هذه الإزاحة على هيئة مازوخية.
لماذا؟:
"يرى إيريك فروم أن رغبة الإنسان في الثأر تصعيد لوضعه الشخصي، بحيث يعد نفسه فارض القانون ومحق الحق" (43). وقد وضعت البطلة قانونها، حيث قررت إسقاط كل آلامها على ضحية، فالعنف غير المشبع: "يبحث دوماً عن ضحية بديلة، ويجدها دوماً فيحلها فجأة محل المخلوق الذي أثار الغضب. وهو مخلوق آخر ليست له أي صفة خاصة لاستجلاب صواعق العنف سوى أنه مستباح للاعتداء عليه" (44).
مسار آخر أكثر اتساعاً:
وهو المسار الأخير، حيث جزمتُ بأن بطلة القصة تمارس من خلال اللغة فعلا مازوخيا، ولم أحدد المبررات التي دفعتني لهذا الاستنتاج. يعود ذلك لسبب هام لابد من إدراكه، وسأسبقه بعددٍ من التساؤلات:
عندما ينجح المرء في تحقيق هدفه الذي عمل من أجله، ألا يشعر بالرضا؟، ألا يشعر بطعم هذا النجاح؟، ألا يتملكه فرحٌ وتعتريه غبطة؟. فما بالكم بشخص عمل من أجل الحصول على شيء معين وتتابعت إخفاقاتُه، ثم في المرة الحادية عشرة حصل على ما يريد؟، ألا يفرح؟، وهل سيكون نجاحه بذات الوقع المبهج على نفسه حين نقارنه بمن حصل على ما يريد من المرة الأولى؟، أم أنه سيكون أجمل وأعظم أثرا في نفسه ؟. وحين يكون النتاج الذي نحصل عليه مبددا لطعم الهزيمة "التي لن يقبل بها أحد"، ألا نعده انتصاراً للجميع في النهاية؟. ألا تتذكرون معي كيف وصفت بطلة القصة عقمها بأنه هزيمة لن يقبل بها أحد حتى هي؟ وإن كانت قد بينت لنا أن انتصارها –بإنجاب طفل الأنبوب- يكمن في استعادتها لهويتها المستقرة، بينما انتصارهم يكمن في حصولهم على تبرير لوضعها هي بوصفها زوجة؟.
وأخيرا، لماذا أدمنت الرضوخ عشر مرّات لمحاولة استزراع طفل لا تهتم هي به كثيرا، فالأمومة بالنسبة إليها لا تعني أكثر من المعاناة؟، ولماذا تفتش أم عن عنوان الطريق الذي لا يضل عنه أحد بعد أن وصلت إلى بغيتها؟.
قد يكون صادماً أن أقول لكم إن هذه القصة تدور حول "سيدة مقامرة" لا أكثر، وإنها لا تريد لنفسها أن تكون في معزل عن جلد ذاتها، لأنها لا ترى في هذه الذات إلا مخلوقا آخر ليست له أي صفة خاصة لاستجلاب صواعق العنف سوى أنه مستباح للاعتداء عليه. فعجزها الذي بدأ مبكرا باقتطاف لسانها جعل منها جلادا ساديا يوقع الأذى بضحيته المستباحة التي لم تكن أحداً سواها!!.
المازوخية لدى المقامر المرضي:
" المازوخية Masochism هي تلذذ الفرد بما ينزل به من ألم، وهي سمة الأفراد الذين يستجلبون على أنفسهم سوء المعاملة والمذلة والمعاناة، بقدر ماهي توحد وتعيين بالشريك السادي، أو هي تخفيف من الشعور بالذنب بتحريك الألم والعقاب في وقتٍ واحد مع اللذة، فالمازوخية اتجاه نحو تدمير وإيلام الذات، سواء كان ذلك ماديا أو معنويا" (45).
"والمقامر المازوخي، يعيش حالة من انقسام الذات، حيث يصبح القاضي والجلاد معاً ضد ذاته" (46)، بل:"إن المقامر مازوخي يتعذب بالمقامرة، ويتعذب أكثر كلما أخلص لها أو تخلص منها، وبين هذا وذاك يظل في هدم نفسه مادام قادرا على تذوق الجمال في المقامرة، فهو يعيش بالقيود ويموت بالحريّة، وسواء أعطته المقامرة أم لم تعطه، يسعده دوماً أنه ذليل لها، وهو إذ يبغضها تجده متعلقاً بها، وتبدو مازوخية المقامر في أوج صورها في تضاعف متاعبه من تحقيق رغباته" (47). ويؤكد "فرويد" على هذه الحقيقة: "إن المقامر مازوخي لا يرغب في الفوز، بل إنه لا شعورياً يرغب في الخسارة" (48).
وفي ضوء ما سبق، سأعيد قراءة القصة بشكل سريع لأبين لكم أن البطلة بالفعل كانت مقامرا مازوخيا من طراز رفيع، ومخلص لعذابه اللذيذ.
إعادة تركيب الأحداث:
1) تنطلق الأحداث في القصة بعد "الانتصار" المتمثل في إنجاب طفل الأنابيب، وهو ما يشكل للبطلة استعادة هويتها المستقرة، كما يبرر لها أمام الآخرين وضعها كزوجة.
2) على الرغم من أن الزمن الذي تبدأ في البطلة سرد قصتها زمن انتصار إلا إنها تسرد الهزيمة القاسية وتكثفها في هذه اللحظة تحديداً، فانتصارها ما هو إلا أعلى درجات الألم، لأن: "مازوخية المقامر في أوج صورها في تضاعف متاعبه من تحقيق رغباته"!!.
3) يبرز مشهدان في نهاية القصة للتأكيد على أن هذه السيدة مقامرة مازوخية: "يسطع النسيان"، حيث أشار نصر حامد أبو زيد –كما أسلفتُ - إلى أن فقد الذاكرة فقد للذات، وللشروط الموضوعية التي تجعل الإنسان يعيش حاضره ويتعامل معه. فبطلة القصة يحضرها النسيان لتجاهل حاضرها، ولم يكن حاضرها إلا انتصارا يشكل للمقامر كما يقول فرويد خسارة لأنه لا يرغب في الفوز. ولا بد هنا أن نلاحظ أن النسيان يحضر عندما يقترب مشهد الهروب من المستشفى –وهو مشهد متخيّل- من الاكتمال. كما يحضر مشهد فقدان العنوان الذي لا يضل عنه أحد ليشكّل سوطا آخر تتلذذ به بطلة السرد لأنها لا ترغب في الخلاص بقدر ما ترغب في العودة إلى المقامرة.
4) تكرس بطلة السرد ما وقع عليها من عسف في لحظة انتصارها وحصولها على ما تريد، لرغبتها في طمسها، وتحويل انتصارها إلى هزيمة مستمرة. كل ما ألم بها من ألم منذ الطفولة، ثم في أثناء عمليات الاستزراع العشر التي سبقتْ النجاح كانت بطلة القصة تتلذذ بخضوعها، وبشعورها بالمهانة: "كنت تهزين رأسك مؤكدة على أنك ستحاولين تكراراً" ص(78).
5) أول سوط توجهه بطلة القصة إلى ذاتها هو عنوان القصة، فالمحاولات ليست مجرد محاولات للوصول إلى النجاح، بل هي عشر خيبات. وهذا دال على تكريسها للخيبة من الناحية العددية كفعل مؤلم مقابل مرة واحدة ناجحة، في محاولة لطمس نجاحها، فنجاح المقامر المازوخي تهديد له بفقد لذة: "أنه ذليل لها"، أي للمقامرة.
في مفهوم المقامرة:
"كنتِ تحصين في ذهنك ما مرّ بك: المرات الست الأولى خجل.. كل مرة ألم.. وعشر خيبات.." ص(78). لقد كانت المرات الست الأولى بالنسبة لبطلة القصة موسومة بالخجل، إلا أن دلالة توقف الخجل من الناحية النفسية تنحصر في تجاوز بطلة السرد ما يقع من تهديد على خصوصيتها الأنثوية، وانطلاقها في فعل إزاحي يبدأ منذ المحاولة السابعة. لقد انهارت جميع الدفاعات وبدا للبطلة أن الرضوخ هو كل ما تستطيع القيام به، كما أيقنت أنها قد استبيحت بالكامل، فانتفى الخجل كشعور نفسي دفاعي ضد هذا الانتهاك، وغاب بدأ من المحاولة السابعة. كل هذا لا يعني إلا أن هذه المرأة قد غادرت مرحلة الاحتجاج الصامت إلى مرحلة التلذذ بالألم، وصارت أي محاولة جديدة فعل مقامرة جديد يعطيها المزيد من اللذة.
إن مفهوم "المقامرة" مرتبط بلعب القمار، ولكن يمكن استجلاء الكثير من الممارسات التي يقوم بها الأفراد كسيكولوجية مرتبطة بالمخاطرة واشتهاء المثير من خلال الخضوع لتجارب تحمل حدّين متساويين في فرص تحققهما، ويتمثلان في إمكانية النجاح أو إمكانية الفشل. ولعل احتمالات الفشل تتزايد كلما انتهت تجربة سابقة بالفشل، فما بالكم بست محاولات؟!، إنها، وبدأ من المحاولة السابعة، بدأتِ المقامرة بوصفها سيكولوجية تعتمد على المخاطرة التي تحتمل إمكانية الفشل أكثر مما تحتمل إمكانية النجاح.
وبعد:
إن سوزان خواتمي في قصتها "عشر خيبات لمولود"، تقف بنا على أعتاب الأدب الرفيع، فتقدّم بطلة قصتها بوصفها نموذجاً لإدانة المجتمعات التي تهمل أفرادها، وتوقع عليهم القسوة في مظاهر حبٍّ لا يمتّ للحبّ بصلة. ولعل هذا هو ديدن البشر جميعهم، حيث صرخ "زرادشت" ذات تأمل لطبيعة البشر: "ويلٌ لهؤلاء الناس، لو أن خبزهم يوزّع مجاناً، فإنهم لا يجدون من يصبون غضبهم عليه، بأي حديثٍ يتحدثون، إذا حرموا قساوة الحياة؟. إنْ هؤلاء الناس إلا وحوش كاسرة، في أعماقهم ترصّد واختطاف، وفي أرباحهم مراوغة واحتيال" (49).
ولم تتركنا هذه اللوحة الأدبية الرفيعة دون تتبّع ما حلّ بضحية القسوة المجتمعية المتمثلة في امرأة، حيث صوّرتها بوصفها جزءا من هذا المجتمع القاسي الذي يفتش عن ضحية يسقط عليها غضبة، إلا أنها –لكونها أضعف حلقات هذا المجتمع البائس- لم تجد غير ذاتها لتمارس عليها القسوة، كآلية إزاحة، فجلدتها بسوط الألم، ولم يكن هذا السوط بدوره إلا بديلا عن لسانها الذي اقتلع منذ الطفولة، على يد أمٍ ظنتْ أنها تحسن تربية ابنتها، لتصلح لهذا الشرق الجحيمي!!.
وأخيرا، يقول "إدوارد شلز": "في كل مجتمع... يوجد بعض الأشخاص ذوو حساسية استثنائية للمقدّس، تأمل غير عادي حول طبيعة كونهم، والقواعد التي تحكم مجتمعهم. وثمّة في كل مجتمع أقلية من الأشخاص الذين يبزون إخوانهم، يبحثون ويرغبون في أن يكونوا على صلة حميمة متواترة مع رموز أعم من الأوضاع الملموسة المباشرة للحياة اليومية، وأبعد في دلالتها زمانيا ومكانيا. وفي هذه الأقلية، توجد حاجة لتجسيد هذا البحث في خطاب شفهي وكتابي، في تعبير شعري أو تشكيلي، في التفكير أو الكتابة التاريخية، في أداءٍ شعائري وأعمال عبادة. هذه الحاجة الباطنية إلى النفاذ وراء شاشة التجربة الملموسة المباشرة هي التي تسم وجود المثقفين في كلّ مجتمع" (50)، وكاتبة هذه القصة، في كامل مجموعتها "فسيفساء امرأة" لم تكن إلا من هؤلاء المثقفين الذين دفعتهم الحاجة إلى النفاذ وراء شاشة التجربة الملموسة –نتيجة لحساسيتهم الاستثنائية- إلى إنتاج أدبٍ رفيع، لن ينتابكم شعور بالندم أبدا على قراءته.



الهوامش والإحالات:
1/ ديورانت، ول: قصة الفلسفة، ترجمة: فتح الله المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت. ص(117).
2/ بوعلي، عبدالرحمن: نظريات القراءة، مقالة "من أين نبدأ" لرولان بارت، دار الحوار، اللاذقية. ط1، 2003م. ص(30).
3/ يخلط الكثيرون بين السيميائية وبين السيميولوجيا أو السيميوطيقيا، حيث ذكر "دليل الناقد الأدبي" أن السيميائية والسيميولوجيا والسيميوطيقيا جميعها مصطلح واحد، تمت ترجمته بهذه المصطلحات الثلاثة عند نقله للغة العربية، بينما ترد السيميائية في كتاب "مسارات فلسفية" وفي حوار مع أمبرتو إيكو بوصفها فلسفة ذات ثلاثة مستويات، ويعد المنهج السيميائي التطبيقي منها (المستوى الثالث) منهجا أدبيا تأويليا له ضوابطه التي حددها إيكو في كتابه "سيميائيات القراءة"، كما وردت لفظة سيميولوجيا في اللقاء ذاته مع إيكو ودلّت على "علم الدلالة".
4/ قد أشير في مبحث لاحق إلى ما بين هذين المنهجين من تعارض في طبيعة النظر إلى النص الأدبي، والتي يمكن اختصارها بشكل عام في أن الهرمينوطيقيا ترى أن العمل الأدبي وحدة منسجمة ويمكن أن يتم تأويلها على هذا الأساس، بينما يرى التفكيكيون أن العمل الأدبي لا يمتلك طبيعة منسجمة، بل إن اكتماله وانفتاحه على التأويل يكمن في تعدد معناه لعدم انسجامه الداخلي.
5/ بوعلي، عبدالرحمن: نظريات القراءة، مقالة "من الهرمينوطيقا إلى التفكيكية" لفرناند هالين وفرانك شويرويجن"، سبق ذكره. ص(97).
6/ كرستيفا، جوليا: السيميائيات كعلم نقدي أو نقد العلم، ترجمة: عبدالسلام فزاري، مجلة نوافذ، النادي الأدبي بجدّة، العدد الثامن، 1999م. ص(80).
7/ المصدر السابق، ص(59).
8/ المصدر السابق، ص(81).
9/ إيكو ، أمبرتو : شعرية الأثر المفتوح ، ترجمة عبدالرحمن بوعلي ، مجلة " نوافذ " ، العدد السادس ، النادي الأدبي بجدة ، ص(84) .
10/ إيكو ، أمبرتو : التأويل بين السيميائيات و التفكيكية ، ترجمة : سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي ، الطبعة الأولى ، 2000م ، ص(23) .
11/ جريدة البلاد السعودية: العدد 17690، 26/3/2005م. أنظر أيضا: ( خواتمي، سوزان: فسيفساء امرأة، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق. الطبعة الأولى، 2004م. ص(73).
12/ لابد من التفريق بين الظواهر السيميوطيقية التي تعني كل ظاهرة لا تندرج تحت ما يسمّى بالظواهر الطبيعية، وبين العلامات السيميوطيقية التي تعني وحدات اللغة أو الشفرات المختلفة التي تتآزر لتكوين نص، وهي بذلك –أي العلامات السيميوطيقية- شيء محسوس (دال) يحيل القارئ إلى شيء معنوي(مدلول) لخلق دلالة.
13/ أبو بكر، أسماء: التشكيل السيميوطيقي في الرواية العربية، مجلة الآطام، نادي المدينة المنورة الأدبي، العدد العشرون، سبتمبر 2004م. ص(33).
14/ المرجع السابق، ص(32).
15/ مسعود، جبران: معجم الرائد، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، 2003م. ص(392).
16/ المرجع السابق، ص(643).
17/ المرجع السابق، ص(419).
18/ المرجع السابق، ص(650).
19/ المرجع السابق، ص(719).
20/ المرجع السابق، ص(141).
21/ الشاهر، عبدالله: الأثر النفسي للون، مجلة الموقف الأدبي، إتحاد الكتّاب العرب، دمشق، العدد 379، تشرين الثاني 2002م. ص(187).
22/ المرجع السابق، ص(184).
23/ المرجع السابق، ص(184).
24/ سلدن، رامان، وآخرون: النظريات الموجهة للقارئ، ترجمة: محمد النعيمي، مجلة الآداب الأجنبية، العددان 106-107، اتحاد الكتاب العرب، دمشق. ص(120).
25/ المرجع السابق، ص(23).
26/ الرويلي، ميجان، وآخرون: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة،2002م. ص(335).
27/ تركز نظرية نورمان هولاند على الهوية المستقرة للقارئ الذي يقوم بتأويل النّص، بينما عملتُ على جعلها نظرية قراءة لشخصية بطلة قصة عشر خيباتٍ لمولود، حيث تعدّ النظرية بمجملها غير مكتملة. لذا، حاولتُ توظيفها في قراءة شخصية البطلة باعتبارها هي الراوي.
28/ جسوس،سميَّة: بلاحشُومة، ترجمة:عبدالرحمن خُزَل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2003م. ص(117).
29/ الرويلي، ميجان، وآخرون: دليل الناقد الأدبي، سبق ذكره. ص(336).
30/ طاهر، ميسرة، وآخرون: مدخل إلى الإرشاد التربوي والنفسي، دار إيلاف، بريطانيا، الطبعة الثانية، 1993م. ص(56).
31/ المرجع السابق . ص(58).
32/ المرجع السابق . ص(58).
33/ المرجع السابق . ص(68).
34/ المرجع السابق. ص(72).
35/ الهاشمي، أحمد: جواهر البلاغة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة عشر. ص(71).
36/ الشعبي، مهند محمد: اللقطة والمقولة المضمونية، مجلة جذور، النادي الأدبي، جدة، العدد الأول، 1999م. ص(260).
37/ المرجع السابق. ص(262).
38/ محمد، محمد علي: المفكرون الاجتماعيون، دار النهضة العربية، بيروت، 1983م. ص(162).
39/ بنفنيست، إميل: الذاتية في اللغة، ترجمة: حميد سمير وعمر طي، مجلة نوافذ، العدد التاسع، النادي الأدبي، جدّة، 1999م. ص(64).
40/ المرجع السابق. ص(71).
41/ طاهر، ميسرة، وآخرون: مدخل إلى الإرشاد التربوي والنفسي، سبق ذكره. ص(78).
42/ أبوزيد، نصر حامد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة السادسة، 2001م. ص(254).
43/ عدوان، ممدوح: حيونة الإنسان، قدمس للنشر، دمشق، الطبعة الثانية، 2004م. ص(47).
44/ المرجع السابق. ص(46).
45/ زيدان، أكرم: سيكولوجية المقامر، سلسلة عالم المعرفة، 313، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 2005م. ص(101).
46/ المرجع السابق. ص(101).
47/ المرجع السابق. ص(101).
48/ المرجع السابق. ص(102).
49/ نيتشة، فريدريك: هكذا تكلَّم زرادشت، ترجمة: فليكس فارس، دار القلم، بيروت. ص(241).
50/ سعيد، إدوارد: الآلهة التي تفشل دائما، ترجمة: حسام الدين خضور، دار الكتاب العربي، دمشق-القاهرة، الطبعة الأولى، 2003م. ص(49).


الناقد السعودي حامد بن عقيل 
نشرت الدراسة في كتاب بعنوان عصر القارئ عصر القارئ

عشر خيبات لمولود
سوزان خواتمي
أطرافكِ مقيدة، وأضلاعكِ تؤلمك، كنتِ محشورة بين الغضب والذل دون مساحة إضافية ولو بسيطة للتحرك.‏ 
ها أنتِ تصرخين، وتكزين على أسنانك غيظاً، وتعاودين الصراخ بعلو صوتك لكن لا حظ لحنجرتك الناشجة.. لن يغيثوك.‏ 
تصلك ضحكة أمك المجلجلة فتتميزين قهراً... لماذا لا تشعر بآلامك؟ ألا تملك قلب أم؟‏ 
لو أنها ربتت على أوجاعك يوماً... لو سمحت لك بضرب قدميك على الأرض احتجاجاً، وصفق الأبواب غضباً، لهربت من فخ التهذيب المزيف إلى فضاء المشاكسة المغري، لكنها لم تتقن شيئاً كإتقانها للوعظ وإسداء النصائح الخرقاء. لطالما سمعتها تقول: "في مجتمع أصم لا فائدة من لسان بليغ، إياكِ أن تجعلي من نفسك النعجة السوداء".‏ 
تفوح تلك الرائحة النتنة التي ترافق الموت عادة، لتثير في رئتيكِ زوبعة لا تستطيعين لها منعاً.‏ 
كنت قد شرعتِ في البكاء حقاً حين هزتك اليد النحيلة لتوقظكِ.. جاهدتِ كي تنفصلي عن ذاك العالم وتستجيبي لتربيتها اللطيف.‏ 
زال الاختناق .. إذن كنت تهذين، لكن ما زالت تلك الرائحة الخانقة تنبعث من مكان ما وتحاصرك.‏ 
تفتحين عينيك ببطء شديد، الغرفة واسعة وبيضاء كغيمة صيفية تعبق بأنفاس الزهور، حولك باقات عديدة موزعة هنا وهناك في مواجهتك أكبرها على الإطلاق تحمل اسم سعد "زوجك".‏ 
في يوم زفافك، قبل خمس سنوات وأربعة أشهر وأسبوع من الآن، كانت هذه الزهور أو أخرى تشبهها تملأ المكان، حتى ثوبك كان موشى بزهر الأقحوان، ها أنت تتذكرين التفاصيل الرقمية دون أدنى خطأ، تستعيدين صوته: "إنني أحب الورود وأنت أجملها".‏ 
ذاك ما قاله لك سعد يوم كان يغازلك لوجه الحب وحده.‏ 
إلى اليسار الممرضة النحيلة التي تطفلت على كابوسك فأيقظتك.. تتطلعين إليها باستغراب حقيقي.‏ 
أيقظتكِ المسكينة كما تحتمه عليها أصول المهنة: افتعال حنان لا تخفي برودته، حين التقت نظراتكما ابتسمت هي، فانكشفت أسنانها الصفراء المتماشية كثيراً مع شحوب بشرتها.‏ 
قالت، وهي تجسُّ بطنك المنتفخ.‏ 
"الحمد لله على السلامة، كانت ليلة البارحة متعبة حقاً، نزفت كثيراً، فأنت لم تساعدينا لتخففي عن نفسك آلام المخاض".‏ 
كنت تقولين لها إنك تتألمين، حين لمحت خلفها سلة مبطنة بقماش لمّاع أزرق، مزينة بأشرطة ملونة كثيرة تشبه سلال الهدايا التي تنسق فيها حبات الحلوى، وإن كانت أكبر منها قليلاً.‏ 
ساعدتكِ كي تنهضي من استلقائكِ، ثم حملت إليك لفة قماش كانت مختفية داخل السلة المزركشة، ووضعتها في حجرك.‏ 
رفعت يدك المتكلسة كي تسندي رأساً صغيراً ظهر من فوهة اللفة، فأصابتك من ملامسة الجمجمة الصلعاء برودةٌ مفاجئةٌ.‏ 
قالت الممرضة وهي تبتعد:‏ 
"حاولي أن ترضعيه.. هو أيضاً متعب، وربما جائع".‏ 
انسلت منسحبة، وأغلقت الباب خلفها.‏ 
ها أنتما معاً.. في غرفة تكاد تتسع لكما وحدكما، إن له لون اللفت الذي تحتفظ به أمك خلف المدفأة قبل أن يتحول إلى مخلل، كان ضائعاً داخل ثوب طويل، كفاه مطبقتان، وعيناه كذلك.‏ 
لإطعامه توجب عليك أن تفكي أربعة أزرار من منامتكِ وتقريبه إلى صدرك، لكنك لا زلت تحدقين في تفاصيل وجهه الآسرة.‏ 
ملامحه تذكرك بوسامة سعد الممضة. تسللت إليه برودتكِ التي ازدادت صقيعاً. فتح عينيه وشرع في البكاء. أيقنت أنه يشبهه تماماً، حتى مسام جلده بدأ ينشرُ الرائحة نفسها: رائحة زهور.‏ 
تابعتِ حلَّ كل الأزرار التي تُبقي ثوب نومك عالقاً بك.. انزلق بسهولة عن كتفيك.. لمعت الفكرة في حمى رأسك، دون أن تقاوميها.. تخلعين منامتك، وترتدين ثياب الخروج الواسعة المعلقة فوق المشجب.‏ 
استجمعتِ كل ما يلزمك من جبن كي تصمي أذنيك عن صراخ الصغير الذي يزداد ارتفاعاً وحدة.‏ 
يا لتلك الحنجرة! لعله اكتشف خططكِ للرحيل.. كان ذهنك مشتتاً، وأفكارك فالتة.‏ 
أنتِ أيضاً كنت تبكين، وتستحين من ذرف دموعكِ أمامهم، لم تطيقي آلامك التي تتعرضين لها، في كل مرة تتمددين فيها أمام مجموعة الأطباء على اختلاف أسمائهم، تنكشفين أمامهم والخجل يقتلك، ودون أي كبرياء تصرخين بأدق أمورك السرية، يحاولون جهدهم لجعل رحمك اليابس يتقبل زرع البويضات المُخصبة.‏ 
حُشرتِ بين المطرقة والسندان.. أفظع الأوقات حين يرن المنبه ليعلن عن مواعيد الحب.. طفلُ الأنبوب أشد عناداً من ثور، ثم لا بد من دفع الفواتير الكثيرة كيفما كانت النتيجة.‏ 
كانت أمك تهمس في أذنكِ مواسية:‏ 
"لا تكوني حمقاء يا ابنتي، عليك أن تحاولي ولو مئة مرة، فالأطفال بالنسبة إلى الرجل أكثر أهمية من الزوجة، ألا تحبين سعداً! إنها الطريقة الوحيدة للاحتفاظ به".‏ 
انتظارك دون فائدة، يسيل الزئبق رغماً عنك، ما دامت الصّدفة فارغة إذن لا قيمة لك، سعد ينأى بوجهه، تنطفئ عيناه، ويؤكد لك الإحباط الذي تتصيدينه في ملامحه الواجمة عن ما تقوله أمك وأمه وجارتك هادية وحتى صديقتك رغد صحيح، هم يمثلون مجتمعك فمن أنت حتى تشذّي عن قوانينهم المقررة سلفاً. الرجال في العادة لا يشرحون وجهة نظرهم، إنهم فقط يقطبون، ذاك بالضبط ما واظب سعد عليه كل ليلة، وكأنه يحملك ذنب القحط. إنها الهزيمة التي لن يقبلها أحد.. بمن فيهم أنتِ أيضاً، كنت تهزين رأسك مؤكدة أنك ستحاولين تكراراً.‏ 
يحاصرِك الهدف: هدفهم، لماذا يصير عليك أن تؤكدي رغباتهم دون احتجاج ولو مهذب بأنك تتوجعين، وبأن الأمومة لا تعني لك أكثر من المعاناة.. مرغمة تدورين في تلك الدائرة المغلقة ما بين المنزل وتلك العيادة أو غيرها.. لا فرق، وما بين عناوين ومواعيد الإخصاب المسجلة في دفتر قرب رأسك. تقطبين.. فما الذي استطعتِ عمله؟ وهل كان ثمة حلول بديلة؟‏ 
تجرين قدميك المتعبتين، لم ينتبه إليكِ أحد، حتى الممرضة التي كانت تنتزع الصغير الذي سيشبه أباه عن صدرك وتعيده إلى سلته، كأنك تمشين فوق الهواء وتلبسين طاقية الإخفاء، وفيما أنت تخلفين باب المستشفى وراءك، وتشيرين إلى سيارة الأجرة كنت تحصين في ذهنك ما مر بك: المرات الست الأولى خجل.. كل مرة ألم.. وعشر خيبات..‏ 
كانت نظرات السائق المتعجل المتصبب نزقاً تتسلط فوق تفاصيلك النائية، فقد استغرقتِ من الوقت ما لا يطيقه صبره النافد، حبيبك سعد لم يتسع صدره، فما بالك بالغريب؟‏ 
يسطع النسيان، تسبحين في عرقكِ، كنت تبحثين في ذاكرتك المحمومة عن عنوان لا يسعفك تذكره، لكنه الطريق الذي لا يضل عنه أحد.‏ 
يعود صوت البكاء إلى أذنيك الخدرتين.. يد باردة تتلمس جبينك المشتعل.. ترينها من بين أهدابك المتقاطعة مقطبة وشاحبة.‏ 
تقولين لا على الرغم من أنك لا زلت تتألمين.‏

ليست هناك تعليقات: