15 يونيو 2016

تجارب الطاعة ..

تجارب الطاعة
لماذا ينصاع الناس للسلطة

أذكر منذ سنين مضت وقعت بين يدي رواية (القوقعة) للكاتب مصطفى خليفة، لم تكن الرواية متوفرة في سوريا ولا أظنها تتوفر الآن ، فهي تتحدث عن تجربة شخصية قاسية لسجين اعتقل 13 عاماً بتهمة الانتماء إلى حزب سياسي ، وكل ما واجهه في سجن تدمر واصفاً العذاب اليومي وأساليب التنكيل والاعدامات الترهيبية وطريقة معاملة السجانين للسجناء .
عادة ما تتحول القراءة في تأثيرها الأقصى إلى تجسيد مواز، وتلك الرواية جعلت الكوابيس لا تخطئني ، إضافة -وعلى ما أذكر- جعلتني أتساءل عن الطينة التي جبل منها أولئك السجانين ، الذين لهم وحدهم يعود فضل ابتكار وسائل العنف والاذلال والقتل والتعذيب ! لا شك بأنهم يتلقون الأوامر كي يتصرفوا بقسوة لا مثيل لها ، لكن من غير المنطقي أن يستلموا كل يوم ، ويوماً بعد يوم سيناريوهات تفصيلية لممارساتهم التي ينفذوها بآلية وأحياناً
-        وفق الرواية -  يكونون في حالة بهجة ومتعة !
  بقي السؤال عالقاً في ذهني حتى رأيته متجسداً في عمل سينمائي من انتاج 2015 هو فيلم
Experimenter
Experimenter
 أي المُجرِب ، وأنا أسوقه هنا كمثال يضيء فكرة معينة تهمني . يدور الفيلم حول سيرة حياة عالم النفس الاجتماعي ستانلي ميلغرام مؤلف كتاب "طاعة السلطة، نظرة تجريبية"  الذي ترجم إلى ثماني لغات ، ومازال يدرس في الجامعات ويستعان به لتفسير حالات الجرائم والعنف . يحاول مليغرام فهم سيكولوجية الانصياع والطاعة ، ويبحث في الظروف التي تشكل الطبيعة البشرية ، من خلال القيام بتجارب على عينات عشوائية من الناس ، يكون المطلوب منهم معاقبة شخص آخر بالصعقة الكهربائية كلما أخطأ ذلك الآخر في الاجابة .  
أثبتت تلك التجارب أن 65% من المتطوعين كانوا مطيعين تماماً ، والنسبة الأقل توقفت في مرحلة معينة، وبنسبة أقل أيضاً رفضت تماماً القيام بالعمل الذي أوكل لهم انجازه ، أي أن الامتثال كان أكثر شيوعاً رغم أن المتطوعين لم يكونوا ساديين ولا عدائيين ، كانوا فقط ينصاعون لتنفيذ الأوامر رغم سماعهم لصوت المتألم في الجهة الاخرى  .
الفئة التي مثلت الأغلبية في التجربة لا تملك القدرة على مقاومة السلطة ، وبعضهم لا يريد معرفة تبعات العمل المؤذي الذي يقومون به بتلقائية ، فهم ينفذون الأوامر التي تعطى لهم وحسب .
إذن لماذا وإلى أي حد ينصاع الأفراد للأوامر الصادرة ويتواطأ مع السلطة مستمداً القوة من شرعيتها دون الرجوع إلى الضمير أو للقيم الأخلاقية ؟ وما هو دور الوعي وقوة الشخصية لمواجهة المطلوب بالرفض ، والاختلاف عن تركيبة النموذج المثير للخيبة في النموذج الأعم وهو النموذج المنصاع !
لنترك الفيلم الجدير بالمشاهدة حقاً ونتساءل؛ هل كان السجانون في رواية (القوقعة) يقومون بأداء واجبهم على أكمل وجه ، ويرضخون للأوامر التي يتلقونها بأريحية ! هل الذين يرمون القنابل والبراميل فوق الأبنية والأحياء السكنية ويفجرون الكنائس ويحرقون الأسواق يتوقعون الثناء بعد انجازاتهم ! هل الذين يقطعون الرؤوس ويعلقون المشانق مهنيون وعمليون ؟

وتبعاً للنسبة الأشمل والأعم لتجربة ستانلي ميلغرام؛ هل هي فعلاً بسبب النزعة الشريرة الكامنة في البشر ، والمخيبة لآمالنا وطموحاتنا ، أم أنه خلل في التفكير الاجتماعي والقيمة الاخلاقية التي تصنعها المجتمعات ؛ ويتوجب العمل عليها وتطويرها !  في الحقيقة لم أجد بعد جواباً على هذا التساؤل .
سوزان خواتمي
مقال نشر في جريدة القبس  

ليست هناك تعليقات: